حنان 6

اا16.
​سمعت موبايلها بيرن، فساب مكانها ومشيت ناحية أوضتها وهي بتطلع التليفون من جيب لبسها. لقت الرقم غريب، فربطت حواجبها بحيرة وهي مش عارفة ترد ولا تطنش. في الآخر أخدت قرارها وداس على زرار الرد وحطت التليفون على ودنها عشان تسمع صوت اللي بيتصل الأول. فجأة، المتصل نطق وصدمها وهو بيقول: “أمل؟”
​غمزة هي اللي كانت بتسألها بلهفة عشان تتأكد إنها هي.
ردت أمل بكل شوق وتلهف: “غمزة!”
ابتسمت غمزة وعينيها هربت منهم دمعتين، وهزت راسها لوالدتها اللي قاعدة قدامها وقالت: “أمل.. يا ماما، دي أمل!”
​غمزة داس على زرار مكبر الصوت عشان أمها تسمع الصوت هي كمان. رجعت أمل تهتف بفرحة وسعادة: “غمزة!”
سألتها غمزة بلهفة وخوف عليها: “أنتِ كويسة يا أمل؟”
عيني أمل دمعت وهزت راسها تلقائيًا كأن غمزة شايفاها وقالت: “آه الحمد لله، أنتوا عاملين إيه وأحوالكم إيه؟”
غمزة ردت عليها: “إحنا كويسين الحمد لله، بغض النظر عن سما الكلب وزيطة عيالها، وصويت أخوكي، وإيد أمك اللي بقت طويلة عليا.. إحنا بخير يا قلبي.”
​ابتسمت أمل، وفي نفس الوقت “ابتسام” ضربت بنتها غمزة على دراعها وهي بتقول: “اعقلي يا بت واتلمي شوية!”
ضحكت غمزة وقالت: “هو أنا بكدب يعني؟ إيدك بقت مرزبة يا حاجة، مرزبة جداً!” وفضلت تفرك في دراعها بألم، وبعدين رجعت تسأل أمل: “المهم إنك بخير، وريتال فين وعاملة إيه؟”
ردت أمل: “ريتال (ريري) الحمد لله كويسة. وأنا مكلماكم عشان أقولكم إني حتزوج.”
​عيني ابتسام وغمزة برقت من الصدمة، والاتنين رددوا في نفس واحد: “حبتتزوجي?!”
أمل كملت كلامها وهي سرحانة لبعيد كأنها بتكلم نفسها: “جوازة عمري ما كنت أحلم بيها، وحفضل طول عمري مستغربة هو شافني إزاي وعرفني إزاي!”
أمها لطمت على خدها بكف إيدها، وصوتها كان واضح وعالي لأمل وهي بتقول: “يبقى أكيد راجل متجوز ومسن زي أبوكي الله يرحمه!”
أمل ردت بسرعة: “لا يا ماما.”
صاحت أمها: “انطقي يا بنتي وما تنشفيش ريقي!”
​أمل كملت وهي بتبص لنفسها في المراية وتتأمل جمالها ومستغربة من إزاي عمر أبو هيبة اختارها: “هو عنده 33 سنة، مهندس بترول، وعنده فيلا، وعنده ولد أكبر من ريتال بثلاث سنين. والدته توفت من سنتين، وله أخت واحدة بس.. يعني كله مميزات وما فيهوش عيب واحد.”
الاندهاش زاد عند الأم وغمزة، فالأم قالت: “يبقى أكيد الراجل ده مش طبيعي، أو عايزك مجرد خدامة لابنه وبس؟”
ابتسمت أمل بسخرية، لأن أمها بتفكر زيها بالظبط؛ إزاي راجل بالمواصفات دي يبص لبنت زيها بيطاردها الفقر وقواض الطالع وضآلة النسب، وكمان السمعة السيئة اللي ما يعرفهاش! قالت: “لا يا ماما، هو عايزني زوجة، وأربي ابنه وأكون له أم زي بنتي ريري.”
​اندهشت الأم وسألتها: “وهو يعرف؟”
قاطعتها أمل بسرعة وخوف كأنها خايفة حد يسمعهم: “ما يعرفش! ومش عايزاه يعرف، وبدعي ربنا ما يعرفش أبدًا.. سامحيني، سامحوني كلكم.”
قعدت تعيط وأمها بتعيط معاها وبتعاتبها: “أنتِ اللي عملتي كده في نفسك وفينا، ليه يا بنتي بس؟”
أمل انهارت في العياط واترجتها: “سامحيني يا ماما، بوعدك مش هتسمعي عني بعد كده إلا كل خير.”
سألتها أمها: “وهتتجوزي إمتى؟”
أمل: “خلال أيام.. عمر هيتأخر في الشغل، وخلال أربع أيام هنكتب الكتاب أول ما يرجع.”
​سألتها والدتها: “ومش من الأصول إنه يطلبك مننا الأول؟ ولا أنتِ قولتيله إنك مقطوعة ومن غير أهل؟”
أمل حست بوجع لما أمها قالت الكلمة دي، لأنها فعلاً حاسة باليتم من يوم ما والدها مات، وبقت بعيدة عن أخوها وأمها وغمزة وقافلة على نفسها ومحدش عارف إيه اللي جواها.
أمل: “لا يا ماما، أنا حكيتله عنكم، بس قولتله إن يونس مسافر برة مصر.”
والدتها: “وأنتِ قاعدة في محافظة إيه دلوقتي؟”
أمل: “بلد مش هتعرفيها يا ماما، دي قريبة من الحدود.”
الأم أصرت وسألتها: “اسمها إيه يعني؟”
لما أمل قالت اسمها، غمزة صاحت بدهشة: “ياااااه! ده أنتِ بعدتي أوي يا أمل.”
ردت أمل باستسلام وهي سرحانة: “كان لازم أبعد يا غمزة، كان لازم أبعد.”
​فجأة غمزة صرخت وقالت: “أقولك يا أمول.. أنا اطلقت!”
أمل اتصدمت وقالت: “يا مصيبتي يا غمزة! اطلقتي؟ ياما نصحتك تبعدي عن وحيد أمه وما سمعتيش كلامي. اطلقتي ليه يا ناصحة؟”
وقعدت غمزة تحكيلها اللي حصل، وحتى نبيل اللي بتشتغل عنده حكت عنه من غير ما تجيب سيرة أفعاله البايخة. وفضلوا يدردشوا ويحكوا حكايات زمان، ورجعوا بالوقت لأيام ما كانوا بيسهروا يرغوا طول الليل لحد الفجر.
​الحلم بيجي مع نور الفجر، ومع الصبح بتتجمع كل الأماني بين إيدين ربنا.
​قاعدة على سريرها في ضلمة الأوضة تحت الشباك، بتبص على السواد الكاحل اللي مغطي المكان برة. ساندة وشها بإيدها، وعينيها ورمت ونشفت من كتر العياط. صدرها كان بيتعصر من الوجع؛ حاسة إنها اترمت زي مريض الجرب أو كأنها خيل حكومة كبر في السن وسابوه، بس جوزها ما طلقش عليها رصاصة الرحمة ولا حد بادر بكده. ليه ذبح مشاعرها ببرود كده؟ هي عملت له إيه عشان يعمل فيها كده؟ إيه ذنبها؟
شهقت بوجع وعينيها نزلت دموع دم، حطت إيدها التانية على بطنها وقالت بنشيج واطي: “إزاي مش قادرة تشيلي طفل يروي أمومتي؟ إزاي؟ عمر ما جه في بالي أكون عاقر.. أنا عاقر.. أنا عاقر!”
​فضلت تردد الكلمة بهوس ومش مصدقة، كأنها اتجننت. النخل العالي قدام البيت كان مدلي فروعه لتحت كأن حياتها هي كمان اتقلبت في ثانية. هل النخل بيشاركها حزنها؟ بس حتى النخل ده له فايدة؛ بيطرح ويثمر، أما هي فمش هتعرف تخلف ولا هيكون عندها ابن أو بنة في يوم من الأيام. صرخت بوجع وهي باصة للسماء وضلمتها، وطلعت آهة من قلبها: “آه.. آه!”
​أمها اللي كانت واقفة قدام باب الأوضة رايحة الحمام عشان تتوضأ وتستعد لصلاة الفجر، سمعت صرخة بنتها المكتومة المكتئبة. دخلت بسرعة وهي مخضوضة وسألتها بلهفة: “حبيبتي، مالك فيكِ إيه؟”
واتخضت لما شافت بنتها متغطية بالأسود من فوق لتحت، ورابطة شاش على قورتها كأن عندها صداع نصفي، وعينيها الخضرا خفت لمعتها تمامًا. أخدتها في حضنها وقالت بخوف: “حبيبتي ردي عليا يا قرة عين أمك.”
​موشجان ما نطقتش، وفضلت تشهق من العياط كأن ده الطريقة الوحيدة عشان تتنفس، وأمها عمالة تطبطب على ظهرها وتهديها: “قولي إنا لله وإنا إليه راجعون.. استغفري ربنا، في قضائه رحمة وما تعرفيش الخير فين.”
موشجان كأنها اتجننت، قعدت تلطم على وشها وتصرخ: “وفين الخير في كده؟ فين الخير؟ اتحرمت من الخلف وبقيت عاقر! ست مالهاش لازمة وجوزها رماها في أقرب زبالة.. خلاص أخد طريقه وهيطلقني.. أهيم هيطلقني!” طلعت الكلمة كأنها عويل.
​حاولت أمها تمسك إيديها عشان ما تعورش وشها، بس موشجان زادت في عصبيتها وقالت: “حاولت أتصل بيه كتير ومش بيرد عليا.. سابني أتوجع لوحدي، سابني ومش بعيد يكون خطب النهاردة قبل بكرة. والله هاموت لو عملها، والله هاموت!”
الأم هتفت: “يا حبيبتي ارحمي نفسك، ربنا رؤوف رحيم.”
صاحت موشجان: “هفضل طول عمري حمل تقيل على كل اللي حواليا، هيرميني والله أعلم. بس حبي ليه، هل بالسهولة دي هيتخلى عنه؟ هل هكذا سـ…”
قاطعتها أمها: “استغفري ربنا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. بكرة إن شاء الله هخلي أبوكي يكلمه وهتعرفي إنك مكبرة الموضوع.”
​صرخت موشجان وهي غايبة عن الوعي والعقل تماماً: “أنا بقيت رخيصة وماليش تمن، هتروحوا تترجوه عشان ييجي ياخدني كأني بضاعة بايظة ومعيوبة، وما عندوش مانع لو عايز يشتري غيرها!”
طبطبت أمها على ظهرها ودموعها هي كمان نازلة، وفي الوقت ده صوت أذان الفجر شق السكون وطلع للسما عشان يطمن القلوب التعبانة. الأم قالت: “قومي يا حبيبتي عشان تصلي واشكي همك للي خلقك، هو قادر يشيل الهم ده في ثانية.”
موشجان بصت لها بعينين زايغة.. مجتمعنا ظالم لأبعد حدود، مش شايف للست لازمة إلا إنها وعاء للخلف وتفريغ الشهوات، كائن ملوش أي قيمة تانية، وظلم بيتوارث عبر الأجيال مهما وصلنا من علم وتقدم؛ يفضل الراجل هو كل حاجة، وتفضل المرأة مجرد وعاء، ومجتمع ظالم بيضيع مننا حق الحياة.
​الليلة دي مش هصور القمر كالعادة، ومش هبص كتير في عينيه النعسانة، ولا هحاول أقرا حركات شفايفه. الليلة دي مش هتابع سباق السحاب الأبيض حواليه، ومش هضايق لما تغطيه غيمة سودة. مش هتسحل في مبنى ضخم أو شجرة عجوزة بتخبيه عن عيني وتخليه يختفي.
​بيقولوا في وصفه الليلة إنه شبهي كتير.. وإزاي لا! وهو تعبني لحد ما كملت ملامح وشه، ولحد ما خده جه على خدي وجبينه صفي لقبلتي. وها هي النجوم هربت بعيد، بتستخبى خايفة من جماله، وأنا مش عارفة إزاي ضيعت العمر ده كله وأنا بطلع براسي ورا المآذن، بحلم من وراء السواتر، وبتمنى ألمح ابتسامته.
ما كنتش أتخيل في يوم أيها البدر إنك هنا، في كل لحظة قريب وبالبساطة دي، مستخبي من نظرة عيني وبتراقب الشوق في صوتي، باقي بيني وبين نفسي كأنه مراية بتوضح حقيقة أحلامي.. فتربكني.
​ممددة بعرض السرير ورجليها مدلدلة للأرض، حاسة بوجع شديد في دماغها. تفتح عينيها شوية وتغمضهم شوية، دايخة والأوضة بتلف بيها. مش قادرة تتحرك ولا تعدل قعدتها بعد ما أدهم سابها، أو بمعنى أصح رماها كأنها كيس زبالة. فتحت عينيها بصعوبة تبص حواليها والأوضة لسه بتتحرك قدامها. حاولت تثبت عينيها على نقطة معينة في السقف عشان تتوازن، وحاولت ترفع إيدها عشان تسند نفسها وتقوم، بس حست بدراعاتها ضعيفة ومش قادرة تشيل نص جسمها، فاستسلمت لوضعها المتعب وهي راضية غصب عنها. حاسة بصداع رهيب فقفلت عينيها تاني وضغطت على جفونها.
​دقايق بسيطة وهي على الوضع ده لحد ما سمعت صوت الباب بيتفتح، ففتحت عينيها تلقائيًا، وده خلاه يقول بهدوء: “ها.. أخيرًا فوقتي؟”
دورت عينيها ناحيته من غير ما تحرك وشها، وأول ما شافته افتكرت كلامهم الأخير والمواجهة المخزية اللي خلت كرامتها تتداس تحت رجليه. دارت عينيها الناحية التانية، ووشها لسه أحمر من السخونية، وما قدرتش تنطق من الخزي اللي حاسه بيه. قرب من السرير وعينيه مش بتفارق وشها وعينيها اللي بتهرب منه. جواها حاسس بالذنب؛ طب لو ما كانش رجع؟ ولو نائلة ما كانتش طلعت لها وأصرت عليه يرجع؟ بيلوم نفسه إنه قفل الباب عليها واتصرف بالهمجية دي. عمره ما عملها ولا كان من الرجالة اللي بتمد إيدها على ستات أو يتعامل بقسوة كده. بس مين يرضى إن اللي شايلا اسمه تكون بتحب راجل تاني؟ وكمان أخوه! عند النقطة دي حاول يوقف أفكاره عشان ما يتعصبش تاني، ويفكر بس إن اللي قدامه دي ست عيانة وضعيفة وهي بنت عمه قبل ما تكون مراته. قرب لحد ما بقى مغطي الإضاءة عن عينيها، فرفعت عينيها تبص له بضعف، وعينيهم اتقابلت وكان فيها عتاب كبير. دار عينيه بالعافية وهو بيقول بيحاول يهزر بسخرية من نفسه: “مين الغبي اللي رماكي الرمية دي؟”
​ما ردتش وما كانتش قادرة، فشبكت صوابعها بضعف في بعض عشان تتشغل عن الموقف، وهو انحنى ببساطة عشان يشيلها، فانتفضت مخضوضة وسألته: “أنت بتعمل إيه؟”
كان ساند ركبتيه جنبها على السرير ودراعاته محاوطاها عشان يشيلها، فوقف أول ما هي اتخضت، ووشه كان قريب من وشها يدوب كام سنتيمتر، وده خلاه يشوف أدق تفاصيل بشرتها زي النمش الخفيف اللي على مناخيرها. فضل يبص في عينيها البني الغامق القريب للأسود واللي فيها لمعة غريبة مش قاد يتجاهلها. النظرات اتقابلت وزاد تركيزه معاها، والدم جري في عروقها ووشها احمر من الكسوف. قال وعينيه لسه سرحانة في عينيها: “هصلح اللي عمله الغبي ده.”
​ورغم كلامه ما استعجلش، فضل متمهل؛ طول شبابه وهو ضعيف قدام الستات عمومًا. وهي حاسة إن اللحظات دي تقيلة وبتخنقها من التوتر. وأخيرًا انحنى وشالها براحة كأنه شايل عصفور صغير خايف يجرحه، ساندها بالراحة على السرير وحط راسها على المخدة وهو بيقول بيهزر: “شكلك مخادع خالص، أنا اتأكدت بنفسي إنك لسه زي شوال البطاطس.”
رفعت عينيها بضيق ورفض للي قاله، فابتسم وهو بيمسك كتافه وقال: “أنا كده هحتاج دكتور عظام يرمم عضمي من اللي جراله.”
دارت وشها عنه بزعل، وبعد ثواني حست بوجع أسفل ظهرها كأن مسمار بيدق في لحمها فأنّت بضعف، وهو خد باله وسألها باهتمام ووشه اتغير: “مالك؟”
بصت له وقالت بصوت ضعيف: “حاسة بوجع هنا.” وحطت إيدها مكان الوجع وحست بورم خفيف، وهو تابع إيدها وعرف السبب وقال ببساطة: “الدكتور كتب لك على حقنة خافضة للحرارة، ويمكن هي دي اللي بتوجعك دلوقتي.”
انتبهت لكلامه وكشرت وهي لسه بتحسس الورم وقالت بضيق: “هو كان بيتدرب فيا؟ المكان ورم.. حسبي الله ونعم الوكيل.”
ابتسم أدهم وقال: “لا، بلاش تدعي عليه، الراجل كان عايز الخير.”
كشرت إياز وقالت: “لو كان عايز الخير فعلاً كان امتنع.”
ضحك أدهم بصوت عالي وهو مستمتع: “طب وريهالي عشان أحكم، يمكن تتبلي على الراجل.”
بصت له بضيق وقالت: “وأنا هعمل كده ليه؟ هو أنا أعرفه أصلاً؟”
بص لها أدهم بدقة وقال: “يمكن..”
​ريحت راسها التعبانة على ضهر السرير وسألته: “هو الدكتور جه ليه أصلاً؟ وإيه اللي حصل؟”
سكت أدهم شوية وقال وهو مكشر: “حرارتك فضلت تعلى وكنتي بتهلوسي، فاتصلت بصاحب ليا دكتور، وطلب نعمل شوية تحاليل.”
عقلها كان مشتت ولسه فاكرة الهلاوس، والواقع دخل في الحلم، فقفلت عينيها عشان تجمع قوتها وعايزة الغمامة دي تمشي من دماغها. عايزة تصحى تلاقي نفسها في بيتها في الريف وسط الخضرة والهواء النقي عشان ترتاح وتصفى. وحشها أبوها ونفسها ترجع علاقتها صافية مع أختها زي زمان. هو افتكرها نامت من سكاتها وهدوء نفسها، فرفع إيده على قورتها عشان يشوف الحرارة، ففتحت عينيها مع لمسته. عينيها الحزينة كانت بتعاتبه في صمت وفي نفس الوقت مكسوفة تبص له. بلع ريقه واتنهد وهمس بصوت واطي: “أكيد جعانة..”
قاطعت كلامه وهمست: “لا، مش جعانة، ما تشغلش بالك بيا.”
ابتسم أدهم وقال: “وهل أنتِ فاكرة إني هحضر لك الأكل بنفسي؟ لا طبعًا يا ستي أنا مش بالبراءة دي، أنا هأمر البت نائلة اللي مالهاش لازمة تعمل لنا وجبة محترمة.”
​ابتسمت بكسوف وده اللي هو كان عايزه، فطلع موبايله قدام عينيها واتصل بأخته، وأول ما ردت قال بصرامة: “عايز ديك رومي محشي فريك وصينية مكرونة بشاميل و…”
قاطعته نائلة باعتراض: “بس بس! إيه كل ده؟ أنت هتتجوز تاني ولا إيه؟”
تنحنح أدهم وغلظ صوته وقال بحدة: “خلصي يا بت نفذي ومن غير صداع.”
صرخت نائلة لدرجة إن إياز سمعت صوتها: “هو أنا الخدامة بتاعتك؟”
صاح أدهم بصوت خشن: “يلا يا…”
قاطعته نائلة بحدة: “أنا هقفل السكة.”
أسرع أدهم يترجاها: “نائلة حبيبتي.”
لوت نائلة بوقها بسخرية: “دلوقتي بقيت حبيبتك؟”
رد وهو بيغمز لإياز بعينيه: “طبعًا حبيبتي والباقي سلطة.”
لوت نائلة بوقها مش مصدقاه بس سايرته: “وعايز إيه تاني؟”
قال بترجي وصوت ناعم: “أخوكي حبيبك جعان.”
ردت بهدوء: “امشي اطبخ لنفسك يا حبيبي، مش أنت اللي طردتني من شقتك ببرود أعصاب؟”
صاح أدهم بتمثيل: “أنا عملت كده؟”
ردت نائلة: “لا أمي.”
