بنتي الحامل حصري روايات رولا
في نص الليل، لقيت بنتي واقفة على باب البيت وهي حاضنة بطنها المنفوخة من الحمل، وفستانها الغالي ومتقطع. كانت بتعيط بحرقة، كلها كدمات وحافية، وقالت لي وهي بتترعش: “ده بيقول إن البوكس ورجال القسم كلهم شغالين عنده يا ماما”. في نفس اللحظة تليفوني رن برسالة من جوزها: “رجعيها، وإلا هخليكم أنتوا الاتنين تخسروا كل حاجة”. مسحت دموعها وصبيت لنفسي كاس؛ الغبي كان فاكر نفسه مسيطر على قسم الدقي، وميعرفش إن أنا المستشارة “إيفلين” بمحكمة الجنايات اللي لسه ممضية أمر مراقبة وتسجيل لكل تليفونات التشكيل العصابي بتاعه كله من 6 ساعات.
في نص الليل، بنتي اترميت على عتبة بيتي كأن حد رماها في المطر عشان يخلص منها. حافية، ركبتها بتنزف، وإيدها على بطنها وبتهمس: “بيقول إن الشرطة في جيبه يا ماما”.
لتلات ثواني بالظبط، كنت مجرد أم.
مش سيادة المستشارة “إيفلين هارت” رئيسة محكمة الجنايات، مش الست اللي بيمين واحد منها بتجمد حسابات حيتان السوق وتصادر مخازنهم وترمي رجالة بجيوش ورا الشمس. كنت مجرد أم راكعة على ركبها عند الباب، بتشد بنتها لحضنها والصوت عالي بره والبرق منور الشارع.
فستان “لينا” السواريه الغالي كان مقطوع من عند كتفها ومتبهدل، وفي كدمة زرقا كبيرة تحت عينها. شعرها مبلول وشفايفها بتترعش من الساقعة والخوف.
سألتها: “البيبي بيتحرك؟”
هزت راسها وهي بتشهق: “آه، حاسة بيه. أنا جريت قبل ما…” صوتها اتقطع وكمّلت: “شريف قال لي لو فكرتي تبلغي، مفيش ضابط في الجيزة كلها هيجرؤ يقرب منه”.
تليفوني نور على ترابيزة الصالة.
شريف علام.
«رجعيها، وإلا هخليكم أنتوا الاتنين تخسروا كل حاجة».
فضلت باصة للرسالة لحد ما الكلام بقى واضح وبارد في عيني، كأنها رصاصات من راجل فاكر فلوسه وعزبة أبوه مخلينه فوق القانون.
شريف ضحك على بنتي في الأول بـ “البرستيج” والحفلات الخيرية والبدل المتفصلة، وبفرح أسطوري اتكلمت عنه مصر كلها وقالوا “جوازة السحاب”. بس اللي مفيش جرنان كتبه هو إزاي السحر ده اتقلب لأوامر، والأوامر بقت تهديد، والتهديد بقى بيبان مقفولة، وفيزا ملغية، وكدمات بتداريها تحت كمام الحرير.
بقى له سنتين بيوهم “لينا” إن مالهاش ملجأ ولا هتعرف تهرب منه.
بس هو غلط غلطة عمره القاتلة.
افتكرني مجرد ست كبرت في السن، قاعدة لوحدها في بيت هادي في المعادي، مكسورة من الحزن وطيبة زيادة عن اللزوم ومتعرفش تحارب.
دخلت “لينا” جوه، لفيتها بالروب الكشمير بتاعي، وكلمت دكتور النسا اللي بأتمنه على أسرار البلد. وصبيت لنفسي بوق ويسكي، مش عشان أستقوى، لا.. عشان إيدي تبطل تترعش بس.
”لينا” بصت لي والدموع مغرقة عينها: “ماما، هنعمل إيه؟”
بوست راسها وقلت لها: “هنسيبه يكمل كلام”.
ورحت فتحت الخزنة المستخبية ورا مكتبتي، وطلعت النسخة المختومة من إذن النيابة والتفتيش والمراقبة اللي مضيت عليه بنفسي من ست ساعات.
شريف علام مكنش مسيطر على القسم ولا حاجة.
كل اللي كان حيلته تلات أمناء شرطة مرتشيين، وموظفين في الحي، ونص شبكة تهريب.
وعلى أذان الفجر، كانت الحكومة هتقلب عليهم الدنيا وتجيبهم كلهم في شوال…. (
❤️❤️❤️❤️❤️
شريف علام وصل الساعة 12:37 بعد نص الليل، ومعاه عربيتين جيب سود كبار، وبثقة عمياء من النوع اللي المجرمين بس بيفكروه هيبة وقوة.
كشافات عربياته نورت الشرفة والبيت كله، “لينا” اتخضت واتفضت خضة لدرجة إني حسيت برعشتها في الكنبة. حطيت إيدي على إيدها وقلت لها بهدوء:
«بصي في عيني.. رجلك مش هتعتب بره البيت ده».
جرس الباب رن مرة واحدة، وبعدها شريف بدأ يخبط برجليه وإيديه بكل غشومية وهو بينادي بصوت ناعم زي السم:
«يا حماتي.. يا سيادة المستشارة.. افتحي الباب قبل ما الموضوع يقلب بقلة قيمة وفضايح».
مشيت لحد الصالة وفتحت الباب، بس سبت السلسلة والترباس مقفولين.
كان واقف تحت لمبة الباب ببدلته الكحلي، شعره ناشف ومجاش عليه مية رغم المطرة، وساعته الدهب بتلمع. وراه كان واقف “الأمين جمعة” من قسم الدقي، حاطط إيده على حزامه وبيحاول يداري كسوفه وبصص في الأرض.
شريف ابتسم وقال: «مراتي مش متزنة، والستات الحوامل بيجيلهم هبل واكتئاب حمل. رجعيهالي، وأنا هنسى الفيلم الهندي اللي حصل ده».
قلت له: «أنت جاي ومعاك أمين شرطة عشان خناقة عائلية؟»
الأمين جمعة تنحنح وقال: «يا فندم، إحنا جايين نعمل إثبات حالة واطمئنان على المدام».
قلت له: «يا كتر خيركم والله!».
شريف قرب من فتحة الباب وقال بلؤم: «بلاش تشغلي دماغك عليا يا سيادة المستشارة.. لينا شايلة ابني ووليد عزي، ومكانها في بيتي».
كلمة “مكانها في بيتي” دي نزلت عليا زي السك..ينة اللي بتتحمى.
من جوه الصالة، لينا همست وهي بتعيط: «ماما، عشان خاطري مخليهوش يدخل».
شريف سمعها وضحك: «يا حبيبتي بلاش شغل التمثيل ده، عشان البيبي ميتعبش».
رفعت تليفوني في وشه وقلت له: «قول الكلمتين دول تاني كده؟»
ابتسامته اختفت وقال: «سجلي زي ما أنتِ عايزة. تفتكري مين اللي هيتصدق؟ حتة عيلة م مـ هـ ستـ رة؟ ولا شريف علام؟»
في اللحظة دي، هو أداني أول وأغلى هدية في الليلة دي: الغرور.
كمل كلامه بثقة: «أنا أعرف أكبر مستشارين وقضاة في البلد دي، وأنا اللي بمول حفلات ونوادي وبقول للوزير يا فلان.. الناس بتقف انتباه لما برن».
قلت له برود: «قضاة الجنايات مبيشتغلوش في العلاقات العامة يا شريف».
لأول مرة، عينيه بربشت وظهر فيها قلق. وراه، الأمين جمعة بدأ يقف ويهز في رجله بتوتر.
بس شريف استوعب بسرعة وقال: «حلوة.. فاكرة الحصانة واللقب هيحموكِ؟»
قلت له: «لأ، الدليل هو اللي بيحمي».
تليفونه رن في اللحظة دي، بص فيه بزهق وتباعد خطوتين لورا عشان يرد. مكنش يعرف إن الخط ده متراقب “لايف” وعلى الهواء مباشرة! مكنش يعرف إن مكالماته الشخصية كلها متسجلة بقالها أسابيع بأمر قضائي من جهة سيادية وفيدرالية، بتتحرى عن سرقة حاويات بضائع، وتهديد شهود، ورشاوى، ومـ خـ درات متهربة جوه شحنات أجهزة طبية.
مكنش يعرف إنه قبل ما بنتي توصل لعتبة بيتي بساعتين، كلم مدير أعماله وقال له: «لو لينا راحت لأمها، اضغطوا على الست الكبيرة دي، وافضحوها واكسروا هيبتها لو لزم الأمر».
المكالمة كانت قصيرة.
سمعته بيزعق في المطر: «المقاطير تتحرك فوراً، مفيش تأخير.. المستشارة ممضتش على حاجة، لو كانت مضت كنت هعرف قبلها».
كنت هبتسم والله.
جوه البيت، دكتور النسا وصل من باب المطبخ، ووراه ضابط مباحث بملابس مدنية، هز راسه ليا وقال: «يا فندم، مكان التأمين السري جاهز».
لينا مسكت في كم الروب بتاعي: «أنتِ هتمشيني يا ماما؟»
قلت لها: «أنا هوديكِ في حتة ميعرفش يطولك فيها إنس ولا جان.. وأنا هقعد هنا مستنياه».
«بس يا ماما…»
مسكت وشها بين إيديا وقلت لها: «هو كان فاكر إنه جاي يتبلطج على ست عجوزة لوحدها.. خلينا نعيشه الدور».
الساعة 2:10 الفجر، شريف بعت رسالة تانية:
«دي آخر فرصة ليكي.. على الصبح هتتمني لو كنتِ سمعتي الكلام».
عملت “فورورد” (إعادة توجيه) للرسالة فوراً لرئيس النيابة الفيدرالية المختص.
وقعدت جنب الشباك، أراقب العربيات الجيب وهي دايرة في وسط المطرة، ومستنية إمبراطورية “شريف علام” تغلط غلطتها الأخيرة والقاتلة.
وعلى شقشقة الفجر.. الغلطة حصلت!
الجزء الثالث والأخير:
على الساعة 5 الصبح، الغلطة اللي كنت مستنياها حصلت.
صوت ضرب نار عالي هز الشارع، ورجالة شريف حاولوا يكسروا الباب الخارجي للفيلا بالقوة عشان ياخدوا لينا. شريف كان فاكر إن آخري هصرخ وأكلم نجدة الدقي اللي هو “مظبطها”، مكنش يعرف إن مكالمته اللي قال فيها لرجالتها: «اكسروا الباب وهاتوها، والست العجوزة دي لو فتحت بقها ادفنوا هيبتها» كانت بتتسجل “لايف” في نفس اللحظة عند الأجهزة السيادية.
في أقل من دقيقتين، الشارع اتقلب لثكنة عسكرية.
أربع عربيات ميكروباص تابعة للعمليات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب الدولي قفلت الشارع من أوله لآخره. شريف ورجالته اتثبتوا في مكانهم وكشافات الليزر على صدورهم قبل ما حد فيهم يلحق يرفع صباعه. الأمين جمعة اللي كان جاي يتباهى بأنه “حاميها” اترمي على الأرض وكلبشوه وهو بيعيط وبيتبرى من شريف.
فتحت الباب الخارجي وخرجت بكل ثبات، وروب الكشمير لسه عليا، وماسكة في إيدي كاس الويسكي.
شريف كان متكلبش على بطنه في الطين، ووشه اللي كان ماليان غرور متبهدل تراب. لما شافني، صرخ وهو مش قاد يستوعب: «أنتِ عملتي إيه؟ أنتِ ميعرفيش أنا مين؟ أنا هخرب بيتك وبيتها!»
قربت منه ونزلت لمستواه، وبصيت في عينيه ببرود تام وقلت له:
«أنا اللي مدي أذن المداهمة والتفتيش لبيتك ومخازنك في بورسعيد في نفس اللحظة دي يا شريف. إمبراطورية شحنات الأدوية “المغشوشة” والمخ..درات بتاعتك كلها بتتفتش دلوقتي بناءً على توقيعي أنا، الست العجوزة اللي كنت جاي تكسر بابها».
عينه بربشت والدموع صدمة نزلت منها لما استوعب إنه مبقاش حيلته حاجة، ولا حتى الفلوس هتلحق تخرجه من قض..ية “أمن دولة عليا”.
النهاية: * شريف ورجالته ترحلوا على النيابة الفيدرالية في شوال زي ما وعدت.
لينا ولدت بالسلامة جابت ولد وبنت، وبقوا عايشين معايا في أمان تام تحت حراسة مشددة.
شريف علام لبس حكم مؤبد بتهمة تهريب الس..لاح والمخد..رات وتشكيل عصابي دولي، وعرفت البلد كلها إن قضاة مصر مبيتهددوش، وإن حق الأمومة خط أحمر مفيش حصانة بتقف قدامه.