جدتي

دخلت محل رهن وأنا قلبي تقيل… كنت جاية أبيع آخر حاجة فاضلة لي من جدتي الله يرحمها: عقد قديم لكنه غالي عندي أكتر من أي حاجة.

أول ما الراجل شافه… وشه اتغير فجأة. بهت وسكت لحظة، وبعدين بصلي بتركيز غريب وقال بصوت واطي:

“إحنا بندوّر عليكي من زمان… بقالنا عشرين سنة.”

الكلام نزل عليّ زي الصاعقة.

أنا أصلًا مكنتش في الحالة اللي أستوعب بيها حاجة زي دي. بعد طلاقي، حياتي اتقلبت. جوزي سابني بعد ما فقدنا طفلنا، وكمل حياته كأن ولا حاجة حصلت. وأنا؟ بقيت أبدأ من الصفر… بموبايل مكسور، شوية هدوم، وشغل في مطعم بالكاد بيكفيني أعيش.

لحد ما في يوم، صاحب الشقة حط إنذار بالطرد على الباب. وقتها حسيت إن الدنيا قفلت في وشي. مكنش قدامي غير حل واحد… رغم إنه وجعني جدًا.

فتحت علبة قديمة، مخبية فيها عقد جدتي من سنين. كان آخر ذكرى منها… تقيل، جميل، ومليان حكايات. حضنته وبكيت، وقلت:

“سامحيني يا نانا… غصب عني.”

تاني يوم، دخلت محل الرهن في وسط البلد. إيدي كانت بتترعش وأنا بحط العقد قدام الراجل.

في الأول، بص عليه بسرعة، كأنه شيء عادي… لكن فجأة سكت. إيده ثبتت، وملامحه اتبدلت تمامًا.

رفع عينه وقال بجدية:

“جبتيه منين؟”

قلت له بتوتر:

“ده بتاع جدتي… أنا محتاجة أبيعُه.”

سألني بسرعة:

“اسمها إيه؟”

قلت:

“ميريندا… ليه؟”

رجع خطوة لورا، وكأن صدمة خبطته.

“اتفضلي اقعدي.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

سألته:

“هو مش أصلي؟”

رد وهو لسه مذهول:

“لا… ده حقيقي جدًا… بس الموضوع أكبر من كده.”

وفجأة مسك التليفون واتصل بحد، وصوته كان مليان توتر:

“لقيناه… العقد… وهي هنا.”

وقفت مكاني مش فاهمة حاجة:

“بتكلم مين؟”

بصلي وقال:

“في ناس بيدوّروا عليكي بقالهم عشرين سنة.”

قبل ما أسأله أي حاجة، سمعت صوت باب بيتفتح من ورا…

الدنيا سكتت لحظة.

واللي دخل…

كان صدمة عمري ما كنت أتخيلها.

…واللي دخل…

خلّى الزمن يقف.

راجل كبير في السن، شيك جدًا، شعره أبيض بس ملامحه قوية… وعيونه أول ما وقعت عليّا، لمعت بشكل غريب… كأنه شاف حد كان مستنيه طول عمره.

وقف عند الباب لحظة… وبعدين قرب ببطء، وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

بصلي وقال بصوت مهزوز:

“اسمك… إيه؟”

رديت وأنا مش فاهمة:

“سارة…”

إيده اترعشت… وحط إيده على قلبه:

“سارة… بنت ميريندا؟”

بلعت ريقي:

“أيوه… حضرتك تعرفها؟”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *