وجدها حصري روايات رولا

طيارته اتأخرت نص ساعة بس… شاف البنت اللي عمره ما نسيها نايمة على أرض المطار وجنبها توأم شبهه بالظبط—بس الحقيقة اللي خبيتها عنه خلته يسيب صفقة بمليون جنيه ويمشي ومن غير ما يبص وراه.
​الصبح اللي ملوش لازمة
​كريم الهواري بقاله يجي عشرين سنة عايش في المطارات، داخل وخارج، كأنها معمولة مخصوص لرجالة الأعمال اللي شبهه.
​عنده 46 سنة، وصاحب سلسلة فنادق وقرى سياحية معروفة في شرم الشيخ، الغردقة، والساحل الشمالي. اسمه دايماً في مجلات البيزنس، والناس بتوصفه إنه راجل ملوش في اللف والدوران، منظم، ومفيش حاجة بتعطله عن شغله.
​الصبح ده، كريم كان واقف في مطار القاهرة الدولي، ومفروض يركب طيارة رايحة دبي عشان يحضر أهم اجتماع مستثمرين في السنة.
​وفجأة، أعلنوا إن الرحلة اتأخرت نص ساعة.
​وقف جنب بوابة الخروج، ماسك تليفونه بايد وشنطة الجلد الغالية بالايد التانية، ومتعصب جداً من الوقت اللي بيضيع. الناس بتجري حواليه، ده بيتكلم في التليفون، ودي أم بتجري ورا ابنها وماسكة كوباية القهوة بالعافية.
​وهو بيلف بعينه، لمح ست قاعدة على الأرض، سانده ضهرها على الحيطة.
​كانت نايمة ومسندة راسها على شنطة سفر قديمة ومتقشرة، وحاضنة بايديها الاتنين طفلين توأم صغيرين نايمين في حضنها. عيل منهم كان ماسك في حزام الشنطة وهو نايم، والتاني دافن وشه في كم الجاكيت بتاعها.
​كريم كان لسه هيمشي ويسيبها.
​بس أول ما لمس وشها بعينه…
​نفسه اتطعم، ومبقاش عارف ينطق.
​دي مريم.
​البنت اللي كانت شغالة في بيت عيلته زمان من سنين.
البنت الوحيدة اللي حبها بجد قبل ما يعرف الدنيا والفلوس.
البنت اللي فهموه إنها سابته ومشيت ومكنش فارق معاها.
​الحكاية اللي متمسحتش من الذاكرة
​كريم مكنش قادر يتحرك من مكانه.
​مريم ملامحها اتغيرت، مش عشان كبرت، لا… عشان شكلها تعبان وشيل السنين باين عليها، بس لسه بتعافر عشان العيلين اللي في حضنها.
​الجاكيت بتاعها كان نضيف بس قديم ومتبهدل، جزمتها مربوطة كويس بس دايبة. شعرها كان ملموم لمت أي كلام، وحتى وهي نايمة، إيدها محاوطة العيال كأنها بتدير بيهم عن الدنيا.
​كريم افتكر كلام أمه زمان لما قالتله:
​”دي مش من توبنا يا كريم.”
“دي كانت طمعانة فيك وفي فلوسنا.”
“احمد ربنا إنها مشيت من سكات قبل ما تبوظلك مستقبلك وتضيع اللي بنيناه.”
​وقتها هو كره الكلام ده، بس كان لسه شاب صغير، كرامته نقحت عليه، وافتكر إن السكوت كبرياء.
كتبلها جوابات كتير وراجعتله.
طلبها على التليفون، لقاه مقفول ومغير الخط.
مع الوقت، الوجع اتقلب لغضب، لأن الغضب أسهل من الحزن.
​بس أهي قدامه دلوقتي…
على أرض المطار.
ومعاها طفلين.
​فجأة، واحد من التوأم فتح عينه وبص لكريم.
​كريم حس إن المطار بيلف بيه… الولد كان نسخة مصغرة منه! نفس العينين، نفس الملامح، ونفس النظرة الحادة.
​المواجهة والقرار اللي ميرجعش فيه
​في اللحظة دي مريم صحيت، حست إن في حد واقف فوق راسها. أول ما عيونهم جت في عيون بعض، الخوف ظهر في عينيها، وبعدها الصدمة.
​كريم قعد على الأرض جنبها، ومبقاش هاممه بدلة غالية ولا برستيج ولا ناس بتتفرج. وبصوت مخنوق سألها: “إيه اللي جابك هنا؟ والعيال دول عيال مين يا مريم؟”
​مريم عيطت وقالتله وهي بترتعش: “أنا مسبتكش يا كريم… أمك هي اللي طردتني وهددتني بأهلي لو مأختفيتش من حياتك. وأنا مكنتش أعرف إني حامل في التوأم دول غير بعد ما مشيت بأسبوعين. حاولت أوصلك، بس أهلك منعوا كل حاجة، ومبقاش ورايا غير إني أتبهدل عشان أربيهم.”
​مريم كانت قاعدة في المطار مستنية طيارة لـ أسوان، رايحة تشتغل هناك داية في فندق صغير عشان تعرف تأكل عيالها بعد ما الدنيا قفلت في وشها في القاهرة.
​في اللحظة دي، تليفون كريم رن… ده سكرتيره بيقوله: “يا فندم الطيارة جاهزة والمستثمرين في دبي مستنيين عشان نمضي صفقة المليون.”
​كريم بص للتليفون، وبص لمريم ولعياله اللي باصين له ببراءة ومحتاجين أمان.
​راح قفل التليفون وحطه في جيبه، وشال شنطة مريم القديمة بايده، وبص لـ مريم وقالها بكلمة واحدة: “مفيش أسوان ومفيش سفر… إحنا راجعين بيتنا.”
​كريم ساب الصفقة، وساب الفلوس، وساب المستقبل اللي أمه رسمتهوله، واختار عيلته الحقيقية ومشي من غير ما يبص وراه خطوة واحدة
الجزء الثاني: النظرة اللي هزت كيانه
​عيون مش غريبة
​الواد كان فيه عينيه بالظبط.
مش بس نفس اللون، نفس الدرجة الرمادي الغامقة، نفس النظرة الهادية الجد، ونفس الطريقة الحذرة اللي بيبص بيها للمكان حواليه قبل ما يطمنله.
​وفجأة، الولد التاني اتحرك وهو نايم.
ولمَح كريم نفس الوش تاني… توأم نسخة واحدة.
​السؤال اللي غيّر كل حاجة
​مريم صحيت أول ما واحد من العيال لمس دراعها.
في الأول، كانت مخضوضة ومش فاهمة هي فين.
بعدين عينيها جت في عين كريم.
​الدم هرب من وشها تماماً، وبقت بيضا زي الورقة.
وقالت بصوت رقيق وضايع: “كريم؟”
​اسمه طلع من بوقها كأنه حاجة منعتها نفسها تقولها من سنين طويلة.
​كريم ركع على ركبه قدامها على أرض المطار، ومبقاش هاممه مين واخد باله ومين بيتفرج عليه.
وقالها: “مريم… إيه اللي حصل؟”
​مريم لمت العيال في حضنها أكتر. مش بخضة ولا بشكل دراماتيكي، بس بحرص… زي واحدة الدنيا علمتها إن الأمان ممكن يختفي في ثانية من غير إنذار.
​الواد الصغير همس لمريم: “ماما، مين ده؟”
​ماما.
​كريم بص للعيال تاني.
وبعدين رجع بص لوش مريم.
صوته مكنش طالع، وبقى دوبك همس: “مريم… العيال دول عيالي؟”
​عينيها اتملت دموع قبل ما تنطق بكلمة واحدة.
والدموع دي كانت إجابة كافية جداً.
​بس كريم كان محتاج يسمعها ودنه.
وقالها برجاء: “أرجوكي… قوليلي الحقيقة.”
​الجزء الثالث والأخير: الحقيقة المُرّة والنهاية السعيدة
​دموع مريم نزلت، وهزت راسها بالموافقة وقالتله: “أيوا يا كريم… عيالك. تامر وآدم.”
​كريم حس إن المطار كله بيتحرك بيه، وسألها بوجع: “طب ليه مشيتي؟ ليه خبيتي عليا كل السنين دي؟ أنا دورت عليكي والجوابات كانت بترجعلي وتليفونك اتقفل!”
​مريم اتنهدت بكسرة وقالتله: “أنا مسبتكش بمزاجي. أمك الله يرحمها عرفت بعلاقتنا، وجاتلي البيت وهددتني بأهلي وبمستقبلك. قالتلي إن وجودي في حياتك هيضيعلك الصفقة الكبيرة اللي عيلتك كانت داخلاها، وإنك هتتبري من أهلك بسببي. وأنا مكنتش أعرف إني حامل غير بعد ما مشيت بأسبوعين. لما حاولت أكلمك، لقيت خطك اتغير، وأهلك هددوني لو قربت من طريقك تاني.”
​وقالتله إنها بقالها سنين بتعافر لوحدها في القاهرة، وشغالة في بيوت ومستشفيات عشان تصرف على التوأم، ودلوقتي ضاقت بيها الدنيا وملقتش غير فرصة شغل بسيطة في فندق صغير في أسوان، وكانت قاعدة في المطار مستنية طيارة أسوان (مصر للطيران) عشان تبدأ حياة جديدة من الصفر.
​في اللحظة دي، تليفون كريم رن رنة طويلة… كان سكرتيره بيقوله: “يا فندم، طيارة دبي جاهزة على المدرج، والمستثمرين الإماراتيين مستنيين في القاعة هناك عشان نمضي عقود القرية السياحية الجديدة… صفقة بمليون دولار يا فندم!”
​كريم بص لشاشة التليفون… وبص لمريم ولولاده الاتنين اللي باصين له بنظرة كلها براءة ومحتاجين ضهر يستندوا عليه.
​من غير ما يفكر ثانية واحدة، قفل التليفون تماماً وحطه في جيبه.
ومد إيده، شال شنطة مريم القديمة المتقشرة، ومسك إيد التوأم، وبص لمريم وقالها بصوت قاطع ومفهوش رجعة:
​”مفيش أسوان، ومفيش دبي، ومفيش سفر… إحنا راجعين بيتنا، ومش هسيبكم ثانية واحدة تانية في حياتي.”
​كريم ساب الصفقة، وساب الملايين، وساب كل البيزنس اللي بناه على حساب قلبه، واختار عيلته الحقيقية ومشي معاهم برة المطار وهو مش باصص وراه ولا ندمان على أي حاجة سبها
كريم أخد مريم وتامر وآدم في عربيتو المرسيدس الفاخرة، وطول الطريق العيال كانوا مبهورين بالعربية وبالشوارع، ومريم كانت لسه مش مصدقة، حاطة إيدها في إيد كريم كأنها خايفة تصحى من الحلم.
​وصلوا فيلتو في التجمع الخامس. أول ما دخلوا، الشغالة والخدم برقت عيونهم من الشبه الرهيب بين كريم والتوأم. كريم جمع كل الشغالين في البيت وقالهم بصوت قوي:
​”دي مريم هانم مراتي، ودول تامر وآدم ولادي.. البيت بيتها، والكلمة كلمتها من النهاردة.”
​المواجهة مع الماضي
​تاني يوم الصبح، تليفون كريم مبطلش رن. الشركاء والمستثمرين كانوا هيتجننوا من الصفقة اللي ضاعت في دبي. كريم طلب اجتماع عاجل في مكتبه، وطلب من أعمامه (اللي كانوا شركاء مع والدته الله يرحمها في البيزنس زمان) إنهم يحضروا.
​دخل كريم المكتب وهو ماسك في إيد تامر وآدم، ووراه مريم. أعمامه وقفوا مصدومين: “مين دول يا كريم؟ وإزاي تسيب صفقة الملايين وتضيع اسم العيلة في السوق عشان اختفاء مفاجئ؟”
​كريم خبط بإيده على المكتب وقالهم:
​الحق رجع لأصحابه: “الصفقة اللي ضاعت متجيش ثمن ظفر عيلتي اللي أنتوا وأمي تآمرتوا عشان تبعدوهم عني.”
​البيزنس الحقيقي: “أنا مش هشتغل معاكم تاني، هصفي حِصتي في الفنادق الكبيرة، وهبدأ شركة جديدة باسم ولادي.”
​رد الاعتبار: “مريم اللي طردتوها ورميتوها في الشارع، هتبقى شريكة معايا في كل فندق وكل قرية سياحية هبنيها من النهاردة.”
​النهاية السعيدة بعد سنين البهدلة
​حياة جديدة للتوأم: تامر وآدم دخلوا أحسن مدارس دولية في مصر، وكريم بقا بيسيب أهم اجتماعاته عشان يحضر معاهم تمارين الكورة في النادي.
​الفرحة اللي غابت: كريم ومريم عملوا فرح صغير وراقي في واحد من الفنادق اللي بيملكها على النيل، وكتب كتابهم كان وسط فرحة حقيقية عوضت مريم عن كل يوم بهدلة عاشته لوحدها.
​الدرس الأخير: كريم أثبت لكل الناس إن الفلوس والملايين بتروح وتيجي، بس العيلة والأمان الحقيقي هما الصفقة الوحيدة اللي تكسب في العمر كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *