الملياردير حصري روايات رولا

الملياردير عمل نفسه نايم عشان يختبر الشغالة الجديدة.. بس اللي عملته خلاه مش عارف ينطق!
​البداية الباردة والقرار الصعب
​لما آرثر بنهاليجون عرف إن فيه ١١ من الشغالين بتوعه استقالوا في ٨ شهور بس، حتى مالتفتش عشان يرد. كان واقف قدام الواجهة الإزاز اللي واصلة من السقف للأرض في أعلى دور في “برج بنهاليجون”، وبيبص على مدينة “آيرون وود” من ورا الضباب الرمادي الباهت بتاع الصبح. قهوته السادة كانت على مكتبه من غير ما يلمسها، بردت من ٢٠ دقيقة، زيها زي كل حاجة تانية في حياته.
​بقاله تلات سنين، آرثر مش موجود في الدنيا غير في السجلات الرسمية بس، شغال زي الآلة اللي مجلات البيزنس بتسميها “مهندس الخرسانة”. شركاه كانوا بيحترموا كفاءته القاسية، ومنافسينه كانوا بيخافوا من دقته الباردة، بس ماحدش سأل نفسه أبداً إيه اللي بيحصل للراجل لما يخسر الست اللي بيحبها وبنته الصغيرة اللي يا دوب كانت لسة بتتعلم تنطق اسمه.
​”يا فندم،” مساعده قال بصوت واطي من عند الباب، “وكالة التوظيف عايزة تعرف لو حضرتك حابب تراجع الملف قبل ما تأكد المرشحة دي بالذات.”
​آرثر ماتحركش من قدام الواجهة الإزاز. وقال ببرود من غير ما يبص وراه:
​”ابعتها، لأنهم كدة كدة كلهم بيمشوا.”
​الباب اتقفل بتكة بسيطة، وسابه جوة السكون اللي بناه لنفسه، وفي الوقت نفسه برة، المدينة كانت بتبدأ تصحى تحت نور العواميد الصفراء والمطر الخفيف. جوة القصر، الملياردير فضل واقف من غير حركة، زي راجل محبوس بقاله سنين جوة نفس الذكرى المأساوية.
​على بعد أميال، في شقة ضيقة في منطقة “ريفرسايد”، بنت شابة اسمها مايا كانت بتطبق تيونير أزرق كحلي بعناية على الكرسي. الشقة كانت ريحتها قهوة مغلية ومرارة دوا القلب النفاذة.
​”يا تيتا،” مايا قالت بصوت واطي، “عندي إنترفيو بكرة الصبح.”
​كاترين سنايدر فتحت عين واحدة بتعب وهي على الكنبة، إيديها كانت وارمة من الروماتيزم المؤلم وقلبها بيضعف يوم بعد يوم، مع إن عقلها كان لسة صاحي وأقوى من ناس كتير في المدينة.
​”شغلانة إيه دي يا بنتي؟” سألت بنبرة صوت خشنة من التعب.
​”دي وظيفة عاملة منزلية في قصر كبير في منطقة هاي كريست،” مايا ردت وهي بتلمع جزمتها.
​كاترين فضلت تبص لحفيدتها لوقت طويل، ولمحت الإرهاق اللي باين حوالين عينيها.
​”المي شعرك لورا كويس، وماتبتسميش كتير في الأول،” حذرتها، “لأن الأغنياء دول نادر لما بيثقوا في حد وشه طيب وبشوش بسرعة.”
​مايا ضحكت ضحكة خفيفة من كلام جدتها المتشائم، مع إنها عارفة إن كلامها غالباً صح: “شكراً على النصيحة يا تيتا.”
​”وما تمضيش على أي ورق رسمي من غير ما تقريه كلمة كلمة،” كاترين كملت كلامها. “قوليلي، هيدفعولك كام؟”
​لما مايا قالت لها على المرتب المغري، كاترين سكتت خالص لوقت طويل. بعدها قالت جملة واحدة، وكانت حاسمة: “يبقى تروحي، وتتأكدي إنك تبتي هناك وماتمشيش.”
​في الليلة دي، مايا طفت نور الطرقة وفضلت سامعة صوت جهاز الأكسجين بتاع جدتها وهو شغال بانتظام. بقالهم سنتين على الحال ده، الصوت ده كان بيملا لياليهم الطويلة والوحيدة. مايا سابت كلية التمريض وهي في سنة تالتة، مش عشان فاشلة، لا، بس عشان ماكانش فيه حد تاني يراعي كاترين. الدوا كان غالي جداً، والإيجار دايماً متأخر، والشغلانة دي كانت هي الفرصة الوحيدة اللي ممكن تغير حياتهم بجد.
​دخول القصر.. والقواعد الصارمة
​تاني يوم الصبح، الست جوردون فتحت الباب الكبير بتاع القصر قبل ما مايا تخلص رن الجرس حتى. كانت ست رفيعة، منمقة، وشديدة جداً، من النوع اللي يقدر يحكم على حياة بني آدم في تلات ثواني بس.
​قرأت من ورقة مطبوعة بوضوح: “مايا سنايدر.. مواليد كليرووتر، عايشة في آيرون وود بقالها ست سنين، لغتها الأم الإنجليزية، وبتعرف تتكلم شوية فرنسي. اتفضلي ادخلي فوراً.”
