اهله هيعيشوا معانا

الجزء الأول: الغدر في “التجمع”
​قالها ببرود وثقة وهو واقف حافي القدمين في مطبخي الرخام، كأنه هو اللي دافع شقى عمره في البيت: “أبويا وأمي وأختي ضحى هيجوا يعيشوا معانا هنا من النهارده، والموضوع ده مش قابل للنقاش”.
​في دماغه، فاكر إن الجواز بيديله الحق يحوّل بيت أحلامي لملجأ لعيلته، وكان متوقع إني هوافق وأهز راسي من غير مقاومة.
​بس على مين؟ كان عشم إبليس في الجنة.
​بعد تلات ساعات، كنا واقفين قدام بيت أهله في شبرا، ومعانا عربية نقل العفش… بس لما دخلنا، الفيلا كانت على البلاط! مفيش حتة عفش واحدة، مفيش بني آدم.. مفيش غير ظرف مقفول محطوط في نص الصالة، ومكتوب عليه اسمه.
​اسمي نادية عبد العزيز.
​من عشر سنين، بدأت شركة برمجيات وتطبيقات من أوضة ضيقة في شقة إيجار، كلها كراسي بتتقفل، وقهوة رخيصة، وتعب كان هيقضي عليا. ومن تلات شهور بس، بعت الشركة بمبلغ ضخم. وبجزء من الفلوس دي، اشتريت أخيراً البيت اللي كنت بحلم بيه في ليالي قلقي وسهري.
​فيلا كلها واجهات زجاج في كومباوند بالتجمع الخامس. أضواء القاهرة كلها تحتيا، حمام سباحة “إنفينيتي”، مطبخ رخام هندي، ودريسنج روم أكبر من شقتي الأولى كلها.
​البيت ده بالنسبة لي مكنش رفاهية، ده كان طوق النجاة ودليل نجاحي.
​كل قرش اتدفع فيه كان من عرق جبيني؛ لافلوس عيلة، ولا ورث، ولا مليم ساعدني بيه جوزي شريف. كل ورقة وعقد في البيت ده مفيش فيه غير اسم واحد بس: اسمي أنا.
​بس شريف كان بيحب دايماً يقول قدام الناس: “احنا اشترينا الفيلا دي”.
​في الأول كنت بصلح له الكلمة، بعدين زهقت. السِت في الجواز ساعات بتتعب من كتر ما بتحارب الكدب الصغير كل يوم.
​في تاني ليلة لينا هناك، كان واقف في المطبخ بيشرب سحلب وباصص في تليفونه.
​وقال كده وهو مش مهتم: “أبويا وأمي وضحى هيعزلوا ويجوا يعيشوا معانا هنا من النهارده”.
​سكت شوية وقولتله: “أختك ضحى؟”
​قال: “آه، محتاجة دعم بعد ما اتطلقت، والبيت هنا واسع ويشيل من الحبايب ألف”.
​قولتله: “مش دي القضية، أنت إزاي متخدش رأيي أصلاً؟”
​ملامحه اتغيرت، مكنش غضب، كان حاجة تضايق أكتر.. ثقة تملك أعمى.
​قال ببطء: “نادية.. بلاش تتصرفي كأن البيت ده بتاعك لوحدك”.
​قولتله: “هو بتاعي لوحدي فعلاً”.
​ضحك ضحكة باردة كأني عيلة صغيرة وبتقول كلام ساذج: “أنتِ شكلك لسه مش فاهمة الجواز بيمشي إزاي”.
​نبرة صوته خلت بطني تقلب؛ الكلام مكنش طالع عفوياً، ده كان مترتب له صح.
​الليلة دي منمتش، وقعدت أعيد شريط كل التفاصيل اللي كنت بطنشها: إزاي كان بيقول على شركتي “شركتنا”، إزاي أهله بيتعاملوا مع نجاحي كأنه ورث أبوهم، وإزاي ضحى كانت بتقول على جناح الضيوف عندي “خسارة المساحة دي كلها قفلينها”.
​الساعة 7 الصبح، لبس ساعته وهو واقف على الباب وقال: “على بليل كده، هيكون كله تمام وكلهم استقروا هنا”.
​استنيت لحد ما عربيتة اختفت من الكومباوند.
​وفتحت اللاب توب بتاعي.
​عقود الملكية، التأمين، الضرائب.
​كله تمام، اسمي أنا وبس اللي على ورق الفيلا.
​بعدين دخلت على الحساب البنكي المشترك اللي كنت واثقة فيه ومدياله توكيل وصلاحية يدخل عليه.
​تلات تحويلات ورا بعض.
​قريب من 10 مليون جنيه طاروا!
​مكتوب تحتهم: “دعم عائلي”، “مساعدة طوارئ”، “تجهيز العقار”.
​قريت السطر الأخير ده مرتين.
​البرنس مكنش بس عازم أهله في بيتي، ده كان بينقل حياتهم ويظبط دنيتهم بفلوسي أنا!
​على الضهر، عملت مكالمة واحدة بس.
​وعلى العصر، وصل شريف قدام بيت أهله في شبرا، وهو مبتسم وعربية النقل وراه.
​بس أول ما خطى جوه البيت، الضحكة اختفت تماماً من على وشه.
​البيت كان على المحارة وفاضي! لافيش عفش، لا كراكيب، لا روح.
​مفيش غير الظرف ده مستنيه في نص الصالة—واسمه مكتوب بخط يدي.
​ولما وطى عشان يشيله، فهم أخيراً..
​إن مش خطته هي اللي بتتنفذ.
​دي خطتي أنا.
​الجزء الثاني: كشف المستور
​روحت على طول للمحامية بتاعتي، الأستاذة مايا. مأظهرتش أي تعاطف ملوش لزمة، ركزت في الشغل ووثقت كل ورقة، وتتبعت كل تحويل، وأكدت لي الشك اللي كان هيموتني: شريف استغل التوكيل المشترك وسحب الفلوس من ورايا ودون أي تفويض رسمي.
​في ثواني، جمدنا الحسابات، لغينا كل الصلاحيات والتوكيلات، وقفلنا السيستم بتاع الفيلا اللي كان فاكر إنه مالك فيه للأبد.
​وبعدين مشينا ورا خيط الفلوس.
​لقينا خطة متكتكة صح؛ أخته ضحى فتحت شركة وهمية عشان تحول الفلوس عليها، وأبوه وأمه كانوا عرضوا بيتهم في شبرا للبيع فعلاً. يعني بفلوسي أنا كانوا بيقفلوا حياتهم القديمة عشان يبدأوا حياتهم البرنسيسية جوه بيتي.
​مكانوش بيطلبوا إذن.. دول كانوا بيبنوا قصور على قفايا.
​عشان كده، قصيت قصاقيصهم كلها.
​روحت بيت شبرا قبل ما عربيات النقل توصل، كان البيت اتقفل وفضي عشان المعاينة والبيع. وهناك سبت له الظرف.
​جوه الظرف كان فيه: كشوف الحسابات، العقود، الفواتير، وسجل الشركة الوهمية، وإثبات كل مليم سحبه من ورايا. ومعاهم ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيدي:
​”أنت خلطت بين التوكيل وبين الإذن.. والاتنين مش واحد يا شريف.”
​لما شريف وصل وهو فاكر إنه يوم العزل واللمة، واجه سكوت مرعب؛ لاعفش، لاعيلة، بس ورق بيفضح كل اللي عمله.
​ولأول مرة في حياته، فهم إن الموضوع مش خناقة وهتعدي.. دي مصيبة وفضيحة.
​أهله وصلوا ورا بعض، مش فاهمين حاجة وبيدافعوا عن نفسهم وبيردحوا: “ده كله مؤقت!” و”عشان خاطر العيلة والدم!”. بس الورق مبيكدبش؛ الفلوس فلوسي، والقرارات من ورا ظهري، والخطة كانت مبنية على إني هسكت وأقول “أمين”.
​الأستاذة مايا المحامية نهت الفيلم ده كله في مكالمة تليفون واحدة: التوكيلات اتلغت، الحسابات اتجمدت، وأي خطوة تانية هتحطكم كلكم في النيابة بتهمة النصب والاختلاس.
​وفي اللحظة دي.. كل حاجة اتدمرت فوق دماغهم.
​خلال الأسابيع اللي بعد كده، التحقيقات كشفت المستور كله: تحويلات مشبوهة، ديون لشريف وأبوه اتسدت من ورايا، مصاريف سماسرة وتجهيز البيت للبيع، كله من حساباتي.
​الجواز مخلصش بخناقة وردح وقوف في المحاكم، خلص بورقة وقلم ودليل قاطع.
​في مكتب تسوية المنازعات البارد، شريف حاول يقاوح ويقول “احنا شركاء” و”الجواز مفيش فيه مالي ومالك”. بس السجلات كانت واضحة؛ الفيلا بتاعتي، الفلوس بتاعتي، والنصب كان منه هو.
​الغرور عماه وافتكر إن قعدته معايا في البيت بتديله حق ملكية شقى عمري.
​ومع الوقت، مقاش قدامه حاجة يحارب عشانها.
​الطلاق تم، ورجعت جزء كبير من فلوسي بقوة القانون، واتلغى أي حق كان فاكر إنه يملكه في نجاحي أو عقاراتي.
​بعد كل ده، كنت فاكرة إن الراحة هتخليني أحس بالانتصار، بس في الأول حسيت بفراغ كبير.. وبعدين الفراغ ده اتقلب لـ وضوح وراحة بال.
​الفيلا فضلت بتاعتي.
​بس أنا غيرتها.
​الجزء الثالث: “شقة البنات”
​جناح الضيوف، اللي كان معمل حسابة لناس فاكرة إنها هتقعد فيه بوضع اليد وللأبد، اتقلب وبقى حاجة تانية خالص؛ بقى مساحة استضافة ودعم للبنات والسيدات اللي بيبدأوا حياتهم من الصفر. بنات بتأسس شركات، مهندسات، مصممات.. ستات بيجمعوا شتات نفسهم بعد صدمات ووقعات كبية، زي ما أنا عملت زمان في شقتي الضيقة.
​وسمينا المشروع ده “مشروع الأوضة الفاضية”.
​مفيش تملك، مفيش استغلال، مجرد مساحة وفرصة عشان يقفوا على رجليهم من تاني.
​ومع الوقت، الفيلا مبقتش رمز للوجع أو للغدر اللي نجوت منه، بقت مكان بيساعد الناس يتعافوا من غدر الدنيا.
​ساعات لسه بفتكر شريف بتاع زمان.. النسخة الطيبة اللي في الأول، اللي كانت بتحسسني بالشراكة والأمان مش بالسيطرة والتملك. الذكرى دي مش بتموت بسهولة، بس م بقتش بتغير في الواقع حاجة.
​لأن الحقيقة في الآخر بقت بسيطة وواضحة زي الشمس:
​الجواز عمره ما كان معناه إنك تتنازلي عن ملكية حياتك وقرارك لشخص تاني.
​والفيلا—بكل حيطة فيها، بكل شباك، وبكل شبر—فضلت ملكي.. ملك نادية وبس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *