بنوتة صغيرة
بنت صغيرة عندها 6 سنين دخلت برجي في القاهرة الجديدة وسط عاصفة شتا قوية، ومدّتلي خاتم كنت فاكر إني عمري ما هشوفه تاني. لكن اللي قالته بعد كده هدّ 9 سنين من الكدب، وكشف أسرار عيلتي دفنتها، وخلاني أشك في كل حاجة صدقتها عن الست اللي حبيتها زمان.
اسمي كريم المنشاوي، واليوم اللي حياتي اتقلبت فيه بدأ ببنت صغيرة واقفة لوحدها في استقبال برج المنشاوي.
المطر كان نازل بغزارة الصبح ده.
برا، العربيات كانت بتشق الشوارع الغرقانة، والناس بتجري مستخبية تحت الشماسي.
أما جوا مقر شركتي، فكل حاجة كانت بتلمع رخام فاخر، نجف ضخم، ديكورات نحاس، والهدوء اللي بييجي مع النفوذ والفلوس الكتير.
الكل كان ماشي في حاله
مديرين.
محامين.
مستثمرين.
ولا حد خد باله من البنت الصغيرة اللي دخلت من الباب الدوار.
في الأول على الأقل.
ماكانش عندها أكتر من ست سنين.
بالطو رمادي واسع مغطي جسمها الصغير.
خصلات شعرها السودة كانت مبلولة، والمية بتنقط على الأرض.
وكل خطوة كانت بتطلع صوت خفيف من الجزمة المبلولة.
لكن رغم كده، كانت ماشية بثقة غريبة.
راحت مباشرة على مكتب الأمن.
واحد من أفراد الأمن انحنى ناحيتها وقال بلطف
يا حبيبتي، إنتِ تايهة؟
هزت راسها بالنفي.
وقالت
أنا لازم أقابل الأستاذ كريم المنشاوي.
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
الموضوع مش بيتم كده يا حبيبتي.
لكنها كررت نفس الجملة
لازم أقابل الأستاذ كريم المنشاوي.
كان في حاجة في صوتها خلت الناس ترفع راسها وتبص.
ومن ضمنهم مدام نادية.
الست اللي كانت بتدير شؤون العيلة من أكتر من 30 سنة.
نوع الستات اللي بتلاحظ أي تفصيلة مهما كانت صغيرة.
وأول ما شافت عيون البنت
اتجمدت مكانها.
عيون رمادي مزرقة.
مألوفة.
بشكل مؤلم.
وقبل ما تتكلم
باب الأسانسير الخاص اتفتح.
وخرجت أنا منه وأنا بكمل مكالمة في التليفون.
عندي 37 سنة.
وقضيت سنين طويلة بحول إمبراطورية أبويا المٹيرة للجدل إلى مجموعة شركات محترمة وناجحة.
معظم الناس كانوا يعرفوني كرجل أعمال ملياردير.
وفي ناس لسه فاكرة تاريخ العيلة القديم.
لكن في الحالتين
نادراً حد كان بيقف في طريقي.
لحد الصبح ده.
بصيت ناحية التجمع عند الأمن.
وقلت
في إيه؟
محدش رد فورًا.
لكن البنت الصغيرة استدارت ناحيتي.
وقالت بثبات
إنت كريم المنشاوي.
ماكانتش بتسأل.
كنت أنا فعلًا.
نزلت التليفون من على ودني.
وقلت
أيوه.
مدّت إيديها جوه جيب البالطو.
وصوابعها كانت بتترعش من السقعة.
ولما فتحت كفها
لقيت خاتم دهب صغير مستقر فوق إيديها.
بسيط.
قديم.
ومألوف بشكل مرعب.
وقالت
أنا جيت أرجع خاتم ماما.
الصمت نزل على المكان كله.
حسيت قلبي وقف ثانية.
وسألتها
خاتم مامتك؟
قالت
هي قالت إنه بتاعك.
حاجة جوا صدري اتقبضت.
نزلت على ركبتي قدامها.
وأخدت الخاتم منها.
كان لسه دافي من حرارة إيديها.
قلبته ببطء.
ولما شفت النقش اللي عليه
حسيت الأرض بتلف بيا.
ك . م للأبد
ما شفتش الخاتم ده من حوالي تسع سنين.
واسم خرج من بين شفايفي من غير ما أحس
سارة
الذكريات هجمت عليّ دفعة واحدة.
بنت صغيرة كنت بحبها.
وعد بمستقبل مع بعض.
وحياة اختفت فجأة من غير تفسير.
في اللحظة دي
سمعت صوت كعب عالي بيخبط على الرخام.
كريم، والدتك مستنياك فوق، والمحامين وصلوا من مكتب
لكن الصوت سكت فجأة.
لفيت.
كانت دينا شريف.
أنيقة.
مثالية.
الست اللي عيلتي
فضلت سنين تحاول تقنعني أتجوزها.
عينيها وقعت فورًا على الخاتم.
ولون وشها اختفى بالكامل.
ثانية واحدة بس.
وبعدين رجعت تبتسم.
لكن الخۏف كان واضح جوا عينيها.
وقالت
إيه ده؟
بصيت لها.
وبعدين للبنت.
وبعدين للخاتم.
وكان إحساسي بيقولي إن في حاجة غلط.
غلط جدًا.
ومدام نادية كانت حاسة بنفس الشيء.
لأنها كانت باصة للبنت كأنها شافت شبح.
وفجأة
البنت الصغيرة مسكت كم القميص بتاعي.
بصيت لها.
عيونها الرمادي المزرق ثبتت في عيني.
نفس العيون اللي كنت فاكرها من زمان.
وبعدين قالت بهدوء جملة خلت الډم يتجمد في عروقي.
لأن لو اللي بتقوله حقيقي
يبقى عيلتي ما خبتش عني الحقيقة وبس.
دي بنت حياة كاملة فوق كدبة واحدة.
والشخص المسؤول عن كل ده
كان واقف على بعد خطوات مني.
أكيد، دي خاتمة طويلة ومشوقة على نفس أسلوب القصة
في اللحظة دي
البنت الصغيرة رفعت عينيها ناحيتي وقالت بهدوء
ماما قالتلي لو لقيتك أقولك إني بنت سارة.
حسيت كأن حد ضړبني في صدري.
الهواء اختفى من حواليا.
ودينا اتراجعت خطوة لورا.
أما مدام نادية فحطت إيدها على بقها.
إيه؟! خرجت مني بالعافية.
البنت مدتلي ورقة مطوية.
ماما قالت أديهالك لو شوفتك.
فتحت الورقة وإيدي بتترعش.
وكان أول سطر فيها
لو إنت بتقرا الرسالة دي يا كريم، يبقى أنا غالبًا مبقتش قادرة أحمي بنتنا لوحدي.
بنتنا.
الكلمة ضړبتني زي الصاعقة.
رفعت عيني للبنت.
بعدين للورقة.