قال أدهم وهو بيكتم ابتسامته وإياز بتراقبه بمرح: “طب عشان خاطر إياز، جعانة وبتعيط من كتر الجوع دلوقتي.”
ردت نائلة: “لا والله وبتعيط كمان؟ بدموع ولا من غير يا عيون أختك؟ على العموم هجيب لكم عشا خفيف.”
​قفل الخط من غير سلام وقال: “شُفتي؟ كلمتي سيف على رقبتها، وده اللي هيحصل معاكي أنتِ كمان، بس هرحمك النهارده عشان تعبانة.. أنا راجل صعب وشديد.”
ضحكت إياز ومش قادرة تمسك نفسها، وهو اتخشب وهو بيتأملها، ولما خلصت وبصت له وشافت نظراته قالت بكسوف وعايزة تشيل الحواجز اللي بينهم: “أدهم.. أنا فتحت الباب والله عشان كنت فاكرة إن نائلة هي اللي بتخبط.”
وشه اتغير ودار بعيد، فكملت كلامها: “والله ما طلع…” وقفت وما رضيتش تقول اسمه عشان ما تضايقوش وقالت: “والله أخوك ما طلع هنا قبل كده، ما كانش قصدي والله.”
​قام أدهم من جنبها ووقف بعيد ومديها ضهره ومش عايز يتكلم. الموضوع مش موضوع إنها فتحت الباب من غير طرحة، لو كده كان عذرها وعدى الأمر، بس الموضوع في قلبها هي. هيحاسبها على اللي في قلبها إزاي؟ وبأي عقل هيتقبل إنها بتحب غيره؟ إزاي؟
عشان كده قال بنبرة باردة: “اللي حصل حصل، المهم ما يتكررش تاني.”
كان خلاص هيمشي فحاولت تقوم بسرعة وتناديه: “أدهم.”
وقف من غير ما يلف، فقالت بسرعة وصوتها ضعيف: “ممكن نفتح صفحة جديدة؟”
لف رقبته بس ناحيتها وبص لها يتأمل صدق ملامحها، وبعدين هز راسه وقال وعينيه في عينيها: “طبعًا نقدر دايماً نفتح صفحة جديدة.”
قالت بعتاب وصوتها مخنوق بالدموع: “أنت وجعتني أوي يا أدهم، أرجوك ما تعملهاش تاني.”
​كلامها وجع قلبه، فلف بجسمه ناحيتها. هي دايماً رغم الهزار والمشاكسة كانت رقيقة وأنثوية جداً في تصرفاتها. قرب منها خطوتين وقال بهزار عشان يدير تأثره بعياطها: “خلاص اعذريني يا شوال البطاطس، ما كانش قصدي، وأنا قولتلك أنا راجل صعب وشديد الغيرة.”
لف عشان يمشي تاني فسألته بسرعة عشان مش عايزة تقعد لوحدها وتفكر في كل حاجة: “رايح فين؟”
لف ليها وهو بيبتسم: “شايفك بقيتي كويسة وبصحك عشان تمارسي دور الزوجة المتسلطة بامتياز.”
نزلت عينيها في الأرض بكسوف وسكتت، وهو قال بهدوء: “هاخد دش، أنتِ غرقتي هدومي بالمية، وحتى لما غيرتها مش مرتاح.”
عقدت حواجبها بحيرة ومش فاهمة وسألته: “غرقتك إزاي؟”
رفع أدهم حواجبه وهو بيكتم ابتسامته وقال ببساطة واختصار: “لما حميتك.”
انتفضت أول ما سمعت الجملة وقعدت على السرير وهي بتصرخ: “إيه؟”
أدهم عمل نفسه بريء وقال: “الدكتور هو اللي قالي أعمل كده، هو أنا غلطت؟”
تكلم بهدوء تام وهو بيراقب عصبيتها والدم اللي جري في وشها وهي بتحسس جسمها، وقال بعفوية: “والله ما سرقتش حاجة، هتلاقي القلب مكانه والكلية في مطرحها، أنا حاولت جاهدًا ألي كل عضو يفضل في مكانه.”
​وشها كان هيتفرقع من الكسوف ومش مصدقة إنه عمل كده أصلاً، وعقلها بيقول بصوت واطي: “هو أنت فعلاً عملت كده ولا بتهزر معايا؟”
بص لها لحظة وعينيه في عينيها وهي قلبها كان هيقف مستنية كلمة نفي واحدة، فقال ببساطة وهو بيشاور على لبسها: “أمال مين اللي غير لك هدومك؟”
شالت عينيها من عليه وبصت بخضة على فستانها اللي خدت بالها منه دلوقتي، وحست بإنها كانت عريانة قدام عينيه فشهقت وهي بتشد الغطا بسرعة على جسمها وبتصرخ وبتصوت: “يا فضيحتي! يا فضيحتي! يا فضيحتي!”
برق أدهم من صراخها وقال بسخرية: “كأنك ممسوكة في قضية آداب!” وشاور على الغطا الخفيف وكمل: “يلا اتغطي كويس بالملاية ولفيها حوالين نفسك عشان الدور يليق عليكي بالظبط.”
بصت له وعينيها بتطلع شرار وصاحت فيه: “ليه عملت فيا كده؟”
رد ببساطة وببراءة مزيفة: “ده اللي الدكتور قالي عليه، كنتِ بتهلوسي، أسمك تموتي يعني؟”
قفلت إيدها على الغطا والإيد التانية لطمت بيها خدها بخفة وقالت: “يا ريتك كنت سبتني.”
​عبارتها البسيطة وجعت قلبه؛ هل للدرجة دي كارهة وجوده؟ ولا ده خجل وحياء أنثوي؟ عند النقطة دي قال عشان يستفزها: “أنا مش عارف أنتِ مكبرة الموضوع ليه، ما حصلش حاجة لكل الزيطة دي، الموضوع ما عداش قبلة وشوية لمسات ونظرات.”
برقت عينيها وثبتت مكانها كأنها أغمى عليها وهي مفتحة، ناداها وفرقع صوابعه قدام وشها عشان تنتبه. هي كانت كأنها تحت المية ومخنوقة ولما طلعت شالت نفس قوي بس النفس ده اتقلب بعياط ونشيج واطي. اتخض من منظرها وقرب قعد جنبها وقال بصوت قلقان وواطي: “إياز.. بتعيطي ليه؟”
ما وقفتش ولا بصت له، بل زاد عياطها، فقرب ورفع إيده عشان يحضن جسمها اللي بيترعش، بس هي انتفضت وصرخت وبعدت عنه وهي بتشد الغطا لحد رقبتها وعينيها مبرقة. أدهم قال بسخرية من الموقف البايخ: “تمام.. مش ناقص غير تقولي يا مغتصب النساء وسارق قلوب العذارى!”
فضلت خايفة ومتحفزة، فشدها بقوة عكس كلامه الهادي وحضنها غصب عنها وضماها لصدره فصرخت فيه: “سيبني يا أدهم، سيبني!”
ضمها أكتر كأنه بيثبت موقفه وقال: “وطي صوتك عشان الجيران، هتفسري صراخك ده بإيه لو حد جه؟”
​سكتت واستسلمت لحضنه ودموعها نازلة على وشها، ورجعت تسأله: “أنت إزاي جريء كده؟”
رفع حواجبه باندهاش وقال: “عملت إيه يعني؟ هو أنا اغتصبتك؟ أنتِ مراتي وكنتي عيانة والدكتور قال لازم تستحمي فحميتك.. نقطة ومن أول السطر.”
بعدت براسها شوية عن حضنه وتبص له وسألته ببراءة وبتلومه: “والقبلة دي.. القبلة دي الدكتور قال عليها برضه؟”
حرك حواجبه وهو بيبتسم ويغيظها وقال: “لا دي كانت بأمري أنا، يرضيكي أنفجر مثلاً لا سمح الله؟”
وتحسر بضيق وهي شيفاه غريب عنها؛ إزاي مجرد ورقة تشيل الحواجز بين أي اتنين؟ كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها. سألته وهي بترجع تسند على صدره الناشف: “مش كنا اتفقنا نفضل زي الإخوات لحد الطلاق؟”
قاطع كلامها وهو بيشيل دراعاته عنها وقال: “إخوات؟” وسابها وقعد يقلدها ويصيح: “يا فضيحتي! يا فضيحتي!” وقعد يلوح بإيده ويميل براسه يمين وشمال بطريقة مسرحية وهو بيقول: “إخوة يا إخوة.. بعد الشر يا أوزتي، أنا راجل وسيد الرجالة كمان!”
​ضحكت إياز وأدهم بيتأمل وشها وشفايفها وقال: “ما تقوليش كده تاني هتبوظي سمعتي وأروح في داهية.”
ردت عليه إياز: “أنا قصدي إنه ما كانش من حقك يا أدهم.”
مال عليها وعينيه في شفايفها وهمس بنعومة: “وإيه هو اللي مش من حقي يا زوجتي المصونة؟”
اتلعثمت لما خدت بالها إنه باصص لشفايفها، فرجعت بظهرها لورا وسندت على دراعاتها، وهو كمل بهمس: “بل استمتعت بالجسم الطري ده اللي زي الجيلي و…”
كان بيقرب بجسمه منها وهي بترجع لورا لحد ما اتفردت على السرير وهو لسه بيقرب، وده خلا وشها يصفر وشفايفها تترعش من القرب المفاجئ ده. وأول ما قال جملته الأخيرة وعينيه ماشية على جسمها، حس إنه هيعمل حاجة مش تمام، فرجع لورا بسرعة وقال: “بس أنا بتعفف، ولسه عند وعدي لو عايزة أنا في الخدمة.”
برقت عينيها وصاحت بحدة وهي بتنكمش على نفسها: “عايزة إيه؟”
وابتسم ابتسامة عابثة وغمز بعينيه وقال: “هو أنتِ بجد مش عارفة؟ ما عنديش مانع أشرح وبالتفصيل.”
وشها احمر جامد وصرخت فيه عشان تداري كسوفها: “قوم يا أدهم.. اخلص قوم.”
​الابتسامة اتقلبت لضحكة عالية، وده خلاها تدور وشها بضيق، وفي الوقت ده رن جرس الباب عشان ينقذ الموقف، فقال أدهم: “أهو جه اللي بيبوظ اللذاذة ويفرق الجماعات.”
قام وسابها غصب عنه والجرس مش راضي يقف، ففتح الباب بعصبية وهو بيزعق: “بس بقى!”
بس زعيقه ما أثرش فيها، وهو عينه برقت لما شافها وهي شايلة صينية متوسطة عليها أطباق متغطية وريحتها تجنن. أما شكلها فهو اللي خلاه يسكت؛ رافعة شعرها لفوق وعاملاه كحكة في نص راسها من فوق، ووشها كله مدهون بصبغ أزرق، ولابسة جلابية قديمة لونها أصفر باهت. تذمرت من وقفتها على الباب ورفعت حواجبها وقالت بحدة: “أوعى كده من طريقي، أنت متنح كده ليه؟”
زقته بالصينية ودخلت حطتها في المطبخ، وأدهم رجع لإياز، وأول ما شاف عينيها الورمانة من العياط سخر وقال: “كملي يا حبيبتي، توأمتك النكدية جت عشان تلحن معاكي باقي الأغنية.” ورفع راسه للسقف وقال بيأس: “صبرني يا رب.”
​تنحنحت نائلة على باب الأوضة عشان تعرفهم إنها واقفة، فصاح أدهم بسخرية: “لا مؤدبة وبتفهم في الأصول.”
طشنته نائلة وسألت إياز اللي جاتلها نوبة ضحك وحاولت تكتمها بس ما عرفتش وطلعت ضحكة عالية على شكل نائلة. نائلة كشرت وقالت بغيظ: “بتضحكي عليا يا إياز وبتساندي جوزك؟”
سكتت إياز وهي بتفكر في الكلمة “جوزك”.. هل كانت تحلم في يوم تكون مراته؟ عمرها ما شافته إلا الشخص اللي بيستفزها دايماً، ولما نقلوا نسيت وجوده خالص وما فكرتش فيه. إزاي في شهر واحد بقت مراته وشايلة اسمه وكمان مد إيده عليها و… وقبلها!
صحت على صوت زعيق نائلة: “أنا الغلطانة، قلبي الطيب ده يستاهل كل اللي بيجراله، كان لازم أعرف إنه هيضمك لحزبه وتنسي صداقتنا.”
إياز كانت لسه سرحانة في كلام نائلة وصيغة الجمع بينها وبين أدهم. هل بقوا زوجين فعلاً؟ أدهم اللي خد باله من سرحانها قلق واتضايق لتكون بتفكر في أخوه، وإيه الجحيم اللي رمى نفسه فيه ده؟ إزاي أبوه عمل فيه كده؟ إزاي؟
صاحت نائلة: “اتفضلوا يا أساتذة العشا على السفرة، خدامتكم هنومة.”
ضحك أدهم وقال: “خدامة مين؟ أنا أدهم القاضي وتكوني أنتِ خدامتي؟” وبص لها من فوق لتحت وكمل: “كده بوظت خالص.”
ضربت نائلة الأرض برجلها بقلة صبر وغيظ، فتدخلت إياز بسرعة: “نائلة.. أدهم بيهزر وأنتِ أكتر واحدة عارفة هزاره.”
بصت له نائلة بنظرة شر وقالت: “لا ما هو واضح فعلاً.”
طنشها أدهم ولف لإياز وقال بنعومة: “هتعرفي تقومي لوحدك ولا أشيلك؟”
بصت إياز بسرعة لنائلة بكسوف وقالت: “لا هقوم لوحدي.” ولما جت تقوم حست بالوجع أسفل ظهرها ودعت على الدكتور، فسألتها نائلة بفضول: “بتدعي على مين؟”
بلع أدهم ريقه وهو سامع إياز بتقول: “الدكتور اللي جه وداني حقنة وبتوجعني أوي.. حسبي الله ونعم الوكيل.”
ضحكت نائلة وهي تبص لأدهم وقالت عشان تغيظه: “لو بتوجعك ادعي عليه براحتك، وادعي يمكن تكون ساعة إجابة.”
قام أدهم بعصبية وساب الأوضة وهو بيزعق فيهم: “كفاية رغي أنتِ وهي!”
بصت إياز لنائلة بتعجب فابتسمت نائلة، فقالت إياز: “إيه اللي أنتِ حطاه على وشك ده؟”
ردت نائلة: “وصفة شفتها على النت لتفتيح البشرة.”
سألتها: “وماله لون بشرتك؟”
ردت نائلة بتذمر: “أمي سامحها الله بيضا زي القشطة، وأنا بسمع تعليقات بايخة كتير، إيه اللي عاجبها في أبويا عشان أطلع نسخة منه؟”
رفعت إياز حاجبها وقالت لها: “أنتِ جميلة يا نائلة، ثقي في نفسك.” قالت كده وهي بتفتكر المقارنة اللي بتعملها دايماً بينها وبين أختها اللي جمالها ياخد العقل، وكم مرة سمعت تعليقات بايخة من الناس، ويا ريتها نصحت نفسها بالكلام ده زمان.
​بين قسوة ورقة.. قول لمدنك القديمة إنني رغم كل اللي نسيت أقولهولك في لحظات جنوني بيك، ما نسيتش في يوم أكون ليك. بين قسوة ورقة، ما نسيتش أداعب طيفك اللي قاعد ورا الشاهد هناك على قبري في قلبك. إزاي لا! ونبت الحب باقي ما لمسهوش بشر، وشجرة النور لسه بتطرح في مسافاتي إليك.. بتجيب أفراح وأحلام وأمنيات. فما فيش عجب مهما نامت مدنك ومهما اتقفلت أبواب حصونك، فجذوة الحب في قلبك مش هتموت أبدًا.
