احفادي
قصة دون رامون أصبحت الآن قصة “عم عماد” في قلب القاهرة الصاخبة. إليك إعادة صياغة القصة بالكامل بأسماء وأماكن وروح مصرية خالصة:
الجزء الأول: صرخة في المطرية
”الراجل العجوز ده دفنني بالحيا وسرق عيالي التلاتة!”
خرقت صرخة “ولاء” سكون الصبح في شارع ضيق من شوارع المطرية العفرة، في نفس الوقت اللي كان فيه الجيران بيكنسوا قدام بيوتهم وبياع الفول واقف على العربية بينادي وصوته مالي المكان. كانت إيديا مليانة بعجين الطعمية وأنا بجهز الفطار لأحفادي قبل ما ينزلوا يروحوا مدارسهم، وفجأة الباب اتخبط بخبطة قوية لدرجة إن برواز آية الكرسي اتهز ووقع من على الحيطة.
دخل اتنين أمناء شرطة، ومعاهم موظفة من المجلس القومي للأمومة والطفولة، ووكيل نيابة، ومن وراهم كانت بنتي ولاء، لابسة نظارة شمس براند، وماسكة شنطة غالية، وموبايلها في إيدها بتصور وشي فيديو.
— “هو ده” — قالت وهي بتشاور عليا — “بقاله 13 سنة بيهددني، 13 سنة مخبي عيالي عني وحارمني منهم!”
اسمي عماد عبد الرحمن، عندي 69 سنة، قضيت عمري كله شقيان في شيل القفاص في سوق العبور. عمري ما ملكت في الدنيا دي غير البيت الصغير ده، وإيديا الشقيانة، وتلات عيال وصلوا في يوم والمصايب مبتجيش إلا فجأة.
ولاء ظهرت من 13 سنة ومعاها أحمد (5 سنين)، ونور (3 سنين)، ويوسف اللي كان لسه حتة لحمة حمرا ملفوف في بطانية كحلي. كانت خاسة، وبتترعش، وعينيها حمرا من العياط:
— “يا بابا، خليهم معاك شوية.. هروح اشتري لبن للواد الصغير وأرجع علطول”.
ومرجعتش تاني أبدًا.
مرجعتش لما أحمد كان بيبكي وهو حاضن تيشيرت قديم ليها. مرجعتش لما نور دخلت مستشفى المطرية العام بسبب أزمة ربو حادة. مرجعتش لما يوسف خطى أول خطوة وهو ماسك في جلابيتي. مبعتتش قرش واحد، ولا مكالمة، ولا حتى كلفت نفسها تسأل عنهم.
لكنها رجعت النهاردة الصبح، حاطة ميك أب كامل وكأنها رايحة تظهر في برنامج توك شو.
— “محدش يلمس جدي!” — صرخ أحمد وهو خارج من الأوضة، بس أمين الشرطة مسكه.
ظهرت نور من وراه، وشها خطفه اللون، وهي بتدور على بخاخة الربو بتاعتها. أما يوسف الصغير فوقف عند الباب بيبص لولاء وكأنه بيبص لوش غريب ميعرفوش.
فتحت ولاء دراعاتها:
— “يا حبايب قلبي، أمكم رجعتلكم خلاص، محدش هيأذيكم بعد النهاردة”.
محدش فيهم اتحرك خطوة واحدة ناحيتها.
حينها مشيت ناحية يوسف، وشدته لحضنها، وقربت الموبايل من وشه:
— “ابتسم يا حبيبي.. هنزل ده على الفيسبوك، لازم الناس تعرف حجم العذاب اللي عشته”.
في اللحظة دي عرفت إن ولاء مرجعتش عشان خاطر عيالها.. هي رجعت عشان مصلحة.
كلبشوا إيديا بالأصفاد قدام الطبلية اللي كنا بنقعد نكتب عليها الواجب كل ليلة. الجيران كانوا بيبصوا من ورا الشيش، والحاجة “أم محمد” جارتنا كانت بتعيط بصوت واطي. في الوقت اللي كانت فيه موظفة حماية الطفل بتقول إن “مصلحة الصغار فوق كل شيء”، وأحفادي بيصرخوا إنهم مش عايزين يمشوا مع الحرمة دي.
وقبل ما يخرجوا بيا، لمحت محامي ولاء داخل أوضتي.. مبصش للسرير ولا للدولاب، ده بص علطول على الأرض، وتحديدًا ناحية البلاطة المكسورة اللي جنب الكومودينو.
هناك كان مستخبي المظروف الأصفر اللي ولاء افتكرت إني حرقته من 13 سنة. لو وصله قبل ما أطلعه، أحفادي هيضيعوا.. ومكنتش مصدق اللي هيحصل بعد كده.
الجزء الثاني: سر صندوق الإسكندرية
في القسم، عاملوني كأني مجرم.. صوروني وأخدوا بصماتي وأقوالي، بس كل كلمة كنت بقولها كانت بتروح في الهوا.
— قلتلهم مية مرة: “هي اللي رمتهم وهربت!”
— رد عليا أمين الشرطة وهو بيكتب في الدفتر ومبصليش حتى: “الكلام ده تقوله قدام النيابة يا حج”.
المحامية اللي عينتهالي المحكمة كان اسمها “فريدة”، شابة صغيرة وجادة، ومعاها ملف فاضي تقريبًا:
— “يا عم عماد، بنتك نزلت فيديو مقلوب عليه السوشيال ميديا، بتقول إنك كنت بتهددها بالسلا..ح، والناس كلها متعاطفة معاها وبتطالب بحبسك”.
حسيت إن نفسي اتكتم: “وأحفادي فين؟”
— “معاها في فندق في وسط البلد.. وقدمت طلب عشان تسافر بيهم بكرة الإسكندرية، بتقول إن عندها شقة وشغل هناك”.
ضربت على المكتب بإيديا وأنا بزعق:
— “الست دي متعرفش حتى نور بتاخد دواء إيه! متعرفش إن يوسف عنده حساسية من الفول السوداني! متعرفش إن أحمد بيجيله فزع بالليل لما بيسمع سرينة البوكس لأنه شافهم وهم بياخدوا أمه زمان وهي مش في وعيها بسبب المخدرات!”
فريدة وطت صوتها وقالت:
— “عايزين دليل قوي يا عم عماد.. يثبت كلامك”.
الدليل كان تحت البلاطة، بس أنا ممنوع أدخل البيت بأمر النيابة.
بالليل، وأنا خلاص فاقد الأمل، تليفون فريدة رن من رقم غريب، كان أحمد، وصوته بيترعش وبيتكلم بالعافية:
— “يا جدي.. أمي أخدت تليفوناتنا، وبتقول هنمشي الفجر. وكمان خبت بخاخة نور عشان بتقول شكلها بيبان عيان في الصور ومبتجيبش ريتش. وبتقول للمحامي أول ما نقبض الفلوس بتاعة يوسف، هترميهم في مدرسة داخلي بعيد”.
سألته والدم اتجمد في عروقي: “فلوس إيه يا ابني؟”
— “مش عارف.. بيقولوا في صندوق استئماني (ورث) باسم يوسف.. بيقولوا يوسف وراه ملايين وإنت العقبة اللي واقفة في طريقهم”. والخط قطع.
في اللحظة دي افتكرت السر اللي ولاء قالتهالي وهي بتصرخ في ليلة غبرة قبل ما تختفي.. يوسف كان ابن “شريف مهران”، ابن راجل أعمال كبير بتاع توكيلات شحن وتفريغ في الإسكندرية، وشريف ده مات من كام شهر في حادثة طريق، ومكنش ليه زوجة أو أولاد مسجلين رسمي.
كلمت “سيد”، لواء شرطة متقاعد، كنت أنقذت ابن أخوه زمان في السوق. وقبل الفجر، كان سيادة اللواء جابلي القرار: في صندوق استئماني بـ 18 مليون جنيه لأي طفل بيولوجي يثبت نسبه لشريف، وتحليل الـ DNA بتاع يوسف طلع إيجابي. واللي معاه الولاية التعليمية والحضانة، هو اللي هيتحكم في الفلوس.
همست بوجع: “عشان كده رجعت.. مش عشان عيالها، عشان الإمضا”.
عم سيد اللواء المتقاعد راح بيتي في المطرية والدنيا لسه كحل، دخل من المنور، ورفع البلاطة وجاب المظروف.. بس للاسف مكنش لوحده، تلاتة بلطجية تبع المحامي كانوا قالبين المطبخ بيدوروا على نفس الورقة. ضربوا عم سيد، بس الراجل برغم سنه قاوم وهرب من فوق السطوح وهو ينزف، والمظروف مستخبي تحت جاكيته.
لما وصل النيابة الصبح في الجلسة الأولى، كان مش قادر يقف على رجليه، سلمني المظروف الأصفر بإيد بترتعش وقال:
— “الورقة دي هتخسف بيها الأرض يا عماد.. بس عيالك هيسمعوا كلام يدبح أي طفل”.
فتحت المظروف.. إمضا “ولاء” كانت زي ما هي.. ومكنتش تعرف إن كذبتها خلاص انتهت.
الجزء الثالث: كلمة القضاء والحق
أوضة قاضي المعارضات كانت زحمة ومقلوبة، جيران على صحفيين على ناس جاية تتفرج وتصور. دخلت ولاء لامة شعرها ولابسة عباية بيضا، وماسكة في إيدها سبحة وبتعيط دموع تماسيح. وجنبها المحامي “عزمي” بيتحرك بثقة وكأن القض..ية في جيبه.
المحامي بدأ يتكلم: “سيادة القاضي، موكلتي اتحرمت من أطفالها بقسوة، طوال 13 سنة المتهم استغل سلطته الأبوية وكان بيبتزها ويهددها بالقتل لو قربت من عيالها”.
ولاء دارت وشها وهي بتشهق: “كنت عايزة عيالي في حضني يا سيادة القاضي”.
أحفادي كانوا قاعدين ورا؛ أحمد عروق رقبتها بارزة من الغل، ونور حاضنة البخاخة، ويوسف باصص في الأرض. لما القاضي أذن لي بالكلام، وقفت بالعافية، ركبي كانت بتخبط، بس الوجع الحقيقي كان في قلبي وهم بيخلوا حمايتي لعيال بنتي جري..مة خطف.
طلعت المظروف الأصفر، وفي ثانية، ولاء بطلت عياط ووشها جاب ألوان.
— قلت: “سيادة القاضي، دي وثيقة تنازل وتنازل رسمي وموثق، مضت عليه بنتي ولاء عبد الرحمن يوم 3 نوفمبر 2012″.
فتحت الورقة وقريت بصوت عالي سكت المحكمة كلها:
”أنا الموقع أدناه، ولاء عبد الرحمن، أقر بتسليم أطفالي (أحمد، ونور، ويوسف) تسليمًا نهائيًا لوالدي عماد عبد الرحمن، وتنازلي عن أي حقوق حضانة، وذلك بعد استلامي مبلغ 150 ألف جنيه كاش لتسديد ديوني الشخصية، وأقر أن التنازل تم بكامل قواي العقلية ودون إكراه”.
القاعة هس هس.. القاضي طلب الورقة، وبص في الإمضا وصورة البطاقة المرفقة، وبص لولاء:
— “الخط والإمضا دول بتوعك؟ والاستمارة دي صحيحة؟”
ولاء صرخت وهي بتترعش: “مزورة! أبويا هو اللي فبرك الورقة دي وبصمني بالعافية!”
هنا، الأستاذة فريدة المحامية قدمت كشف حساب بنكي قديم، وصورة لولاء وهي بتشتري عربية مستعملة بعد التاريخ ده بيومين، ورسالة بخط إيدها كانت سايباها على السرير بتقول فيها: “شكرًا إنك شيلت شيلتي يا بابا.. أنا مكنتش انفع أكون أم أصلاً”.
نور انفجرت في العياط، ويوسف دارى وشه بـ إيده. بس أحمد وقف فجأة وقال: “ومعايا ده كمان يا فندم”.
طلع موبايل صغير وقديم، وشغل تسجيل صوتي سجله ليها في الفندق من وراها.. صوت ولاء علّى في الأوضة وهي بتقول للمحامي:
— “أول ما الحضانة تخلص، هناخد قرشين الصندوق الاستئماني ونرمي العيال دي في أي مدرسة داخلي في مرسى مطروح ولا أي داهية، أنا مش هضيع اللي باقي من عمري في تربية عيال.. وأبويا خليه يتكل في السجن، هو اللي حشر مناخيره في اللي ملوش فيه”.
كل اللي في القاعة سكتوا من الصدمة. المحامي بتاعها لم ورقه وبص في الأرض، والقاضي وشه اتغير تمامًا وأمر بالقبض عليها فورا داخل القاعة بتهمة البلاغ الكاذب، والتزوير، والاحتيال، وإلحاق الضرر بقصر.
وهي بتتكبش والشرطة بتسحبها، صرخت: “دول عيالي! أنا اللي بطني اتفتحت فيهم!”
ردت عليها نور بصوت مبحوح من وسط دموعها:
— “بس جدي هو اللي فتحلنا قلبه وعشنا فيه”.
الكلمة دي خلت دموعي تنزل غصب عني. المحكمة حكمت بإثبات الحضانة والولاية التعليمية ليا، وتم التحفظ على أموال يوسف وتحت إشراف النيابة الحسبية لحد ما يبلغ السن القانوني.
مرت السنين.. وأحمد دخل كلية الهندسة، ونور اتخرجت من معهد التمريض، ويوسف بقا ينام بالليل مبيخافش من سرينة البوكس.
وفي يوم، كنا قاعدين قدام بحر الإسكندرية بنصيف، يوسف بصلي وسألني:
— “يا جدي.. هو اللي يخلف لازم يكون هو السند؟”
بصيت لأحفادي التلاتة اللي بقوا طول الرقبة، وهم بيضحكوا ورجليهم في الرملة، وفهمت ساعتها إن صلة الدم ممكن تديك اسم، بس مبتديكش الأمان.
العيلة مش الوشوش اللي بتظهر لما الملايين بتبان.. العيلة هي الإيد اللي بتمسك فيك وأنت معندكش أي حاجة.