​اللفة في البيت كانت سريعة ومحددة، وكل أوضة كان ليها قوانينها الخاصة غير المكتوبة. المطبخ ليه قوانين، أوض الضيوف ليها قوانين، المغسلة ليها قوانين، بس كان فيه قاعدتين بالذات بيترددوا بجدية وخوف أكتر من الباقي:
​مكتب السيد بنهاليجون ممنوع تماماً حد يقرب منه.
​ماحدش يلمس أو يحرك أي حاجة على مكتبه الضخم ده نهائي.
​”وزيادة على كدة، الأوضة اللي في آخر الممر في الدور التاني تفضل مقفولة طول الوقت،” الست جوردون حذرتها بنبرة حاسمة.
​مايا بصت ناحية الممر بفضول طبيعي: “ليه كدة؟” سألت وهي حاسة بالتوتر اللي ملى المكان فجأة.
​الست جوردون وقفت ولفت ليها، وعينيها حدة الإزاز: “لأن مستر بنهاليجون أمر بكدة،” وهمست بصوت واطي جداً: “والباب ده ما اتفتحش بقاله تلات سنين بالتمام والكمال.”
​شعر جسم مايا وقف من القشعريرة. ماكانتش تعرف لسة، بس ورا الباب المقفول ده كان السبب الحقيقي اللي خلى كل شغالة قبلها تمشي وهي بتعيط أو خايفة. لما آرثر بنهاليجون عمل نفسه نايم بعد كدة عشان يختبر أمانتها، كان متوقع إنها تسرق، أو تتجسس، أو تهرب زي اللي قبلها. بس مايا عملت حاجة ماحدش في البيت ده عملها من تلات سنين، حاجة غير متوقعة لدرجة إنها خلت أكتر راجل قوي في المدينة يفتح عينيه وينسى إزاي يتنفس!
​على الضهر، مايا فهمت ليه القصر ده كان كأنه متحف مبني حوالين جرح قديم ومفتوح مش عايز يلم. كل حاجة جوة كانت غالية، ساكتة، ومترتبة بشكل غريب، الأرضيات بتلمع وزي المراية، والنجف بيبرق حتى وهو مطفي. ورد الأوركيد الأبيض كان محطوط في فازات إزاز على طول الممرات، منسق بطريقة مثالية لدرجة تحس إنه مش حقيقي، بس ماكانش فيه ولا صورة عائلية واحدة في أي مكان.
​ماكانش فيه صوت تليفزيون، ولا جزمة ملقحة جنب الكنبة، ولا ريحة فطار دافية طالعة من المطبخ. النظام وبس هو اللي كان عايش هنا، نظام مثالي وبيرق.. وبيموّت من الخنقة.
​الست جوردون كانت ماشية قدام مايا وإيديها مشبوكة ورا ضهرها: “هتيجي الساعة ستة ونص كل يوم الصبح، وتمشي ستة بالليل إلا لو طلبنا منك غير كدة. ما تتكلميش إلا لو حد كلمك، وماتسأليش أي أسئلة شخصية تحت أي ظرف.”
​مايا هزت راسها موافقة على الشروط الباردة دي.
​”ولو مستر بنهاليجون بان عليه إنه مش لطيف أو قاسي، ما تاخديش الموضوع بشكل شخصي،” الست جوردون ضافت وهي بتتنهد.
​مايا كانت هتضحك من كتر ما الموضوع بان غريب: “أوعدك مش هاخد الأمور بحساسية.”
​الست جوردون لفت وبصت لها بنظرة كلها تعب: “كلهم بيقولوا كدة في أول يوم.”
​التحذير ماكانش فيه قسوة، كان فيه تعب حقيقي وواضح. مايا لقطت ده، لأن ورا الوقفة الشديدة للست الكبيرة دي، كان باين إن الست جوردون مهدودة من الشقى. وقفوا برة الباب المقفول في آخر الدور التاني، الباب الوحيد اللي كان عليه لوحة نحاس صغيرة متلمعة بس ماعليهاش أي اسم، وكان فيه خط تراب رفيع على عتبة الباب.
​مايا بصت هناك لثانية واحدة، بس الست جوردون خدت بالها فوراً: “ما تبصيش للباب ده.”
​مايا نزلت عينيها في الأرض بسرعة: “حاضر، أنا أسفة.”
​”لا،” الست جوردون قالت بصوت واطي، “أنتِ مش فاهمة حاجة، بس يمكن كدة أحسن لراحتك النفسية.”
​فجأة، جه صوت من تحت، صوت باب بيتقفل هبدة قوية. الست جوردون اتعدلت في وقفتها فوراً: “مستر بنهاليجون رجع البيت.”
​الهوا في البيت اتغير في ثانية، وبقى تقيل بضغط غريب مش مفهوم. الجنايني اللي باين من الشباك وقف قص الشجر، ومساعدة المطبخ وطت صوتها لوشوشة. وفي الممر، شاب كان شايل ملايات نضيفة رجع لورا وسند على الحيطة كأنه بيوسع السكة لعاصفة جاية.
​دخل آرثر بنهاليجون الصالة الكبيرة وهو لابس بدلة سودا ووشه خالي من أي تعبير، كأنه نسي إن فيه بشر تانين عايشين في الدنيا. كان طويل، وهيبته في الحقيقة تخوف أكتر من صوره في المجلات، شعره أسود ومتسرح بعناية وفيه خصلات فضي خفيفة عند منطقة الجبهة. وشه كان وسيم بس بطريقة حادة وصارمة، كله زوايا وضل، بس عينيه هي اللي خلت مايا تتجمد في مكانها. ماكانتش قاسية، بس كانت فاضية تماماً.. مافيهاش الروح.
​”يا فندم،” الست جوردون قالت وهي بتنزل راسها شوية احتراماً.
​آرثر قلع جوانتي جلد ورماه للمساعد اللي واقف من غير ما يبص له حتى: “هي دي الشغالة الجديدة؟” سأل بصوت خشن ومبحوح.
​مايا خطت خطوة لقدام وفردت ضهرها: “أيوه يا فندم، أنا مايا سنايدر.”
​عينيه مشيت عليها مرة واحدة، مش بفضول ولا بود، بس بنظرة فحص وتقييم، كأنه بيشوف هل القطعة البديلة دي هتستحمل الضغط والشغل ولا هتتكسر بسرعة.
​”قريتي القواعد اللي بعتها؟” سأل.
​”أيوه يا فندم،” مايا ردت.
​”فاهمة كل كلمة فيها؟” ضغط عليها بالأسئلة.
​”أيوه، فاهمة كويس جداً.”
​”يبقى ما تخيبّيش ظني،” قالها ومشي قبل ما تلحق ترد عليه.
​الست جوردون خدت نفسها بصعوبة أول ما اختفى ناحية المكتب: “هو مابيحبش الشغالين الجداد.”
​مايا بصت ناحية باب المكتب المقفول بقلق: “أنا متهيألي هو مابيحبش أي حاجة خالص في الدنيا.”
​ولأول مرة طول اليوم، شفايف الست جوردون كانت هتترسم عليها ابتسامة خفيفة: “خلي بالك يا بنتي، أنتِ بتلاحظي حاجات كتير أكتر من اللازم.”
​المواجهة الأولى ولعبة الذكريات
​الأيام اللي بعد كدة عدت في هدوء قاتل ومخنق، بس مايا بدأت تفهم ريتم البيت ده الماشي بيه. الفضة بتتعد كل جمعة، والملايات في الجناح الغربي بتتغير مع إن ماحدش بينام هناك أبداً، ومستر بنهاليجون بيشرب قهوته الساعة سبعة الصبح، مع إنها في معظم الأيام بتفضل زي ما هي وما بيلمسهاش. الغدا بيتحضر ويروح لمكتبه، وبيرجع نصه تقريباً زي ما هو، والعشا غالباً بيكون شوية شوربة، وأوقات تانية مابياكلش خالص.
​الساعة تلاتة العصر، وهي بتنفض التراب في المكتبة الكبيرة، مايا لقت لعبة صغيرة تحت كرسي قطيفة. كانت أرنب خشب، حجمه قد كف الإيد، مدهون أبيض بس الدهان كان مقشر وممسوح من السنين. ودن منه كانت مكسورة، وشريط بينك باهت كان مربوط حوالين رقبته، شكله كان غريب جداً ومش لايق أبداً على الأوضة النضيفة والمترتبة بالمسطرة دي. مايا اتجمدت وهي بترفعه براحة، وحست بوجع غريب في قلبها.
​وقبل ما تقرر هتعمل إيه، صوت قطع هدوء الأوضة زي السك..ينة:
​”سيبي اللي في إيدك ده فوراً!” آرثر زعق بقوة.
​مايا لفت ولقت آرثر واقف عند الباب، وشه كان متغير تماماً، الفراغ اللي في عينيه اختفى وحل محله غضب حاد وخطير.
​”أنا أسفة جداً يا فندم،” مايا قالت بسرعة، “أنا لقيته تحت الكرسي، وماكنتش أقصد أتدخل في حاجة مش بتاعتي.”
​”سيبي اللي في إيدك،” كرر كلامه تاني.
​سمعت الكلام وحطت الأرنب براحة على التربيزة اللي جنبها، بس آرثر خطى خطوات سريعة وواسعة في الأوضة وخطف اللعبة، كأنها هتختفي لو استنى ثانية واحدة كمان. لإيديه اتهزت لثانية، وبعدين قفل صوابعه عليها بقوة.
​”أنتِ هنا ماتلمسيش أي حاجة شخصية في البيت ده،” قالها وهو باصص لها بغضب.
​”أنا فاهمة يا فندم،” همست مايا.
​”لا، مش فاهمة،” قال بصوت واطي وغاضب، “أمثالكم عمرهم ما بيفهموا. بتيجوا البيت هنا وتعملوا نفسكم محترمين القوانين، وتوهمونا إنكم عايزين تاكلوا عيش وبس، بس بعد كدة الفضول بياكلكم وتدخلوا في اللي مالكوش فيه.”
​مايا فضلت تبص في عينيه بقوة، ورفضت تنزل عينيها في الأرض بكسرة: “أنا ماكنتش بسرقه يا فندم.”
​”أنا ماطلبتش منك تدافعي عن نفسك!” آرثر زعق.
​الدم جري في وش مايا من كتر الإحراج والغضب، بس بلعت الرد اللي كان واقف على طرف لسانها. آرثر كان بيبص لها وكأنه مستني منها تعيط، أو تطلع أعذار، أو تخاف. ولما ملقاش أي رد فعل من دول، فكه اتشنج من الضيق.
​”تقدري تمشي بدري النهاردة،” قالها وهو بيلف ضهره ليها.
​الست جوردون ظهرت وراه، وكانت مخضوضة من الأمر المفاجئ ده: “يا فندم…” بس آرثر قاطعها بحدة: “قلت تمشي حالاً!”
​مايا قلعت المريلة بتاعتها براحة وحطتها على تربيزة المكتبة: “تحت أمرك يا مستر بنهاليجون،” ومشت وضهرها مفرود بكل كبرياء.
​في الطرقة بتاعة الشغالين، إيديها بدأت تترعش. مش عشان زعق فيها، لا، عشان الطريقة اللي كان ماسك بيها اللعبة دي.. كأنه ماسك حتة من قلبه كانت هتتسرق منه.
​بالليل، كاترين كانت قاعدة على الكنبة لما مايا رجعت البيت.
​”رجعتي بدري النهاردة،” كاترين قالت وهي بتبص لها.
​مايا رمت شنطتها على التربيزة وهي بتتنهد بتعب: “لقيت حاجة ماكنش ينفع ألمسها.”
​حواجب كاترين اترفعت بقلق: “كانت فلوس يا بنتي؟”
​”لا، كانت لعبة أطفال خشب،” مايا ردت.
​الست الكبيرة سكتت شوية، وهزت راسها كأنها فهمت: “آه…”
​مايا قعدت على الكرسي اللي جنبها، وحاسة بتقل القصر كله فوق كتافها: “هو كان فيه بنت صغيرة عايشة هناك، صح يا تيتا؟”
​”في البيوت اللي بالغنى ده، المأساة بتبقى سيرة على كل لسان وقصة للتسلية قبل ما حتى ورد العزا يلحق يدبل،” كاترين قالت بنبرة حزينة.
​مايا بصت لجدتها بدهشة: “أنتِ عارفة الموضوع ده؟”
​”كل الناس عارفة حتة من القصة، بس ماحدش يعرف الحقيقة كاملة،” كاترين قالت وهي بتعدل البطانية على ركبها اللي بتوجعها: “مراته ماتت في حادثة عربية، وبنته كمان ماتت معاها، من تلات سنين في ليلة مطر على طريق الوادي.”
​مايا غمضت عينيها، وفجأة كل حاجة في القصر بقى ليها معنى؛ السكوت، الأوضة المقفولة، والحاجات اللي ماحدش بيلمسها.
​”طب والشغالين اللي مشيوا؟” مايا سألت.
​وش كاترين بقى جدي وأغمق: “ده الجزء اللي الناس بتهمس بيه في الداري، لأن فيه منهم مشيوا بيعيطوا، وفيه اللي اترفدوا، وفيه شغالة حفت وقالت إنها سمعت صوت طفلة بتغني ورا الباب المقفول.”
​مايا فتحت عينيها بدهشة: “صوت طفلة؟”
​”الحزن ليه أصوات كتير يا بنتي، ومش كل الأصوات دي بتبقى عفاريت بجد،” كاترين قالت بغموض.
​مايا سكتت، وجدتها قربت منها وسألتها: “عايزة ترجعي هناك تاني؟”
​مايا افتكرت علب الدوا اللي على رف المطبخ، وورقة الإيجار المتأخر المتعلقة بمغناطيس على التلاجة، وصوت جدتها وهي بتكح بالليل وتاخد نفسها بصعوبة. وافتكرت الأرنب الخشب والراجل المكسور اللي كان كلبش فيه بكل قوته.
​”أيوه، أنا هرجع بكرة،” مايا قالت بيقين.
​ليلة العاصفة والإنقاذ
​تاني يوم الصبح، الست جوردون تفاجأت لما لقتها واقفة قدام الباب: “أنتِ رجعتي!”
​”ده ميعاد شغلي يا فندم،” مايا ردت بهدوء.
​”معظم الناس ماكنوش هيرجعوا بعد اللي حصل بكرة،” الست جوردون قالت.
​”أنا محتاجة الشغلانة دي،” مايا قالت بوضوح.
​الست جوردون فحصت وشها بتمعن: “الاحتياج مش هو نفسه القدرة على الاستحمال يا بنتي.”
​”صح، بس الاحتياج هو اللي بيعلمنا إزاي نستحمل،” مايا ردت.
​من اليوم ده، آرثر بقى بيراقبها طول الوقت، ومايا كانت حاسة بنظراته حتى لو ما اتكلمش. عينيه كانت بتمشي وراها وهي بتعدي في الصالة ومعاها فوط نضيفة، وكان بياخد باله لو وقفت ثانية جنب المكتب أو لو بصت ناحية الباب المقفول. كان بيراقب عشان يشوف هل هتمد إيدها على حاجة مش بتاعتها ولا لا.
​عشان كدة مايا ركزت في شغلها وبس، كانت بتلمع السفرة لحد ما الخشب الغامق يعكس السقف كأنه مراية. كانت بتهوي الأوض اللي ماحدش بيستخدمها، وخيطت زرار مقطوع في كرسى الصالون لأنها ماكانتش طايقة تشوفه مدلدل كدة، ولقت بقع مية قديمة على البيانو وشالتها براحة وصبر. ماكانتش بتبتسم كتير، وماكانتش بتسأل أسئلة، بس كانت بتسمع البيت كويس.
​على آخر الأسبوع، كانت عرفت أنهي سلمة بتزيق وهي طالعة للدور الخامس، وعرفت إن مستر بنهاليجون مابينامش كويس لأن أباجورة أوضته بتفضل قايدة لحد بعد نص الليل، وعرفت إنه بيكره ورد الليليوم لأن أي فازة فيها الورد ده كانت بتختفي على الظهر. وعرفت كمان إن فيه حد لسة بيطلب علبة صغيرة من لبن الشوكولاتة كل يوم تلات، مع إن ماحدش بيشربها.
​يوم الجمعة بالليل، المطر بدأ يخبط على الشبابيك الطويلة زي صوابع قلقانة بتستأذن تدخل. مايا كانت في المغسلة بتطبق الفوط لما النور رعش مرة، وبعدين تاني، وفي ثانية القصر كله غرق في ضلمة كحل. وفجأة، من فوق، سمعت صوت حاجة اتهبدت على الأرض بقوة.
​الست جوردون زعقت من الممر: “خليكي مكانك ما تفركيش!” بس مايا سمعت صوت تاني، صوت شهقة مكتومة وطالعة بصعوبة جاية من ناحية مكتب آرثر.
​مفكرتش مرتين وجريت. باب المكتب كان موارب، وجوة، آرثر كان واقف جنب مكتبه، ساند بإيد على طرف المكتب، والإيد التانية ضاغط بيها على صدره بقوة، والورق مالي الأرض والإزاز المكسور مغرق المكان جنب رجليه.
​”مستر بنهاليجون؟” مايا ندهت بخضة.
​”اطلعي برة…” قالها وهو بينهج بصعوبة وصوته رايح.
​”حضرتك تعبان،” قالت وهي بتقرب منه.
​”قلتلك اطلعي برة!” زعق بكل قوته الضعيفة.
​بس وشه كان شاحن زي الأموات، وعرقان، ونفسه سريع ومتقطع جداً. مايا قربت منه أكتر وضاعفت خطواتها وهي مش همامها زعيقه: “فيه وجع في صدرك؟”
​بص لها بغضب وغل: “ماتلمسينيش!”
​”أنا درست تمريض!” قالتها بنبرة قوية وحازمة.
​الجملة دي خلته يتجمد لثانية ويوقف مقاومة.
​”اقعد حالاً هنا،” قالت بصوت آمر وعمر ما حد من الشغالين كلموا بيه قبل كدة.
​”أنا ما باخدش أوامر منكِ،” حاول يعاند.
​”هتاخدها لو عايز تفضل عايش وبتتنفس،” ردت عليه بحدة.
​عينيه برقت بغضب، بس وجع تاني شديد ضرب صدره وركبه سابت. مايا لحقته وسندت دراعه قبل ما يقع على الأرض، وسندته لحد ما قعد على الكرسي الجلد الكبير.
​”الست جوردون! اطلبي الدكتور بينيت حالاً!” زعقت للممر برة.
​آرثر حاول يقف تاني، بس مايا ضغطت بإيدها على كتفه وثبتته في الكرسي: “ما تتهزش من مكانك.”
​لثانية واحدة غريبة، بصوا لبعض في الضلمة اللي ماكانش بينورها غير نور البرق اللي بيضرب برة. ماحدش لمسه بالطريقة دي من سنين، لمسة حنينة، مش طمعانة في حاجة، ومش خايفة منه. آرثر بطل يعاند وسند ضهره لورا واستسلم.
​مايا قاست نبضه، كان سريع ومش منتظم، بس ماكانش أزمة قلبية مميتة؛ كانت نوبة هلع شديدة جتلوا بسبب العاصفة والذكريات اللي فكرته باللي جرى.
​”اتنفس معايا براحة،” بدأت تاخد شهيق وزفير ببطء عشان يقلدها.
​ضحك بمرارة وتعب من وسط نفسه الضيق: “أنتِ فاكرة إن النفس هو اللي بيصلح كل حاجة في الدنيا دي؟”
​”لا، بس عدم النفس أكيد مش هيصلح أي حاجة خالص،” ردت عليه بهدوء.
​بوز شفايفه بضيق، بس بعد ثانية، وبدون إرادة منه، بدأ يقلد ريتم نفسها. المطر زاد برة والرعد هز جدران القصر، وآرثر غمض عينيه. ورا ملامح وشه الحادة والقاسية، مايا شافت حاجة تانية خالص؛ مش قوة ولا جبروت ولا قسوة، شافت راجل محبوس في اللحظة اللي حياته وقفت فيها وانتهت.
​الدكتور بينيت جه بعد ٢٠ دقيقة، غرقان مية وباين عليه الضيق من المشوار في الجو ده. كشف على آرثر في المكتب والست جوردون واقفة جنب الباب والقلق واكل وشها.
​”دي نوبة هلع تانية،” الدكتور قال في الآخر، “ضغطه عالي جداً وعنده إرهاق بدني وعصبي شديد.”
​آرثر بص الناحية التانية، ورفض يسمع كلام الدكتور.
​”أنا قلتلك قبل كدة إنك مش هتقدر تكمل بالطريقة دي،” الدكتور حذره بلوم.
​”أنا بدفعلك عشان تعالجني، مش عشان تديني مواعظ،” آرثر رد بجفاء.
​”أنت بتدفعلي كويس جداً، عشان كدة بتاخد الاتنين ورجلك فوق رقبتك رضيت أم أبيت،” الدكتور قال وهو بيتنهد وبيرمّ السماعته.
​مايا نزلت عينيها عشان تخبي ابتسامة خفيفة وإعجاب بكلام الدكتور، بس آرثر لمحها. بعد ما الدكتور مشي، الست جوردون كانت بتوصل مايا لباب الخروج، بس صوت آرثر وقفها: “سنايدر.”
​لفت ولقت واقف عند باب المكتب: “أنتِ قلتِ إنكِ درستِ تمريض.”
​”أيوه يا فندم،” ردت.
​”وسبتيه ليه؟” سألها.
​السؤال ده جه على الجرح وضايقها: “جدتي تعبت.”
​”فعشان كدة اخترتِ تشتغلي في البيوت،” علق على كلامها.
​”أنا اخترت أعيش وأعيّش جدتي،” قالتها ببساطة وعزة نفس.
​عينيه راحت للست جوردون لثانية، ورجعت لمايا تاني: “تصرفك في الموقف كان كويس جداً.” ومنه هو، الجملة دي كانت كأنها شكر حقيقي ومن قلب وفير.
​”تصبح على خير يا مستر بنهاليجون،” قالت ومشت.
​الاختبار الأخير واللحن القديم
​يوم الإثنين، شغلها اتغير. ماحدش أعلن ده رسمي، بس مايا بدأت تلاقي المهام المطلوبة منها بتقرب أكتر وأكتر من الأماكن الخاصة بآرثر. بقت هي اللي بتودي القهوة لحد الطرقة برة مكتبه، وبعدين بقت تدخلها جوة المكتب نفسه، وبقت ترتب الكتب اللي على الرفوف وهو شغال وقاعد. بقت تسقي الزرع اللي جنب بلكونة أوضته وتلبي طلباته بكل هدوء وشطارة.
​وآرثر فضل يختبرها؛ ساب ساعة دهب بإهمال على التربيزة، وساب درج مفتوح وفي أظرف مليانة فلوس باينة، وموبايل متروك جنب الكنبة شاشته منورة بالرسائل والبيانات، وحط ملفات سرية وشغل في مكان مستحيل تعدي من غير ما تشوفه. مايا مالمستش أي حاجة من دول خالص.
​بس الاختبارات بقت أغرب مع مرور الأيام. في يوم بعد الظهر، دخلت المكتب عشان تاخد صينية الغدا اللي مالمسهاش ولقت آرثر نايم على الكنبة الجلد.. أو بيمثل إنه نايم. نفسه كان منتظم زيادة عن اللزوم، ووضعية دراعه كانت متظبطة ومحسوبة، وفيه كتاب مفتوح على صدره، بس صوابعه ماكانتش مسترخية. مايا عرفت فوراً إنه صاحي وبيراقبها.
​افتكرت كلام الست جوردون إن “الأغنياء مابيصدقوش حد وشه طيب وبشوش بسرعة”. وعلى المكتب، وبشكل واضح جداً ومكشوف، كان فيه ظرف منفوخ فلوس كاش وجنبه مفتاح فضة.. مفتاح الأوضة المقفولة!
​ده كان الاختبار الحقيقي والنهائي، وفي اللحظة دي، القصر كله كأنه كتم نفسه ومستني يشوف هتعمل إيه.
​مايا مشيت ناحية المكتب، وجفون آرثر ماتهزتش خالص. شالت صينية الغدا، بس وقفت وبصت للشوربة الباردة والقهوة اللي ماتلمستش، وشافت علبة الدوا المقفولة جنب الكنبة. حطت الصينية تاني براحة، ومشت ناحية الدولاب اللي جنب الشباك، وطلعت منه بطانية خفيفة متطبقة.
​آرثر فضل ثابت مكانه وماتحركش وهي بتقرب من الكنبة وبتفرد عليه البطانية بحنية وتغطيه. كان هيتنفض من المفاجأة، بس مايا خدت بالها وعملت نفسها مش واخدة بالها عشان ما تحرجوش: “لو غبت في النوم كدة ورقبتك مكشوفة هتصحى تعبان ومش هتقدر تحركها،” همست بصوت واطي جداً يا دوب سمعه.
​بعدين بصت لتربيزة القهوة، وكان فيه برواز صورة مقلوب على وشه والتراب مالي المكان حواليه. مايا ترددت، لأن القاعدة كانت واضحة وصارمة “ماتلمسيش حاجة”، بس البرواز كان متزحزح على حرف التربيزة ولو حد لمسه غلط هيقعد يتكسر ١٠٠ حتة. براحة وبإيديها الاتنين، عدلت البرواز عشان تخليه في النص ومسطح، ولثانية واحدة، وش الصورة بان لفوق.
​ست بملامح جميلة وعينين بتلمع وشعر طاير مع الهواء بتضحك للكاميرا، وجنبها آرثر وهو أصغر وفي وشه ضحكة حقيقية ومن قلبه، وبينهم كانت بنت صغيرة بضفاير وسنتها اللي قدام واقعة وميتة من الضحك، وفي إيديها أرنب خشب. زور مايا اتشنج من البكا، بس قلبت البرواز تاني وخلته على وشه بالظبط زي ما كان محطوط.
​وبعدين عملت الحاجة اللي ماحدش في البيت ده تجرأ يعملها من تلات سنين؛ بدأت تغني بصوت واطي جداً وهي بتشيل الصينية، همس خفيف كأنه هدهدة نوم للأطفال، الأغنية البسيطة القديمة اللي الأمهات بتغنيها في المطابخ، والبيوت، وجنب سراير المرضى والأطفال الصغيرين:
​”Duérmete, mi niña…” (نامي يا طفلتي..) همست باللحن الهادي.
​آرثر كتم نفسه لثانية، وفضل سامع بتركيز رهيب كأن الدنيا وقفت حواليه.
​”Duérmete, mi sol…” (نامي يا شمسي..) كملت غنا وهي ماشية.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الكلام كان بيطير في المكتب زي التراب في نور الشمس بتاع الظهر، وإيد آرثر اتكورت تحت البطانية بقوة. مابقاش في المكتب؛ لقى نفسه فجأة جوة أوضة نوم مدهونة أصفر باهت، والمطر بيخبط على الشباك، وبنته رافضة تنام غير لما مامتها تغني الأغنية دي مرتين. لقى نفسه واقف عند الباب بعد اجتماع متأخر، بيفك كرافتته وهو بيتفرج على مراته وهي بتملس على شعر بنتهم عشان تنام.
​افتكر “إستر” وهي بتضحك وتقوله إن البنت طالعة عنيدة وزي أبوها، وهو يرد عليها ويقولها بكرة البنت دي هتهز الدنيا وتكبر وتغير العالم. الذكرى ضربت صدره بقوة رهيبة كأنها خبطة حقيقية، ولما مايا وصلت لآخر كوبليه وسكتت، السكون اللي رجع للمكتب كان مختلف تماماً عن السكون اللي قبله، لأن السكون ده كان اتكسر واتفتح فيه باب قديم.
​مايا شالت الصينية ولفت عشان تخرج.
​”سنايدر،” صوت آرثر طلع مبحوح ومكسور وهو بينده عليها.
​مايا وقفت مكانها. فتح عينيه، ولثواني، ماحدش منهم نطق بكلمة.
​”أنتِ كنتِ عارفة إن صاحي طول الوقت،” قال بوضوح.
​”أيوه، كنت عارفة،” مايا ردت.
​”وبرضه ماخدتيش الفلوس،” علق.
​”لا، ماخدتهاش.”
​”ولا المفتاح،” سألها وهو باصص في عينيها.
​”ولا المفتاح،” كتمت ردها بنفس الثبات.
​”ليه؟” سألها بجدية.
​مايا بصت للمفتاح الفضة اللي على المكتب، ورجعت بصت له: “لأن الأبواب المقفولة بتبقى مقفولة لسبب يخص صاحبها بس.”
​حاجة مش مفهومة ظهرت في ملامح وشه وهو بيفكر في ردها: “والأغنية دي؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​وشها بقى حنين غصب عنها: “تيتا كانت بتغنيهالي وأنا صغيرة، وبغنيهالها دلوقتي لما الوجع بيشد عليها عشان تنام وتنسى الألم.”
​آرثر اتعدل في قعدته براحة، والبطانية وقعت على رجله: “مراتي كانت بتغني الأغنية دي لبنتي.”
​”أنا أسفة جداً على خسارتك يا فندم،” مايا قالت من قلبها.
​عينيه حدت فجأة: “إياكِ تقولي الكلمة دي تاني!”
​مايا فضلت باصة في عينيه بكل شجاعة وهدوء: “تمام، مش هقولها تاني.”
​بان عليه الضيق لأنها سمعت الكلام ووافقت بسهولة ومادخلتش معاه في جدال: “أنتِ شفتِ الصورة.”
​”شفتها بس عشان كانت هتقع على الأرض وتتكسر،” وضحت له.
​”وإيه رأيك؟” سألها بنبرة خفيضة.
​”كانت جميلة جداً،” مايا قالت.
​آرثر بص الناحية التانية والوجع باين في عينيه: “إستير،” قال الاسم بعد فترة سكون طويلة: “بنتي كان اسمها إستير، وكان عندها اربع سنين.”
​الاسم طلع من زوره كأنه بيجرحه وهو بينطقه بعد السنين دي كلها. مايا نزلت الصينية على التربيزة وقلبها وجعها عليه بجد.
​”كانت واخدة عينيك،” مايا ضافت براحة.
​ملامحه اتشنجت من الألم. لثانية، افتكرت إنه هيطردها برة البيت حالا، بس بدل كدة، سألها بصوت واطي: “أنتِ بتصدقي في وجود الأرواح؟”
​مايا افتكرت صوت جهاز الأكسجين بتاع جدتها في الضلمة، وافتكرت الذكريات اللي بتقعد معاك في الأوض الفاضية، والحزن اللي بيطبطب على كتفك لما تكون لوحدك تماماً.
​”أيوه، بصدق، بس مش بالطريقة اللي الناس التانية بتقصدها دايماً،” ردت عليه.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ابتسامة خفيفة ومريرة ظهرت على وشه واختفت بسرعة: “أنتِ بتتكلمي كأنك واحدة سنها أكبر منك بكتير.”
​”وحضرتك بتنام كأنك خايف من أحلامك،” ردت عليه بجرأة وتلقائية.
​الهوا اتجمد في الأوضة لما مايا حسيت إنها وسعت منها وغلطت في الكلام وتعدت حدودها. آرثر وقف، والبطانية وقعت على الأرض، ولثانية القساوة القديمة رجعت لوشه، بس بهدوء طلب منها تسيب الصينية وتمشي. وخرجت فعلاً.
​وعند الباب، نده عليها تاني: “بكرة الصبح، تعالي بدري.”
​مايا لفت وبصت له: “ليه يا فندم؟”
​عينيه راحت للسقف، للدور التاني، للباب المقفول: “لأن خلاص.. هفتح الباب ده بكرة.”
​الباب المقفول.. والمفاجأة اللي تقف لها القلوب
​مايا مانامتش كويس في الليلة دي، ومع الفجر كانت في القصر والمنظر برة كان لسة لون السما بنفسجي غامق. الست جوردون كانت واقفة في الصالة الكبيرة ووشها كان أصفر ومخطوف من القلق.
​”هو قالك ناوي يعمل إيه؟” مايا سألتها.
​الست جوردون هزت راسها ببطء: “أنتِ مش مضطرة تدخلي الأوضة دي معاها يا بنتي.”
​”هو طلب مني أكون موجودة،” مايا ردت بشجاعة.
​”الأوضة دي كسرت ناس أقوى منك بكتير،” الست جوردون همست بخوف.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​مايا بصت للسلم الطويل اللي مودي للدور التاني: “يمكن لأنهم حاولوا يدخلوها لوحدهم من غير سند.”
​عيون الست جوردون دمعت لثانية من كلامها الطيب.
​ظهر آرثر فوق عند السلم، من غير جاكيت البدلة، قميص أبيض وبس ومشمر كمامه لحد نص دراعه، وفي إيده كان ماسك المفتاح الفضة. ما نطقش ولا كلمة، ومشي لحد آخر الممر، ومايا مشت وراه. الست جوردون فضلت واقفة وراهم بكام خطوة وحاطة إيدها على قلبها من الرعب والتوتر.
​عند الباب المقفول، آرثر وقف وفضل باصص للباب لوقت طويل، ومايا كانت سامعة نفسه وهو بيتحشر في زوره وبيحاول يستجمع شجاعته.
​”مش لازم تعمل كدة النهاردة لو مش قادر يا مستر بنهاليجون،” مايا قالت براحة وحنية.
​فكه اتشنج بإصرار: “لا، لازم وبكرة كمان.. لازم النهاردة.”
​المفتاح دخل في القفل، والصوت كان صغير وضعيف، بس تأثيره كان كأنه زلزال بيهز المكان. الباب اتفتح بهمسة طويلة، وطلعت ريحة تراب خفيفة مختلطة بريحة لافندر قديمة، وآرثر خطى لجوة ومايا دخلت وراه.
​الأوضة كانت أوضة أطفال بناتي، مدهونة أصفر باهت، ستائر بيضاء، ورفوف مليانة كتب ميكي وقصص أطفال مترتبة. جزمتين حمراء صغننين كانوا محطوطين جنب الدولاب، والعرائس الفرو والدباديب مرصوصين على السرير كأنهم مستنيين صاحبتهم اللي مش هترجع أبداً تلاعبهم.
​وعلى المخدة.. كانت المفاجأة اللي خلت شعر جسمهم يقف!
​كان فيه أرنب خشب تاني محطوط، مش الأرنب المكسور والمقشر اللي مايا لقطته من المكتبة، لا، ده كان أرنب جديد تماماً وسليم ومافيهوش خدش!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​آرثر تنح وبص للأرنب كأن صاعقة ضربته في مكانه. الست جوردون برقت وشهقت برعب من عند الباب: “اللعبه دي ماكانتش هنا!” همست وهي مرعوبة تماماً.
​آرثر لف وشه ببطء: “إيه؟”
​الست جوردون وشها بقى أبيض وزي الورقة: “الأرنب ده.. ماكانش على المخدة لما أنا قفلت الأوضة دي بإيدي من تلات سنين! أنا متأكدة!”
​مايا حست ببرودة بتسري في جسمها كله وآرثر بيقرب من السرير بخطوات مرعوبة ورفع اللعبة بإيد بتترعش كأنها ورقة شجر في خريف. كان فيه ورقة صغيرة متطبقة ومربوطة بشريط بينك حوالين رقبة الأرنب.. وصوابعه اتجمدت وهو بيفكها.
​”إستير ماكانتش بتعرف تكتب…” قال بصوت مكسور وضاير من الخوف والدهشة.
​ماحدش رد عليه من كتر الصدمة. فك الشريط وفتح الورقة، ومايا شافت الدم وهو بيهرب من وشه تماماً في ثانية.
​”مكتوب فيها إيه يا فندم؟” سألته وهي حاطة إيدها على بوقها.
​آرثر قرأ الكلام مرة، وتانية، ولما نطق في الآخر، صوته ماكانش طالع كأنه صوت بني آدم طبيعي من كتر الخضة والدموع:
​”مكتوب فيها.. ‘بابا، أنا مستنياك’.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الست جوردون بدأت تصلي وتدعي عند الباب بخوف، وقلب مايا كان بيخبط في صدرها كأنه هيطلع من كتر الرعب والذهول. آرثر بص حواليه وعينيه بتلمع بدموع الصدمة، والوجع، وحاجة تانية أخطر بكتير.. الأمل.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​وفجأة، ومن غير ما حد يلمسها، فيه علبة موسيقى صغيرة كانت محطوطة على الكومودينو بدأت تشتغل لوحدها وتغني لحن هادي وجميل ملى الأوضة كلها بالترانيم.
​مايا عرفت اللحن ده فوراً في ثانية؛ نفس الهدهدة ونفس اللحن اللي غنته لآرثر في المكتب إمبارح.
​آرثر لف وشه بسرعة وبص ناحية الدولاب الضخم اللي في زاوية الأوضة.. الباب الخشب بتاع الدولاب كان موارب ومفتوح بمقدار بوصة واحدة بس، ومن الضلمة اللي جوة الدولاب.. طلع صوت ضحكة طفلة صغيرة واضحة ونقية جداً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *