يوم العيد ميلاد حصري لصفحة روايات رولا

في يوم عيد ميلاد بنت جوزي، طلبوا مني أقف أصورهم كأني “كومبارس”.. وبعد سنين، بنتي كشفت الكدبة اللي الكل دارى عليها.
​— “صورينا أنتِ يا لمياء، العيلة الحقيقية بتقف هنا”.
​الجملة دي قالتها “بسمة” وبمنتهى البرود قدام تورتة العيد ميلاد البمبي، والبلالين الدهبي، والـ 40 معزوم اللي كانوا ماليين جنينة عيلة “الراوي” في العجمي بالإسكندرية. مفيش كباية اتدلقت، ومفيش حد صرخ.. وده كان أوحش جزء في الموضوع. عيلة “شريف” اتلموا كلهم حوالين البنت اللي تمت سنة، وكأن الست دي —زميلته القديمة في الشغل اللي حملت منه وهو متجوز— بقى ليها كل الحق فجأة إنها تاخد مكان الزوجة.
​”لمياء” كانت ماسكة الموبايل وإيديها بتترعش وسقعانة تلج. كان عندها 29 سنة، لابسة فستان أزرق بسيط ومرسوم على وشها ابتسامة مكسورة. بقالها 6 سنين بتحاول تخلف وتعمل عيلة مع شريف؛ دكاترة وتحاليل وفيتامينات، ودعاء في كل مكان، ده غير نظرات وأسئلة السخافة اللي كانت بتسمعها كل يوم جمعة على غدا العيلة. لما اعترف لها إنه غلط مع بسمة وقالها “أصل كنت مضغوط في الشغل”، لمياء صدقته وافتكرت إن ده وجع وهيعدي. بس بعد أسبوع واحد، بسمة قعدت حاطة إيدها على بطنها وبكل بجاحة أعلنت إنها حامل في بنت من شريف.
​— “إحنا بس عايزين نعدي المركب من غير مشاكل”، ده كل اللي شريف قاله وقتها.
​لمياء سامحت عشان كانت حاسة بالوحدة، وعشان أهل جوزها كانوا هما عيلتها من لما كان عندها 23 سنة، وعشان حماتها الست “كريمة” حضنتها وهي بتعيط ووعدتها إن مفيش حد هياخد مكانها أبداً. بس في ظرف سنة واحدة، بسمة بقت تحشر نفسها في كل خروجة وعزومة، وبتعدل في عفش البيت، وبتقول لحما وحمات لمياء “يا تيتة ويا جدو”، وبتطلع في كل الصور.. في الوقت اللي لمياء كانت بتترمي فيه على الهامش; تشيل الشنط، وتغرف الأطباق، وتعمل نفسها مش سامعة لما حد من قرايبهم يهمس: “أهو البنت دي في الآخر جمعت الشمل اللي كان لازم يتجمع من زمان”.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​البنت “فريدة” مكانش ليها ذنب في حاجة، ده اللي لمياء كانت بتصبر بيه نفسها وهي شايفاها بتدلع على شريف كأنها مراته وعال العال. البنت كانت قمر وعينيها واسعة، وشريف كان بيبص لها بحنية لمياء كانت بتموت وتشوفها في عينيه لطفل منهم هما الاتنين. عشان كده استحملت الذل ده كله؛ عشان الطفلة، وعشان الوعد بأن كل حاجة هتتصلح، وخوفاً من إنها تواجه الحقيقة: إنها بقت ضيفة تقيلة وملهاش مكان في بيتها وجوازها.
​— “خلاص يا لمياء؟ خلصينا”، بسمة قالتها بزهق، “البنت هبطت من الوقفة”.
​شريف متكلمش ولا دافع عنها؛ بالعكس، ده لف إيده حوالين وسط بسمة عشان يطلعوا حلوين في الصورة. حماتها “كريمة” عدلت العقد بتاعها، وحماها “حسين” ضحك للغلابة. لمياء بصت في شاشة الموبايل وشافت الحقيقة كاملة مكملة: جوزها، ومراته التانية، وبنتهم، والحما والحماة اللي كانوا بيقولوا لها “يا بنتي”. هي كانت برا الكادر تماماً.
​داسيت على الزرار وصورتهم.. لقطة واحدة بس. نزلت الموبايل وحست بحاجة جواها بتتفصم، مش زي إزاز بيتكسر بصوت عالي، لأ، كأنه حبل كان مخنوق على صدرها وساب فجأة.
​قالت بصوت واطي ومكتوم: “أنا مش قادرة أكمل”.
​شريف قرب وهمس في ودنها بنرفزة: “مش وقته نكد أرجوكي، النهارده عيد ميلاد بنتي”.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​بنتي.. مش وجعنا، ولا حكايتنا اللي ضاعت.. “بنتي”.
​لمياء مشيت وراحت ناحية التربيزة اللي عليها شنطتها، بسمة حصلتها بابتسامة صفرا:
— “بلاش دراما، أنتِ طول عمرك عارفة إن شريف كان نفسه في عيلة وعيال”.
​لمياء بصت في عينيها لأول مرة من غير ما تنزل عينيها الأرض:
— “وأنتِ طول عمرك عارفة إني مراته”.
​بسمة ضحكت بـ لؤم:
— “الورق والمأذون ميعملوش حاجة لما الجسم ميردش”.
​الكلمة دي حرقت دمها أكتر من الخيانة نفسها. وكان فيه كذا حد من القرايب واقف وسامع؛ خالتهم عملت نفسها بتعدل الشمع، ومحدش نطق بكلمة.
​لمياء ملمتش عليها الناس، ملقحتش كلام، ولا شتمت حد. رد فعلها كان حاسم وقاطع: سيفت الصورة في فولدر لوحدها، وأخدت مفاتيح عربيتها ومشيت من غير ما تسلم على مخلوق. بالليل، في أوضة فندق على قد حاله في وسط البلد بالقاهرة، كلمت المحامي بتاعها وطلبت منه يرفع قض..ية طلاق. الصبح، عملت بلوك لـ بسمة، ومبقتش ترد على أي مبررات أو اتصالات، وبدأت تبني حياة جديدة.. حياة مش محتاج تشحت فيها مكان في صورة حد.
​بعد كام شهر، الطلاق تم، وبقت شغالة منسقة في عيادة سنان في المنصورة. هناك اتعرفت على “طارق”. محاولش يعمل فيها البطل اللي هينقذها، بس كان بيسندها وبيشاركها كل حاجة. بعد 3 شهور بس، اختبار الحمل طلع إيجابي. لمياء قعدت في الحمام تعيط، مش من الخوف، من الراحة والفرج. البنت اللي اتولدت بعد 9 شهور سمتها “نور”، لأنها جت زي المعجزة اللي خضرت حياتها من جديد.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​طارق نزل صورة على الفيسبوك: لمياء على سرير المستشفى، تعبانة بس وشها منور، وحاضنة بنتها. بعد 17 دقيقة بالظبط، تليفونها رن.. كانت “نهى”، أخت جوزها القديم.
​— “لمياء… أنتِ كنتِ تعرفي من إمتى إنك بتقدري تخلفي؟”
​لمياء حست إن الأوضة بتضيق عليها وأنفاسها هتقف:
— “أنتِ بتقولي إيه؟”
​نهى اتنهدت وصوتها كان مرعوب كأنها ماسكة قنبلة:
— “شريف لسه طالب يعمل تحاليل وفحوصات عقَم دلوقتي.. بيقول لو أنتِ خلفتي، يبقى العيب عمره ما كان منك أنتِ!”.
لمياء فضلت ماسكة التليفون، ودموعها نزلت على خدها، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع صدمة مخلطة بذهول. بصت لـ “نور” اللي نايمة في حضنها، وبعدين بصت لـ “طارق” اللي كان واقف بيغير هدومه ومبتسم لها بكل حنية الدنيا.
​سألت نهى بصوت بيترعش:
— “نهى.. اخلصي وقولي لي، شريف كان عارف؟”
نهى سكتت ثواني، وصوت نفس الخوف طالع من السمعة:
— “شريف مكانش يعرف يا لمياء.. بس أمي كانت عارفة. لما روحتوا مع بعض لدكتور ‘عزمي’ من 4 سنين، أمي راحت له من وراكم وأخدت التحاليل الحقيقية. شريف هو اللي كان عنده نسبة تشوهات وضعف شديد، والدكتور قالها الأمل ضعيف جداً ومحتاج علاج سنين. أمي خافت على منظر ابنها وعلى رجولته قدام العيلة، ولعبت اللعبة عليكِ.. هي اللي دفعت للدكتور عشان يغير النتيجة ويوهمكم إن العيب منك أنتِ.. عشان تفضلي مكسورة وتستحملي.”
​لمياء حست إن الدنيا بتلف بيها. الست “كريمة” اللي حضنتها ووعدتها إن مفيش حد هياخد مكانها، كانت بتديها سكين في ضهرها كل يوم وهي شيفاها بتاخد منشطات وهرمونات بوظت جسمها وأعصابها، وكل ده عشان تحمي “إيجو” ابنها!
​لمياء قفلت السكة في وش نهى من غير ما تنطق بحرف. بصت لطارق وقالت له كل حاجة. طارق قعد جنبها، أخد نور في حضنه، وباس رأس لمياء وقالها ببرود وثبات:
— “الحق مبيضيعش يا لمياء. والدايرة دارت عليهم، خليهم ياكلوا في بعض.”جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الفصل الثاني: الحقيقة تفرم عيلة الراوي
​في نفس التوقيت، في فيلا العجمي، كانت القيامة قايمة. شريف كان واقف في وسط الصالة ماسك الموبايل، وعينيه يادوب شافت صورة لمياء وهي والدة في المستشفى وحاضنة بنتها. الصورة دي كانت بمثابة رصاصة في نص دماغه.
​شريف صرخ في وشه أمه:
— “يعني إيه لمياء خلفت؟! الدكتور قالي المبيض عندها ضعيف ومبتخلفش! لمياء متجوزة بقالها سنة وبنتها في حضنها.. أنا اللي مبخلفش يا أمي؟!”
​الست كريمة وشها اصفر ومحطتش عينها في عينه. هنا بسمة دخلت الصالة وهي شايلة “فريدة” اللي بقت عندها 5 سنين، وقالت بزعيق:
— “جرى إيه يا شريف؟ ما تتهد بقا، ما تولع لمياء والي جابوها! ما أنت مخلف فريدة أهو وزي الفل، جاي تندب على واحدة رمتك؟”
​شريف بص لبسمة، ولأول مرة يشوفها على حقيقتها.. البجاحة واللؤم. فجأة، فكرة خطرت على باله زي الصاعقة. فكرة خلت ركبه تتخبط في بعضها. بص لبسمة وقال بصوت فجأة بقى واطي ومرعب:
— “صحيح.. أنا مخلف فريدة.. بس إذا كان الدكتور قال لأمي إني مستحيل أخلف من غير عملية وعلاج.. فريدة دي جت إزاي يا بسمة؟”
​بسمة وشها اتقلب ألوان، والبلونة الكبيرة اللي عاشت منفوخة بيها فست في لحظة:
— “أنت بتشك فيا يا شريف؟ أنا اللي لميتك لما كنت مضغوط؟”
شريف مسكها من دراعها بغل:
— “أنا هعمل تحليل DNA ليا ولفريدة الصبح.. وهعمل فحوصات لنفسي.”
​الفصل الثالث: كادر جديد تماماً
​بعد أسبوعين، لمياء كانت قاعدة في بلكونة بيتها الجديد في المنصورة، الهوا النضيف بيرد الروح، وصوت طارق وهو بيغني لنور جوه يملى البيت دفا.
​تليفونها رن.. كان رقم شريف. لمياء مكانتش ناوية ترد، بس حست إنها عايزة تضع النقطة الأخيرة في الكتاب ده. فتحت الخط.
صوت شريف كان جاي من أبعد نقطة في الأرض.. مكسور، عاجز، ومنتهي:جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— “لمياء.. أنا أسف.”
لمياء ردت بمنتهى الهدوء:
— “الأسف مش هيصلح الـ 6 سنين اللي ضاعوا من عمري في وهم، ولا الهرمونات اللي كلت في جسمي.”
شريف بدأ يعيط زي العيل الصغير:
— “أمي ضيعتني.. وبسمة طلعت مأجرالي فريدة.. فريدة مش بنتي يا لمياء. بسمة كانت متجوزة عرفي من واحد تاني ولما لقتني لقطة ومعايا فلوس لبستهالي.. أنا طلقتها وطردتها هي وأمي برة البيت.. أنا ماليش حد.. أنا ضعت.”
​لمياء سمعت الكلام ده، ومحستش بأي تشفي، ولا أي فرحة.. حست بنظافة شديدة جوه قلبها. بصت للصورة القديمة اللي كانت مسيفاها في الفولدر.. صورة عيد الميلاد البمبي، والبلالين الدهبي، وشريف وهو لافف إيده حوالين وسط بسمة، وهي برا الكادر.
​لمياء ابتسمت وقالت له:
— “عارف يا شريف؟ يوم عيد ميلاد بسمة، هي قالت لي ‘الورق والمأذون ميعملوش حاجة لما الجسم ميردش’.. بس الحقيقة إن النوايا هي اللي بترد. أنت وعيلتك خرجتوني برة الكادر بتاعكم عشان كنتوا فاكرين إني الضلع الضعيف.. بس ربنا خرجني عشان يحميني، وعشان يحطني في كادر حقيقي.. كادر أنا فيه النور كله.”
​قفلت السكة. وعملت “دليت” للصورة القديمة من على الموبايل ومن ذاكرتها للأبد.
​دخلت جوه الأوضة، لقت طارق شايل نور وبيقدم لها ورقة بيضاء صغيرة.. كان حجز لرحلة مصيف في دهب. طارق حضنها من وسطها، وباس كتفها وقالها: “يلا بينا نصور كادر جديد؟”
لمياء ضحكت من قلبها، وقالت: “يلا بينا.. الكادر ده بتاعي أنا وبس.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بعد مرور سنتين على مواجهة التليفون، كانت لمياء قد استقرت تماماً في حياتها الجديدة بالمنصورة. “نور” كبرت وبقت بتجري في الصالة بضحكتها اللي بتنور البيت، وعيادة الأسنان اللي لمياء شغالة فيها اتطورت وبقت شريكة في إدارتها مع طارق. في يوم عادي، لمياء كانت ماشية في شارع البحر بالمنصورة، ولمحت ست قاعدة على الرصيف بتبيع مناديل ووشها باين عليه الشقا والكسرة.. تدقق النظر تلاقيها الست “كريمة” حماتها القديمة.
​لمياء مأقربتش منها، بس عرفت بعدين من “نهى” إن شريف بعد ما اكتشف الحقيقة، طرد أمه وبسمة من الفيلا ورفع قض..ية “إنكار نسب” لفريدة. بسمة هربت بالبنت مع جوزها العرفي الحقيقي بعد ما سرقت دهب الست كريمة وفلوسها، وشريف جاله شلل نصفي مؤقت من الصدمة والضغط، وباع الفيلا عشان يصرف على علاجه ودخل مصحة نفسية، وساب أمه تواجه الفقر لوحدها بعد ما حماها “حسين” اتوفى بجلطة من الفضيحة.
​الفصل الخامس: الكادر الأخير
​في يوم عيد ميلاد “نور” التاني، طارق عمل حفلة صغيرة في جنينة بيتهم الجديدة. مكنش فيه 40 معزوم من الأعيان، كان فيه بس ناس بتحبهم بجد؛ أصحابهم المخلصين، وأهل طارق اللي شالوا لمياء في عنيهم من أول يوم.
​طارق ولع الشمعة، وبص للمياء اللي كانت لابسة فستان أبيض رقيق، وشكلها أصغر بـ 10 سنين من يوم ما سابت العجمي. طارق مسك الموبايل ورفع إيده:
— “يلا يا لمياء.. اقفي جنب نور عشان أصوركم.”
​لمياء هزت رأسها بالرفض، وأخدت الموبايل من إيده، وحطته على شجرة وقبطت “التايمر” وصرخت بضحكة مالية المكان:
— “مفيش حد هيقف يتفرج.. العيلة الحقيقية كلها بتقف في نص الصورة.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​جريت وقعدت في النص، حطت نور على حجرها، وطارق لف إيده حوالين كتفها وباس رأسها.. وفلاش الكاميرا نوّر.
​تمت.
لمياء مسحت الفولدر القديم، ومش بس سابت الكادر بتاعهم.. دي غيرت حياتها كلها وبقت هي المخرج والبطلة في قصة حياتها الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *