قصة حصرية روايات رولا
:
الفصل الأول:
اسمي ياسمين، وكان عندي تسعة وعشرين سنة لما حماتي دشدشت رجلي بنشابة الخشب بتاعة الفطير.
بس العضم اللي اتكسر وبقى بارز من تحت جلدي المورم مكنش هو الحاجة اللي دمرتني.. العضم بيتحسن، والجبس بيلملم دنيتك لحد ما الكالسيوم يرجع يربط اللي اتفصل. لكن اللي كسر فيا حتة عمرها ما هتتصلح، كان صوت جوزي.. وهو بيتكلم بمنتهى البرود والهدوء، وموافق إن ده العقاب اللي أستاهله.
الليلة دي بدأت زي ليالي كتير عادي في بيت عيلة “الشناوي” في التجمع الخامس. البيت كان عامل زي متحف متفصل على مقاس إيجو “فوزية” حماتي.. مكان نضيف زيادة عن اللزوم، ومترتب بشكل مستفز، التراب فيه ممنوع، وأي اعتراض على كلامها بيتعامل معاملة الخيانة العظمى. الصالة كانت ريحتها تقلية توم، ورطوبة خانقة، وريحة برفيوم الورد الفاقع اللي فوزية بتحطه.
كنت واقفة جنب رخامة المطبخ الكبيرة اللي في النص. كنت عاملة طاجن لحمة بالبصل بيغلي على البوتاجاز. “حسين”، حمايا، كان ساند بضهره على التلاجة، ووشه أحمر دم.. وده الطبيعي بتاعه بسبب الضغط العالي اللي مبيجردش يعالجه ولا يسمع الكلام فيه.
كل اللي عملته إني دوقـت الدمعة بمعلقة خشب، وقلت بمنتهى الأدب: “عمي حسين، بلاش تاكل من الدمعة دي النهاردة.. الملح فيها عالي أوي والضغط عندك مش مستحمل، عشان صحتك بس.”
روايات رولا
في أي بيت طبيعي، الكلمتين دول يتقال عليهم طيبة وخوف على صحة راجل كبير. لكن جوه الحيطان دي، وتحت نظرات فوزية الفرعونية، أنا كنت ارتكبت جري..مة لا تغتفر.. أنا لمحت إن أكلها فيه عيب، والأوضع من كده، إني قلت ده قدام رجالتها.
فوزية ميزعقتش، مأوحتش.. هي ببساطة مدت إيدها وجابت النشابة الخشب التقيلة اللي كانت بتفرد بيها العجين الصبح.
وقالت بصوت واطي فحيح وزي السم: “عشان بعد كده تعرفي إزاي تعملي مصلحة وتصغريني قدام ابني.”
الخبطة الأولى جت على غفلة، لشت ركبتي.. اتطوحت لورا. الخبطة التانية كانت بكل عزمها وجت في قصبة رجلي.. بس الخبطة التالتة بقى، كان ليها صوت مكتوم وناشف، زي غصن شجرة ناشف بيطق في عز البرد.
وقعت على جنبي على أرض المطبخ السيراميك التلج. إيدي اليمين غطست في طبق دقة قوطة بالخل كان مدلوق، وبقى السائل الساقع ملطخ جلدي. الوجع.. كان عبارة عن كهربا بيضا عمت عيني وضُربت من قصبة رجلي لحد صدري، لدرجة إني مكنتش قادرة أصرخ. النفس اتقطع. بقيت بطلع صوت حشرجة غريب وأنا ببص لفوزية اللي واقفة فوق راسي زي ما تكون بطلة حررت بلدها من غازي.
حسين فضل واقف في مكانه، مربع إيديه ومثبت عينيه على رجلي اللي بقت متنية بزاوية غريبة ومش طبيعية.. مرمش حتى، ولا خطى خطوة واحدة.
”شريف..” همست والعرَق الساقع بينزل على قفايا، وعيني بتغيم لحد ما بقيت مش شايفة غير خط الصالة بره. “أبوس إيدك.. وديني المستشفى.”
جوزي ظهر عند باب المطبخ. كان لابس قميص الشغل الأبيض وبنطلونه المكوي، وماسك في إيده اليمين الموبايل بيلعب فيه بإبهامه. وشه كان عليه نفس النظرة الباردة المألوفة بتاعة القرف والزهق اللي بيبصلي بيها كل ما بطلب منه حاجة.
خلال السنتين اللي فاتوا، أنا شفت شريف بيتحول من الراجل الحنين اللي اتجوزته لشخص غريب بينتقد حتى صوت نفسي.. بس الليلة دي، وأنا مرمية في الأرض وسط الأكل المدلوق، آخر قناع لآدميته وقع تماماً.
تنهد وهو بيبص للمعجنة اللي في الأرض مش لرجلي: “عملتي إيه تاني يا ياسمين؟”
اتخنقت بدموعي: “أمتك كسرتلي رجلي.”
روايات رولا
شريف نزل عينيه.. مفيش أي خضة، مفيش أي لهفة، مفيش حتى ذرة قلق في عينيه السودا.. كان فيه بس ضيق حقيقي، كأن الوجع بتاعي ده جاي يبوظ عليه سهرة الثلاثاء بتاعته.
برطم وقال: “أنتِ طول عمرك بتهولي كل حاجة.”
”مش قادرة أحركها يا شريف.. هتموتني.. أرجوك.”
خطى تلات خطوات وربع جنبي.. في ثانية واحدة غبية، قلبي دق، قلت يمكن لما يشوف منظر رجلي يفوق، يمكن يشيلني.. لكنه مد إيده، ومسك فكي بين إبهامه وسبابته وضغط بكل عزم الصباعين لحد ما سناني وجعتني، ورفع وشي لعينيه الباردة.
وقال بصوت واطي وبأستاذية مستفزة: “يا ياسمين، أنا قلتلك كام مرة؟ في البيت ده، أنتِ بتسمعي الكلام وبس.”
أنا كان عندي تسعة وعشرين سنة.. كنت محللة مالية سينيور ومعايا ماجستير، متعلمة في أحسن جامعات وبقبض مرتب أكتر بكتير من الراجل اللي ماسك وشي زي الكماشة ده.. ورغم كده، وأنا مرمية على البلاط الساقع، حسيت إني عيلة صغيرة بتتعاقب لمجرد إنها موجودة.
شهقت وأنا حاسة بوجع رجلي بيبدأ ينبض مع ضربات قلبي السريعة: “كنت خايفة على أبوك.”
فوزية طلعت ضحكة تريقة عالية من فوقنا: “سمعت يا شريف؟ لسه عايشة في دور الشيخة خديجة اللي بتنقذ العيلة.. من ساعة ما دخلت البيت ده وهي شيفا نفسها علينا عشان الشهادة الكبيرة اللي معاها.”
شريف وقف بالراحة، ومسح صوابعه في بنطلونه الغالي كأن لمس وشي وسخه.. وبص لأمه.
”خلاص يا ماما.. هي فهمت الدرس خلاص.”
في الثانية دي، أنا اتشبثت بالكلمتين دول.. قلت خلاص هيوقفها، هياخدني للدكتور.
بس الصدمة اللي دمرت الجوازة دي بجد جت بعدها.
شريف لف ضهره وقال ببرود: “تفضل هنا النهاردة تفكر في اللي عملته.. والصبح نبقى نشوف حوار المستشفى ده.”
صرخت بكل صوتي والادرينالين مديني طاقة: “شريف، رجلي مكسورة!”
وقف عند الباب وبص ورا كتفه: “كنتِ فكري في العواقب قبل ما تقللي أدبك على أمي.”
وسابوني ودخلوا الصالة.. بعدها بدقائق، سمعت صوت الماتش اشتغل في التلفزيون، وصوت المعالق بتخبط في الأطباق، وضحكهم مالي المكان.. كانوا بياكلوا عادي جداً كأنها ليلة طبيعية.
شنطتي كانت على سفرة المطبخ، مش بعيد.. جواها موبايلي، كروتي، وبطاقتي. فوزية كانت واخداهم مني من شهور بحجة “عشان متصرفيش فلوسك في حاجات ملهاش لازمة”.. وشريف وافقها وقال إن ده لمصلحتنا المادية.روايات رولا
بعد ما سقطت في الشهر الثالث السنة اللي فاتت—لأن فوزية خبت مفاتيح العربية وأخرتني عن المستشفى ساعات وأنا بنزف وبموت من المغص وتقولي “ده شوية برد في المعدة”—كان لازم أفهم.. كان لازم أهرب وقتها.. أنا كنت عارفة ترتبي في البيت ده كويس: وجعي دايماً بيجي في آخر القائمة.
الوقت بقى غريب وممل.. ساعات كنت بغيب عن الوعي تماماً من الوجع، وساعات أصحى على صوت إعلان في التلفزيون أو ضحكة طالعة من الصالة.
في وقت ما، البيت هدي، وسمعت صوت شريف واصل للمطبخ بوضوح.
”الستات لازم تتربى من الأول يا بابا.. وإلا بعد كده هيركبوك.. هي كانت محتاجة القرصة دي.”
سماع الجملة دي مكسرنيش أكتر.. بالعكس، وبشكل معجزي، عمل العكس تماماً.. حاجة جوه صدري—غريزة بقاء كانت نايمة—صِحيـت.. غشاوة الخوف طارت، وعرفت بيقين مرعب إني لو فضلت على الأرض دي للصبح، أنا ممكن مطلعش من البيت ده عايشة.
أنا مش هموت على بلاط فوزية الشناوي.
الفصل الثاني: الزحف في الضلمة
مبقتش مستنية حد ينقذني.. بقيت أنا المنقذ لنفسي.
حركة جسمي كانت كابوس.. كل سنتي بتحركه كان كأن فيه نار بتتحقن في عروقي. رجلي اليمين كانت زي حمل ميت ومكسور، بتتحب ورايا..
حددت هدفي: الباب الوراني بتاع المطبخ اللي بيفتح على الجنينة. بدأت أتحرك بضهرى وبكوعي ورجلي السليمة، بزحف وسط دقة القوطة المدلوقة وأنا سايبة ورايا خط غامق ومبلول على البلاط الأبيض.. المشوار اللي ميكملش تلاتة متر خد مني يجي ساعة.. العرق كان نازل في عيني بيحرقها، بس مكنتش قادرة أطلع نفس.. لو شريف سمعني، هيرجع.. والمرادي مش هيسبني في الأرض بس.
وصلت لدرج المطبخ التحتاني.. صوابعي اللي بترتعش شدت المقبض الخشب، وفتحت الدرج.. وسط الكركبة، إيدي قفلت على حتة حديد ساقعة ومصدية.. كانت فتاحة علب قديمة فوزية مكنتش راضية ترميها.
مكنتش ناوية أستخدمها ك..سلا..ح.. العنف ده لغتهم هما مش لغتي.. أنا كنت محتاجة مخرج.
الباب اللي ورا كان مقفول بتركال من جوه، والمفتاح في ميدالية شريف.. بس السلك الحديد اللي حامي الشباك الصغير السلك بتاع الباب كان متثبت بأربع مسامير قلاووظ مصدية.
تسندت بضهري على حرف الباب.. وحشرت بوز الفتاحة في أول مسمار.. إيدي كانت بترتعش لدرجة إنها كانت بتتزحلق وتجرح الخشب وتفتح في عقل صوابعي.. كنت عاضة على شفتي لحد ما دقتها دم عشان مطلعش صوت.
لف.. واضغط.. لف.. واضغط.
موضوع كان بيموت من الوجع.. المسامير المصدية كانت بتزيق، بس صوت التلفزيون كان مغطي.. على ما فكيت المسمار التاني، صوابعي كانت كلها دم.. مأقفتش.. مكنتش أقدر أقف.. أشباح ابني اللي ضاع، مرتباتي اللي اتسرقت، التهزيق اللي مبيخلصش—كل ده كان بيدي إيدي العزم في كل لفة. روايات رولا
لما المسمار الرابع فك، السلك الحديد اتهز.. زقيته لبره.. الفتحة كانت صغيرة أوي.. من سنة مكنتش هعرف أعدي منها، بس أنا خسيت يجي عشرة كيلو من قلة الأكل والتوتر في البيت ده.
دخلت نصي الفوقاني بالعافية، السلك كان بيقطع في بلوزتي ويخربش في كتافي.. لما جيت أسحب وسط رجلي المكسورة حكت في حلق الباب.
الشرر اللي طلع من الوجع عما عيني تماماً.. عضيت على دراعي عشان أكتم الصرخة، ودقت طعم الدم والملح.. بزقة أخيرة يائسة، اتملصت ووقعت على النجيل المبلول بتاع الجنينة.
الهوا الساقع خبط وشي.. كان فيه مطرة خفيفة بدأت تنزل، وقلبت تراب الجنينة طين.. للحظة خطيرة، كان نفسي أغمض عيني.. الطين كان ساقع ومريح على جلدي اللي قايد نار.. كان أسهل حاجة إني أستسلم للضلمة.
لا.. قومي.. اتحركي.
بيت طنط “هدى” جارتنا، كان بيفصلنا عنه سور سلك قصير.. هي مدرسة أخت تخصص عربي على المعاش، ست طيبة وجميلة، كانت دايماً بتبصلي بنظرات شفقة وفهم لما فوزية بتهزقني في المدخل قدام الناس.
زحفت على النجيل المبلول بدراعاتي بس.. كوعي كان بيغطس في الطين وأنا بجر جسمي الميت سنتي ورا سنتي.. المطر لزق شعري على وشي.. كنت شبه حد طالع من القبر، وفي الحقيقة، أنا كنت فعلاً كده.
على ما وصلت لعتبة بيتها الخشب، مكنش فيا نقطة حيل في دراعاتي.. مكنتش قادرة أطلع السلمتين.. نمت تحت، ومديت إيد كلها دم، وخبطت بحيلي على حرف الباب.
تخ.. تخ.. تخ.
الصوت كان واطي أوي وسط صوت المطر.. غمضت عيني، والوعي كان بيهرب مني بسرعة.
فجأة، نور المدخل قاد.. الباب التقيل اتفتح.
طنط هدى كانت واقفة، لامة شال كروشيه أزرق حولين كتافها.. بصت تحت، وأول ما شافتني—مبهدلة طين، ودم، ورجلي ملتوية بشكل مرعب—حطت إيدها على صدرها.
وصوتها طلع مخضوض: “يا فتاح يا عليم يا رب! يا لهوي يا بنتي!”
همست وصوتي بالعافية طالع: “الحقيني.. أرجوكِ.”
راسي وقعت لورا.. وأنا بغيب في الضلمة والوعي بيروح تماماً، آخر حاجة سمعتها كان صوت طنط هدى وهي بتطلب الإسعاف بنبرة كلها غضب وزعيق:
”أيوة.. ابعتوا عربية إسعاف بسرعة! التجمع الخامس.. هما بتوع الفيلّا إياها.. بس والنعمة المرادي ما هسكتلهم!”
الفصل الثالث: غرفة العمليات
صحيت على صوت الزن المكتوم بتاع لندات الفلورسنت في المستشفى.
أول حاجة حسيتها هي إن الوجع مش حامي.. كان موجود، زي زنة تقيلة في الخلفية، بس الوجع الصاحي كان ممسوح بمسكنات قوية. رجلي اليمين كانت متثبتة في جبيرة ضخمة ومرفوعة على مخدات.
لفيت راسي.. ممرضة صغيرة عينيها طيبة وتعبانة كانت بتبص على الكانيولا اللي في إيدي.. حسيت بيا وابتسمت براحة.
”حمد الله على السلامة يا مدام ياسمين.. أنا مروة.. أنتِ هنا في أمان.”روايات رولا
قبل ما أتكلم، الباب اتفتح، ودخل دكتور طويل بالطو أبيض.. الكارنيه بتاعه مكتوب عليه “د. طارق رئيس قسم العظام”.. كان وشه جاد بس عينيه فيها شفقة.. وقف عند سريري وبص في التابلت.
”ياسمين، حمد الله على السلامة إنك فقتي..” دكتور طارق اتكلم بالراحة: “عندك كسر مضاعف في قصبتي الرجل (الظنبوب والشظية).. العضم مخرقش الجلد الحمد لله، بس الكسر متفتت.. هتحتاجي عملية لتثبيت شرايح ومسامير، غالباً بكرة الصبح.” سكت شوية وبص في عيني: “بناءً على شكل الكسر، والحالة اللي جيتي بيها، بروتوكول المستشفى بيلزمنا نبلغ نقطة الشرطة فوراً.”
الرعب ضرب في صدري.. لو الشرطة راحت دلوقتي، شريف بلسانه الحلو هيلم الحوار.. وفوزية هتعيط.. وهيألفوا قصة إنها “اتزحلقت في المطبخ” ويطلعوني فاشلة أو مجنونة.. هما دايماً بيعرفوا يقلبوا الترابيزة.
همست بضعف: “مش دلوقتي.. أرجوك.”
دكتور طارق كشر: “يا ياسمين، أنتِ تعرضتي لاعتداء وحشي.. إحنا مجبرين..”
قاطعته وأنا بحاول أسند نفسي على كوعي: “عارفة.. بس لو بلغنا دلوقتي، هيخفوا كل حاجة.. هيغيروا الكلام.. أنا محتاجة هما اللي يدوروا عليا الأول.. محتاجة يفتكروا إنهم لسه مسيطرين.”
مروة الممرضة كانت بتبص بقلق للدكتور، بس دكتور طارق بدا عليه إنه فهم الخبث اللي في عيني.. هز رأسه وقال: “ممكن نأخر التقرير المبدئي 24 ساعة بحجة إن حالتك الطبية لسه مش مستقرة.. بس مش أكتر من كده.”
اتنفست براحة: “شكراً ليك.. مروة، الست اللي جابتني سابت حاجة؟”
مروة طلعت موبايل زراير صغير رخيص من جيب البالطو: “طنط هدى سابتلك ده.. وقالتلي إنها كانت شارياهولك من شهور بس مكنتش لاقية فرصة تديهولك من غير ما حد يشوفها.”
عيني دمعت.. خدت الموبايل الرخيص.. إيدي كانت لسه بترتعش، بس دماغي كانت صاحية.. طلبت رقم البيت في طنطا، رقم أبويا وأمي.
رن مرتين.
”ألو؟” صوت أمي طلع، دافي ومألوف.
صوتي انكسر: “ماما.. أنا ياسمين.”
أمي انفجرت في العياط من أول ثانية سمعت فيها صوتي.. الأمهات دايماً بيحسوا لما عيالهم يكونوا في الضلمة.. أدت التليفون لأبويا بسرعة.
أبويا مهندس مدني على المعاش—راجل قليل الكلام، بس زي الجبل.. مسألش مالك، ولا إيه اللي حصل.. سمع صوت نفسي المكتوم تلات ثواني، وقال:
”قوليلي محتاجة إيه يا بنتي، أنا بكتب وراكي.”
الدموع نزلت من عيني: “عايزة محامي يا بابا.. يكون حوت.. وعايزة كشف حساب لكل فلوسي اللي في الحساب المشترك قبل ما شريف يجمده.. وعايزة التقارير الطبية بتاعة السقط بتاعة السنة اللي فاتت تتبعت على المستشفى هنا.. وبابا.. عايزة شقة إيجار في مكان أمان في القاهرة.. شقة باسم شركة أو أي حد.. مكان شريف عمره ما يعرف يوصله.”
أبويا قال: “كل اللي قلتيه هيحصل.. أنا في أول ميكروباص وجايلك.” وقفل.
بعد كام ساعة، والشمس بتغيب، باب الأوضة اتفتح تاني.. دخل راجل لابس بدلة رمادي شيك، في إيده شنطة جلد سودا تقيلة.. ملامحه كانت بتنطق ذكاء وقوة.
”مدام ياسمين.. أنا أستاذ عاصم المحامي..” سحب كرسي وقعد جنب السرير: “والدك كلمني وجيت فوراً.. احكيلي كل حاجة.”
لمدة ساعتين، مأقفتش كلام.. طلعت كل السم اللي في بطني على مدار سنتين.. حكيت عن السيطرة المادية—إزاي فوزية كانت بتجبرني أحول مرتبها على حساب باسم “العيلة” عشان نسدد قسط الفيلّا.. حكيت عن الكروت اللي اتأخدت، التهزيق، العزلة عن صحابي.. حكيت عن البيبي اللي مات، والساعات اللي قضيتها بنزف وهما بيتفرجوا على فيلم عربي في الصالة.
وفي الآخر، حكيت عن المطبخ.. الطاجن.. النشابة الخشب.. السائل اللي في الأرض.. وعين شريف التلج.روايات رولا
لما خلصت، الأوضة كانت هادية هدوء قاتل.. مكنش مسموع غير صوت جهاز نبضات القلب.. أستاذ عاصم كان قاعد ساكت تماماً، والقلم واقف فوق الكشكول.. قفل الشنطة بالراحة.
وقال بصوت واطي: “اللي إحنا بنرتبه ده يا ياسمين.. مش مجرد قض..ية طلاق.. ده هدم معبد.. الشخصيات النرجسية المؤذية دي لما بتحس إنها بتفقد السيطرة، بتتحول لوحوش.. الحوار فيه خطورة.”
بصيت على الجبس الكبير اللي مغطي رجلي، وحسيت بصوت الخشب وهو بيدشدش عضمي تاني.. رفعت عيني وبصيتله بنظرة زي الحديد.
”القعدة في البيت ده كانت أخطر يا أستاذ عاصم.. انصب الفخ.”
الخطة بدأت تتنفذ في اليوم التالت.. وأنا نايمة مستنية، كنت عارفة إن عيلة الشناوي على وشك إنهم يقعوا في الشباك.
الفصل الرابع: القناع بيقع
في صباح اليوم التالت، مروة الممرضة نقلتني في السر من قسم العظام.. وتحت بند “حماية بيانات المريض”، اتنقلت لجناح رعاية بعيد في الدور الرابع.. اسمي اتمسح من دفاتر المستشفى العامة.. قدام الدنيا كلها، ياسمين Harper (الشناوي) اختفت.
وأنا قاعدة على كرسي متحرك، مستخبية ورا باب أوضة الغسيل اللي موارب جنب الأسانسير الرئيسي، شفت الفخ وهو بيقفل عليهم.
مروة كانت واقفة جنبي، حاطة إيدها على كتفي بتطمني.. بصيت من فتحة الباب.. الأسانسير رن وفتح.. طلع منه شريف، وفوزية، وحسين.
كانوا طالعين زي عيلة في إعلان.. شريف لابس بدلة كحلي متفصلة، طالع في دور الزوج المحترم القلقان.. فوزية لابس عباية شيك، وشايلة سبت فاكهة كبير ومغلف وبلالين.. وحسين ماشي وراهم، باين عليه التوتر بس ساكت.. كانوا رايحين ناحية أوضة 304—أوضتي القديمة—كأن سبت تفاح ممكن يمسح تلات أيام من الرمية في الأرض والعضم المكسور.
طبعاً دخلوا الأوضة لقوا السرير فاضي ومترتب.
شريف طلع جري على مكتب التمريض اللي في النص، وخبط بإيده على الرخامة: “لو سمحتِ.. فين مراتي، ياسمين اللي كانت في 304؟”
مروة، اللي كانت رجعت للمكتب من ثواني، ردت ببرود جاف: “أنا آسفة يا فندم، المريضة طلبت حجب بياناتها.. مقدرش أكد أو أنفي وجودها هنا.”
فوزية زقتها ودخلت ورا الرخامة، وخبطت بإيدها لدرجة إن مقلمة المكاتب اتهزت.. قناع الأم الطيبة طار في ثانية.
بقت بتجعجع بصوتها اللي مالي الممر: “حجب بيانات إيه وزفت إيه؟ دي مرات ابني.. مكانها مع عيلتها.. تلاقيها مستخبية في أي حته عشان تعمل فيها ضحية زي عادتها! هي مريضة شو أصلًا!”
الناس والتمريض اللي واقفين كلهم سكتوا وبقوا بيبصوا على المنظرة دي.
باب مكتب رئيس القسم اتفتح، وخرج دكتور طارق.. وشه كان صارم وجاد جداً.. مشي خطوتين ووقف قدام شريف.
وقال بصوت قوي سمعه الممر كله: “يا فندم، مدام ياسمين اتنقلت لمكان تاني لحمايتها.. الإصابات اللي عندها خطيرة ومؤكد إنها ناتجة عن ضرب مبرح ومقصود بأداة تقيلة.. ده غير إنها بلغت عن رعبها الشديد من الرجوع للبيت بسبب العنف الأسري المستمر.”
شريف وشه بقى أبيض زي الورقة.. الدم هرب من عروقه لدرجة خيلت إنه هيقع من طوله.. عينيه بقت بتلف في المكان، بيعد الناس اللي واقفة بتسمع الفضيحة.
شريف حاول يبتسم ابتسامة صفرا باهتة وقال بصوت واطي: “يا دكتور وطي صوتك أرجوك.. الموضوع كله سوء تفاهم.. مراتي.. هي عندها مشاكل نفسية وبتتعالج.. هي اتكعبلت في الكلب بتاع البيت.. ده كان حادثة.”
دكتور طارق رد بصوت أعلى وهو مربع إيديه: “الكلام ده مش داخل علينا ولا على كبير الأطباء الشرعيين.. الكسر اللي عندها كسر متفتت وحلزوني.. ده مستحيل يجي من كعبلة كلب.. ده يجي من خبطة غشيمة بأداة تقيلة.”
فوزية وشها اسود من الغل.. وشاورت بصابعها في وش الدكتور: “دي كدابة ومجنونة! طول عمرها بتعشق الدراما! أنت بتسمع لوحدة كدابة عايزة تخرب بيت ابني وتضيع مستقبله!”
من على بعد مترين، ست كبيرة كانت بتزور عيان لفت لبنتها وقالت بصوت مسموع: “سمعتي؟ هما دول بقى اللي سابوا البنت مرمية في الطين بره وفضلوا قاعدين جوه.. أختي ساكنة في نفس الشارع وحكتلي.”
ممرض واقف برطم وقال: “وشكلهم ناس محترمة ولاد ناس.. حاجة تقرف بجد.”
لأول مرة من ساعة ما عرفته، شريف مكنش بيدور عليا عشان يسيطر عليا.. كان بيبص لوشوش الناس القرفانة منه وهو مرعوب على برستيجه ومنظره قدام المجتمع.. المنظر ده كان كل حياته، ودلوقتي كان بيقع للأرض.
حسين، اللي بدأ يحس بالخطر على نفسه، مسك فوزية من دراعها وجرها ناحية الأسانسير بقوة: “اسكتي خالص يا فوزية.. يلا بينا من هنا.. يلا،” قالها بفحيح.
وهما بيجروا زي الحرامية، قفلت باب أوضة الغسيل بالراحة.. مفرحتش.. ولا حسيت بانتصار.. حسيت بس بحسابات باردة ومظبوطة.. كأن حتت حياتي المكسورة بدأت ترجع تترتب على أحرف حامية.
بعد الظهر، وأنا في أوضتي الأمان، الموبايل الزراير رن.. رقم غير مسجل.. كنت عارفة هو مين.. دوست على زرار التسجيل اللي أستاذ عاصم نزلهولي على الموبايل، وفتحت الخط.
شريف زعق: “قوليلي أنتِ فين دلوقتي!” صوته مكنش ناعم؛ كان طالع منه الرعب والغل.
قلت ببرود تام: “ليه؟ عشان أمك تكمل على الرجانية؟”
شريف قال بغضب: “بلاش دراما يا ياسمين.. دي كانت حادثة.. أنتِ اللي استفزيتيها.. أنتِ اللي طولتي لسانك.”
”رجلي مدشدشة تلات حتت يا شريف.”
”وبسبب الشو اللي عملتيه في المستشفى النهاردة، أنا عندي مشاكل في الشغل! الإشاعات بدأت تلف! اسمعيني كويس،” صوته قلب لنبرة تهديد تخوف: “لو اتكلمتي مع الشرطة، لو بوظتي كريري، والنعمة لأخلي أهلك في طنطا يتبهدلوا.. أنا أعرف ناس.. وهصفي كل الحسابات اللي باسمنا، وهجيب مكتب محاماة يمسح بيكي الأرض لحد ما أخلي البلد كلها تصدق إنك مجنونة ومكانك العباسية.”
فضلت ساكتة.. سبت السكوت يطول، تقيل ومخيف، بديله الحبل اللي هيشنق بيه نفسه.. وهو خد الحبل ولفه حولين رقبته بغباء.. هدد إنه يلاقيني.. هدد إنه ياخد شقا عمري.. وبعدين، لما لقى الغضب مش جايب نتيجة، صوته فجأة هدي، وقلب للنبرة السهتنة الحنينة اللي كان بيكلمني بيها أيام الخطوبة.
”يا حبيبتي.. ارجعي البيت عشان خاطري.. ماما بتعيط.. دي ندمانة أوي.. وهتعتذرلك.. إحنا عيلة وهنحل مشاكلنا مع بعض.”
قلتله: “المحامي بتاعي هيكلمك بخصوص الطلاق.”
وقفلت السكة.
وبعت تسجيل المكالمة فوراً لأستاذ عاصم.
بعد تلات ساعات، والشمس بتنزل، أستاذ عاصم بعتلي رسالة.. كانت سكرين شوت.. بوست نازل من غير اسم ولافف كل جروبات التجمع الخامس الكبيرة وجروبات شركات التك Watchdog.. البوست بيحكي قصة مدير تكنولوجيا معروف في شركة مالتيناشيونال في القاهرة بيعنف مراته مادياً وحابسها، وسمح لأمه تكسر رجلها بنشابة.. وشي مكنش باين في صورة الأشعة المرفقة، بس اسم شريف الشناوي بالكامل، ومنصبه، واسم شركته كانوا مكتوبين وواضحين زي الشمس.
بعدها بدقائق، أستاذ عاصم بعت تاني: “معانا التسجيلات، شهادة الدكاترة، فيديو خناقة المستشفى، وضغط رهيب من شركته.. جاهزين للمرحلة التانية.”
بصيت على الجبس التقيل المكتف رجلي.. وكتبت بصباع ثابت: “هدّ المحطة اللي بنوها على قفايا.”
الفصل الخامس: الانهيار
المرحلة التانية مبدأتش في محكمة.. بدأت جوه قاعة اجتماعات صغيرة في المستشفى تحت في الأرض.
أربع صحفيين من مواقع إخبارية كبيرة—أستاذ عاصم جابهم من غير شوشرة—قعدوا كاميراتهم ومايكاتهم.. كانوا مواجهين ترابيزة خشب طويلة.. قاعد عليها دكتور طارق، ومروة الممرضة، وفي أول صف، لابس شالها الكروشيه الأزرق ووشها كله فخر وعزيمة، كانت طنط هدى.
الباب اتفتح، ومروة دخلتني بالكرسي المتحرك.
الوجع في رجلي كان بينبض مبيقفش، بيفكرني بواقعي، بس أنا رفضت آخد مسكنات قوية الصبح.. كنت محتاجة دماغي تكون في أعلى درجات التركيز.. رفعت راسي، وضهري مفرود على الكرسي.
أستاذ عاصم بدأ يتكلم.. مستخدمش كلام إنشا؛ استخدم ورق.. بدأ يفرد الأدلة على الترابيزة زي اللي بيلعب قمار ومعاه كروت المكسب كلها.
”يا جماعة، موكلتي مش جاية النهاردة تطلب عطفكم ولا استجداء،” عاصم قال وصوته بيرن في القاعة: “هي جاية تطلب العدالة، وتكشف وساخة وسيستم أذى مستخبي ورا قناع عيلة راقية من مجتمع التجمع.”
وزع عليهم الفايلات.. الفايلات فيها تقارير المستشفى اللي بتثبت الكسر المتفتت.. وفيها كشوفات التحويلات البنكية اللي بتثبت إن مرتب ياسمين اللي بيوصل لست أرقام كان بيتحول بالقرص لحساب “العيلة” اللي فوزية الشناوي مسيطرة عليه.
وبعدين، شغل تسجيل مكالمة شريف.
الصحفيين قعدوا يسمعوا في ذهول وصوت شريف مالي الأوضة: “لو اتكلمتي مع الشرطة، لو بوظتي كريري، والنعمة لأخلي أهلك في طنطا يتبهدلوا.. هصفي كل الحسابات.”
بعدها، شغل فيديو كاميرات المراقبة بالصوت الواضح من الدور الرابع.. وزعيق فوزية وجعجعتها: “دي مجنونة! مكانها مع عيلتها!”.. المنظر كان بيوضح كمية جبروت وتكبر مش طبيعية.
طنط هدى خدت المايك بعدها.. واتكلمت بلغة مدرسة لغة عربية قوية ومحترمة.. وصفت بمنتهى الدقة منظرها لما فتحت الباب في المطر وشافتني بجر جسمي في الطين، غرقانة دم وأكل، وفيلّا الشناوي منورة وهادية على بعد أمتار.. ودكتور طارق شرح ميكانيكية الكسر الدفاعي.
وفي الآخر، أستاذ عاصم عمل مكالمة سبيكر مع رئيس النيابة، بيبلغه إن فايل الأدلة بالكامل بيتحرك مع مندوب دلوقتي، وبنرفع قضايا رسمية: اعتداء وضرب أفضى لعاهة، عنف أسري، تهديد، حجز حرية، ونصب مالي.
لما جه دوري أتكلم، الكاميرات كلها ركزت على وشي.. بصيت في أقرب عين كاميرا، وتخيلت شريف قاعد في مكتبه المكيف بيتفرج عليا على الشاشة.
”لمدة سنتين، كنت فاكرة إن سكوتی بيحمي بيتي،” قلت وصوتي ثابت، ومفيش فيه أي أثر للخوف اللي كان ممشيني زمان: “بس اللي فهمته وأنا مرمية على بلاط المطبخ، إن السكوت مبيحميش غير المؤذي.. هما بيعيشوا على كسفتك وخوفك من الفضيحة عشان يفضلوا فوق.. النهاردة، أنا برجع الكسفة والفضيحة لأصحابها الأصليين.”
الحكاية انفجرت.. مشيت في السوشيال ميديا زي النار في الهشيم..
بس الضربة القاضية لشريف ملوياش من المؤتمر بتاعي.. جت من جوه حصنه نفسه.
لما القصة بدأت تتنشر، زميل لشريف في الشركة—واضح إنه كان شايل منه ومن كبره وقرفه—سرب إيميلات وشات داخلي للصحافة.. الشاتات دي كشفت إن شريف كان بيمضي على فواتير مضروبة، وبياخد عمولات تحت الترابيزة من الموردين، والأعفن من كده، شاتات على جروب “الرجالة” في الشغل وهو بيتفشخر وبيقول: “أنا في البيت ممشيها بالعين الحمرا.. ومحدش بيكسرلي كلمة.”
الشركة بتاعته—وهي شركة كبيرة شغالين مع عقود حكومية حساسة—اتخرعوا.. موقفوش شريف عن العمل بس؛ دول نزلو بيان رسمي الساعة 2 الظهر بفصله تماماً وبداية تحقيق مالي داخلي معاه.
الراجل اللي كان واقف فوق راسي بيطلب الطاعة، الراجل اللي كان شايفني ضعيفة ومن غيره مش هعرف أعيش، خسر مكتبه، ومنظره، ومرتبه الكبير في أقل من ثمان ساعات.
الانهيار بدأ، ومكنش فيه أي مكان يستخبوا فيه.
بس الهدد الأخير كان ميعاده الليلة دي بالذات.
الفصل السادس: استرداد الحق
شريف وفوزية وحسين استخبوا في المكان الوحيد اللي فاكرينه أمان.. رجعوا فيلّا التجمع، مطنشين عربيات القنوات اللي واقفة في أول الشارع، ومصدقين إن على الأقل حصنهم الفيلّا لسه بتاعتهم.
فتحوا الباب ودخلوا الصالة.
بس ملقوش البيت فاضي.
كان قاعد على الكنب الجلد الأبيض الغالي اتنين رجالة بودي جاردات طوال ومش بيضحكوا، تبع أستاذ عاصم.. وواقف جنب المدفأة أستاذ عاصم نفسه.
واللي كان قاعد على رأس سفرة المطبخ، وحاطط إيديه قدامه بهدوء.. كان أبويا.
قدام أبويا على الترابيزة كانت حياتي كلها، مستردة.. باسبوري، بطاقتي، شهادة ميلادي، كروتي، ومفاتيح عربيتي.. وجنبهم كشكول جلد صغير.. ده كان كشكول فوزية الشخصي.. الرجالة لقوه في مكتبها.. الست كانت كاتبة بالمليم مرتباتي اللي بتاخدها، وبتحسب الفلوس كأنها خزنة مملكتها الخاصة.
فوزية صرخت بصوت مسرسع وعالي، ورجعت لدور الأم الحاكمة الناهية: “إيه المهزلة دي؟! اطلعوا بره بيتي! الفلوس دي فلوس العيلة! دي عايشة في خيرنا!”
أبويا وقف بالراحة.. مكنش راجل ضخم، بس في اللحظة دي، كان واقف بهيبة قاضي بينطق حكم إعدام.
وقال بصوت واطي ومزلزل: “لا يا فوزية.. الفلوس دي فلوس بنتي.. وحريتها كمان.”
وش شريف بقى بنفسجي من الغل.. وطلع جرى قاصد يضرب أبويا بإيده: “دي أمور عائلية يا راجل يا عجوز أنت!” شريف زعق.
قبل ما يخطى خطوة تانية، واحد من البودي جاردات الضحام وقف في النص، وحط كف إيده في نص صدر شريف وزقه زقة واحدة لورا.. شريف اتطوح وخبط في الحيطة.
البودي جارد رد وهو حاطط إيده على حزام بنطلونه بروقان: “حوار إنك تكسر رجل مراتك بنشابة مابقاش حوار عائلي من ساعة ما البنت زحفت بره البيت وهي بتنزف.. إحنا هنا بنفذ أمر محكمة لتمكين واسترداد ممتلكات شخصية مسروقة، وبنسلمكم قرار عدم تعرض.. خطوة كمان وهدشدشك هنا.”
أنا شفت فيديو الكاميرا اللي البودي جارد كان معلقها على صدره بعد كام يوم وأنا في شقتي الجديدة.. معيطتش.. ومصعبوش عليا.
شفت الفيديو وشفت فوزية الشناوي مبرقة ومش ناطقة بكلمة لأول مرة في حياتها المستفزة.. كانت باينة صغيرة، وعجوزة، ومرعوبة لما بدأت تفهم إنها داخلة على سجن.
وشفت حسين وهو مستخبي ورا الباب، وبيشاور لإيديه لعاصم ويقول: “أنا ملمستهاش! والله العظيم ما مديت إيدي عليها!”
وده كان حقيقي.. حسين عمره ما مد إيده عليا.
هو بس كان واقف جنب التلاجة ومربع إيديه.. شاف مراته وهي بتدشدش عضمي.. شافني وأنا بصرخ من الوجع.. شاف ابنه وهو بيذلني.. وأكل طاجن اللحمة بتاعه وأنا بنزف في الأرض.
الجبن كمان بيسيب علامات.. ساعات، أعمق الجروح بتيجي من الناس اللي كان معاهم القوة والقدرة إنهم يوقفوا الوحش، بس اختاروا يقعدوا على السفرة وياكلوا في هدوء.
الشناوية اتمهدوا.. الحقوق رجعت.. والحسابات البنكية اتجمدت لحد ما يخلص تحقيق النصب الكبير.
بيت الكوتشينة بتاعهم مش بس وقع؛ ده اتمسح من على الوش.
الفصل السابع: كل خطوة ملووحة
المحاكم فضلت شغال شهور، بس النتيجة كانت معروفة من الأول.. الطلاق خلص في وقت قياسي وبشكل قاطع.. رجعت سيطرتي الكاملة على حساباتي، ورجعت أغلب الفلوس اللي فوزية نهبتها بقضايا تعويض مدني، وأخدت مبلغ محترم من أصول شريف اللي فاضلة.
بس أنا رفضت تماماً طلب أستاذ عاصم إننا نتنازل عن الشق الجنائي مقابل تسوية مالية أسرع.. كنت عايزة كل حاجة تفضل في السجل العام قدام الدنيا.
في الجلسة المبدئية للمحكمة الجنائية، شريف كان قاعد على ترابيزة المتهمين.. كان باين عليه الخراب.. خس كتير، شعره منكوش، وتحت عينيه اسود وضلمة.. كان شبه راجل قابل لأول مرة نتيجة لفعايله مش عارف يخلع منها بلسانه.
وأنا معدية بالكرسي المتحرك وبابايا بيزقني من جنب ترابيزته، شريف مال عليا وقال بفحيح مسلول: “خربتي بيتي يا ياسمين.”
شاورت لبابا يقف.. وبصيت لشريف تحت، وحطيت إيدي براحة على ساند الكرسي.. مكنتش حاسة بغل خلاص.. كان فيه بس فضا جميل ونضيف ملى المكان اللي الخوف كان عايش فيه زمان.
وقلتله بروقان: “لا يا شريف.. أنا بس بطلت أحمي الكدبة اللي كانت ممشية حياتك.. أنت اللي خربت نفسك.”
بعد أسبوع، استلمت جواب مكتوب بالإيد في البوسطة من فوزية.. كان كتاب في التلاعب النرجسي.. كاتبة “اعتذار” مليان دموع وكلام عايم، وبتقول إنها “أوفرت شوية من حبها وخوفها على ابنها”، وبتترجاني أرحم عيلتها.
مردتش.. حرقت الجواب في حوض المطبخ.. فيه اعتذارات بتبعت عن ندم حقيقي.. وفيه اعتذارات تانية مبعوتة بس من الرعب من الحساب.
العلاج الطبيعي كان مشوار طويل ومميت.. العملية كان فيها شريحتين تيتانيوم وأربعتاشر مسمار.. قضيت أسابيع في السرير، وشهور في العلاج الطبيعي.. كنت بتعلم أساسيات المشي من أول وجديد، وبتعلم إزاي أثق في رجل خانتني.
في الأيام الضلمة، كنت بجر نفسي لحد شباك شقتي الجديدة الجميلة—اللي مدفوع ثمنها من فلوسي، وباسمي أنا.. أفتح الإزاز، وأشم هوا القاهرة، وأسمع صوت العربيات تحت، وأفكر نفسي بالحقيقة الوحيدة العظيمة: محدش مسيطر عليا تاني.
أبويا وأمي سابوا طنطا وقعدوا معايا ست شهور، ممشيوش غير لما بقيت بعرف أنام الليل من غير ما أصحى بصرخ وعرقانة من الكوابيس.. طنط هدى كانت بتجيلي كل حد، جايبة معاها شوربة دافية ملحها دايماً مظبوط، وتملى الصالة ضحك وهزار.. ومروة الممرضة، اللي خاطرت بشغلها عشان تحميني، بقت من أقرب صحابي.
دكتور طارق كان صريح معايا في آخر كشف: “أنتِ خفيتي وبقيتي تمام يا ياسمين، بس الخبطة في العضم واللحم كانت غشيمة.. غالباً هتفضلي بتلوحي في مشيتك (عرجة خفيفة) طول عمرك.”
بصيت لرجلي وقلت وأنا ببتسم: “مش مهم يا دكتور.. المهم إن كل خطوة ملووحة دي بتاعتي أنا ومحدش ممشيني.”
ساعات، بعد الشاور، ببص في المراية وبمشي صوابعي على العلامة البمبي الطويلة اللي في قصبة رجلي.. دي خريطة لأوكس ليلة في حياتي.. بفتكر البلاط الساقع.. ريحة دقة القوطة.. بس مبقتش بشوف نفسي البنت الضعيفة اللي مستنية راجل يديها قيمة.
بشوف نفسي وأنا بهرب.. وأنا بعيش.. وأنا بختار حياتي لأول مرة، من غير ذرة ذنب واحدة.
بعد سنة بالتمام من الحادثة، رجعت لشغل الشركات تاني.
دخلت لورانج (Lobby) شركة تكنولوجية منافسة لشركة شريف، كانوا متمسكين بيا جداً.. كنت لابس بدلة فورمال كحلي شيك.. وفي إيدي اليمين، كنت ماسكة عصاية خشب سودا شيك أوي وليها مقبض فضة.
وأنا ماشية على الرخام، وصوت العصاية بيخبط بانتظام (تك.. تك.. تك)، ناس كتير لفتت وشها.. بعضهم بص على اللوحة الخفيفة اللي في مشيتي.. مcurrentش عيني الأرض.. فضلت رافعة راسي، كتافي مفرودة، وبتحرك لقدام وبكل ثقة وهدف.
أنا عمر ما كنت الست الضعيفة، المطيعة، الكاتمة اللي عيلة الشناوي حاولوا يخلقوها بالضرب.
أنا الست اللي زحفت من قلب الكابوس، جرت جسمها في الطين بعضم مكسور، هدت مملكة طاغية، وعاشت عشان تاخد حريتها كاملة مكملة.