في مطبخي حصري لصفحة روايات رولا

“كريم البحيري” فتح لي شفتي في المطبخ، وبعدها بكل برود قالي: “جهزي الفطار قبل ما أمي توصل، الست الأصيلة مابتعملش شوشرة”. قال كلمته دي وهو بيظبط زراير قميصه الذهب اللي بتلمع، ودمي لسه مغرق صوابعي.
​المطر كان بينزل براحة على شبابيك بيتنا في التجمع الخامس، المطر الهادي اللي بيخلي كل حاجة تبان نضيفة وزي الفل من برا. الحلل النحاس كانت متعلقة فوق رخامة المطبخ الإيطالي الأبيض، وكان فيه طبق ليمون محطوط جمب الحوض؛ لأن كريم كان بيعشق منظر “النضافة والانتعاش” في أي مكان ممكن ضيوفه يشوفوه.
​كل اللي عملته إني سألته بكل هدوء: “كنت فين يا كريم؟”
​إيده جرت بسرعة البرق، لدرجة إني مالمحتهاش. ماشوفتش غير الضلمة، وحسيت بوجع نار في فكي، وشفتي اتقطعت لما خبطت في سناني.
​لمدة تلات ثواني، المطبخ كله مابقاش فيه نفس.
​كريم كان واقف بقميصه الأبيض المكوي، مشمر كمامه، ودبلة جوازنا بتلمع في إيده وهو بيقفل قبضة إيده ويفتحها. نظرته ليا كانت نفس النظرة اللي بيبص بيها لـ حتة أنتيكة مكسورة—مفيش أي إحساس بالذنب، هو بس متضايق إن حاجة غالية شكلها باظ.
​قالي: “إياكي تستجوبيني في بيتي”.
بيتي أنا!
​كان دايما بيقولها بالطريقة دي، مع إن فلوسي هي اللي جابت البيت ده، واسمي مكتوب جمب اسمه في عقد الشقة. مع إني سبت شغلي ومستقبلي عشان أقف جمبه في حفلات رجال الأعمال، وأبتسم في الصور، وأخلي اسم “عيلة البحيري” يبان محترم ويجيب مستثمرين.
​حطيت إيدي على بوقي، صوابعي رجعت كلها دم.
كريم كان واقف مستني اللقطة اللي بتمزجه.. الرعشة، الاعتذار، النظرة المكسورة في الأرض.
​هو ده اللي كان بيعجبه في سكوتي، كان فاكر إن السكوت خوف.
بس كريم نسي وغمي عينيه عن اللي رباني.
​أبويا، المستشار عادل الشافعي، مارباش بنات تتهد تحت الضغط. رباني ألقط التفاصيل، وأشيل المستندات، وأسأل السؤال التاني، وعمري ما أفتكر إن الصوت العالي معناه قوة.
​ونسي كمان أنا كنت بشتغل إيه قبل ما أبقى “مدام كريم البحيري”.
​قبل ما اسمه يتكتب جمب اسمي، قضيت عشر سنين بكشف قضايا فساد واختلاس شركات. كنت عارفة إزاي الحرامية بيخبوا الفلوس ورا إمضاءات نضيفة، وكنت حافظة شكل الفواتير المزورة لما حد يقراها بصوت عالي، وعارفة شكل الرعب اللي بيجي في نص الليل لواحد فاكر نفسه أذكى من الكل.
​بقى لي ست شهور كاملة، مابتكلمش وبسمع بس.
​كل إيميل مسحه، كل قرش حوله لحساب شركة وهمية، كل تهديد قاله وهو فاكر إن هدوئي قلة حيلة. كل علامة ضرب صوّرتها تحت إضاءة الحمام، كل كذبة أخدت منها نسخة وشيلتها في مكان عمره ما يتخيل إنه يدور فيه.
​مكانش حاسس بأي حاجة.
​في الصباح ده، والمطر نازل على الإزاز والوجع بيزيد في وشي، كريم بص في مراية الطرقة وهو بيظبط لبسه.
وقال: “هتعملي الفطار، أمي زمانها على وصول، مش عاوز فضايح”.
​بصيت للدم اللي في إيدي.
ومن ورا صوابعي.. ابتسمت.
وقلت بصوت واطي: “حاضر، من عنيا”.
وده طمنه وريحه.
​على الساعة سبعة، البيت كانت ريحته فطار مصري أصيل يفتح النفس، زي ما كريم بيحب كل يوم حد. فطير مشلتت سخن ملقم بالزبدة، وعسل أسود بالطحينة، وطعمية سخنة وبيض بيبق بق في السمنة البلدي، وجبنة قديمة بالطماطم، وفول بالزيت الحار، وقهوة ريحتها قالبت المكان.
​كريم نزل وهو لابس بليزر كحلي، وراسم الوش السمح اللي بيقابل بيه الناس المهمة.
أمه، الحاجة شهيرة، دخلت من الباب الجانبي من غير ما تخبط، عقد اللولي حوالين رقبتها وشمسيتها بتبل باركيه الصالة. عينيها جت في عيني وعلى طول بصت لشفتي المقطوعة.
​لأقل من ثانية، شوفت في عينيها نظرة شفقة.. نظرة بني آدمين.
بس بسرعة بصت لابنها وقالتلي بنبرة هادية: “إيناس يا حبيبتي.. شوية بودرة ميك اب هيداروا كل حاجة”.
​كريم ابتسم.
والابتسامة دي وجعتني أكتر من القلم نفسه.
​طبقت الفوطة وحطيتها جمب طبقه بكل هدوء وإتقان، إيدي ماترعشتش. ومن درج الكراكيب اللي جمب رجلي، موبايلي اتهز هزة واحدة وسط درج المعالق.
مكانتش مكالمة.. دي كانت الإشارة.
​فتحت الدرج حتة صغيرة، شوفت الشاشة منورة برقم أنا حافظاه صم بس عمري ما سيفته:
«باب المطبخ.. دلوقتي!»
​كريم كان بيضحك على كلمة أمه قالتها، في اللحظة اللي رفعت فيها طبق الليمون من على الرخامة وحطيته في نص التربيزة كأنه هدية الوداع.
​وفي ثانية، باب المطبخ انفتح، ودخل راجل واقف وسط المطر، ورفع في وشنا حرز مقفول ومختوم، مكتوب عليه من برا.. “مكتب المستشار عادل الشافعي”.
​الجزء الثاني والأخير: فطور الوداع
​أبويا مادخلش عل طول. المستشار عادل الشافعي كان واقف تحت مظلة المدخل بالبالطو الرمادي، طويل وثابت، والمية بتنزل من طرف كابه. وراه، اتنين بجاكتات غامقة واقفين بكل هدوء. مش شكلهم أصحاب، ولا جيران.. كان شكلهم عندهم صبر من النوع اللي بيسحب النفس من الوش، وكريم وشه جاب ألوان.
​شوكة الحاجة شهيرة خبطت في الطبق وعملت رنة عالية.
​كريم لف وشه وبدأ يرسم نص الابتسامة الجذابة اللي ثبت بيها بنوك، ومستثمرين، وستات فاكرين الفلوس هي الأخلاق، وقال: “سيادة المستشار عادل! مكنتش أعرف إن جيلنا ضيوف برضه”.
​أبويا رد بكل برود: “أه.. أظن مكانش عندك فكرة فعلاً”.
​عينه جت مرة واحدة على بوقي المجروح. ما استعجلنيش، مازعقش، مسألنيش قدام جوزي “أنتي كويسة؟” لأنه عارف الإجابة ولأن أبويا بيفهم الأصول والكرامة أكتر من أي راجل قابلته في حياتي. بس فكه اتشد.. حتة صغيرة.. مرة واحدة. وده كان كفاية جداً.. وكريم لقط اللقطة دي وجسمه سقع.
​سأل كريم وهو لسه بيحاول يبتسم: “في إيه يا جماعة؟”
​واحدة من الناس اللي واقفة ورا أبويا قدمت خطوة، وطلعت كارنيه رسمي بسرعة مخلتش حد يلحق يعمل نمرة أو يمثل، وقالت: “أستاذ كريم البحيري؟ أنا الرائد منى من مباحث الأموال العامة، ومعايا العقيد شريف. محتاجين نتكلم معاك”.
​كريم ضحك ضحكة قصيرة مستفزة، وقال: “بخصوص إيه إن شاء الله؟”
​الظابطة منى بصت لتربيزة الفطور، للفطير اللي مالمسش، لشفتي المفتوحة، لأم كريم اللي اتجمدت وهي ماسكة فنجان القهوة، وقالت: “بخصوص شركة البحيري للتطوير العقاري، ومؤسسة “مصر الخيرية”، وتحويلات بنكية مشبوهة لحسابات برة البلد”.
​المطبخ بقى هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت غليان الفول على البوتاجاز. عيني كريم راحت عليا فوراً. وهنا اللحظة.. مش نظرة قلق، نظرة حسابات. شفته وهو بيراجع ست شهور كاملة في ثانية واحدة: السهر لنص الليل، مكتبه المقفول، اللابتوب القديم اللي فاكر إني عمري ما بفتحه، الموبايل التاني اللي مخبيه في الشنطة.. والنظرات اللي كنت ببصها له وأنا واقفة على الباب وساكتة.
​بص لإيدي، بعدين للدرج، بعدين لطبق الليمون اللي في نص التربيزة.. الطبق اللي كان بيكرهه لو مش في مكانه. وقال بنبرة هادية ومدروسة: “إيناس.. تعالي هنا”.
​فضلت واقفة في مكاني.
​صوته اتغير حتة صغيرة، بقى أحن وأوطى، الصوت اللي بيستعمله لما يكون في ناس بتسمع: “حبيبتي.. تعالي هنا”.
​الحاجة شهيرة خدت نفس طويل من مناخيرها، كأني مسببة لها فضيحة عشان بنزف قدام الحكومة!
​أبويا خطى جوة المطبخ. وفي اللحظة دي، ابتسامة كريم اختفت تماماً وقال: “أنت مالكش حق تدخل بيتي”.
​رديت عليه: “بيتنا”.
​بصلي كأني أنا اللي ضربته بالقلم المرة دي. أنا ماضربتوش، أنا عملت أسوأ.. أنا صلحته وصححت كلامه قدام شهود وضباط.
​العقيد شريف طلع ورقة من دوسيه وقال: “معانا إذن تفتيش وضبط وإحضار من النيابة العامة”.
​عين كريم راحت على الورقة، بس أبويا ملمسهاش، ومقراهاش، ومستعرضش سلطته. هو كان واقف كـ “أبويا”، مش كالمستشار اللي كريم كان بيتباهى باسمه في قعدات العشا عشان يعمل لروحه برستيج. كان كريم بيموت في منظرة “حمايا المستشار الشافعي”.. كان بيلبس اسم أبويا كأنه ساعة غالية جديدة. النهارده، ولأول مرة، اسم أبويا مكانش بيزينه.. اسم أبويا كان بيحاصره.
​كريم قال: “الكلام ده جنان، أي حاجة قالتها لكم الست دي فهي مش متزنة ومتبلية عليا”. وأهِي دي.. الضربة التانية، اللي الرجالة اللي شبهه بيشيلوها للمواقف العامة عشان يطلعوا الست مجنونة.
​الظابطة منى ما رمشتش وقالت: “أستاذ كريم، إحنا هنا بخصوص قضايا فساد مالي وغسيل أموال تحت تحقيق النيابة. مدام إيناس مش هي موضوع الإذن ده، إحنا عندنا أدلتنا”.
​بوق كريم اتشد، والحاجة شهيرة لفت وشها ليا برعب، مش رعب عليا، رعب من الفضيحة اللي هتلحق باسم عيلتها في الكومباوند. همست: “أنتي عملتي إيه في ابني؟”
​بصيت لحلق اللؤلؤ في ودنها، وشعرها المتظبط، وإيدها اللي جنب طبق الفطير اللي عملته لها وبوقي مليان دم، وقلت لها: “عملت الفطور.. زي ما طلب”.
​عيني أبويا لمعت، مكانتش ابتسامة، مش وقته، بس فهم قصدي.
​كريم قرب مني خطوة سريعة وهو عينه بتطق شرار، فالعقيد شريف وقف في النص ومنعه وقال بحدة: “أستاذ كريم، مكانك.. ماتقربش منها”.
​كريم وقف ورفع إيديه لفوق كأنه بريء ومصدوم: “يا فندم دي مشاكل عائلية، أنا ومراتي اختلفنا خناقة عادية، وهي عاطفية زيادة عن اللزوم وبتعمل دراما”.
​الظابطة منى بصت لبوقي تاني وسألته: “أنت ضربت زوجتك النهارده الصبح؟”
​الحاجة شهيرة طلعت صوت مخنوق، وكريم ما ردش. ودي كانت أول مرة في جوازنا سكوت كريم هو اللي يفضحه ويخونه.
​دار لـ أبويا وقال: “يا سيادة المستشار، قولهم إن الموضوع زاد عن حده، إحنا نسايب”.
​أبويا قلع كابه، والمطر كان بلل شعره من الجناب، كان باين عليه السن أكتر من يوم فرحي، بس في نفس الوقت كان باين أقوى بكتير. وقال: “أنا مش هنا بصفتي قاضي أو مستشار.. أنا هنا لأن بنتي طلبت مني أقف على الباب وأحميها”.
​كريم بحلق فيه، وفهم. مش كل حاجة، مفهمش الحجم الكامل، مفهمش السنين اللي فاتت، ولا إن المباحث كانت بتلف حوالين شركته من قبل ما أفتح اللابتوب بتاعه أصلاً، ولا إن المحاسب بتاعه وافق يتكلم لما كريم هدد بقطع عيشه. بس فهم الجزء الشخصي.. إني أنا اللي اخترت الباب، وأنا اللي اخترت الشاهد، وأنا اللي اخترت الصباح ده بالذات عشان أكسر عينه.
​استوعب بسرعة لأن الناس اللي شبهه فاكرين السرعة هي السيطرة، وقال: “أنا مش هقعد هنا، اطلبلي المحامي بتاعي فوراً”.
​الظابطة منى هزت رأسها: “هتاخد فرصتك وتكلمه، بس الأول هنتحفظ على الأجهزة الإلكترونية والدفاتر اللي في إذن التفتيش”.
​قال بحدة وصوت عالي: “محدش يلمس مكتبي!”.
​رديت عليه بكل برود: “هيليمسوه.. وهياخدوا كل حاجة”.
​لف رأسه ليا بالراحة. صوتي كان طالع هادي جداً، وده فاجأني أنا شخصياً. كنت فاكرة إن اليوم اللي هبطل فيه أحمي صورته قدام الناس هترعش أو أصرخ أو أعيط. لكن بالعكس، كنت مركزة في التفاصيل الصغيرة: البخار اللي طالع من القهوة، مية المطر اللي تحت جزمة أبويا، إيد الحاجة شهيرة وهي بترتعش، والمسحة الحمراء اللي سبتها بدمي على طرف الطبق الأبيض وأنا بحطه.
​كريم مشي ورا عيني وشاف بقعة الدم على الطبق.. ولأول مرة، شفته خايف منها. مش عشان دمي، عشان دي بقت “دليل جنائي”.
​الضباط بدؤوا يتحركوا في الممر لاتجاه مكتبه، صوت الإدراج وهي بتفتح والكراتين وهي بتتنقل.. البيت كان بيطلع أصوات عادية جداً في وسط انهيار مش عادي بالمرة.
​وش كريم خشب وقال: “أنتي خططتي لكل ده.. من ورايا”.
​قلتله: “أيوة”.
​الحاجة شهيرة شهقت كأن التخطيط هو الجري..مة مش الضرب والنصب! لفيت لها وقلت: “أنتي شوفتي بوقي بينزف وقلتيلي حطي بودرة ميك اب داري الجري..مة”.
​وشها احمر وقالت: “كنت بحاول أهدّي الأمور وعشان بيتك مايتخربش”.
​قلت لها: “لأ، كنتي بتحاولي تخلي المنظر شكله حلو قدام الناس على حساب دمي”. الكلمات نزلت عليها زي السكاكين وسكتتها خالص.
​كريم حاول يروح في اتجاه تاني وقال للضباط: “هي كان ليها صلاحية دخول لحسابات الشركة، وكان ممكن تزور أي حاجة وتلبسهالي”.
​الظابطة منى فتحت الدوسيه وقالت: “مدام إيناس قدمت مستندات مساعدة فعلاً، بس التحقيق بدأ من فترة طويلة قبل تعاونها معانا.. إحنا معانا كشوف حسابات، شهادات شهود، فواتير، ومكالمات مسجلة ليك بصوتك”.
​مكالمات مسجلة!
​عيني كريم انطفت. وأنا افتكرت مكالمة منهم.. من تلات شهور، كنت واقفة حافية برة مكتبه الساعة واحدة وربع بالليل، وموبايلي بيسجل في جيب الروب وهو بيقول لواحد صاحبه إن محدش هيشك في جمعية خيرية بتنقل فلوس لو ورق مجلس الإدارة شكله نظيف، وقال نصاً: “الغلابة مابيعملوش جرد ورا حد، الفلوس دي بتدخل وتخرج ومحدش حاسس”. طلبت وقتها على فوق ورجعت في الحمام وبكيت.. مش عشان متفاجئة، عشان جزء مني كان لسه زعلان على الراجل اللي كنت بتخيل إنه ممكن ينظف ويتغير في يوم من الأيام.
​الزعل ده مات حتة حتة.. حتة ليلة ما قالي إن مهنتك القديمة مخلياكي “جافة وصعب تتحبي”.. وحتة يوم ما عدلي فستاني قدام الضيوف بصباعين على رقبتي كأني جارية شاريها بفلوسه.. وحتة يوم ما ضربني وقالي أنتي ناكرة للجميل. والنهارده، مع الدم اللي على صوابعي، آخر حتة ماتت تماماً ومبقتش عايزة حتي أتبكي عليه.
​من الممر، العقيد شريف نده: “يا فندم، لقينا الخزنة السرية”.
​جسم كريم كله اتشنج، حتة صغيرة بس كل اللي في المطبخ لقطوها. الخزنة كانت ورا لوحة خشب تحت المكتبة، المكان اللي بيشيل فيه الباسبورتات، الكاش، الفلاشة، والنوتة السوداء الصغيرة اللي مكانش يعرف إني صورتها صفحة صفحة. هو كان فاكرني لقيتها بالصدفة، بس أنا لقيتها ليلة ما رجع البيت ريحته ويسكي وسكران، وفي جيب البليزر بتاعه فاتورة من محل مفاتيح وخزائن. الخيانة عند الرجال دول بتبقى لوجستية مش عاطفية.
​بعد كام دقيقة، العقيد شريف رجع ومعاه أكياس الأدلة: الفلاشة، النوتة، الباسبورتات ورزم الكاش الفلوس.
​الحاجة شهيرة وقفت فجأة لدرجة إن الكرسي عمل صوت عالي ومزعج على الأرض وهمست: “كريم.. يا مصيبتي”. ما بصلهاش.. وده كان عقابها. بعد ما قضت عمرها تعمل منه تمثال رجل الأعمال المحترم، اضطرت تشوف التمثال ده وهو بيتكسر ويتركب له الكلبش ومش عايز حتى يبص في وشها.
​الظابطة منى قرأت لـ كريم حقوقه القانونية، وهو عينه منزلتش من عليا، كنت فاكرة إنه هيهددني أو يشتمني، بس هو ابتسم بسمة صفرا وقال: “فاكرة إن ده هيخليكي حرة؟”
​أبويا قرب خطوة، بس أنا رفعت إيدي إشارة إني هرد أنا: “لأ.. الخروج من حياتك هو اللي خلاني حرة. ده بس هيخلي قذارتك واضحة قدام الناس كلها”.
​الضباط خدوا كريم من باب المطبخ مش من الباب الفوقاني، عشان أقرب للعربية ومن غير شوشرة وجيران، رغم إن الفضيحة مش هتطول. بس كان في عدالة إلهية غريبة في الموضوع.. هو أمرني أعمل الفطور في المطبخ ده كأني جارية، وخرج منه وإيده متكلبشة ورا ضهره زي الحرامية.
​المطر كان بينزل على البليزر الكحلي بتاعه، وجزمته الغالية اتزحلقت على الطوب المبلول في الجنينة، فلحق نفسه وهو شايط من قلة القيمة والمنظر الإهانة اللي هو فيه.
​وده الموقف اللي خلاني أعيط.. مش القلم، ولا التحقيق، ولا حتى الراحة. شكل انهياره وزحلقته على طوب مبلول عادي بعد سنين كان ممشي فيها البيت كله على قشر بيض عشان مزاجه وسيادته وسيادة الباشا.
​ورايا، الحاجة شهيرة قعدت على الكرسي تعيط وتقول: “ابني مش مجرم، ابني متربي”. جملة متبرمجة من ستات الجيل القديم اللي بيلخبطوا بين إنكار الحقيقة والولاء الأعمى للعيلة.
​شلت طبق الليمون وحطيته في الحوض، كان في ليمونة اتقطعت وريحتها النفاذة طلعت في المكان، وقلت لها: “يبقى هياخد فرصته يثبت تربيته دي قدام المحكمة وقاضي التحقيق”. بصت لبوقي تاني، والمرة دي مجابتش سيرة البودرة ولا الميك اب.
​أبويا جه وقف جنبي، ومحدش فينا اتكلم. لما كان عندي تمان سنين، وقعت شفشق زجاج في مكتبه في المحكمة وقعدت أعيط خايفة يزعقلي، نزل على ركبه بالروب الأسود وشال حتة زجاج وقال لي: “الأول نوقف النزيف، بعدين ننظف الأرض، وبعدين نتكلم في اللي اتكسر”.
​النهارده، في مطبخي، طلع فوطة نظيفة من الدرج وادهالي وقال بصوت حنين يطمن: “الأول يا بنتي.. نوقف النزيف”.
​ضغطت بالفوطة على بوقي.. وبكيت. مش عياط بصوت عالي ولا عياط تجميلي يخدم كريم، عياط ست جسمها أخيراً عرف إنها مبقتش محتاجة تمثل، وإنها بقت في أمان بعد ما كانت مع راجل نرجسي ومؤذي.
​الانهيار العلني بدأ قبل الضهر. على الساعة عشرة ونص، الشركة طلعت بيان إن “كريم البحيري” واخد إجازة لظروف عائلية طارئة. على الساعة حداشر، صحفي محلي كتب على الفيس بوك إن المباحث فتشت بيته. على الضهر، اتنين من مجلس إدارة الجمعية الخيرية قدموا استقالتهم فوراً. وعلى العصر، أول مقال نزل في المواقع وفيه أسامي الشركات الوهمية اللي كنت بقعد أفرزها على تربيزة السفرة بالليل وهو نايم في سابع نومة.
​التعليقات كانت متوقعة؛ ناس بتدافع، وناس بتقول كنا عارفين إنه نصاب، وستات بعتولي رسائل خاصة بحكايات عمرهم ما قالوها علنًا.. سكرتيرة قديمة في شركته، منظمة حفلات، زوجة متبرع، واحدة من زميلاته في الجامعة.. رسائل صغيرة فيها نفس الوجع ونفس الإحساس بالذنب: “هو عمل فيا كده برضه. مش شرط بإيده، ساعات بالفلوس، ساعات بالخوف، وساعات بابتسامة تخلي الناس تصدقه هو الأول وتطلعنا إحنا المجانين”. قريت كل الرسائل، ورديت على اللي قدرت عليه.
​بعد أسبوعين، كنت قاعدة قدام وكيل النيابة، أبويا كان مستني تحت لأنه بيحترم الحدود حتى لو الحب مخليه عايز يفضل جنبي جوة الأوضة. المحققة سألتني لو كنت عارفة إن شهادتي دي معناها إن محاميين الدفاع هيحاولوا يطلعوني في المحكمة ست حاقدة، مش متزنة، طماعة، وبتنتقم من جوزها عشان مشاكل شخصية.
​ابتسمت وقلت لها: “دول بيتدربوا على الدور ده بقالهم سنين مع كل ست بتطالب بحقها، أنا جاهزة”.
​لما قرار الإحالة للمحاكمة نزل، مكانش فيه سيرة جوازنا؛ كان فيه نصب، غسيل أموال، تزوير، وسرقة تبرعات لمرضى وفقراء. حاجات كريم ميعرفش يثبت عكسها بابتسامته الجذابة ولا بنفوذه.
​قضية الضرب مشيت لوحدها، في قاعة تانية أهدى بس حقيقية جداً وفازت بيها كرامتي. كريم كان لابس بدلة رمادي، ومبصليش في الأول، ومحاميه اتكلم عن الضغط النفسي والخلافات الزوجية المعتادة، والحاجة شهيرة كانت قاعدة وراه من غير عقد اللؤلؤ وشكلها صغر وعجزت مية سنة من الهم.
​ولما الصور دخلت في القضية.. الأوضة والقاعة كلها سكتت. شفتي المفتوحة.. الكدمة اللي في دراعي من شهر أربعة.. علامات صوابعه على معصمي من شهر ستة.. والعلامة الزرقا اللي في جنبي ليلة ما قالي أنتي “بتاعت دراما ونكد”. مكانتش دراما على الورق.. كانت “أدلة جنائية صامتة”.
​كريم بص في الأرض، والحاجة شهيرة خبت وشها بإيدها ودموعها نزلت، وأنا منزلتش عيني من عليه. مش عشان شجاعة طول الوقت، لأ، ركبي كانت بتخبط في بعض، وبطني كانت بتوجعني ومحاميه بيقول اسمي كأنه اتهام وقذف.. بس حسيت بأبويا ورايا في الصف التاني، قاعد وساند على عصايته.. قاضي قدام الناس، وأبويا أنا وسندي.
​لما شهدت، قلت الحقيقة بأبسط كلمات: “ضربني، هددني، وقالي غرفي الفطور.. وكان فاكر إن الفلوس والتهديد هيخلوني أسمع الكلام وأعيش جارية”.
​كريم وافق على تسوية وتنازل في قضية الضرب قبل ما نوصل للحكم عشان يقلل العقوبة. وقضية الأموال خدت وقت أطول، لأن الناس اللي شبهه مابيقفوش ويموتوا مرة واحدة، بيسربوا أخبار ويلوموا المحاسبين والظروف وأي حد غيرهم، بس الشهود فضلوا يجوا ورا بعض والمحاسب شهد والبنك شهد، ولما الفلاشة والنوتة اتقابلوا مع تحويلات البنوك، كريم مبقاش رجل أعمال مظلوم.. بقى مجرم واضح وصريح وبحكم محكمة.
​في جلسة النطق بالحكم، قلت كلمتي، مطلبتش القاضي يعاقبه عشان جرح كبريائي، مألتش عايزة انتقام، قلت: “كريم البحيري بنى حياته على ثقة مستعارة؛ استعارها من الجمعيات، من المستثمرين، من أمه، ومن اسم أبويا، وصرف الثقة دي كأنها فلوس مسروقة”. ولما خلصت، لفيت وبصيت له.. كان لسه بيحاول يرسم وش البراءة، بس محدش في القاعة كان بيشتري منه خلاص، اللعبة اتكشفت. ودي العدالة اللي كنت عايزاها.. مش إنه يتدمر لمجرد الدمار، بس إن الناس كلها تشوفه على حقيقته النرجسية.
​بعد شهور، بعت البيت الكومباوند كله. ويوم ما كنت بلم المطبخ، لقيت ليمونة كانت وقعت ورا رف المطبخ ونشفت وبقت زي الحجر، مسكتها في إيدي وضحكت.. ضحكة حقيقية، صغيرة، بس تخصني أنا لوحدي. ما أخدتش الحلل النحاس، ولا الأطباق الغالية، بس أخدت المقلاية الزهر اللي كانت بتاعة جدتي من قبل ما كريم يعرف اسم عيلتي حتى.
​أبويا ساعدني أشيل آخر كرتونة للعربية وبصلي وسألني: “جاهزة يا بنتي؟”
​بصيت للمطبخ الفاضي، مفيش رخام يقدر يداري الوجع والدم اللي كان هنا، بس المكان ممكن يشيل الوجع من غير ما يملك الشخص اللي نجا منه. وقلت له وأنا ببتسم: “جاهزة يا بابا”.
​في شقتي الجديدة، المطبخ صغير، الرخام عادي جداً، والشباك بيعلق لو الدنيا مطرت. أول يوم حد هناك، عملت بسكوت وشيطت الباسطرمة والبيض لأني كنت بتكلم في الموبايل وبضحك مع واحدة من الستات اللي بعتولي بعد سجن كريم عشان أساعدها تاخد حقها.
​كنا بنضحك لما جهاز إنذار الدخان اشتغل، قعدت أهوي بالفوطة وعيني بتدمع من الدخان وشعري نكش والقهوة بردت.. بس مكانش في حد هيعاقبني على الصوت، ولا حد هيكشر في وشي، ولا حد هيقولي “الست الأصيلة” بتعمل إيه وما بتعملش إيه.
​فتحت الشباك، شميت ريحة المطر، وأكلت الفطور وأنا واقفة وحافية وبضحك من قلبي.. في مطبخي أنا، بفلوسي أنا، وحريتي أنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *