الفصل الخامس عشر …………………….. كانت الحديقة الخلفية لمنزل الرفاعي غارقة في الظلام إلا من ضوء القمر الباهت الذي كان يتسلل بين أغصان الأشجار العتيقة. وقف عدي هناك وحيداً كشبح، يذرع الممر الحجري ذهاباً وإياباً، والهاتف في يده كأنه قطعة من الجليد لم يستطع البقاء في الداخل، حيث الأجواء مشحونة بصمت ثقيل واستعدادات زائفة لفرح أشبه بمأتم. كانت عيناه تحملان بريقاً غريباً، بريقاً لا يشبه حزن أبيه أو غضب سند المكسور كان بريقاً هادئاً، حاداً، ومخيفاً بريق رجل يرى ما لا يراه الآخرون، ويفكر في لعبة مختلفة تماماً عن تلك التي يلعبونها في الداخل. لم يكن يفكر في “شكل العيلة” أو “كلام الناس”. هذه المفاهيم بدت له تافهة وساذجة في مواجهة ما حدث. هو لم يرى في ما حدث هزيمة، بل رآه تغييراً في قواعد اللعبة وجاسر التهامي بكل جبروته، قد فتح باباً لم يكن يجب أن يُفتح أبداً. توقف عن المشي فجأة، ورفع الهاتف إلى أذنه. لم يكن ينتظر مكالمة، بل كان هو من يبادر بالاتصال ضغط على رقم لم يكن مسجلاً باسم، مجرد سلسلة من الأرقام المحفوظة في ذاكرته. رنة واحدة، ثم جاء صوت من الطرف الآخر. لم يتحدث عدي، بل استمع فقط. كان الصمت من جانبه أبلغ من أي كلام. بعد لحظات، تحدث عدي أخيراً، بصوتٍ منخفض وحيادي، صوت لا يحمل أي عاطفة، وكأنه يقرأ قائمة مشتريات. _عملت ايه؟ ….. _لا مش عايز أي أذى جسدي. قالها ببرود، ثم أضاف جملة غامضة جعلت نواياه أكثر إبهاماً. _الخوف أداة أجوى من الألم خليه يعرف إن كل حاچة بيحبها ممكن تختفي في أي لحظة، خليه يحس بنفس الإحساس. أنهى المكالمة دون كلمة وداع. لم يكن يخطط أو مواجهة. خطته كانت أكثر دهاءً، وأكثر خطورة. هو لن ينقذ نغم بالطريقة التي يتوقعها الجميع. هو سيفعل شيئاً يقلب الطاولة على جاسر نفسه، شيئاً يجعله يدرك أن خطف فتاة من عائلة الرفاعي لم يكن انتصاراً، بل كان أكبر خطأ ارتكبه في حياته. استدار عدي واختفى في الظلام، تاركاً وراءه سؤالاً واحداً معلقاً في الهواء: ما الذي ينوي فعله؟ ومن هو الشخص الذي كان يتحدث معه على الهاتف؟ ❈-❈-❈ كانت كلمة “” لا تزال تتردد في أذني نغم بينما العالم من حولها يضيق ويتحول إلى نفق مظلم لا نهاية له. لم تستطع أن ترمش ولم تستطع أن تتنفس. كانت تحدق في وجه جاسر تبحث عن أي أثر لكذبة لأي مزحة مريضة، لكنها لم تجد سوى حقيقة قاسية ومرعبة. لقد أصبح هذا الوحش زوجها رسمياً قبل ساعات. رأى جاسر الصدمة وهي تشل ملامحها، ورأى الرعب وهو يجمد الدم في عروقها. لم يشعر بالرضا، بل شعر باللامبالاة كانت هذه هي قوانين عالمه، والآن بعد أن أصبحت زوجته، كان عليها أن تتعلمها بسرعة. مد يده ببطء نحو وجهها جفلت نغم وتراجعت للخلف، فاصطدم ظهرها بمسند الأريكة الصلب. لم يعد لديها مكان آخر لتهرب إليه تجاهل جاسر رد فعلها وأكمل حركته، لكنه لم يلمسها بدلاً من ذلك، التقط خصلة شعر تمردت وخرجت من تحت حجابها، وأعادها برفق إلى مكانها. كانت لمسته خفيفة، لكنها حملت ثقل تهديد مميت. همس بصوتٍ هادئ ومخيف _شفتي؟ أني بحافظ على حاجتي كويس جوي ومبحبش حد يلمسها غيري.” كانت كلماته تحمل معنى مزدوجاً، هو لم السائق لأنه تهجم عليها، بل لأنه تجرأ ولمس “ملكيته”. لم يكن الأمر يتعلق بحمايتها، بل بحماية ممتلكاته. أخيراً وجدت نغم صوتها، لكنه خرج متقطعاً ومبحوحاً بالرعب. _أ… أنت… أنت وحش. ابتسم جاسر ابتسامة باهتة، خالية من أي دفء. _ممكن بس الوحش ده هو اللي بجيتي تحملي اسمه خلاص. وهو الوحيد اللي هيحميكي في الدنيا دي هيحميكي من الكل… حتى من نفسك. استقام في وقفته وبدأ في تزرير قميصه ببطء، فاردًا جسده القوي في استعراض متعمد للقوة والسيطرة. لم يعد هناك باب ليخرج منه ويغلقه لقد انتهى وقت التهديدات البعيدة، وبدأ واقع العيش معه. اتجه نحو السرير الضخم، ورفع الغطاء الحريري الرمادي بحركة واحدة سلسة. _ده سريري ومبحبش حد يشاركني فيه. ثم أشار برأسه نحو الأريكة التي تجلس عليها دون أن ينظر إليها مباشرة. _مكانك هناك على الكنبة. كانت كلماته صفعة غير متوقعة لم تكن تتوقع منه رحمة أو حباً، لكنها أيضاً لم تتوقع هذه الإهانة الصريحة مؤكداً على مكانتها الحقيقية في هذا المنزل: مجرد سجينة، غنيمة حرب، وليست زوجة. وقفت نغم، وشعرت بدمها يغلي الكره الذي شعرت به نحوه تحول إلى غضب ناري. _وأني مستحيل أنام في أوضة واحدة مع واحد جاتل. رفع الغطاء عن الفراش ليستلقي عليه وقال بعدم اكتراث _حاليًا ده آمن مكان ليكي وأنصح بلاش تتحديني لأن محدش هيخسر غيرك. ثم أضاف ببرود قاطع، وهو يطفئ المصباح الذي بجانبه، ليغرق جانبها من الغرفة في شبه ظلام: “بس لو سمعت صوت نفسك بعد دلوجت، أو حسيت إنك بتفكري تعملي أي حاچة غبية… افتكري السواج. وافتكري إن بنت عمك وأهلك هما اللي هيدفعوا التمن بعده. أعطاها ظهره، وسحب الغطاء عليه متجاهلاً وجودها تماماً. بقيت نغم واقفة في الظلام، تشعر بالبرد والإهانة والغضب يعصفون بداخلها. لقد أجبرها على الزواج منه، ثم حكم عليها بالنوم على أريكة كخادمة منبوذة. أدركت في تلك اللحظة أن حربه معها لن تكون حرب جسد، بل حرب لإذلال الروح. وهو قد بدأ للتو في الاستمتاع بفصولها الأولى. انتظرت نغم في الظلام، كل حواسها متيقظة، تستمع إلى إيقاع أنفاس جاسر وهو يغرق في نوم عميق على الأريكة في زاوية الغرفة لقد أصر على النوم في نفس الغرفة، كحارس سجن يراقب سجينته. كان كل نفس يأخذه بمثابة عد تنازلي للحظة التي ستخاطر فيها بكل شيء. عندما تأكدت من أنه نام تمامًا، تحركت بخفة الأشباح انزلقت من على السرير، وقدماها الحافيتان لا تصدران أي صوت على الأرضية الباردة. وصلت إلى حقيبتها ، وأدخلت يدها المرتجفة حتى لمست أصابعها برودة هاتفها الذي خبأته بعناية. كانت تلك القطعة الصغيرة من المعدن والزجاج هي حبل نجاتها الوحيد، وصلتها الوحيدة بالعالم الذي سُحبت منه. تسللت نحو الشرفة، وفتحت الباب الزجاجي ببطء لا نهائي، تتجنب أي صوت قد يوقظ الوحش النائم. ما إن خرجت إلى هواء الليل البارد، أغلقت الباب خلفها وشعرت بأنها تستطيع التنفس لأول مرة منذ ساعات. بأصابع ترتجف كأوراق الخريف بحثت نغم عن اسم “روح” في جهات الاتصال كان هذا هو الخيط الأخير الذي يربطها بعالمها القديم وعليها أن تتأكد هل قُطع هذا الخيط بالفعل أم أن كل ما قاله جاسر كان مجرد لعبة أخرى من ألعابه النفسية السادية. ضغطت على زر الاتصال ووضعت الهاتف على أذنها وقلبها يدق بعنف حتى كاد يكسر أضلاعها. كل رنة كانت كالأبدية صدى لفراغ يتربص بها. على الجانب الآخر في منزل الرفاعي الذي كان يومًا منزلها. دخلت روح غرفتها كطيفٍ حزين، كان البيت كله يضج باستعدادات زائفة لفرح لا روح فيه، لكن غرفتها كانت ملاذها الوحيد للحداد، نظرت إلى فراش نغم الفارغ وشعرت بحنين جارف يمزق صدرها، كيف يمكن أن يكون مكان أختها فارغاً وبارداً هكذا. استلقت عليه ودفنت وجهها في وسادة نغم تستنشق رائحتها المتبقية كأنها آخر أثر من وجودها، وهنا انهار السد بكت كما لم تبكِ من قبل، لم يكن بكاءً هادئاً بل نحيباً عميقاً وموجوعاً بكاءً يشبه بكاءها يوم وفاة أبيها. فاليوم مات شيء بداخلها مرة أخرى، لقد فقدت أختها توأم روحها التي انشغل الجميع عنها في دوامة الحفاظ على المظاهر. “نغم” رددت اسمها بلوعة أرهقتها وازداد نحيبها حتى اهتز جسدها بالكامل. وسط دموعها لم تنتبه في البداية لاهتزاز هاتفها بيد مرتعشة أمسكته على أمل يائس أن يكون “مالك” أو أي شخص يحمل خبراً لكن ما إن رأت اسم “نغم” يضيء الشاشة حتى توقف قلبها للحظة ثم قفز إلى حلقها، شهقت وجلست في فراشها بسرعة البرق تمسح دموعها بعنف وتجيب بصوتٍ هو مزيج من اللهفة والخوف والهمس كأنها تخشى أن يكون حلماً. _نغم؟ بمجرد أن تسلل صوت أختها الدافئ إلى أذنها، شعرت نغم بسد منيع داخلها يبدأ في التصدع والانهيار، صوت روح كان حقيقياً يحمل حناناً فقدته ومختلفاً تماماً عن البرود القاتل الذي يحيط بها، أغمضت عينيها بقوة محاولة حبس طوفان الدموع _روح أنا…. انقطع صوتها وخانتها شهقة بكاء مكتومة لم تستطع إكمال الجملة شعرت روح بوجع أختها عبر الأثير وكأنه سكين يخترق قلبها هي _نغم حبيبتي فيكي إيه هو هو عملك حاچة أذاكي. سألت بقلق محموم حاولت نغم التوقف عن البكاء وأخذت نفساً عميقاً ومتقطعاً _متخافيش عليا بس طمنيني أمي كيفها؟ قالت روح بحزن عميق _مبطلتش عياط من وجت اللي حصل قاعدة زي اللي تايها منها روحها مسحت نغم دمعة غادرة _طمنيها وجوليلها إني بخير خليكي چانبها ومتسيبهاش أومأت روح وكأن نغم تراها _متخافيش بس انتي خلي بالك من نفسك. ثم سألتها نغم بأمل التكذيب بصوتٍ خافت كأنه سر مؤلم _صحيح…..صحيح اللي جالوه إن سند كتب كتابه على وعد ساد صمت طويل وموجع على الخط لم تستطع روح الإجابة فهربت إلى الصمت الذي كان في حد ذاته إجابة مدوية. أخذت نغم نفساً عميقاً ومريراً وشعرت ببرودة جليدية تزحف إلى أطرافها لقد تأكدت الشائعة، همست بصوتٍ أجش _يعني حجيجي؟ هيعملوا الفرح بكرة هيجوزوا وعد لسند لم تستطع روح إخفاء الوجع في صوتها وهي تجيب _آه يا نغم حجيجي، جدك وعمامك جالوا لازم الفرح يتم عشان كلام الناس عشان يحفظوا شكل العيلة. هنا لم تعد نغم قادرة على التحمل انزلقت دمعة حارقة على خدها دمعة واحدة تحمل كل مشاعر الخذلان والوحدة في العالم _يحفظوا شكل العيلة؟ همست بسخرية مؤلمة وضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي مرح ضحكة تشبه البكاء _يحفظوه على حسابي وعلى حساب وعد؟ بالسهولة دي باعوني بالسرعة دي ولقوا لي بديل؟ بدأت روح تبكي في صمت على الطرف الآخر من الخط _غصب عنيهم يا نغم، والله غصب عنيهم، محدش هنا جادر يفتح بقه. البيت كله عامل زي ما يكون فيه ميتم بس لابسين وش الفرح، ووعد وعد حبست نفسها في أوضتها من امبارح ومبتكلمش حد. كل كلمة كانت مسماراً جديداً يُدق في نعش علاقتها بهم لم تعد تشعر بالغضب بل بحزن عميق لا قرار له وبخيبة أمل هائلة جعلت كل ما فعله جاسر يبدو تافهاً لقد تأكدت الآن من كل شيء لم يتخلوا عنها فحسب بل محوها استبدلوها وأكملوا الحياة وكأنها لم تكن. _روح.. قالت نغم بصوتٍ مبحوح لكنه الآن يحمل برودة وقوة غريبة قوة من وُلد من رحم اليأس _اسمعيني زين، متجوليش لحد إني اتصلت أبدًا واحذفي المكالمة دي. توسلت روح بيأس _نغم استني، هنعمل إيه أنا مش هسيبك كده. ردت نغم وفي صوتها كان هناك استسلام جليدي وقرار نهائي. _مفيش حاچة تتعمل خلاص أنا طريجي بجى معروف بس أنتم حاولوا تعيشوا. _نغم أرجوكي….. لكن نغم أنهت المكالمة، لقد قطعت الخيط الأخير بنفسها أسندت ظهرها على الحائط البارد للشرفة والهاتف ينزلق من يدها المرتعشة نظرت إلى الظلام أمامها وشعرت بأنها هي نفسها أصبحت جزءًا من هذا الظلام، لقد تأكدت من الحقيقة والحقيقة كانت أقسى وأكثر إيلامًا من أي تهديد نطق به جاسر. هو سجن جسدها لكن أهلها روحها وفي تلك اللحظة اتخذت قرارها لم تعد نغم الرفاعي لقد ماتت تلك الفتاة ومن الآن فصاعداً ستمحوهم من قلبها وذاكرتها تماماً كما محوها هم من حياتهم، لقد كانت وحيدة بالفعل والآن أصبحت حرة من حبهم الذي خذلها. بأقدام واهنة خطت لداخل الغرفة، فتنصدم بذلك الذي يقف أمامها بعينين ثابتتين بهما وميض لم تراه من قبل لكن الرؤية اختفت فجأة حين شعرت بدوار جذبها لعالم بعيد تماماً عن عالمهم. لم تعد لديها القدرة على التحمل أكثر من ذلك. لذا رحبت بظلام دامس يجذبها بعيدًا عن عالمهم القاسي. ❈-❈-❈ كان سالم يجلس في بهو بيته الفسيح، لكن المكان بدا له ضيقًا كقبر كان الصمت يلف كل شيء، صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة التي كانت تدق كالمطارق على رأسه، تذكره بكل لحظة تمر ونغم بعيدة عنهم، في عرين عدوهم. كان يمسك بهاتفه في يده، يقلبه بين الحين والآخر، ينتظر لم يكن يعرف ماذا ينتظر بالضبط ربما معجزة، ربما خبرًا يريح قلبه، أو ربما الكارثة التي يتوقعها. فجأة، اهتز الهاتف في يده رأى رقمًا غريبًا على الشاشة، لكن قلبه انقبض شعر بأن هذا هو الاتصال الذي كان يخشاه وينتظره في آن واحد أجاب بصوت أجش. _السلام عليكم. جاءه صوت فتاة خائف ومتردد من الطرف الآخر. _وعليكم السلام الحاج سالم بيه؟ أني… أني فرح، الخدامة اللي في سرايا التهامي. اعتدل سالم في جلسته، وتمسّك بالهاتف بقوة. _أيوه يا بتي في حاجة؟ نغم زينة؟ صمتت فرح للحظات، وكأنها تجمع شجاعتها لتقول ما يجب أن تقوله ثم تحدثت بسرعة، بصوت خفيض كأنها تخشى أن يسمعها أحد. _هي… هي مخرجتش خالص من الأوضة من ساعة ما رجعت من عندكم. شعر سالم بقلبه يهبط. _وكلت؟ _لا يا بيه رفضت الوكل والست ونس بعتتلها وكل تاني برضك رفضته. جالتلي خدي الوكل ومش عايزة حاجة. أغمض سالم عينيه بألم ابنته التي كان يتحايل عليها لتأكل لقمة زائدة، الآن تجوّع نفسها عمدًا. طيب هي… هي بتعمل إيه؟ حالها كيف؟ ترددت فرح مرة أخرى، ثم قالت بصوت يملؤه الأسف. _ لما دخلت عندها الأوضة، كانت مكسرة حاجات بسيطة، والفرش متبهدل كانت بتعيط يا حاج ولما جولتلها إنك موصيني عليها، حسيت إنها اتضايجت أكتر. كل كلمة كانت سكينًا يغرس في قلبه يستطيع أن يتخيلها الآن، وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تحارب حزنها وغضبها بتحطيم الأشياء، تبكي بصمت حتى لا تسمعهم صوت انكسارها ويشعر بالعجز عجز رهيب ومقيت يلتهم روحه هو سالم الرفاعي، الذي كان يستطيع أن يحرك الجبال من أجلها، يقف الآن مكتوف الأيدي، لا يملك سوى أن يستمع إلى تقرير عن عذاب ابنته عبر الهاتف. _في حاجة تانية حوصلت؟ سأل بصوت بالكاد كان مسموعًا وهنا جاءت الطعنة الأقوى. _جاسر بيه… هو اللي جالي أكلمك. اتسعت عينا سالم بصدمة. _كيف يعني؟ _هو اللي أمرني أجولك كل حاچة…. كل حاچة بتحصل معاها لما سمعني بكلمها عليك، وسمحلي أبلغك بكل حاچة بتحصل عادي هو… هو عايزك تعرف. هنا فهم سالم كل شيء لم تكن هذه مكالمة للاطمئنان كانت هذه جلسة تعذيب نفسي، خطط لها جاسر ببرود شيطاني هو لا يريد فقط أن يسجن نغم، بل يريد أن يجعلهم سجناء معها، يشاركونها كل لحظة من ألمها وهم عاجزون عن فعل أي شيء يريد أن يذيقهم نفس القهر الذي تشعر به. شعر سالم بغصة حارقة في حلقه، وبغضب عارم يغلي في دمه، لكنه غضب مشلول، لا يستطيع أن يفعل به شيئًا لو كان جاسر أمامه الآن، بيديه لكنه بعيد، وهو هنا، لا يملك سوى أن يستمع. أنهى المكالمة دون أن ينطق بكلمة أخرى وضع الهاتف بجانبه، وظل جالسًا في مكانه، يحدق في الفراغ لم تعد الساعة تدق، بل كان يسمع صوت بكاء نغم في أذنيه يرى صورتها وهي تحطم الأشياء، يرى انطفاء روحها في عينيها. وضع رأسه بين يديه، وشعر لأول مرة في حياته بمعنى العجز الحقيقي ليس عجز القوة أو المال، بل عجز الأب الذي لا يستطيع أن يحمي ابنته، الذي لا يستطيع أن يمسح دمعتها، الذي لا يستطيع أن يضمها إلى صدره ويخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام لأنه يعلم في قرارة نفسه، أن لا شيء سيكون على ما يرام بعد الآن. ❈-❈-❈ _نغم… أصوات خافتة، وكأنها آتية من بئر عميق، تنادي باسمها شعرت بوخز حاد في ذراعها آلمها قليلًا، ثم بيد حانية تمسك بيدها تربت عليها بلطف، كأنها تحثها على العودة من ذلك الظلام البارد الذي سقطت فيه. _أمي… تمتمت بالكلمة، ظنًا منها أنها تستيقظ أخيرًا من ذلك الكابوس المريع الذي أرهقها، وأنها ستجد وجه والدتها الحنون أول ما تراه. فتحت عينيها بتثاقل كانت الرؤية ضبابية، والأشكال غير واضحة، حركت عينيها بوهن، تحاول تمييز الوجوه. _روح… _حمد لله على سلامتك يا بنتي. لم يكن صوت والدتها، ولا صوت زوجة عمها كان صوتًا غريبًا، يحمل دفئًا لم تتوقعه في هذا الكابوس. _نغم… سامعاني؟ بدأت الرؤية تتضح أمامها رويدًا رويدًا، حتى ظهرت أمامها امرأة في منتصف العمر، وجهها طيب الملامح، وبجانبها فتاة شابة ترفع يدها لتجس نبضها. _الحمد لله، فاقت يا مرت عمي. لم تفهم نغم شيئًا من شدة الدوار الذي كان يهاجمها تمتمت بضعف، وصوتها كان بالكاد مسموعًا. _أني… أني فين؟ _أنتِ في بيت جوزك يا بنتي. أغمضت نغم عينيها بألم حارق إذن، ما عاشته كان حقيقة، ولم يكن كما ظنت. لم يكن كابوسًا ستستيقظ منه، بل واقعًا ستعيشه كل يوم. قالت الفتاة الشابة، التي يبدو أنها طبيبة. _الحمد لله، الضغط اتظبط شوية. نظرت نغم إليها، فوجدت امرأة صغيرة السن، وجهها هادئ ومبتسم، لا ينتمي أبدًا لتلك العائلة الجاحدة ذات الوجوه القاسية. دلفت فرح وهي تحمل صينية عليها طبق حساء ساخن، فأخذته منها الطبيبة. _متشكرة يا فرح روحي نامي أنتِ، تعبناكي معانا. قالت فرح بصدق. _تعبك راحة يا ست الدكتورة المهم إن ست نغم بخير. خرجت فرح، وجلست الطبيبة بجوار نغم على طرف السرير. _اسنديها يا مرات عمي، عشان أسقيها الشوربة دي. هزت نغم رأسها برفض، وتمتمت بوهن. _مش… عايزة. قالت أم جاسر، التي كانت تجلس على الجانب الآخر. _مينفعش يا بنتي، أنتِ وجعتي من طولك عشان معدتك خاوية لازم تاكلي أي حاچة عشان تجويكي. ظلت نغم على رفضها، عيناها مغمضتان بعناد فقالت الطبيبة بمزاح لطيف. _لاا، دي شكلها مبتجيش بالذوق زي جوزها. وضعت الصينية على الطاولة، وعادت لنغم، ووضعت الوسادة خلف ظهرها رغم تمنعها. _يلا، اتسندي على المخدة عشان تاكلي. أجبرتها بلطفها وإصرارها على تناول بضع ملاعق من الحساء الساخن، الذي بدأ يعيد الدفء إلى جسدها البارد. _أحب بقى أعرفك بنفسي أنا زينة، بنت عم جاسر متجوزة وعايشة مع أهل جوزي، ومخلفة ولدين. كانت زينة تتحدث كي تشغلها عن التفكير، وتجعلها تتناول طعامها دون أن تشعر. قالت أم جاسر. _اسمها زينة، وهي زينة أول ما جاسر خبرها، جات مع جوزها طوالي. _معقول يا مرات عمي أتأخر عن مرات جاسر؟ أنتِ خابرة غلاوته عندي، وأكيد مرته هتكون بنفس غلاوته. سخرت نغم في نفسها من مدحها لذلك الحاقد، وكأنها تتحدث عن شخص آخر، شخص لم يظلم ولم يقهر. عندما لاحظت زينة نظرة الحزن العميقة في عيني نغم، أشفق قلبها عليها، فهي تعلم جيدًا مدى قسوة ابن عمها عندما يريد. أبعدت نغم الملعقة بعيدًا وهي تقول. _خلاص… شبعت مش قادرة تاني. قالت أم جاسر. _أنتِ مكلتيش حاجة يا بنتي. ردت نغم بإرهاق. _صدقيني، شبعت. حملت زينة الصينية وهي تنهض، قائلة. _خلاص معلش يا نغم، مضطرة أروح دلوقت عشان الولاد نايمين لوحدهم، ومردتش أصحي حماتي وأقلقها. _كتر خيرك يا بنيتي، تعبناكي. حملت زينة حقيبتها. _لو احتاجتوني، كلموني على طول أول ما المحلول يخلص، اعملي زي ما قولتلك يا مرت عمي. نظرت لنغم. _المحلول ده هيخليكي تنامي، والصبح إن شاء الله هتكوني كويسة بعد إذنكم. جذبت أم جاسر الغطاء على نغم، وقالت بحنان أمومي حقيقي. _نامي دلوجت، والصبح هتكوني زينة. شعرت نغم بالألفة معها، ألفة لم تكن تتوقعها، قبل أن تغمض عينيها، قالت برجاء طفولي. _خليكي جنبي… متسيبنيش. ربتت أم جاسر على يدها بحنان. _أني چنبك يا بتي، متخافيش. خرجت زينة من الغرفة، فتفاجأت بشروق تقف في الرواق، تنتظرها كصقر يتربص بفريسته وفور رؤيتها، سألتها بحدة. _خير؟ مالها الهانم؟ تنهدت زينة، وقالت بهدوء. _واحدة ودي ليلة دخلتها، تفتكري هيكون إيه؟ قطبت شروق جبينها بصدمة، وعيناها اتسعتا. _تجصدي إيه؟ _أقصد اللي فهمتيه يظهر إن جاسر اتسرع شوية عن إذنك، أسلم على أمي قبل ما أمشي. ذهبت زينة، وتركت شروق تنظر إلى باب الغرفة المغلق بسخط وحقد لقد وعدها والدها بأن تكون هي الأولى، بأن تكون هي زوجة جاسر لكن هذه اللعينة هذه الغريبة، سبقتها إليه، وسرقت منها كل شيء في ليلة واحدة شعرت بالنار تشتعل في صدرها، وأقسمت في سرها أن حياة هذه الوافدة الجديدة ستكون جحيم. ……. _يعني لولا الهانم دي، مكنتيش جيتي شوفتي أمك. قالتها الأم بامتعاض، فاقتربت زينة منها وجلست بجانبها، ثم قبلت يدها بابتسامة دافئة. _غصب عني والله يا أمه أنتِ عارفة البيت والولاد، وكمان العيادة اللي فتحتها جديد حقيقي مبقاش عندي وقت خالص راسي دي هتنفجر من كتر التفكير. نظرت إليها الأم بجانب عينيها، نظرة لم تخلُ من الشك ولكنها بدأت تلين أمام حنان ابنتها. _ماشي، هصدجك المرة دي بس كنتي جبتي الولاد معاكي وبيتي وحشوني جوي. نهضت زينة وهي تعدل من ملابسها. _خليها مرة تانية، أكون فاضية لهم خالص أمشي أنا بقى عشان الولاد لوحدهم ووليد زمانه زهق. خرجت زينة مع زوجها وليد وجاسر من باب المنزل الرئيسي كان وليد رجلاً هادئ الطباع، يحترم زوجته ويقدر حكمتها تقدم نحو السيارة ليقوم بتشغيلها وتدفئتها في برد الليل، بينما وقفت زينة للحظات عند أعلى الدرج، بجوار جاسر كان يقف كانه مجرد خيال أسود صامت، يراقب رحيلهم لم تتردد، بل توجهت نحوه مباشرة، ووقفت أمامه. _جاسر… لم تكن نبرتها تحمل لومًا، بل عتابًا عميقًا، عتاب من تعرفه جيدًا وتخشى عليه من نفسه. قاطعها بصوته البارد الحاسم، قبل أن تنطق بأي كلمة أخرى كان يعلم تمامًا ما تود قوله _وفري أي حديت هتجوليه ملوش عازة أني واعي للي بعمله. لكن زينة لم تكن كأي شخص آخر لم ترتعب من نبرته، بل ثبتت نظراتها في عينيه، وقالت بثقة هادئة كانت أقوى من أي صراخ. _أنت مش واعي أنت غرقان غرقان في تار قديم بيحرق فيك قبل ما يحرق فيهم أنت بتعاقب روح بريئة على ذنب معملتهوش، وفاكر إن ده انتصار. تغيرت ملامح جاسر قليلًا، وظهرت ومضة خطيرة في عينيه من جرأتها لكنها تابعت دون خوف لأنها. تعلم معزتها في قلبه مهما أخفى ذلك _البنت اللي فوق دي، شفت في عينيها حاجة انكسرت والكسر ده لو معلمش فيك أنت، يبقى قلبك خلاص مات ياريت بكرة متندمش على اللي بتعمله دلوقت الندم لما بيجي متأخر بيكون أقسى من أي انتقام. لم تنتظر منه ردًا استدارت بهدوء، ونزلت الدرج بخطوات ثابتة، واستقلت السيارة بجوار زوجها الذي كان يراقب المشهد الصامت عن بعد انطلقت السيارة، وهي تدعو في سرها أن ينجي الله نغم من جحيم ابن عمها، وأن ينجي ابن عمها من جحيمه الشخصي. أما هو، فلم يتحرك من مكانه. ظلت كلماتها تتردد في أذنيه. “أنت غرقان” “قلبك خلاص مات” “الندم”. لم يصعد إلى غرفته لم يستطع لم يكن يخشى مواجهتها، بل كان يخشى مواجهة الصمت الذي سيجمعه بها في غرفة واحدة الصمت الذي سيجبره على سماع صوت أنفاسها، ورؤية ضعفها، وربما… الشعور بشيء لا يريد أن يشعر به. استدار، وعاد إلى مكتبه المظلم أغلق الباب خلفه، واستلقى بكامل ملابسه على الأريكة الجلدية الباردة للمرة الثانية أغمض عينيه، لكن صورة وجهها الشاحب وعينيها المطفأتين كانت محفورة خلف جفونه، ترفض أن تتركه بسلام. ليس تعاطف أو لوم بل ليس هذا ما سعى إليه يريد قوة يسيطر عليها وليس ذلك الضعف الذي يراه. ❈-❈-❈ في الصباح الباكر، تسللت خيوط الشمس الأولى إلى الغرفة، لتجد نغم تغط في نوم عميق بفعل المحلول كانت أم جاسر لا تزال بجانبها، لم تفارقها طوال الليل، تمسك بيدها وكأنها تحاول أن تنقل إليها بعضًا من الأمان الذي سُلب منها. فتح جاسر باب الغرفة بهدوء، كانت ملامحه متجهمة كالعادة، لكن عينيه اتجهتا فورًا نحو السرير. رأى والدته تجلس بجانب نغم، ورأى وجه نغم الشاحب الذي بدا أكثر هدوءًا وطفولة في نومها. شعر بوخزة غريبة في صدره، مزيج من الذنب والمسؤولية، لكنه سرعان ما طرد هذا الشعور، مذكرًا نفسه بأن كل ما يفعله ضروري. قال بصوت خافت حتى لا يوقظها. _صباح الخير يا أمي. رفعت والدته رأسها، وبدا الإرهاق واضحًا على وجهها. نظرت إليه بعتاب صامت. _صباح النور يا ولدي، محتاچ حاچة اعملهالك؟ هز جاسر رأسه بالنفي، ثم تقدم نحو السرير ووقف بالقرب منها، يتأملها من بعيد. _زينة جالت إيه؟ _جالت ضغطها كان واطي من قلة الأكل والخوف، اديتها محلول ومقويات، بس يا جاسر… ترددت ونس، ثم أكملت بحزم وحنان _البنت دي أمانة في رجبتك دلوجت، اللي بتعمله ده مش هيرضي ربنا ولا حد واصل. نظر إليها جاسر بحدة خفيفة. _أني واعي للي بعمله يا أمي ومحدش يجولي اعمل ايه. قالت الأم بصوت خافت كي لا تستيقظ _والبنت دي ذنبها إيه في حربكم؟ دي لحم ودم، وليها إحساس هتكسرها يا ولدي، ولو اتكسر هتخسرها. لم يرد جاسر، بل استدار واخرج ملابس له من الخزانة ثم قال بفتور _أني مسافر مصر دلوجت عندي قضية هخلصها واحتمال مرچعش النهاردة مش هوصيكي عينك تكون عليها. تنهدت بقلة حيلة _توصل بالسلامة يا ولدي. دلف المرحاض كي يبدل ملابسه تاركًا كلمات والدته تتردد في أذنيه، لكنه كان قد قطع شوطًا طويلاً في طريق الانتقام، ولم يكن يعرف كيف يعود. ❈-❈-❈ استيقظ أكمل من نومه وهو يشعر براحة عجيبة لا يشعر بها إلا في ذلك المنزل منزل جده. نهض بتثاقل وكم كان يود النوم أكثر لكن عليه أن ينهض لأجل جده الذي من المؤكد بأنه لم يتناول فطوره حتى الآن. دلف المرحاض وابدل ملابسه ثم نزل ليجد جده جالساً في بهو المنزل ينتظره. المنزل الكبير والبراح المريح لكنه كان يحمل صمتًا ثقيلًا، صمت الوحدة. _صباحك كله خير يا جدي. _صباح النور يا ولدي، ها نومت زين قبّل أكمل يد جده، ثم جلس على الأريكة بجواره. _كويس جداً انا قومت بمعجزه. صب الجد كوبين من القهوة الذي كان يعدها لنفسه، وقدم أحدهما لحفيده. _لسة متعود تشرب الجهوة جبل ما تفطر؟ أخذ الفنجان من يده _هو انا جبته من برة، ما انا طالع زيك بحب القهوة قبل الفطار ضحك قاسم _واني النهاردة وصيت على فطار ملوكي هيعچبك جوي. حسان. دلف رجل في عقده الأربعيني يتقدم منه _خير يا حچ. _خلي چماعتك يچيبوا الفطار. اوما الرجل ودلف للمطبخ كي يطلب من زوجته أن تقوم بتحضير السفرة أما اكمل فسأل جده _عامل ايه يا جدي؟ _هعمل ايه يا ولدي النهار طويل، والليل أطول. بقضيه بين الأخبار والذكريات. ثم صمت للحظة، ونظر إلى حفيده نظرة عميقة. _بس أنت وشك فيه كلام رايد تجوله. تنهد أكمل. جده يقرأه دائمًا ككتاب مفتوح لكنه أراد أن يلاوع _لا أبدًا مفيش بس مالك… صاحبي كان يوم صعب أوي عليه. _عشان بنت عمه؟ سأل الجد بحكمة العارفين وتابع _الحب وجعه واعر يا ولدي، بتمنى له يلاقي اللي يونس وحدته. الوحدة دي… كربة، بتنهش في الروح جبل الجسد. ساعات بجوم بالليل على صوت الكحة بتاعتي، وأبص حواليا، ملاجيش حد أجوله اديني كوباية مية، أفتح التلفزيون عشان أسمع صوت بني آدمين، بس بيفضل البيت فاضي. نظر أكمل إلى جده، وشعر بقلبه ينقبض رأى في عينيه خوفًا لم يره من قبل، فقام بفتح الأمر معه _يا جدي… أنا قولتلك ميت مرة سيبك من البيت ده وتعالى عيش معانا في القاهرة. شقتنا كبيرة، وأوضتك هتبقى جاهزة، وأمي وأبويا هيفرحوا بيك، وأنا هبقى معاك. ابتسم الجد ابتسامة باهتة وحزينة. _القاهرة؟ أعمل إيه في القاهرة يا أكمل؟ أنا عامل زي الشجرة العجوزة دي اللي في الچنينة، لو شلتني من أرضي، أموت . هنا صحابي اللي فاضلين بنتقابل على المصطبة، وهنا الجامع اللي بصلي فيه من وأنا عيل، وهنا جبر جدتك اللي لازم أعدي عليه كل يوم أقرالها الفاتحة. هناك هبجى سجين بين أربع حيطان، هبص من الشباك أشوف عمارات خرسانة بدل الزرع. قال أكمل برجاء. _بس هنا أنت لوحدك يا جدي أنا بخاف عليك. تنهد الجد تنهيدة طويلة، ووضع كوب القهوة جانباً. _وأنا بخاف أموت لوحدي يا ولدي بخاف يجي أجلي ومحدش يحس بيا غير بعد أيام. ده الخوف الوحيد اللي فاضلي في الدنيا. مد يده المرتجفة وربت على قدم أكمل. _بس ده قدري وأنا راضي بيه كفاية عليا إنك بتاجي تزورني كل ما تنزل البلد. شوفتك دي بترد فيا الروح، وبتخليني أقدر أستحمل الوحدة كام شهر كمان. نظر أكمل في عيني جده، ورأى عنادًا وحبًا للأرض لا يمكن كسره. أدرك أنه لن يستطيع إقناعه أبدًا. كل ما يمكنه فعله هو أن يكون هنا كلما استطاع، وأن يدعو الله ألا يتحقق خوف جده الأكبر أبدًا. ❈-❈-❈ اخترقت أشعة الشمس الحارقة زجاج السيارة، لتوقظ مالك من غفوته المتقطعة. فتح عينيه ببطء، وشعر بألم حاد في رقبته وظهره من أثر النوم في وضعية غير مريحة. للحظة، لم يدرك أين هو. كل ما حوله كان حقول قصب صامتة، والسيارة التي أصبحت كفرن صغير تحت شمس الصباح. ثم كالطوفان، عادت إليه ذكريات الليلة الماضية. صوت المأذون، وهروبه إلى هذا المكان الموحش. شعر بثقل الحقيقة يهبط على صدره من جديد، ثقل لم يخففه النوم، بل زادته قسوة الصباح وضوحًا. مسح وجهه بيديه، وشعر بالخشونة الخفيفة لذقنه التي لم يحلقها، وبالإرهاق الذي استقر في كل خلية من جسده. كان يشعر بالخواء، كأنه نسخة باهتة من نفسه. في تلك اللحظة، انطلق صوت رنين حاد كسر الصمت، جاعلاً إياه ينتفض في مكانه. كان هاتفه الذي ألقاه على المقعد المجاور يهتز بعنف. نظر إلى الشاشة، فرأى اسم “أكمل” يضيء عليها. تردد للحظة، لم يكن يريد التحدث إلى أي شخص. كان يريد أن يظل في عزلته، في شرنقته من الألم. لكنه يعلم أن أكمل لن يتركه، وأن قلقه حقيقي. تنهد بعمق، وضغط على زر الرد بصوت أجش وبالكاد مسموع. _…ألو. جاء صوت أكمل قلقًا وسريعًا من الطرف الآخر. مالك أنت فين يا ابني؟ قلقتني عليك رنيت عليك ميت مرة من بالليل ومبتردش. أغمض مالك عينيه، مستندًا برأسه إلى مسند المقعد. _أنا زين يا أكمل متجلجش. رد أكمل بحدة. _كويس إزاى وأنت مش في بيتك؟ ابوك لسة مكلمني وبيسأل عليك بيكلمك على الرقم اللي معاه غير متاح أنت فين بالظبط؟ نظر مالك حوله إلى الحقول الممتدة. _في أي حتة؟!… مش عارف. طريج زراعي جديم وخلاص. صمت أكمل للحظة، وقد فهم كل شيء من نبرة صوت صديقه الفارغة. خفف من حدة صوته، وتحدث بنبرة أكثر هدوءًا ودعمًا. _طيب… اسمعني اللي حصل امبارح حصل، ومحدش يقدر يغيره. بس النهاردة يوم جديد، وأنت لازم تقوم على رجلك مش هينفع تفضل حابس نفسك كده. _أقوم أعمل إيه؟ مش قادر أمثل اكتر من إكدة. قال أكمل بحزم. _محدش طلب منك تمثل. بس طلب منك تكون راجل زي ما أنت طول عمرك. جدك في البيت سأل عليك، وأبوك وأمك زمانهم قلقانين. حياتك مش هتقف عشان قلبك اتوجع. الوجع ده بتاعك أنت لوحدك، محدش هيشيله عنك، بس العالم اللي بره لازم يمشي، وأنت لازم تمشي معاه. تنهد مالك، وشعر بأن كلمات أكمل رغم قسوتها، هي الحقيقة التي يحتاجها. _عايز مني إيه يا أكمل؟ _عايزك تدور العربية دي دلوقت، وترجع على بيتك خد دش، وغير هدومك، وحاول تاكل أي حاجة وبعدها… روح لجدك الراجل الكبير ده محتاج يشوفك، وأنت محتاج تشوف حد بيحبك بجد ومبيطلبش منك غير إنك تكون بخير تقدر تعمل ده؟ صمت مالك طويلاً، يفكر في كلمات صديقه الذهاب إلى جدة… الفكرة بدت كمرساة في بحر هائج. مكان هادئ، وحب غير مشروط، بعيدًا عن مسرحية الفرح والتهاني. _ماشي. قالها أخيرًا بصوت خافت. ماشي يا أكمل هروح له. _تمام طمني لما توصل. أنهى أكمل المكالمة، وترك مالك مع الصمت مرة أخرى لكن هذه المرة، كان الصمت أقل وطأة وضع الهاتف جانبًا، وأدار مفتاح التشغيل. زأر محرك السيارة، معلنًا عن نهاية ليلته الطويلة قاد السيارة ببطء عائدًا من عزلته، ليس لأنه شُفي، بل لأنه أدرك أن أول خطوة للنجاة هي أن تجبر نفسك على الاستمرار في السير، حتى لو كانت قدماك تنزفان. ❈-❈-❈ استيقظت نغم على صوت همسات خافتة خارج باب غرفتها. فتحت عينيها بتثاقل، وشعرت بأن جسدها أقل وهنًا من الأمس. المحلول الذي أعطته لها زينة فعل فعله. التفتت بجانبها، فلم تجد أم جاسر وشعرت بوخزة من الخيبة والوحدة تعود لتغزوها. نهضت من السرير ببطء، واتجهت نحو الباب الذي كان مواربًا قليلاً. ترددت للحظة، ثم دفعتها رغبة قوية لمعرفة ما يدور في هذا المنزل الغريب من خلال الفتحة الضيقة، رأت شروق تتحدث مع أم جاسر، في رواق الطابق العلوي. _وبعدين يا مرت عمي يعني هتفضلي حابسة نفسك معاها في الأوضة أكدة. قالت شروق بنبرة لا تخلو من الغيرة والامتعاض. _سيبيها، هي مش عيلة صغيرة ولا تكونش عملت عليكي حبتين صعبت عليكي؟ ردت أم جاسر بحزم هادئ _عيب يا شروق البنت تعبانة وبعدين دي مرات ولدى، وواجب اراعيها دي مبجاش لها حد غيرنا دلوجت. ضحكت شروق بسخرية. _ملهاش حد كيف وأهلها عايشين وبيعملولها فرح النهاردة… جصدي بيعملوا فرح بنت عمها، هما بس اللي فهموا إنها متستاهلش، وسابوها للي يستاهلها. شعرت نغم وكأن صفعة جليدية قد أصابت وجهها. سابوها للي يستاهلها. كانت الكلمات قاسية وحادة، وتكشف عن مدى الكراهية التي تكنها لها شروق. لم تكن مجرد غيرة، بل حقد دفين. قالت أم جاسر بحدة _اخرسي يا شروق ولمي لسانك. جولتلك نغم مرات ولدى غصبت عنيكى وعن أي حدا. مكانتها محفوظة، واللي هيفكر يمسها بكلمة، كأنه بيمسني أنا. ازدادت الغيرة بقلب شروق _ومالك بتتحمجي عليها إكدة، ما هو اني كمان هبجى مرات ابنك. تراجعت نغم من أمام الباب قبل أن يتم اكتشافها، وعادت إلى السرير وقلبها يخفق بقوة. لقد أدركت الآن أن معركتها في هذا المنزل لن تكون مع جاسر وحده هناك أعداء آخرون يتربصون بها في الظل، ينتظرون أي فرصة للانقضاض عليها لكن كلمات أم جاسر الأخيرة، رغم قسوة الموقف، منحتها بصيصًا ضئيلاً من الدعم في هذا المحيط المعادي. ❈-❈-❈ في مكان آخر، في منزل الرفاعي، كان الصباح مختلفًا تمامًا كان المنزل يعج بالاستعدادات للفرح كانت الزينة تُعلّق، والطعام يُعد، لكن الأجواء كانت مشحونة بالتوتر. لم تكن هناك فرحة حقيقية، بل مجرد تمثيلية متقنة للحفاظ على المظاهر. في غرفتها، كانت وعد تجلس أمام المرآة، ترتدي فستان زفاف لم يكن لها. كانت الفتاة التي ستصفف شعرها وتضع لها الزينة تعمل في صمت، تشعر بالجو المشحون. كانت وعد تنظر إلى انعكاسها، لكنها لم ترَ نفسها. رأت وجهًا شاحبًا، وعينين فارغتين، وروحًا مسلوبة الإرادة. طرقت ورد الباب ودخلت، تحمل في يدها كوبًا من العصير. _وعد … لازم تشربي حاجة هتتعبي إكده يابتى. نظرت وعد إلى والدتها عبر المرآة، وابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة. _أني زينة يما متجلجيش جلست ورد بجانبها، وأمسكت بيدها الباردة لتقول بحنان _مش ده كان حلمك برضك، ايه اللي كسر فرحتك إكدة. ابتسمت وعد بمرارة _ مش بالطريجة دي ياما، كان نفسي في يكون باقتناع مش ضغط. صمتت الاثنان، تتشاركان حزنًا وعجزًا واحدًا. أما في غرفة روح فقد ظهر الحزن جاليا على وجهها منذ أن تحدثت مع أختها محاولات كثيرة للاتصال بها لكن دائمًا مغلق. كسرت فرحتها وفرحة والدتها بهما وهي جالسة جانبا لا تستطيع حتى التظاهر بالفرح وفي الخارج، بدأت أصوات الموسيقى تتعالى، معلنةً بدء مراسم الفرح الذي كان في حقيقته مأتمًا لقلبين؛ قلب نغم الوحيد في بيت عدوها، وقلب وعد الذي سيُزف إلى رجل لا يحبها، ثمنًا لكرامة زائفة. ❈-❈-❈ الفصل السادس عشر ……………………… عادت نغم إلى الفراش وعندما عاد اليها الدوار كان قلبها لا يزال يدق بعنف من أثر الكلمات السامة التي سمعتها لم تكد تستقر في مكانها حتى فُتح الباب بهدوء ودخلت أم جاسر. تغيرت ملامحها عندما وجدتها مستيقظة ثم ابتسمت قائلة _صباح الخير يا نغم؟ فهزت نغم رأسها بصمت، لم تستطيع أن تجيب جلست أم جاسر على حافة السرير بجانبها، وابتسامة حزينة على وجهها. _أنا عارفة إنك سمعتي. أخفضت نغم عينيها ولم تعرف ماذا تقول. تنهدت أم جاسر وقالت وهي تربت على يد نغم، _متزعليش من كلام شروق الغيرة بتعمي الجلوب يا بنتي هي فاكرة انك اخدتي مگانها. لم ترد نغم، لكن نظراتها كانت تحمل سؤالاً. _شروق متربية مع جاسر من صغرها. أكملت وكأنها تشرح لنغم خريطة هذا العالم الجديد _وأبوها كان طول عمره بيجول إنها انها لجاسر عشان يضمن ان نصيب جاسر ميخرجش برة العيلة. يعني الموضوع فرض عليه مش من اختياره. أدركت نغم الآن عمق الحقد الذي رأته في عيني شروق. لم تكن مجرد منافسة، بل كانت معركة على السلطة والمكانة، وهي كانت العقبة التي ظهرت فجأة. لكن ما ادهشها حقاً كيف لتلك الملاك ان تنجب ذلك الشيطان. وعندما شعرت ام جاسر بما تود سؤاله فأجابتها _خابرة اللي رايده تجوليه، بس احب اعرفك إني كمان عشت اللي انتي بتعشيه دلوجت بس الفرج انه مكنش انتجام ولا حاچة من دي ولا هددني لو ما اتجوزتوش، بس قصة طويلة هبجى احكيهالك بعد ما أخلي فرح تحضرلك الفطار. أومات نغم دون جدال وخرجت ام جاسر لتحضر لها الطعام في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ أن من حياتها، شعرت نغم ببصيص من الألفة لم تكن هذه المرأة مجرد والدة عدوها، بل كانت إنسانة رأت ضعفها وقررت أن تكون سندًا لها. لم يمحُ ذلك ألمها أو خوفها من جاسر، لكنه أشعل شمعة صغيرة في نفق مظلم، شمعة قد تساعدها على رؤية خطواتها القادمة بشكل أوضح. أومأت نغم برأسها، وفي عينيها امتنان صامت، وقرار جديد بدأ يتشكل في أعماقها: لن تكون مجرد ضحية، ستتعلم كيف تنجو. دلفت نادرين، زوجة صخر التهامي، إلى المطبخ بخطوات واثقة تنم عن سلطتها. فوجدت أم جاسر، تعد صينية طعام بعناية. توقفت على الأعتاب، وارتسمت على وجهها نظرة استنكار متعالية. _عشنا وشوفنا. قالت بصوتٍ عالٍ ومجلجل يحمل سخرية لاذعة. أم جاسر بنفسها بتخدم بنت الرفاعي؟ آخر زمن صحيح. تجمدت يدا أم جاسر للحظة، ثم واصلت عملها في صمت، محاولةً تجاهل الإهانة. هذا الصمت لم يزد أم شروق إلا غطرسة. دخلت المطبخ ووقفت خلفها مباشرة، _بكلمك تردي عليا، من إمتى وأنتِ بتوطي لواحدة من بره؟ ولا هي عشان مرت ابنك نسيتي مقامك ومقامها؟ استدارت أم جاسر ببطء، ووجهها يحمل ضيق من تطفل نادرين التي لم تتغير مطلقاً، لكنها حاولت الحفاظ على رباطة جأشها. _البنت تعبانة يا ام زينة، مش قصة خدمة وكلام ملوش عازة. هي إيه دي اللي تعبانة؟ دي لازم تتكسر عشان تعرف إن الله حج، وتعرف إنها دخلت بيت أسيادها. وأنتِ بدل ما تربيها، رايحة تطبطبي عليها؟ مش كفاية انه دخل عليها جبل بنتي وكمان بتعليها عليها من جبل حتى ما يتچوزوا رسمي. اقتربت منها حتى كادتا تتلامسان، وهمست بصوتٍ كفحيح الأفعى. _اسمعيني زين يا أم جاسر انتي خابرة مكانتك في البيت ده من مكانتي. بس لو فكرتي تعلي واحدة غريبة على بنتي، قسماً بالله لأطربجها على دماغ الكل. نظرت إلى صينية الطعام باشمئزاز. _ومن بكرة هتنزل تعمل الوكل للبيت، متبجاش بنت الرفاعية في بيتنا ونجيبوا خدامين يعملوا الوكل. قطبت ام جاسر جبينها بحيرة وسألتها _يعني ايه كلامك ده؟ اكدت لها _يعني زي ما جولتلك تنزل تعمل بلقمتها. بنت الرفاعي دي أنا اللي هربيها على إيدي. وهعرفها إزاي تكون خدامة تحت رجل بنتي لما تتجوز ولدك. خرجت مادرين من المطبخ، تاركة أم جاسر واقفة بمفردها في وسط المطبخ الذي أصبح فجأة باردًا وموحشًا. شعرت بالهزيمة الكاملة لم تكن قادرة على حماية زوجة ابنها، بل لم تكن قادرة حتى على حماية نفسها. أدركت أن نغم لم تقع في جحيم جاسر وحده، بل وقعت في قلب عش من الأفاعي، أكبرها وأشدها سمًا هي زوجة كبير الدار نفسها. ❈-❈-❈ في منزل الرفاعي كانت القلوب في داخله تنبض بإيقاعات مختلفة من الألم والقهر والفرح المكسور. كانت ليلة زفاف مزدوجة، ليلة كان من المفترض أن تكون قمة السعادة لعائلة الرفاعي، لكنها تحولت إلى مسرحية معقدة من المشاعر المتضاربة. في أحد الاماكن، جلس عدي بجانب زوجته روح. كانت روح ترتدي فستانًا أنيقًا، وفي عينيها لمعة حب حقيقية كلما نظرت إلى عدي، لكن هذه اللمعة كانت تخفت سريعًا لتحل محلها غيمة من الحزن كلما تذكرت أختها الكبرى، نغم. كانت تشبك يدها بقوة، وكأنها بتلك الطريقة تستمد من نفسها الأمان في هذه الليلة التي شعرت فيها بأن فرحتها منقوصة، مسروقة. عدي بدوره، كان يعيش صراعًا داخليًا عنيفًا. كان ينظر إلى روح، زوجته التي لا يكن لها اي مشاعر ويحاول أن يبتسم، لكن عقله وقلبه كانا في مكان آخر كانا مع نغم حبه السري الذي لم يجرؤ يومًا على البوح به، الفتاة القوية التي أُخذت غصبًا لتكون ضحية ثأر لا علاقة لها به. كل ضحكة في الفرح كانت كالسوط على ظهره، تذكره بعجزه. كيف يفرح ويتزوج بينما هي هناك، وحيدة في عرين الذئاب؟ كان يمسك بيد روح، لكن في عقله كان يخطط، يفكر ويبحث عن أي ثغرة، أي طريقة، ليخلص نغم من جحيمها. لم يكن ذلك الزفاف قادر على إطفاء نار القلق والغضب التي تشتعل من أجل نغم. على بعد أمتار قليلة، في المكان المقابل، كانت المأساة أكثر هدوءًا وصمتًا. جلس سند بجانب وعد، الفتاة التي أصبحت زوجته قبل ساعات. كانت وعد جميلة بفستانها الأبيض، لكنها كانت كزهرة قُطفت قبل أوانها كانت تحب سند، لقد كان فارس أحلامها منذ الطفولة، وكانت تتمنى هذا اليوم أكثر من أي شيء في العالم. لكن الطريقة التي جاء بها هذا اليوم حطمت كل شيء. لقد تزوجها لإنقاذ الموقف، لستر فضيحة خطوبته المكسورة من ابنة عمها، لم يتزوجها لأنه اختارها، بل لأن الظروف أجبرته. هذا الشعور بالقهر، بأنها كانت مجرد “بديل”، كان فرحتها. كانت تنظر إليه خلسة، ترى في ملامحه الحزن والارتباك، وتعرف أنه لا يفكر فيها، بل في نغم. فتشعر بقلبها ينقبض من الغيرة والحزن. سند كان ضائعًا لقد خسر خطيبته، نغم بطريقة مهينة، والآن هو متزوج من ابنة عمه التي يكن لها مودة، لكنه لم يكن مستعدًا لهذا الزواج. كان يشعر بالذنب تجاه نغم، وبالذنب تجاه وعد التي جرها معه إلى هذه الفوضى. أمسك بيدها وشعر ببرودتها، فرأى في عينيها نفس الحزن الذي يسكنه، لكنه لم يدرك أن مصدر حزنها هو نفسه. _مبروك يا وعد. همس لها بصوت أجش، محاولاً كسر الجليد، ففي النهاية اصبحت زوجته وعليه ان يطوي صفحة نغم كي لا يصبح خائن نظرت إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها. _مبروك ليك أنت كمان يا سند. كانت كلماتها مهذبة، لكنها كانت تحمل عتابًا صامتًا لم يفهمه لقد حصلت على الرجل الذي أرادته، لكنها خسرته في نفس اللحظة. وهكذا، استمر الفرح الصاخب أربعة أشخاص في قلب الاحتفال، كل منهم يعيش في عالمه الخاص من الألم. روح، الفرحة بحبها والحزينة على أختها. عدي، الزوج الحاضر والقلب الغائب مع حبه السري. وعد، التي نالت حلمها لتكتشف أنه كابوس. وسند، الذي فقد كل شيء ويحاول أن يلملم شتات موقف لم يكن له يد فيه. كانت ليلة زفاف بأربعة قلوب مكسورة، كل قلب على طريقته الخاصة. ❈-❈-❈ في المساء قضت ام جاسر اليوم بأكمله مع نغم خوفاً من أن يحاول أحد الدخول إليها اثناء غيابها ويجرحها نظرت نغم إليها وقد استبد بها الفضول لان تعرف علاقتها بهؤلاء تنهدت ام جاسر بابتسامة وهي تقول _لساتك مصرة تعرفي ايه اللي چابني اهنه. اخفضت نغم عينيها باحراج فتابعت ام جاسر _هجولك أني اولا مش من النجع اهنه، من نجع الحمدية. في يوم كنت جاية مع ابوي النجع هنا عشان نحضر فرح واحد جريبنا. في اليوم ده مطرت ومحدش كان عارف يرچع بيته أبوي وعمي فايد كانوا معرفة جديمة وعرض عليه اننا نبات عنده للصبح لاح الحزن بعينيها وهي تحكي عن مرارة لم تزول بعد، وكأنها تعود بالزمن إلى تلك الليلة المشؤومة. _ابوي وافج وبيت في اوضة انا وهو، بس سابني نايمة وراح يسهر مع الحچ فايد. صمتت للحظة، تلتقط أنفاسها التي بدت وكأنها تحمل ثقل السنين. _وصحيت لجيت نفسي لواحدي. خفت وخرجت من الاوضة عشان ادور عليه. كانوا في الچنينة وأني بدور عليه في الاوض كانت اخر اوضة دخلت ادور عليه فيها… تجمدت ملامحها، وأصبحت نظراتها شاردة، غارقة في ذكرى لم يمحها الزمن. _كانت أوضة كارم. انتفضت نغم بخفة عند سماع الاسم، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها لقد أصبح لهذا الاسم وقع مرعب في نفسها. أكملت أم جاسر بصوتٍ خافت، وكأنها تروي قصة حدثت لشخص آخر، لا لنفسها. _كان شباب وقتها، بس طبعه هو هو، القسوة والغطرسة في عينيه. دخلت الأوضة على أطراف صوابعي، كانت ضلمة، وناديت على أبوي بهمس مفيش رد. لسه هلف وأخرج، حسيت بالباب بيتفتح ويتقفل ورايا. أغمضت عينيها بألم، وتابعت _واتلفت بسرعة لجيته واجف جدامي. كان سكران زي عوايده. خوفت واترعبت وخصوصاً انه مكنش على بعضه بس الشرب جولتله إني بدور على أبوي، وحاولت أخرج، بس منعني. كان بيضحك ضحكة واعرة، جالي خلينا نتعرف لول خفت منه وحاولت اهرب منيه بس هو…. هزت رأسها بمرارة. _مسبنيش صرخت، وحاولت أهرب، بس محدش سمعني… نظرت إلى نغم، وفي عينيها لمعت دمعة عنيدة رفضت أن تسقط، دمعة تحمل قهر عقود. _اللي حصل بعديها… هو نفس اللي بيحصل لأي واحدة ضعيفة بتجع تحت إيد واحد ميعرفش ربنا. خد مني أغلى حاجة أملكها… شرفي. شهقت نغم بصدمة، ووضعت يدها على فمها. لم تكن تتخيل أن هذه المرأة الوقورة الهادئة تحمل في داخلها مثل هذا الجرح الغائر. _تاني يوم الصبح خفت اعرف أبوي لأنه هددني وانا كنت صغيرة معرفش حاچة بعدها بشهور اكتشفت امي إني حامل وكانوا هيجتلوني وجتها بس أنا جولتلهم اللي حوصل وجولتلهم انه هددني لو جولتلكم أكملت أم جاسر بصوتٍ خالٍ من أي تعبير _الفضيحة كانت هتلف البلد كلها وأبوي كان هيجتلني ويجتل نفسه. بس الحچ فايد بجا الله يرحمه، أول ما أبوي راحله وجاله متأخرش وعشان يلم الموضوع، أمره ابنه إنه يتچوزني. أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تطرد آخر بقايا الألم من صدرها. _عشان إكده أني عايشة هنا دخلت البيت ده مكسورة ومغصوبة، وعشت فيه خدامة تحت رجليه، لحد ما حوصل اللي حوصل. وعشان إكده أني بخاف على جاسر من طبعهم، وبخاف عليكي أنتي كمان لأني شوفت بعيني وشربت من نفس الكاس اللي بيسقوه للغريب والضعيف. نظرت إلى نغم بحنان وألم، وقالت جملتها الأخيرة التي لخصت كل شيء _أنا حكيتلك حكايتي يا نغم… عشان تعرفي إنك مش لوحدك اللي اتوجعتي في البيت ده. في تلك اللحظة، لم تعد نغم ترى فيها أم عدوها، بل رأت فيها رفيقة درب، امرأة أخرى ناجية من نفس الجحيم أدركت أن الرابط الذي يجمعهما الآن أقوى من أي قرابة دم… إنه رابط الألم المشترك، والوعد الصامت بالصمود. ❈-❈-❈ في غرفة سند ووعد أُغلق باب الجناح خلفهما، وفجأة تلاشى ضجيج الفرح الصاخب ليحل محله صمتٌ ثقيل ومحرج، أثقل من أي ضجيج. وقفت وعد في منتصف الغرفة بفستانها الأبيض، تشعر وكأنها غريبة في هذا المكان الذي كان من المفترض أن يكون مملكتها. بينما وقف سند عند الباب للحظات، يخلع سترته ويضعها على مقعد قريب، في حركة بطيئة أعطته وقتًا ليرتب أفكاره. سار سند نحو الشرفة، خطواته ثقيلة كأنها تخطو فوق زجاج مكسور. فتح بابها الزجاجي، فدخل نسيم الليل البارد حاملاً معه الأصوات البعيدة لآخر الضيوف وهم يغادرون، أصوات فرح كاذب تلاشت في الهواء. وقف هناك للحظات ظهره لها، كأنه يستجمع بقايا رجل تحطم قبل ساعات ثم استدار وواجهها. كانت ملامحه تحمل وقاراً حزيناً، قناعاً من الجمود يخفي تحته فوضى عارمة. لم يكن سند الذي تعرفه، العاشق المكسور، بل كان رجلاً غريباً يحاول فرض النظام على خراب روحه. _وعد.. نطق اسمها بهدوء، صوت أجش كأنه لم يتحدث منذ دهر. كانت تقف في أقصى الغرفة، متشبثة بيديها الباردة، فستان زفافها الأبيض يبدو باهتاً تحت ضوء القمر، كأنه كفن حلم قديم. تقدم نحوها ببطء، خطوات محسوبة، محافظاً على مسافة بينهما احتراماً لهالة الصمت والرفض التي تحيط بها. _أنا عارف إن اللي حوصل كان صعب عليكي وعلى الكل. صمت للحظة، وكأنه يزن كلماته القادمة. _وعارف إنك اتچبرتي على الچوازة دي زي ما أنا اتچبرت. عارف إنك كنتِ بتحلمي بيوم فرحك بطريقة تانية خالص مش بالشكل ده. عندما سمعت كلمة “اتجبرتي”، شعرت وعد بطعنة خفيفة وحادة في قلبها. لقد أكد لها دون أن يقصد أسوأ مخاوفها: أنه يراها مجرد قطعة أخرى على رقعة شطرنج العائلة، ضحية للظروف مثله تمامًا. لم يخطر بباله ولو للحظة أنها قد تكون أرادت هذا الزواج. لم يرى في عينيها الحب الذي كانت تخفيه خلف ستار الأخوة لسنوات، حب صامت وموجوع. لكنها ظلت صامتة، تحبس دموعها وتنتظر بقية الحكم. _بس اللي حوصل حوصل ومفيش في إيدينا حاچة نغيره أكمل سند بنبرة عملية وحازمة، نبرة رجل يغلق باباً على ماضٍ لا يريد أن ينظر إليه مرة أخرى. _إحنا دلوجت متچوزين وده بجى أمر واقع جدامنا طريقين: يا إما نفضل عايشين في الماضي أسرى للي حوصل وحياتنا تبجى چحيم يا إما نقبل قدرنا ونطوي الصفحة دي ونحاول نبدأ بداية جديدة وحقيقية مع بعض. اقترب خطوة أخرى، وعيناه تبحثان في وجهها عن أي رد فعل، أي إشارة. _أنا اخترت الطريق التاني وعايز أبدأ معاكي صفحة بيضا كزوج وزوجة حقيقيين. عايز أبني معاكي بيت وأسرة عن اقتناع ونكمل حياتنا كأي زوجين وجتها زي ما جال جدي الحب هياچي بالعشرة هنا، رفعت وعد عينيها إليه لأول مرة. لم يكن فيهما خجل العروس أو ارتباكها، بل كان فيهما بريق غريب، مزيج من الألم والتحدي. _والصفحة اللي فاتت يا سند؟ سألت بصوتٍ هادئ ومخيف، صوت لم يكن يتوقع أن يسمعه منها. _هتطويها كيف وهي مكتوبة بالدم؟ دم كرامتنا ودم جلب نغم؟ تجمد سند في مكانه، لقد أصابت بسؤالها الجرح المفتوح مباشرة. أكملت وعد بنفس النبرة، وقد تحرر لسانها أخيراً من قيود الصمت. _أنت عايز تبدأ صفحة بيضا عشان تهرب من اللي فات. عايز تبني بيت عشان تثبت لنفسك وللناس إنك منتصر. لكن أني… أني مش هكون الدوا اللي بتداوي بيه چرحك يا ولد عمي. مش هكون مجرد “بديل” يملى مكان فضي. كانت كلماتها كالسياط، تجلده بالحقيقة التي كان يهرب منها. هو لا يريد بداية جديدة، هو يريد نسياناً. تقدمت هي نحوه لأول مرة، ووقفت أمامه مباشرة، وعيناها في عينيه. _لو عايز نبدأ بداية حقيقية يبجى لازم نعترف بالحجيجة. الحجيجة إنك مكسور وأني مكسورة. وإن الچوازة دي مبنية على خراب بيوت تانية. لو عايز تبدأ معايا يبجى تبدأ من إهنه. من وسط الخراب ده، من غير وعود كدابة بالحب اللي بييجي بالعشرة. صمتت للحظة، وأخذت نفساً عميقاً، ثم ألقت بقنبلتها الأخيرة التي ستحدد شكل مستقبلهما. _أنا موافجة أكون زوجتك جدام الناس وهكون السند اللي يحفظ اسمك واسم العيلة بس لحد ما تيجي في يوم وتجولي إنك اخترتني أني… اخترت “وعد” مش “البديل”… لحد اليوم ده… كل واحد فينا هينام في أوضة. ثم استدارت وعادت إلى الداخل، تاركة إياه وحيداً في الشرفة مع برودة الليل وصدى كلماتها القاسية والصادقة. لقد رفضت أن تكون مجرد حل، وأجبرته على مواجهة حقيقة مشاعره. لم تكن هذه بداية صفحة بيضاء، بل كانت بداية حرب طويلة وباردة داخل جدران زواج ولد ميتاً. صمت للحظة ثم أضاف بنبرة أكثر حرجًا ولكنها ضرورية _لا يا وعد، الحب الحجيجي بييجي بعد العشرة لإن كل حاچة جدامنا بتبجى واضحة. تطلع في عينيها التي برغم قوتها التي تظهرها إلا إنها صافية وبريئة _بييجي يا وعد بييجي، لو كان على نغم فنغم اختارت غيري حتى لو كان غصب عنيها، اختارت ومبصتش وراها ولا قدر إن اختيارها ده كسرني وحط وشي في التراب، حتى لو نغم رجعت خلاص اللي بينا انكسر ومستحيل يتصلح، واني دلوجت بمدلك إيدي مش ايد واحد مچروح بيدور عاللي يداوية، لا أني بدور على حياة جديدة بعيد عن اي شيء. هنعتبر نفسنا اتنين متچوزين چواز عادي وكل واحد فينا مطلوب منه يعوض التاني. لاح الرجاء بعينيه التي ظهرها بها ألم شديد ورجاء أشد _أني محتاچلك يا وعد، محتاچ بر أرسي عليه بعد اللي حصل، ومليش مرسى غيرك. اهتزت نظراتها ولم تعرف بماذا تجيب، فتابع بعقل _حاچة كمان لازم ناخد بالنا منيها إن أهلنا تحت… مستنيين. مستنيين يفرحوا بجد، ومستنيين يتأكدوا إن جوازنا اكتمل عشان يطمنوا إن سر العيلة انحفظ. كلام الناس مش هيرحم لو حسوا إن جوازنا ده مجرد تمثيلية وخصوصاً أن في ناس غريبة شغالة في البيت فهمت وعد ما يلمح إليه. تلك العادة القاسية التي ستكون بمثابة الإعلان النهائي عن اكتمال هذا الزواج القسري في نظر الجميع. شعرت بالخجل والمهانة، ليس من طلبه، بل من السياق كله. مد يده نحوها ليس ليلمسها، بل كدعوة. _القرار في إيدك يا وعد لو وافجتي نبدأ حياتنا دي من النهاردة… بجد أنا هكون ليكي الزوج اللي يحميكي ويصونك ولو رفضتي… هحترم قرارك، بس لازم نعرف هنتعامل مع اللي بره كيف. نظرت وعد إلى يده الممدودة، ثم إلى وجهه. رأت فيه الصدق والمسؤولية، ورغبة حقيقية في بناء شيء من تحت الأنقاض. لم ترى فيه الحب الذي كانت تتمناه، لكنها رأت رجلاً شريفًا يحاول أن يفعل الصواب ويعطيها كل حقوقها. أدركت أن هذه هي فرصتها الوحيدة إما أن تظل في دور الضحية المقهورة، أو أن تقبل بهذه البداية وتراهن على أن حبها الصامت قد يتمكن يومًا ما من شفاء جراحهما معًا. ببطء، رفعت يدها المرتجفة ووضعتها في يده كانت لمسته دافئة وحازمة. عندما شعر بموافقتها الصامتة، سحبها إليه برفق لم تكن حركة عنيفة أو شهوانية، بل كانت حركة رقيقة تحمل في طياتها الاحترام والتقدير لقرارها. رفع يده الأخرى وأزاح بلطف خصلة شعر شاردة عن وجهها، ثم انحنى وطبع قبلة هادئة على جبينها، قبلة كانت بمثابة عهد وبداية. سمحت له بأن يقودها نحو الفراش، وفي قلبها مزيج من الخوف والأمل كانت تسلم له نفسها، ليس فقط كزوجة تؤدي واجبها، بل كامرأة تحب، تراهن بكل ما تملك على أن هذا الزواج، الذي وُلد من رحم الألم، قد يزهر فيه الحب يومًا ما. ❈-❈-❈ في غرفة روح وعدي أُغلق باب جناحهما، وانفصلا عن عالم الفرح الزائف، ليجدا نفسيهما في صمت أكثر قسوة وإيلامًا وقفت روح في منتصف الغرفة، قلبها يخفق بمزيج من الحب والخجل والترقب. كانت تحب عدي بعمق، ورغم حزنها على أختها، كانت هناك زاوية صغيرة في قلبها تتشبث بحلم هذه الليلة، حلم البداية الحقيقية معه. لكن عدي كان شخصًا آخر ما إن دخل الغرفة حتى خلع سترته وألقاها على المقعد بعنف مكتوم. بدأ يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا كوحش محبوس في قفص، يداه تشد شعره بين الحين والآخر، وعيناه تشتعلان بنار القلق والغضب. لم ينظر إليها حتى، وكأنها غير موجودة. تجمعت الدموع في عيني روح وهي تراه على هذه الحال. تقدمت نحوه بخطوة مترددة، ومدت يدها لتلمس ذراعه برفق. همست بصوتٍ ناعم ومرتجف. _عدي….،مالك؟ انتفض عدي مبتعدًا عن لمستها وكأنها لدغة أفعى. استدار وواجهها، وكانت نظرته باردة وقاسية، نظرة لم ترها في عينيه من قبل. قال بحدة _مفيش…..، مفيش حاچة. قالت بصوت مكسور. _إزاي مفيش؟ أنا مراتك يا عدي، لو مش هتتكلم معايا هتتكلم مع مين؟ أنا حاسة بيك، وحاسة بوجعك عشان نغم، بس… قاطعها بصوتٍ عالي جعلها تتراجع خطوة _بس إيه؟! هتجوليلي إيه اللي المفروض أحس بيه؟ هتجوليلي أفرح وأحتفل وأنتي أختك بتترمي في النار؟! _لأ، مجصدش… صرخ فيها، وهذه المرة كان صراخه يحمل كل قهر العالم. _يبقي تسكتي! مش عايز أتكلم مش مستعد لأي كلام مش عايز أسمع أي حاجة. انهارت روح لم تكن تتوقع هذه القسوة جلست على حافة السرير، والدموع تنهمر على وجهها بصمت، تحرق خديها لقد تحطمت كل أحلامها في لحظة. ساد صمت طويل ومؤلم، لم يقطعه سوى شهقاتها المكتومة نظر إليها عدي، وللحظة ظهرت لمحة من الندم في عينيه لرؤيتها بهذا الشكل، لكن صورة نغم وهي وحيدة وضعيفة طغت على كل شيء. فجأة توقف عن السير ووقف أمامها كانت نظرته قد تغيرت، أصبحت عملية باردة ومخيفة. _جومي. أمرها بصوتٍ خالي من أي عاطفة. نظرت إليه من خلال دموعها، لم تفهم _جومي بجولك. وقفت أمامه وهي ترتجف، لا تعرف ماذا يريد. مد يده وأمسك بذراعها بقوة، قبضته كانت فولاذية. _أمك… وأمي… مستنيين تحت. قال من بين أسنانه. _مستنيين ‘النتيجة’ عشان يكملوا فرحتهم الكدابة. لم تفهم روح ما الذي يخطط له هل سيجبر نفسه عليها؟ هل سيحول حبهما إلى مجرد واجب قاسي؟ لكنه لم يفعل ذلك. بدلًا من ذلك، سحبها بقوة نحو منضدة الزينة الصغيرة، وفتح درجها بعنف، وأخرج منه شفرة صغيرة. تجمد الدم في عروق روح وهي تراه يقوم باخراجها من غلافها وهي تلمع في يده. _عدي… أنت هتعمل إيه؟ سألت برعب حقيقي. لم يرد أمسك ذراعها بقوة أكبر، ورفع أكمام فستانها قليلاً ليكشف عن بياض ذراعها الناعم. نظرت في عينيه، فرأت فيهما قرارًا لا رجعة فيه، وعذابًا لا يوصف. _غمضي عنيكي. أمرها بصوت أجش. تطلعت اليه بذعر وقالت برجاء _لأ… عدي أرجوك… تحدث بحدة آمرا _بجولك غمضي! أغمضت عينيها بقوة، واستعدت للألم. وفي اللحظة التالية، شعرت بوخزة حادة وحارقة في ذراعها. انطلقت منها صرخة ألم مكتومة، واختلطت بدموع القهر التي كانت تنهمر بالفعل. لقد جرحها جرحًا بسيطًا، لكنه كان عميقًا بما يكفي لينزف، ومؤلمًا بما يكفي ليحفر ندبة في روحها قبل جسدها. رأت الدم الأحمر النقي يتجمع على بشرتها البيضاء بسرعة، وقبل أن تستوعب ما حدث، اخذ عدي منديلًا أبيض، وضغطه على الجرح ليمتص الدماء، ملطخًا بياضه الناصع بلون الألم والخيانة. ترك ذراعها فجأة، وتراجع خطوة إلى الوراء، ينظر إلى المنديل في يده وكأنه دليل على جريمته. ثم نظر إليها وهي تقف أمامه، مكسورة، تنظر إلى الجرح النازف على ذراعها ثم إليه، بعينين لم يعد فيهما حب أو أمل بل صدمة وخيبة لا حدود لهما. _ده… عشانهم. قال بصوت متحشرج، وهو يرفع المنديل الملطخ بالدماء. _عشان المسرحية تكمل. القاه بأهمال على الفراش استدار خارجاً من الغرفة، متجهًا إلى الشرفة ليواجه ليلته الطويلة بمفرده، تاركًا إياها واقفة في مكانها، تنزف من جرحين: جرح في ذراعها سيشفى مع الوقت، وجرح أعمق بكثير في قلبها، جرح قد لا يندمل أبدًا. لقد أثبت لها في ليلة زفافهما أنه مستعد أن يجرحها ويؤلمها، فقط ليظل وفيًا لألمه التي لا تعرف سببه. ❈-❈-❈ في غرفة نغم.. كان الصمت حيًا، مليئًا بالأشباح والذكريات. كانت تستلقي بجانب أم جاسر، التي غطت في نوم عميق بعد يوم طويل من القلق والمواساة. أما نغم، فقد هجرها النوم تمامًا كانت عيناها مفتوحتين في الظلام، تحدقان في السقف الذي لا يرى، بينما عقلها يعج بصور وأصوات عالمها المفقود. ببطء وحذر شديدين حتى لا توقظ المرأة النائمة بجانبها، مدت يدها المرتجفة إلى هاتفها الذي خبأته تحت الوسادة. فتحت الشاشة، وخفضت إضاءتها إلى أدنى درجة، وكأنها تخشى أن يفضح هذا النور الضئيل عمق الظلام الذي استقر في روحها. فتحت معرض الصور كانت تلك هي بوابتها الوحيدة إلى حياة لم تعد تملكها. أول صورة ظهرت كانت لوالدها كان يضحك بصوته الأجش المميز في إحدى المناسبات العائلية، يضع ذراعه حول كتفها بفخر. تذكرت كيف كان يناديها “أميرتي”، وكيف كان يتباهى بقوتها وعنادها الذي ورثته عنه. ليته ظل معها ولم يتركهم مررت إصبعها لتظهر صورة والدتها كانت تبتسم ابتسامتها الحنونة، وعيناها تشعان بالدفء. تذكرت ليالي الحمى حين كانت والدتها لا تنام، تضع الكمادات الباردة على جبينها وتقص عليها الحكايات حتى تغفو. تذكرت نصائحها التي كانت تظنها قيودًا، لتكتشف الآن أنها كانت درعًا يحميها. أين هذا الدرع الآن؟ هل فكرت فيها والدتها اليوم؟ هل بكت من أجلها، أم اكتفت بالدعاء الصامت خوفًا من الناس هي أيضا ثم جاءت صورة روح، أختها ورفيقة دربها. كانتا في الصورة تضحكان حتى أدمعت عيناهما، في لحظة عفوية لا يعرف سرها سواهما. تذكرت أسرارهما المشتركة، ملابسهما التي تتبادلانها، أحلامهما التي كانتا تنسجانها معًا في ليالي الصيف. تذكرت مكالمتهما الأخيرة، صوت روح المكسور وهو يؤكد لها حقيقة الخذلان. شعرت بألم مضاعف، ألم على نفسها، وألم على أختها التي تُركت هناك لتواجه العاصفة وحدها. صورة وعد، ابنة عمها البريئة. كانت في الصورة تحمل قطة صغيرة، وابتسامتها خجولة ورقيقة، تذكرت كيف كان كلاهما يلجأن إلى بعضهم عندما يواجه اي منهم مشكلة وكيف يسارع الآخر في حلها، وعد الضحية البديلة التي قُدمت على مذبح الكبرياء شعور الذنب تجاهها كان كالحجر الثقيل على صدرها. وعد، سند، عدي، مالك، اعمامها، جدها… مرت صورهم جميعًا أمام عينيها كل وجه كان يحمل ذكرى، كل ابتسامة كانت تحكي قصة. كانت تتصفح حياتها الماضية، تتلمسها للمرة الأخيرة، كمن يزور قبر عزيز ليلقي نظرة الوداع كانت هذه الصور هي كل ما تبقى لها من عالمها، لكنها كانت أيضًا مصدر ألم لا يطاق، تذكير دائم بما خسرته، وبمن تخلوا عنها. اتخذت قرارها كان قرارًا مؤلمًا، كبتر عضو مريض لإنقاذ بقية الجسد. بإصبع يرتجف، ضغطت على صورة والدتها طويلاً، ثم بدأت في تحديد بقية الصور. صورة والدتها، روح، وعد، كل العائلة كل الأصدقاء، كل ذكرى حددت كل شيء مئات الصور التي شكلت ذاكرتها وهويتها. ظهرت أمامها الكلمة القاسية على الشاشة: “حذف”. ترددت للحظة، وارتجف هاتفها في يدها، كانت هذه هي اللحظة الأخيرة، نقطة اللاعودة ثم أغمضت عينيها وضغطت. اختفى كل شيء أصبح المعرض فارغًا، أبيض، ونظيفًا بشكل مرعب لقد محت ماضيها بإرادتها، قطعت آخر خيط كان يربطها بهم. لم تعد ابنة أحد، أو أخت أحد، لقد أصبحت نغم فقط وحيدة. في تلك اللحظة، انهار السد الأخير لم تعد قادرة على كبت الألم. بدأ جسدها يهتز بعنف، لكنها كتمت صوت بكائها في الوسادة، لم تخرج منها سوى شهقات صامتة ومتقطعة، اهتزازات عنيفة لروح تتمزق في صمت. اهتزاز جسدها بجانبها أيقظ أم جاسر من نومها الخفيف. فتحت عينيها في الظلام، وشعرت بالارتجافات الصامتة التي تهز الفتاة بجانبها. لم تحتاج إلى كلمات لتفهم لقد عرفت هذا النوع من البكاء، بكاء من فقد كل شيء. بحركة بطيئة وحانية، استدارت نحوها، ومدت ذراعيها وسحبت نغم إلى حضنها الدافئ. لم تقل شيئًا، بل ضمتها بقوة، كأم تحتضن طفلتها المذعورة بعد كابوس. وضعت يدها على شعر نغم، وبدأت تربت عليه برفق. تشبثت نغم بها، ودفنت وجهها في صدرها، وأطلقت العنان أخيرًا لبكاء حقيقي، لكنه ظل مكتومًا، حارقًا. _ششش… اهدي يا بنيتي. همست أم جاسر بصوتٍ حنون. _ولا أجولك..ابكي… طلعي كل اللي في جلبك أنا معاكي أنا هنا مش هسيبك. لم تكن كلماتها مجرد مواساة، بل كانت مرساة ألقتها نغم في محيط من اليأس. في حضن هذه المرأة، التي كانت يومًا جزءًا من عالم أعدائها، وجدت نغم أول ملاذ حقيقي لها. لم يكن حضنًا يمحو الألم، لكنه كان حضنًا يشاركها إياه، ويؤكد لها أنها رغم كل الخذلان، لم تعد وحيدة تمامًا في هذا الجحيم. ❈-❈-❈ بعد الانتهاء صعد مالك إلى غرفته بعد أن أدى المشهد بكريقة تليق به، وأخفى ألمًا لو شعر به العالم لرأف به وبحاله. كل زغرودة كانت كالمطرقة التي تهوي على صدره. كل ضحكة كانت كالشفرة التي تمزق روحه. انتهت أحلامه، لقد انتهت في اللحظة التي رأى فيها “روح” بفستانها الأبيض، جميلة كحلم لم يكن مقدراً له أن يعيشه، وهي تسير نحو أخيه “عدي”. لكن المصيبة أن حبه لم ينتهِ. لم يمت الحب بموت الحلم. بل ظل هناك، حياً ينبض في كل خلية من جسده يصرخ في صمت مع كل نفس يأخذه. وهذا هو ما حوّله من عاشق مكسور إلى شيء أسوأ بكثير لقد أصبح خائناً. هذه الكلمة كانت تتردد في عقله بلا رحمة. كل نظرة يسرقها لروح، كل دقة قلب يشعر بها عند سماع صوتها، كل ذكرى تلمع في ذهنه، أصبحت الآن طعنة في ظهر أخيه. لم يعد حبه نقياً، بل تلوث بالذنب والخيانة، الأمر الأكثر قسوة هو أنه كان يعلم الحقيقة، يعلم أن روح لم تحبه يوماً كما أحبها هو. كان يرى الطريقة التي تضيء بها عيناها عندما تتحدث مع عدي، يرى الابتسامة التي كانت تخصه هو فقط. كان يعلم أن قلبها كان دائماً مع أخيه، وهذا ما جعل ألمه مضاعفاً. لم يخسرها لغريب، بل خسرها لأخيه الذي كان يملك قلبها منذ البداية. أغمض مالك عينيه بقوة، وارتسم على وجهه تعبير من الألم الخالص. استند بجبينه على الزجاج البارد للشرفة، وشعر بدمعة حارقة واحدة تنزلق على خده، لم تكن دمعة حزن على حب ضائع، بل كانت دمعة قهر على نفسه. قهر على قلبه الذي يرفض أن يطيع، الذي يصر على حب زوجة أخيه. “خائن…” همس الكلمة لنفسه، وشعر بطعمها المر في فمه. في تلك اللحظة، لم يكن يتمنى الموت، بل تمنى شيئاً أقسى: تمنى لو يستطيع أن قلبه من صدره بيديه، أن يسحق هذا الحب اللعين الذي سيجعله يعيش بقية حياته في عذاب صامت، يبتسم في وجه أخيه بينما يخونه في كل نبضة من نبضات قلبه. لقد حُكم عليه بأن يكون الشاهد الصامت على سعادتهما، وأن يحمل سر خيانته القلبية إلى الأبد. ❈-❈-❈ تسللت خيوط الشمس الأولى إلى الغرفة، لتستيقظ وعد من نوم متقطع أول ما شعرت به هو الفراغ بجانبها في السرير الواسع. فتحت عينيها لتجد سند واقفًا في الشرفة يرتدي جلبابه، وظهره لها، يحتسي فنجانًا من القهوة وينظر إلى الأفق البعيد. جلست في السرير، وشعرت بموجة من الخجل والارتباك ليلة أمس لم تكن ليلة حب وشغف، بل كانت أشبه بعهد صامت، لقاء هادئ وحزين بين روحين ضائعتين. لقد كان لطيفًا، ومحترمًا، لكنه كان بعيدًا، وكأن جسده فقط كان معها، أما روحه فكانت تحوم في مكان آخر. استدار سند وكأنه شعر بحركتها. لم تكن على وجهه ابتسامة، بل نظرة هادئة وقورة. _صباح الخير. قال بنبرة محايدة. _نومتي كويس؟ هزت رأسها بصمت، غير قادرة على النطق. لم تكن تعرف بماذا تجيب الآن. هل تتصرف كزوجة؟ هل تنتظر منه إشارة؟ تقدم نحو الغرفة ووضع فنجانه على الطاولة. _امي چابت الفطار لما تكوني جاهزة، نجدر نفطر هنا أو ننزل تحت. كان حديثه عمليًا، خاليًا من أي دفء أدركت وعد أن هذا هو ما ستكون عليه حياتهما في البداية: مجموعة من الإجراءات والواجبات. لقد حصلت على زوج، لكنها لم تكسب قلبه بعد شعرت بوخزة من الألم، لكنها أخفتها خلف قناع من الهدوء. قالت بصوت خافت. _هكون جاهزة دلوجت أومأ سند برأسه، ثم استدار ليغادر الغرفة. _هستناكي هناك في الصالة خدي راحتك. خرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا إياها وحيدة مع صدى كلماته الباردة. نظرت إلى الفراش الذي تشاركا فيه، وشعرت بالوحدة أكثر من أي وقت مضى. لقد بدأت حياتهما الزوجية، لكن الطريق لردم الحفرة الشاسعة بين قلبيهما بدا طويلاً وشاقًا. …….. في شقة عدي وروح هنا كان الصباح مختلفًا تمامًا لم يكن هناك صمت هادئ، بل كان هناك خراب صامت. استيقظت روح على أريكة في زاوية الغرفة، حيث كانت قد انهارت وبكت حتى غلبها النوم. كان أول ما رأته هو ذراعها كانت قد لفت عليه منديلًا آخر نظيفًا، لكن بقعة من الدم الجاف كانت لا تزال ظاهرة حوله، تذكيرًا قاسيًا بما حدث. الجرح الجسدي كان يؤلمها، لكنه كان لا شيء مقارنة بالجرح الذي مزق روحها. نظرت حولها، فوجدت عدي نائمًا على السرير نومًا عميقًا كمن هرب من كابوس ليقع في آخر. كان يرتدي نفس ملابس الأمس، ووجهه متعب ومعذب حتى في نومه. لم يعد هذا هو عدي الذي أحبته، بل أصبح غريبًا، سجانًا لأحلامها. نهضت بهدوء، كل حركة تسبب لها ألمًا، ليس فقط في ذراعها، بل في كل جزء من كيانها المكسور. دخلت إلى الحمام ونظرت إلى وجهها في المرآة، رأت عينين متورمتين من البكاء، ووجهًا شاحبًا، ونظرة انكسار لم تكن تعرفها من قبل لقد دخلت هذه الغرفة كعروس عاشقة، وخرجت منها في الصباح التالي كامرأة محطمة. عندما خرجت من الحمام، كان عدي قد استيقظ. كان يجلس على حافة السرير، رأسه للأسفل لم ينظر إليها. _روح… قال بصوت أجش ومتحشرج، دون أن يرفع رأسه. _أنا… قاطعته هي بصوت بارد وجامد، صوت لم يكن يعرفه، صوت امرأة فقدت كل شيء. _متتكلمش. رفع رأسه ونظر إليها بصدمة. رأى البرود في عينيها، رأى الجدار الجليدي الذي بنته حول قلبها خلال الليل. _متعتذرش، ومتبررش. أكملت بنفس النبرة القاتلة. _أنت عملت اللي أنت عايزه امبارح، ووصلت رسالتك. وفهمت. فهمت إن مكانتي عندك متساويش شيء وفهمت إن جوازنا ده مجرد كدبة هنعيشها عشان نرضي الناس. لو عايز تفطور اهنه براحتك بس اني مش هسيب امي تفطور وحديها، وهنزل افطر معاهم. ❈-❈-❈ أصروا جميعاً ان يفطروا معا كإعلان رسمي عن الفرحة التي يجب أن تسود المنزل. نزلوا جميعًا إلى غرفة الطعام الواسعة، على وجوههم أقنعة هادئة تخفي خلفها ليالٍ من الخراب. كانت المائدة طويلة وفاخرة، عامرة بكل ما لذ وطاب، لكن لا أحد كانت له شهية حقيقية. جلس سند بجانب وعد، وجلس عدي بجانب روح. الأجواء كانت مشحونة بالصمت المصطنع، لا يقطعه سوى صوت الأواني الفضية وعبارات التهنئة القليلة من كبار السن. كانت روح قد ارتدت فستانًا بأكمام واسعة كي لا تضغط على جرحها، ورسمت على وجهها ابتسامة باهتة. كانت تتجنب النظر إلى عدي، الذي كان يجلس بجانبها كتمثال من حجر، يحدق في طبقه الفارغ. بدلاً من ذلك، كانت عيناها تبحثان عن ملاذ فوجدتاه في مالك، الذي كان يجلس في الجهة المقابلة. نظرت إليه نظرة طويلة، نظرة مليئة بالوجع والخذلان الصامت. كانت عيناها تتوسلان إليه، تشكو له بصمت ما لا تستطيع البوح به. “انظر إليّ يا مالك… انظر إلى ألمي. أنت الوحيد الذي يفهمني دائمًا.” لطالما كان يفهمها من نظرة، فهل سيفهمها هذه المرة أيضًا؟ مالك، الذي كان غارقًا في حزنه الخاص، رفع عينيه والتقط نظرتها. شعر على الفور بأن شيئًا ما خطأ رأى الانكسار خلف ابتسامتها المصطنعة، ورأى عمقًا من الألم في عينيها لم يره من قبل لم يفهم السبب، لكن قلبه انقبض من أجلها. السابع عشر ……………… مالك، كان غارقًا في حزنه الخاص، رفع عينيه والتقط نظرتها شعر على الفور بأن شيئًا ما خطأ، رأى الانكسار خلف ابتسامتها المصطنعة، ورأى عمقًا من الألم في عينيها لم يره من قبل، لم يفهم السبب لكن قلبه انقبض من أجلها. في تلك الأثناء، كانت وعد تحاول جاهدة أن تلعب دور الزوجة السعيدة. أرادت أن تظهر للجميع، ولسند على وجه الخصوص أنها راضية. مالت نحو روح بابتسامة ودودة، في محاولة لخلق حديث جانبي بين العروستين. _لو سمحتي يا روح، ناوليني الطبج اللي چامبك. وبحركة عفوية تمامًا، مدت وعد يدها وأمسكت بذراع روح لتلفت انتباهها عندما لم تجد منها رد. لم تكن قبضتها قوية، لكنها جاءت بالضبط فوق مكان الجرح الخفي تحت الأكمام الطويلة. “آآه!” انطلقت من روح صرخة ألم حادة ومكتومة، لم تكن عالية لكنها كانت كافية لتقطع الصمت المطبق على المائدة. سحبت ذراعها بسرعة، وظهر على وجهها تعابير الألم الحقيقي قبل أن تتمكن من إخفائها خلف قناع من الارتباك. سألت وعد بقلق حقيقي، وهي تسحب يدها بسرعة. _مالك يا روح؟ في إيه؟ تمتمت روح بسرعة، وهي تفرك ذراعها من فوق الفستان. _م… مفيش. بس… دراعي تقريبا نايمة عليه غلط، فبيوجعني شوية، مفيش حاجة. الجميع نظر إليهما للحظات، ثم عادوا إلى طعامهم متقبلين التفسير السطحي. الجميع، إلا شخصين. عدي الذي كان يجلس بجانبها، تجمد في مكانه. لقد سمع صرختها وعرف مصدرها. شعر بوخزة من الذنب الحارق، لكنه لم يجرؤ على النظر إليها أو حتى لمسها. لقد كان هو سبب هذا الألم، وعجزه جعله يظل صامتًا. ومالك. لم يقتنع مالك بالتفسير أبدًا. لقد سمع الصرخة ورأى نظرة الهلع التي ظهرت في عيني روح للحظة، ورأى كيف سحبت ذراعها بطريقة دفاعية. لقد كانت صرخة ألم حقيقي، لا مجرد تنميل. شكوكه التي بدأت بنظرتها الحزينة، تعمقت الآن، شيء ما حدث لروح في ليلتها، شيء مؤلم. شيء لا يريد أحد التحدث عنه. ظل يراقبها طوال فترة الإفطار، يرى كيف تحمي ذراعها، وكيف تتجنب النظر إلى زوجها، وبدأ لغز جديد ومقلق يتشكل في ذهنه، لغز يضاف إلى كل الألغاز والأحزان التي تحيط بعائلته. ما إن انتهت وجبة الإفطار المشحونة، وبدأ الجميع في التفرق، حتى نهض مالك بهدوء واتجه نحو عدي. _عدي عايزك في كلمة على انفراد. قال بنبرة هادئة لكنها لا تقبل الرفض. نظر إليه عدي بوجه خالٍ من التعبير، ثم أومأ برأسه بصمت وتبعه. لم يتبادلا كلمة واحدة وهما يصعدان الدرج، كل منهما غارق في أفكاره. دخل مالك إلى غرفته، وأشار لعدي بالدخول، ثم أغلق الباب خلفهما عازلاً إياهما عن بقية العالم. وقف مالك في منتصف الغرفة، ويداه داخل جيبه وعيناه مثبتتان على عدي بنظرة حادة وفاحصة. _إيه اللي حصل لروح؟ سأل مباشرة دون أي مقدمات. رفع عدي حاجبيه بتصنع للدهشة. _جصدك إيه؟ محصلش حاچة. قال مالك بحدة، وقد بدأ صبره ينفد. _متستعبطش يا عدي أنا شوفتها على الفطار وشوفت صرختها لما وعد مسكت دراعها. الصرخة دي مش صرخة واحدة دراعها نامت عليه دي صرخة ألم ألم بجد. اقترب منه خطوة، وخفض صوته إلى نبرة اتهام واضحة. _أنت عملتلها إيه امبارح؟ صمت عدي وأشاح بوجهه بعيدًا، ينظر من النافذة إلى أي شيء سوى عيني مالك هذا الصمت وهذا الهروب زادا من شكوك مالك وأشعل غضبه. _كنت جاسي معاها مش إكدة؟ واصل مالك الضغط عليه، وهو يفسر صمت عدي بطريقته الخاصة، بناءً على ما يعرفه عن قسوة الرجال في مثل هذه المواقف. _فاكر إنك لما تفرغ فيها غضبك من اللي حصلنا، ده هيريحك؟ هي ذنبها إيه في كل ده؟ دي مرتك، أمانة في رجبتك مش كيس ملاكمة تطلع فيه قهرك! كانت كلمات مالك كالسياط، كل كلمة تجلد عدي وتصيب الهدف، ولكن ليس بالطريقة التي يظنها مالك. لقد اتهمه بالقسوة في العلاقة، بينما الحقيقة كانت أقسى وأكثر إذلالاً الحقيقة هي أنه لم يقربها من الأساس، بل جرحها بيده ليزيف علاقة لم تحدث. هذا الاتهام الخاطئ كان أكثر إهانة من الحقيقة نفسها. استدار عدي فجأة وواجهه، وعيناه تشتعلان بمزيج من الألم والغضب والدفاع عن النفس. _أنت مش فاهم حاچة! صرخ في وجهه. _مش فاهم أي حاجة خالص! رد مالك بنفس الحدة. _أفهم إيه؟! أفهم إنك بدل ما تطبطب عليها وتكون سندها في يوم زي ده، كنت بتعذبها؟ أفهم إنك حولت ليلة فرحها لجحيم؟ انفجر عدي، وقد وصل إلى حافة الانهيار. _أيوة! عملت إكده! كنت جاسي وكنت زفت وعذبتها ارتحت إكده؟ ده اللي أنت رايد تسمعه؟ كانت كلماته اعترافًا صريحًا، لكنها كانت أيضًا درعًا يخفي خلفه الحقيقة الأكثر إيلامًا. لقد فضل أن يظهر في عيني مالك كزوج قاسٍ، على أن يظهر كزوج عاجز جبان، لم يستطع حتى أن يمنح زوجته حقوقها الشرعية لأنه غارق في حبه لامرأة أخرى. نظر مالك إليه بصدمة وخيبة أمل. لم يكن يتوقع هذا الاعتراف الصريح تراجع خطوة إلى الوراء، وهو يهز رأسه بأسف. _أنا مش مصدج، أنت مش عدي اللي أعرفه أنت اتغيرت. _كلنا اتغيرنا يا مالك. قال عدي بصوت مكسور، وقد خفت حدته فجأة وحل محلها يأس عميق. _البيت ده كله اتغير ومبجاش فيه حد بريء. استدار عدي واتجه نحو الباب. _سيبني في حالي يا مالك، وسيب روح في حالها، دي حياتنا إحنا، ومحدش له صالح بيها. خرج من الغرفة وأغلق الباب بقوة، تاركًا مالك واقفًا في مكانه، يشعر بمزيج من الغضب والشفقة والعجز. لقد تأكد من أن روح تتألم، لكنه أدرك أيضًا أن عدي يتألم هو الآخر، وأن الجرح الذي يجمع هذين الاثنين أعمق وأكثر تعقيدًا مما كان يتخيل. وأدرك أن مهمة حماية روح أصبحت الآن أصعب بكثير. ❈-❈-❈ استيقظت نغم على شعور غريب بالأمان لم تعهده منذ أيام كانت مستلقية في حضن أم جاسر التي يبدو أنها قضت الليل كله جالسة بجانبها على الفراش شعرت بثقل في جفونها ورأسها من أثر البكاء الطويل الذي استنزف كل طاقتها. تحركت قليلًا، فشعرت بها أم جاسر وفتحت عينيها على الفور، وتطلعت إليها بابتسامة دافئة وحنونة، ابتسامة كانت كأول شعاع شمس بعد ليلة عاصفة. _صباح الخير يا نغم. ردت نغم بصوت مبحوح وجاف من شدة البكاء، صوت بالكاد خرج من حنجرتها. _صباح النور. قامت أم جاسر بهدوء، وحركاتها كانت تحمل وقارًا وحنانًا. _جومي بقى، أحضرلك الحمام، وأجيبلك هدوم من عندي تلبسيها، لحد ما أبعت البت فرح تنادي لأم سعيد تنجي منها اللي أنتِ رايداه. انتبهت نغم في تلك اللحظة إلى أنها لم تغير ملابسها منذ أن جاءت إلى هذا المكان المشؤوم. ملابس الجامعة التي شهدت انهيار عالمها لا تزال تلتصق بجسدها شعرت بالخجل والضيق، وقالت بامتنان خافت. _تعبتك معايا. ابتسمت أم جاسر بود حقيقي، وربتت على يدها. _تعبك راحة يا غالية جومي بقى اتحممي، الماية السخنة هتريح جسمك. وافقت نغم بصمت لم تكن تملك طاقة للرفض ولأول مرة، شعرت بأنها لا تريد أن ترفض لطف هذه المرأة. دلفت إلى المرحاض الفسيح، ووقفت تحت زخات الماء الساخن، وأغمضت عينيها، متمنية لو أن الماء يستطيع أن يزيل عنها ما عانته، أن يغسل روحها من بصمات القهر والمهانة. في الخارج، أحضرت لها أم جاسر ملابس نظيفة من ملابسها الخاصة، عباءة منزلية بسيطة ومحتشمة، وطرحة قطنية ناعمة كانت كل حركة تقوم بها تحمل رسالة صامتة: “أنا هنا. أنا أفهم ما انتى فيه أنتِ في أمان معي”. وأثناء وجود نغم في المرحاض، انفتح باب الجناح فجأة. عاد جاسر كان قد عاد لتوه من سفر قصير اضطر إليه، وقد ظهر عليه الإرهاق بوضوح كانت عيناه محمرتين، وذقنه غير حليقة، وملابسه مجعدة دلفت والدته خلفه، متفاجئة بعودته في هذا الوقت المبكر. _جاسر! حمد لله على السلامة يا ولدي. التفت إليها وفي لحظة، ذاب قناع الجليد الذي يرتديه دائمًا، وظهرت لهجة دافئة لا تظهر إلا لها. _الله يسلمك يا أمي. عاد بنظره لداخل الغرفة، عيناه تمسحان المكان تبحثان عنها لم يجدها سأل والدته بصوت عاد لبروده المعتاد. _هي فين؟ دلفت والدته وهي تحمل الملابس المطوية بعناية. _بتتحمم جوه. أشارت على الملابس التي في يدها، وقالت. _أني جبتلها هدوم من عندي، لحد ما تجيب لها أنت ولا أخلي فرح تجيب أم سعيد تنجي منها اللي يريحها. ابتسم جاسر ابتسامة خفيفة عند ذكر “أم سعيد”، تلك البائعة المتجولة التي تأتي إلى منزلهم منذ سنوات، وتبيع ما يناسب عمر والدته وزوجة عمه. _لا، أني هتصرف وأجيب لها النهاردة. نظر حوله، ثم قال وهو يخلع سترته ويرميها على أقرب مقعد. _أني هدخل الحمام التاني أتحمم فيه هاتيلي هدومي هناك. أومأت والدته، وعيناها تلمعان بحب لا حدود له لابنها الوحيد. _من عينيه يا غالي. انصرف جاسر إلى غرفة والدته المجاورة، بينما طرقت هي على باب المرحاض برفق. _نغم… افتحي خدي الهدوم يا بتي. فتحت نغم الباب بحذر، وأخرجت يدها فقط لتأخذ الملابس، ثم أغلقت الباب مرة أخرى، دون أن ترى أن من كان سبب مأساتها قد عاد، وأنه الآن على بعد أمتار قليلة منها، يفصل بينهما جدار واحد فقط. خرجت نغم من المرحاض، كانت قد ارتدت العباءة البسيطة التي أحضرتها لها أم جاسر، والتي كانت تفوح منها رائحة هادئة بسيطة. شعرت بأنها إنسانة مختلفة عن تلك التي دخلت قبل قليل، جسدها كان أكثر استرخاءً، لكن روحها كانت لا تزال جريحة. وجدتها في انتظارها، وقد أعدت لها كوبًا من اللبن وبجانبه طبق فايش على صينية صغيرة ابتسمت لها بحنان. _تعالي يا بتي، اقعدي نشفي شعرك. جلست نغم بصمت على طرف السرير، وأخذت منها الكوب ويداها ترتجفان قليلًا. بدأت أم جاسر في تجفيف شعرها بفوطة ناعمة، بحركات بطيئة وحنونة، حركات أمومية كانت نغم في أمس الحاجة إليها. _بصراحة كان نفسي في بت اهتم بها وتهتم بيا واعمل معها زي ما بعمل دلوجت، بس نصيبي من الدنيا أخرج بإبن واحد. ساد الصمت لعدة دقائق، لم يكن صمتًا محرجًا بل كان صمتًا مريحًا، كهدنة قصيرة في حرب طويلة حتى انتهت من تمشيط خصلاتها ثم تحدثت بهدوء، وصوتها كان دافئًا كلمساتها وهي تجعل نغم تستدير إليها _عارفة إن الكلام دلوجت تجيل على جلبك، وعارفة إنك شايلة منه ومن الدنيا كلها. لم ترد نغم، لكنها شعرت بغصة في حلقها. تابعت أم جاسر، وكأنها تقرأ أفكارها. _جاسر ولدي، وأنا أدرى الناس بيه طبعه واعر زي ما عمه الله يسامحه رباه، راسه يابسة واللي يحطه في دماغه لازم يعمله مهما كان التمن. عشان إكدة، عايزة أجولك كلمتين تحطيهم حلجة في ودنك الكلمتين دول هما اللي هيخلوكي تعيشي أهنه. كانت نغم تستمع، وقلبها يخفق بترقب. _إياكِ… إياكِ تجفي جصاده. قالتها بنبرة جادة، خالية من أي تهديد بل كانت نصيحة خالصة. _جاسر عامل زي السيل، لو وجفتي في وشه، هيشيلك ويكسرك، هو بيستمد قوته من العناد والمقاومة كل ما تعاندي، كل ما هيزيد في جسوته عشان يثبت لنفسه إنه الأقوى وهو دايمًا لازم يكون الأقوى. صدمت نغم من هذا الكلام هل تطلب منها أن تكون جارية؟ أن تمحو شخصيتها؟ رأت أم جاسر الحيرة والرفض في عينيها، فابتسمت ابتسامة حكيمة وتابعت. _أني مخبراش إنك هتفهميني غلط. أني مش بجولك خليكي ضعيفة، بالعكس أنا بجولك خليكي ذكية ذكية أكتر منه. مالت عليها قليلًا، وخفضت صوتها كأنها تبوح لها بسر. _طاوعيه لما يطلب حاچة، اعمليها لما يجول يمين، جولي يمين لما يجول شمال، جولي شمال. اجتلي چواه الوحش اللي بيتغذى على العناد. لو طاوعتيه في كل حاچة، مش هتديله الفرصة إنه يحس بجوته عليكي، لإنك ببساطة مش بتديله معركة عشان ينتصر فيها. نظرت نغم إليها بعدم فهم. _كيف يعني؟ _يعني لما يلاجيكي مش بتجاومي، هيبطل يهاجم لما يلاجيكي هادية ومطيعة، سلاحه اللي هو الجسوة هيبجى ملوش لازمة وجتها بس، هيبدأ يشوفك أنتِ مش هيشوف فيكي بنت أعدائه اللي لازم يكسرها. وجتها بس هتبدأي أنتِ اللي تسيطري، بهدوئك، مش بعنادك هتكوني زي الماية هادية وساكنة، بس قادرة تفتتي الصخر على مهل. كانت نصيحة معقدة، وفلسفة غريبة في التعامل مع طاغية. كانت أم جاسر تطلب منها أن تخوض حربًا نفسية، لا حربًا مباشرة. أن تنتصر بالاستسلام الظاهري لا بالمواجهة الخاسرة. صمتت نغم، تحاول استيعاب هذا المنطق هل تستطيع فعل ذلك؟ هل تستطيع أن كبرياءها وتطيع الرجل الذي دمر حياتها، على أمل أن تنتصر في النهاية؟ ربتت أم جاسر على يدها مرة أخرى. _أنتِ دلوجت مرته، وده قدرك يا تجبليه وتحاولي تنجي منيه، يا ترفضيه وتفضلي طول عمرك في حرب معاه، وحرب معاه؛ أنتِ بس اللي هتخسريها. فكري في كلامي زين يا بتي فكري زين. ….. خرج جاسر من غرفة الأخرى بعد أن أبدل ملابسه، مرتدياً جلباباً منزلياً مريحاً بلون داكن زاد من هيبته. توجه إلى جناحه كعادته ودخل دون استئذان كأنه يقتحم قلعة يملكها توقع أن يجد والدته بجانبها لكنه وجد نغم تجلس وحدها على حافة الفراش، ظهرها مستقيم، ويداها متشابكتان في حجرها بهدوء غريب. توقف للحظة، عيناه تمسحان الغرفة، ثم استقرتا عليها. سألها بفتوره المعتاد صوت خالٍ من أي عاطفة. _أمي فين؟ ردت نغم بهدوء واستسلام، صوتها كان متساوي النبرة، لم يحمل تحدياً ولا انكساراً. _بتحضر الفطار تحت. ضيق عينيه الجليديتين بشك هذا الهدوء لم يكن طبيعياً أين ذهبت الفتاة التي كانت تصرخ وتنهار بالأمس؟ أخذ ينظر إليها بنظرات ثاقبة، يحاول أن يخترق قناعها لكنه لم يرى سوى استسلام حقيقي لم يستوعبه هل هو سلاح جديد تستخدمه ضده؟ فلتتحمل إذن عواقب لعبتها. قال بسخرية لاذعة، محاولاً استفزازها. _وأنتِ بجا، مستنية أمي تعملك الوكل وتجيبه لحد عندك؟ ردت على نفس وتيرة استسلامها، دون أن ترفع عينيها من على نقطة ثابتة على الأرض. _لا أني كنت نازلة أساعدها. قطب جبينه بحيرة وهو يراها تقوم بهدوء وتتجه نحو الباب حركتها كانت بطيئة، لكنها لم تكن مترددة. _رايحة فين؟ توقفت عند الباب، واستدارت نحوه بجسدها فقط، وقالت بنفس الهدوء القاتل. _رايحة أساعدها، في حاچة تاني؟ تأكد الآن هذا سلاحها الجديد هذا الهدوء ليس استسلاماً، بل هو شكل من أشكال الحرب الباردة حسناً إذا كانت تريد أن تلعب، فهو سيضع قواعد اللعبة. _في كلمتين لازم تعرفيهم جبل أي شيء. تقدم منها خطوة، وسد عليها طريق الخروج اضطرت لرفع رأسها والنظر إليه. _المفروض إنك دلوجت مرتي. والمفروض برضك، إنك تبجي مسؤولة عن كل حاچة تخصني، وتخص أمي يعني مينفعش أكون متچوز وآكل من يد الشغالين، ولا واحدة منهم تنضف أوضتي أو مكتبي، وحتى هدومي. صمت للحظة وعيناه لم تفارق عينيها، يبحث عن أي ردة فعل. _واللي أنتِ مخدتيش بالك منيه… أشار برأسه إلى باب جانبي كبير، لم تكن قد انتبهت له من قبل. _إن ده جناح، مش أوضة، فيه أوضة تانية وحمام تاني، ومطبخ تحضيري صغير. كل ده هيكون مسؤول منك أنتِ من النهاردة، فرح أو غيرها ممنوع يدخلوا الجناح ده إلا بإذني مفهوم؟ كان ينتظر منها أن تعترض، أن تنهار، أن تصرخ لكنها فقط أومأت برأسها إيماءة خفيفة، وقالت بصوت خفيض. _مفهوم. ثم تنحت جانباً، منتظرة أن يفسح لها الطريق حيرته تحولت إلى غضب مكبوت لقد سلبت منه متعة رؤية انكسارها تنحى هو عن الباب بحدة، وتركها تخرج. ……….. عندما دخلت نغم المطبخ السفلي على أم جاسر، سألتها بحيرة _نغم، ايه اللي نزلك من اوضتك. _بنفذ اللي جولتي عليه، طلب مني اعمل الفطار ابتسمت ونس بروية _عين العقل، تعالي بجا اجعدي اهنه و فرح هتعمل الفطور. رفضت بإصرار _لأ انا محتاچة اتوه شوية خليني اساعدكم. كان جاسر يجلس على رأس طاولة الإفطار الضخمة بمفرده، يحتسي قهوته السوداء ويتصفح هاتفه. رفع عينيه عندما دخلتا كانت نظرته فاحصة، مرت على والدته بامتنان صامت، ثم استقرت على نغم كصقر يراقب فريسته. رأى فيها شيئًا مختلفًا لم تكن نظرة التحدي الساذج التي رآها في الجامعة، ولا نظرة الانكسار المهين التي رآها بالأمس. كانت عيناها هادئتين، لكنه كان هدوءًا فارغًا، كهدوء ساحة معركة بعد انتهاء القتال. لم تعد هناك مقاومة لكن لم يكن هناك استسلام حقيقي أيضًا كان هناك… قبول ولكنه قبول بارد للواقع، قبول كان أكثر استفزازًا من أي تمرد. جلست بصمت على الكرسي الذي أشارت إليه أم جاسر، وبدأت في تناول طعامها ببطء، دون أن تنظر إليه كان يشعر بأنه يراقب شبحًا، جسدًا يتحرك ويأكل، لكن روحه ليست هنا وهذا الهدوء هذا الصمت، كان يثير جنونه أكثر من أي صراخ. لقد بدأت حرب الأعصاب، وكان عليه أن يعترف ولو لنفسه فقط أن خصمه ليس بالضعف الذي كان يتوقعه. في تلك اللحظة، دخلت شروق، متألقة كعادتها، وعلى وجهها ابتسامة نصر مصطنعة. _صباح الخير يا جماعة صباح الخير يا… حبيبي. قالت الكلمة الأخيرة ببطء وتلذذ، وهي تنظر إلى نغم من أعلى إلى أسفل، ملاحظة ملابسها البسيطة التي لا تليق بفتاة بسنها لم ترد نغم، ولم ترفع عينيها من طبقها الفارغ هذا التجاهل التام كان أكثر إثارة للغضب من أي رد. _إيه ده يا مرت عمي هي محدش من أهلها بعتلها حتى هدمه تلبسها. قبل أن ترد أم جاسر، جاء صوت جاسر حادًا وقاطعًا كالسيف دون أن يرفع عينيه عن طبقه _شروق صوتك عالي على الصبح. تجمدت شروق في مكانها، وابتلعت بقية كلماتها كانت رسالته واضحة “النقاش انتهى” لأول مرة، شعرت نغم بشيء غريب لم يكن امتنانًا، بل كان إدراكًا إدراك أن حمايتها الوحيدة في هذا البيت بشكل مفارق، هي سلطة الرجل الذي دمر حياتها هو الوحيد الذي يستطيع أن يلجم الأفاعي الأخرى. ❈-❈-❈ قضى أكمل بقية الليلة مع جده، يتحدثان في شتى الأمور، محاولاً أن يملأ صمت المنزل بوجوده قدر الإمكان لكن مع بزوغ الفجر، حان وقت الرحيل نهض أكمل وبدأ في جمع أغراضه القليلة، وشعر بثقل يضغط على صدره مع كل حركة. كان جده يراقبه في صمت من على كرسيه، ووجهه يحمل تعبيرًا من الحزن الهادئ. _ما تخليك يا ولدي… يومين كمان. قال الجد بصوتٍ فيه رجاء خفي. _البيت بينور بوجودك يومين بس يطمنوا جلبي لحد ما ترچع تاني. توقف أكمل ونظر إلى جده، وشعر بقلبه يتمزق. _يا ريت يا جدي… يا ريت أقدر أنت عارف شغل النيابة، مفيش فيه يوم زيادة لازم أكون في مكتبي بكرة الصبح بدري. تنهد الجد تنهيدة طويلة، وأشاح بوجهه نحو النافذة التي بدأت تستقبل ضوء الصباح الباهت. _عارف يا ولدي… عارف ربنا يقويك. ثم صمت للحظة، وأضاف بصوتٍ خافت كاد يكون همسًا، _بس أني بخاف، بخاف يجي أجلي وأنت بعيد عني، بخاف أغمض عيني للمرة الأخيرة ومشوفش وشك جدامي. كانت هذه الكلمات هي المطرقة التي حطمت رباطة جأش أكمل. لقد عبر جده عن أعمق مخاوفه بصراحة مؤلمة، وهذا الخوف انتقل فورًا إلى قلب أكمل. فكرة أن يأتيه خبر وفاة جده وهو بعيد عنه في القاهرة، فكرة أن يفوّت فرصة توديعه، كانت فكرة لا تطاق. جلس أمامه على ركبتيه، وأمسك بيد جده المجعدة والباردة. _يا جدي، عشان خاطري عشان الخوف ده اللي في قلبي وقلبك تعالى معايا القاهرة والله لأشيلك في عنيا هتبقى وسطينا، ومش هتبقى لوحدك لحظة واحدة لا بالليل ولا بالنهار. هز الجد رأسه ببطء وعناد، وابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيه. _مجدرش يا أكمل مجدرش أسيب أرضي لو طلعت من ٱهنه، يبقى طلعت روحي معايا هنا ريحة أبوك وهو صغير، وهنا ذكرياتي مع جدتك، وهنا قبري اللي جنب قبرها ده مكاني يا ولدي. نظر في عيني حفيده بحب عميق. _متجلجش عليا، ربنا كريم وهو اللي بيحدد الميعاد والمكان. أدرك أكمل أنه يخوض معركة خاسرة عناد جده وحبه لهذه الأرض أقوى من أي خوف لم يكن أمامه سوى الاستسلام للواقع المرير. نهض وانحنى وقبّل يدي جده وجبينه _هتوحشني يا جدي. _وأنت كمان يا قلب جدك خلي بالك من نفسك، ومتنساش تتصل تطمني عليك كل يوم. _أوعدك. قال أكمل وصوته متحشرج. _وأوعدك أول ما آخد إجازة طويلة، هجيلك على طول وهقعد معاك أسبوع بحاله. _مستنيك يا ولدي. حمل أكمل حقيبته الصغيرة، وسار نحو الباب بخطوات ثقيلة عند الباب، التفت وألقى نظرة أخيرة على جده، الجالس في كرسيه، يبدو صغيرًا وهشًا في ضوء الصباح لوّح له بيده، وخرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا قطعة من قلبه في ذلك المنزل الصغير. ركب سيارة الاجرة التي اتى بها حسان الذي لم يرتاح له مطلقاً، يعرف انه يهتم بجده لكنه أيضاً يشعر بأن وراه سر، القى نظرة اخيرة على المنزل وانطلق على الطريق الطويل العائد إلى المطار، وكلمات جده الأخيرة ترن في أذنيه: “بخاف أموت لوحدي”. شعر بقلق عميق ينهش روحه، ودعا من كل قلبه أن يطيل الله في عمر جده حتى يتمكن من الوفاء بوعده والعودة إليه مرة أخرى. ❈-❈-❈ خرج عدي من غرفة مالك، وأغلق الباب خلفه بهدوء حاسم لكن هذا الهدوء كان مجرد قشرة خارجية تخفي بركانًا من الغضب والعجز والارتباك. ترك وراءه صمتًا مدويًا، وكلمات اعتراف قاسية ألقاها في وجه أخيه، كلمات كانت بمثابة إعلان حرب على ضعفه الشخصي. لم يعد إلى جناحه لم يستطع مجرد التفكير في مواجهة روح الآلم كان كافيًا لشل حركته. كيف سيواجه عينيها؟ تلك النظرات الفارغة التي أصبحت مرآة للخراب الذي أحدثه كيف سيواجه صمتها الذي كان أعلى من أي صراخ؟ بدلًا من ذلك، نزل الدرج بخطوات سريعة وعصبية، وتوجه إلى حديقة المنزل الخلفية بعيدًا عن الأضواء والعيون جلس على مقعد حجري منعزل تحت شجرة زيتون قديمة، أغصانها الملتوية تشبه روحه المعقدة كان الهواء باردًا، لكنه لم يشعر به كل حواسه كانت مركزة على العاصفة التي تدور في رأسه. أخرج هاتفه، وشاشة الهاتف المضيئة كانت النور الوحيد في ظلامه بدأ يبحث في جهات الاتصال، وعقله يعمل بسرعة محمومة، يقفز من فكرة إلى أخرى، من خطة إلى خطة، كل واحدة أكثر تهورًا من سابقتها. “لازم أكلم أكمل… هو وكيل نيابة، أكيد يعرف ثغرة في القانون… ثغرة تخلّي العقد ده باطل أي حاجة… تزوير، إكراه… لازم يكون فيه مخرج.” مرر إصبعه بسرعة على الأسماء، ثم توقف. “لا… القانون بطيء، والوقت بيجري. يمكن حد من رجالتنا اللي في البلد التانية… اللي ليهم شغل مع التهامية لازم أعرف أي معلومة عن البيت اللي هي فيه مين بيحرسه، مين بيدخل، مين بيخرج لازم أعرف نقطة ضعفهم.” كان غارقًا تمامًا في مهمته لإنقاذ نغم لقد تحولت نغم في عقله من مجرد ابنة عمه التي يجب حمايتها، إلى قضية شخصية، إلى مهمة مقدسة كانت هي مهربه المثالي مهربه من مواجهة الخراب الذي أحدثه في حياته وحياه روح. كل دقيقة يقضيها في التخطيط لإنقاذ نغم كانت دقيقة لا يضطر فيها للتفكير في الجرح الذي حفره في ذراع روح، أو الجرح الأعمق الذي غرسه في قلبها. كل مكالمة يجريها كانت تصرخ في وجه نفسه: “أنا لست فاشلاً! أنا رجل أفعال! أنا أحمي عائلتي!”. كان يحاول أن يثبت رجولته في ساحة معركة بعيدة، لأنه فشل في إثباتها في ساحة المعركة الأقرب والأهم: بيته. كان تفكيره خاطئًا ومتهورًا. لم يفكر في العواقب لم يفكر في أن أي حركة غبية قد تضع نغم في خطر أكبر، أو تشعل حربًا حقيقية بين العائلتين. كان مدفوعًا بالأنا المجروحة والغيرة المكبوتة والرغبة في الظهور كبطل، البطل الذي لم يستطع أن يكونه في عيون زوجته. نظر إلى شاشة هاتفه مرة أخرى، وضغط على رقم أحد رجاله الموثوقين في البلدة المجاورة والذي يقوم بمساعدته. “اسمعني زين…” بدأ يتحدث بنبرة آمرة، يلقي بالتعليمات، ويرسم الخطط كان يشعر بالقوة، بالسيطرة لكنها كانت قوة زائفة، وسيطرة وهمية كان كمن يحاول إطفاء حريق ضخم في بيت جاره، بينما بيته هو يحترق من الداخل، وهو من أشعل فيه النار بيديه. *** في الطابق العلوي، وقف مالك في غرفته مصدوماً، كمن تلقى لكمة قوية أطاحت به أرضاً، اعتراف عدي الصريح والبارد كان كالصخرة التي أُلقيت في مياه هادئة، أحدثت تموجات عنيفة من الغضب والأسف والارتباك. لم يستطع أن يصدق أن عدي، أخاه الهادئ الحنون، يمكن أن يتحول إلى هذه النسخة القاسية التي تتحدث عن تعذيب زوجته وكأنه أمر عادي. كل ما فكر فيه هو “روح”. كيف قضت ليلتها؟ كيف تحملت تلك القسوة؟ وكيف ستعيش أيامها القادمة مع رجل يعترف ببرود أنه “عذبها”؟ لم يستطع الجلوس مكتوف الأيدي. دفعه شعور قوي بالمسؤولية والحماية، غريزة قديمة لحماية المرأة التي أحبها بصمت، نهض، ومشى خطوتين نحو الباب، ثم توقف. إلى أين سيذهب؟ وماذا سيفعل؟ هل سيواجه أخاه؟ هل سيحاول التحدث مع روح؟ مرة أخرى، جلس على حافة سريره عاجزاً، يضرب بقبضته على فخذه في إحباط صامت. لقد أدرك الحقيقة المرة، الجرح أعمق مما تصور، روح لم تعد مجرد ضحية تنتظر الإنقاذ. لقد أصبحت باعتراف عدي نفسه، حارسة لسجنها. هي التي تدافع عن هذه العلاقة السامة أمام الجميع. لم يعد يعرف من يجب أن يحمي، ومن يجب أن يلوم. هل يلوم أخاه على قسوته، أم يلوم روح على صمتها الذي يحميه؟ كل ما عرفه هو أن هذه العائلة تتهاوى، وأن الأسرار التي تختبئ خلف الأبواب المغلقة أشد فتكًا من أي عداوة معلنة. في غرفة عدي وروح في نفس اللحظة، دخلت روح إلى غرفتها وحيدة. ما إن أغلقت الباب خلفها، حتى سقط قناع السرور الهادئ الذي كانت ترتديه طوال اليوم. استندت بظهرها على الباب الخشبي، كأنها تبحث عن أي شيء صلب يمنعها من الانهيار. ثم انزلقت ببطء على الأرض، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وانفجرت في بكاء صامت ومكتوم، بكاء يهز جسدها دون صوت. كانت تبكي على كرامتها التي تدافع عنها بأسنانها، وعلى الكذبة الكبيرة التي أُجبرت على حمايتها للحفاظ على ما تبقى من سلام هش. وسط دموعها، لم تستطع منع عقلها من المقارنة. تذكرت نظرات “سند” لـ “وعد” خلال الفرح. كانت نظراته تحمل ثقلاً حزناً، ومسؤولية. كان ينظر إليها كشريكة في حمله، كرفيقة في معركة فرضت عليهما. كان هناك احترام في عينيه، اعتراف ضمني بالألم المشترك. كان زواجهما مبنياً على أنقاض، لكنهما كانا يقفان معاً وسط هذه الأنقاض، يعترفان بوجودها. ثم تذكرت نظرات “عدي” إليها. كانت نظراته مختلفة تماماً، لم تكن تحمل حزناً، بل كانت تحمل ضيق. لم يكن يراها شريكة بل يراها ابتلاء، كانت نظراته حادة، تخترقها، تذكرها في كل لحظة أنه ليس لها، وأن ما يحدث بينهما في الغرفة المغلقة هو سرهما وحدهما، حربهما الخاصة التي لا يجب أن يراها أحد. سند ووعد كانا ضحيتين للظروف، يحاولان بناء شيء من لا شيء. أما هي وعدي، فكانا في مسرحية متقنة. هو المخرج القاسي، وهي الممثلة المطيعة التي تؤدي دور الزوجة السعيدة أمام الجمهور، بينما في الكواليس، تعيش تحت رحمته وتقلباته. مسحت دموعها بقوة. أدركت في تلك اللحظة أن وضعها أسوأ بكثير من وضع وعد. فوعد تعرف الظروف والماضي. أما هي فلا. نهضت عن الأرض، ونظرت إلى انعكاسها في المرآة. رأت امرأة لا تعرفها، امرأة ذات عينين متعبتين، وابتسامة زائفة جاهزة للاستخدام. وتساءلت في رعب صامت: إلى متى ستستطيع الاستمرار في هذه التمثيلية قبل أن تنهار وتكشف كل شيء؟ أم أنها ستفقد نفسها تماماً وتتحول إلى مجرد ظل، مجرد صدى لما كانت عليه يوماً ما؟ ❈-❈-❈ جناح سند ووعد.. عندما أُغلق باب جناحهما، ساد صمتٌ كثيف لكنه لم يكن صمتًا عدائيًا، بل كان صمتًا مليئًا بالترقب والحذر وقفت وعد في منتصف الغرفة، وثوبها الأبيض الهادئ يبدو كشبح من الماضي، وقلبها يخفق بترقب وخوف. سند بوقاره المعتاد، واجهها مباشرة، مدركًا ثقل اللحظة ومسؤوليته تجاهها. _وعد.. بدأ بصوت هادئ وعميق، _أنا عارف إن دي مش الطريجة اللي كنا بنحلم بيها. وعارف إن جلوبنا فيها وجع وحزن على اللي حصل بس إحنا دلوجتي جدام الأمر الواقع. تقدم نحوها خطوة، وعيناه تحملان صدقًا ومسؤولية. _إحنا دلوجت بجينا متزوچين. ومجدرش أبدأ حياتي معاكي على كدبة الماضي مش هيتمحي، بس نجدر نختار إنه ميكسرش مستجبلنا نجدر نبني حاچة حجيجية من وسط كل الخراب ده. كانت كلماته عملية، لكنها كانت أيضًا محترمة لم يعدها بالحب الذي لا يملكه، لكنه وعدها بالاحترام والبداية الصادقة. نظرت إليه وعد، ورأت في عينيه الرجل الذي طالما حلمت به، رجل شريف يحاول فعل الصواب حتى في أصعب الظروف أدركت أن هذه هي فرصتها إما أن تظل أسيرة دور “البديلة”، أو أن تكون شريكته في بناء هذا الجسر. قالت بصوت خافت لكنه ثابت. _وأنا كمان رايدة أبدأ بداية حقيقية ابتسم سند ابتسامة خفيفة، كانت الأولى الحقيقية في ذلك النهار كانت ابتسامة تحمل ارتياحًا وامتنانًا. كان هناك سؤال يؤلمها، سؤال يجب أن تسأله لتستطيع أن تتنفس، لتستطيع أن تكون زوجته بالكامل. همست باسمه بصوت خفيض، كأنها تخشى إيقاظ وحش نائم. _سند… نظر إليها بحنو، بعينين تحملان دفئًا جديدًا لم تعهده من قبل كان ينتظر حديثها بصبر، مستعدًا لسماع أي شيء ورغم ترددها، رغم خوفها من ردة فعله، إلا أنها قالتها أخيرًا، الكلمة التي كانت معلقة في حلقها. _نغم… في لحظة، تحولت نظراته الهادئة إلى قناع جليدي، نظرة مبهمة احتارت في تفسيرها. رأت فيها غضبًا مكبوتًا وألمًا عميقًا، وحسمًا قاطعًا تجمدت في مكانها وندمت على أنها تحدثت لكن سند، رغم الغضب الذي شعر به عند سماع اسمها، رأى الخوف في عينيها، وفهم أنها لا تسأل لتلومه، بل لتطمئن. فتحدث بروية بصوت هادئ لكنه كان يحمل قوة الفولاذ. _نغم اختارت جحيمها بإيديها وكسرتنا كلنا قدام التهامية ومن يومها، وهي بجت خارج حياتي. همت بالمعارضة، أرادت أن تدافع عن عنها، أن تقول له إنها أُجبرت لكنه منعها بحركة رقيقة وحاسمة وضع أنامله على شفتيها، وأسكتها. _ششششش مش عايز كلام تاني في الموضوع ده، لأنه اتجفل معاي. جذبها إليه برفق، يقربها منه حتى أصبحت أنفاسهما تختلط. تطلع بعمق في عينيها، وقال بصدق هز كيانها. _من وجت ما وافجت على چوازي منك، شيلت كل الحسابات من دماغي أني مش خاين عشان أكون متجوز واحدة وأفكر في غيرها، حتى لو كانت من دمي، نغم بنت عمي، ولو احتاجتني في يوم، هكون ضهر تتسند عليه غير كدة لا أنتِ مرتي يا وعد، وأنتِ وبس اللي ليكي كل اهتمامي وحياتي. أراحها حديثه لم يمحُ قلقها على أختها، لكنه طمأنها بأن نغم لم تعد وحدها بالكامل، وأن سند رغم غضبه لن يتخلى عن واجبه كابن عم لها والأهم من ذلك، أنه أكد لها مكانتها في قلبه، مكانة لم تكن تحلم بها. قرّبها سند إليه أكثر، حتى التصق جسدها به مال عليها، وقبلها قبلة كانت مختلفة تمامًا عن أي شيء مضى لم تكن قبلة واجب، بل كانت قبلة تحمل في طياتها بداية جديدة، اعترافًا صامتًا بوجودها، ورغبة حقيقية في اكتشافها. توجه بها إلى الفراش كانت هذه المرة عكس الليلة الماضية تمامًا في المرة السابقة، كان هناك حاجز غير مرئي بينهما، كان كل منهما يؤدي دورًا أما الآن، فقد انهار الحاجز كانت لمساته حقيقية، تحمل شغفًا وحنانًا كان ينظر إليها كأنه يراها للمرة الأولى، يكتشف تفاصيل وجهها، نعومة بشرتها، لمعان عينيها. لم تكن تقضية واجب، بل كانت استكشافًا، كان كل منهما يستكشف الآخر، ويبحث عن ملاذ في حضنه من عواصف الخارج كان هناك شيء جديد يولد بينهما في تلك اللحظة، شيء لا هو ولا هي يعرفان كنهه بعد، لكنهما شعرا به شعرا بأن هذه الليلة ليست مجرد ليلة في زواج مرتب، بل هي الفصل الأول في قصة لم تُكتب بعد، قصة قد تحمل في طياتها حبًا لم يكن في الحسبان. كانت ليلة زفافهما الثانية، لكنها كانت الأولى حقًا في الليلة الماضية، كان كل شيء ضبابيًا، مجرد طقوس باهتة يؤديانها كواجب اجتماعي، وقلوبهما كانت في مكان آخر. أما الآن فكانت الغرفة هادئة والأضواء خافتة، ولم يكن هناك سوى هما الاثنان وعبء الأسئلة التي لم تُطرح بعد. كانت تشعر بأنها تغرق في نعومة الحرير، لكن قلبها كان مثقلًا بحجر كانت سعيدة بقربها من سند، سعيدة بشكل لم تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها لكن سعادتها كانت منقوصة، يطاردها شبح تلك التي تركت خلفها فراغًا مؤلمًا. ❈-❈-❈ في المساء جلس سالم في شرفة غرفتهما، يحدق في الظلام بشرود وكوب الشاي في يده قد برد تمامًا كان جسده هنا، لكن عقله وروحه كانا في مكان آخر، في تلك السرايا التي تسجن ابنته، يتخيل كل تفصيل مؤلم تخبره به “فرح” في تقاريرها اليومية التي أصبحت كجرعات السم. خرجت ورد من الغرفة، وقد ارتدت رداءً خفيفًا فوق ملابس نومها رأته جالسًا وحيدًا، وشعرت بقلبها ينقبض لأجله اقتربت منه بهدوء، ووضعت يدها على كتفه لم يلتفت، لكنه ربت على يدها برفق. جلست على الكرسي المجاور له، وقالت بصوت حنان. _لسه صاحي يا سالم؟ مش هتنام؟ انت منمتش طول الليل. تنهد سالم تنهيدة عميقة، خرجت من أعماق روحه المعذبة. _النوم مجافيني يا ورد كيف أنام وبتي هناك معرفش حالها إيه؟ _ربنا معاها يا حبيبي ربنا كبير ومش هيسيبها. صمت ساد المكان للحظات، لم يقطعه سوى صوت اصوات الليل. كانت ورد تراقبه ترى خطوط القهر والتعب محفورة على وجهه لكن كان هناك قلق آخر يؤرقها، قلق جديد بدأ ينمو في قلبها. _سالم… تطلع إليها _خير يا ورد؟ ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت خفيض. _أني حاسة إن في حاجة مش طبيعية بين روح وعدي. التفت إليها سالم أخيرًا، وقطب حاجبيه. _مش طبيعية كيف يعني؟ _مخبراش. بس… حاسة إنهم بعاد عن بعض عدي الصبح خرج من البيت، عارف يعني ايه عريس يطلع يوم صبحيته، ولما رجع كان مكشر ومبيكلمش حد. وروح… روح دبلانة يا سالم الفرحة مطفية في عينيها النهاردة شوفتها قاعدة على الفطار مكسورة، سرحانة وباين عليها الهم وعدي كان جاعد جانبها ده مش حال عرسان لسه في أول أيامهم. كان سالم يستمع إليها، وكل كلمة كانت تضيف حملًا جديدًا فوق الحمل الذي ينوء به. هو نفسه كان مذبوحًا من الداخل بسبب الأخبار التي تصله عن نغم، عن رفضها للطعام، عن بكائها الصامت عن انكسارها الذي ينقله له جاسر عمدًا. لم يكن لديه القدرة على تحمل مشكلة أخرى، كارثة جديدة تلوح في الأفق. أجبر نفسه على رسم ابتسامة باهتة، وحاول أن يطمئنها، وكأنه بذلك يطمئن نفسه. _يا ورد يا حبيبتي، أنتِ بس اللي جلجانة زيادة. اللي حصل لنغم كسرنا كلنا، أكيد أثر عليهم عدي طبعه حامي، وأكيد غيرته على بنت عمه واكلاه وروح متعلقة بنغم جوي، طبيعي تكون زعلانة عشانها. اديهم بس شوية وقت، وهتلاقيهم أحسن من السمن على العسل. لم تقتنع ورد تمامًا، حدسها كأم كان يصرخ بأن هناك ما هو أعمق من ذلك. _ياريت يا سالم ياريت يكون إحساسي غلط قلبي مش مستحمل وجع تاني. مد سالم يده وأمسك بيدها، وضغط عليها برفق. _متخافيش كله هيبجى زين المهم دلوجت ندعي لنغم ربنا يقويها ويصبرها. نظر إلى الظلام مرة أخرى، وعاد عقله إلى ابنته الأسيرة كان يطمئن زوجته، بينما هو نفسه كان يغرق في بحر من العجز كل همه، كل تفكيره، كان منصبًا على إيجاد طريقة، أي طريقة، لينقذ بها نغم من جحيمها، حتى لو كان الثمن هو حياته لم يكن يعلم كيف، لكنه أقسم في سره أنه لن يتركها فريسة لهم طويلًا. ❈-❈-❈; ❈-❈-❈