​موبيلها عمال يرن من غير ما يبطل وعامل دوشة للشخصية اللي نايمة زي الملاك على السرير بعد يوم طويل. وشها اتكشر بضيق من الإزعاج ده، ودارت وشها الناحية التانية عشان الموبايل يسكت، بس ما سكتش. فتحت عينيها نص فتحة ومدت إيدها ووجاوبت من غير ما تشوف مين اللي بيتصل، وقالت بصوت تعبان: “نعم..”
رد المتصل: “نعم الله عليكي، أنتِ لسه نايمة؟”
حيات غمغمت بصوت واطي وقفلت عينيها تاني واستسلمت للنوم: “هاااا..”
صرخت سحر بصوت عالي وهي بتنادي اسمها كأن فيه خطر، فخضتها وخليتها تتنفض وتقعد على السرير وتفرك عينيها وقلبها يدق بسرعة، وسحر كملت بهدوء كأنها ما صرختش من ثانية: “ناس ليها النوم والراحة، وناس ليها لولو واقفة فوق راسها بتعذبها!”
طلعت حياة نفس ببطء بعد ما النوم طار من عينيها وقالت: “أنتِ بتتصليا بيا الصبح عشان تحسديني؟!”
ردت سحر: “الصبح؟ حبيبتي الساعة دلوقتي عشرة.”
رفعت حياة عينيها للسقف بقلة صبر وخدت نفس عميق وقالت: “وهعمل إيه يعني عشان أصحى بدري؟”
لوت سحر شفايفها بضيق: “آه هتعملي إيه؟ لا شغل ولا مشغلة! قوليلي بالله عليكي هي أمي بتعمل فيا كده ليه؟ هو أنا لاقياني على باب جامع؟ هو أنا بنة عاقة؟ قوليلي!”
رجعت حياة شعرها لورا وسندت ظهرها على السرير وقالت: “ليه.. إيه اللي حصل؟”
ردت سحر وهي بتحاول تكتم غيظها في الشارع وسط الناس: “صلت الفجر وقامت تصحيني من الساعة أربعة الصبح وتزن فوق دماغي: قومي وراكي شغل.. قومي وراكي شغل، كأنها شريط تسجيل! وفي الآخر قعدت تصوت لحد ما بابا وماجد جريوا على شغلهم بدري من غير حتى ما يفطروا وسابوني ليها.. استفرت بيا يا حياة!”
ضحكت حياة وقالت بجدية: “يعني أنتِ دلوقتي في الشغل؟”
ردت سحر ببساطة: “لا.”
رفعت حياة حواجبها بذهول وقالت: “إيه؟”
سحر: “قفلت الباب عليا بالمفتاح وكملت نومي، أنتِ عارفة إني لو ما نمتش كويس يومي بيبوظ خالص.”
سمعت حياة كلامها وقالت: “والله أنا بصعب عليا والدتك منك، وأهو اتأخرتي في أول يوم شغل.”
كشرت سحر وهي واقفة قدام بوابة العمارة اللي فيها المكتب الهندسي وقالت بضيق: “سيبك من الكلام ده اللي ملوش لازمة، أنا هاجي أزورك بعد الشغل فحضري لي غدا محترم.”
​كانت حياة لسه هترد لما حست إن الصوت قطع من الناحية التانية، فبصت للتليفون بتعجب وسابته جنبها على السرير. وبعد دقايق رن تاني، فبصت للاسم اللي مكتوب على الشاشة وفضلت باصة له، وبعدين رفعت السماعة بالراحة وحطتها على ودنها وجاوبت، فجاءها صوته الهادي والرزين من الناحية التانية: “صحتك؟”
ردت والشوق مالي صدرها من نبرة صوته: “لا، صحيت من شوية، سحر كلمتني قبلك.”
رد بنعومة وهو سرحان في حب مستنزف روحه: “وحشتيني.”
سكتت رغم إن ضربات قلبها زادت ووشها احمر، فرجع يهمس بشوق وعشق كبير: “أشهد أن لا امرأة تجتاحني في لحظات العشق كالزلزال تحرقني، تغرقني، تشعلني، تطفئني، تكسرني نصفين كالهلال. أشهد أن لا امرأة تحتل نفسي أطول احتلال وأسعد احتلال، تزرعني ورداً دمشقياً ونعناعاً وبرتقال. يا امرأة أترك تحت شعرها أسئلتي ولم تجب يوماً على سؤال، يا امرأة هي اللغات كلها لكنّها تلمس بالذهن ولا تقال. أيتها البحرية العينين والشمعية اليدين والرائعة الحضور، أيتها البيضاء كالفضة والملساء كالبلور، أشهد أن لا امرأة على محيط خصرها تجتمع العصور وألف ألف كوكب يدور.. أشهد أن لا امرأة غيرك يا حبيبتي.”
​ومع كل كلمة كان قلبها بيدق جامد لدرجة إنها حاسة بضرباته في ودنها وهي مغمضة عينيها وسرحانة في عالم تاني فوق السحاب. فرجع يردد بهمس عشان محدش من الموظفين يسمعه: “يا ريتني كنت شاعر عشان تكوني أنتِ الأولى والأخيرة اللي تسمع شعري، يا ريتني كنت شاعر عشان أعرف أوصف اللي جوايا، يا ريتني كنت شاعر عشان أقولك بحبك قد إيه.”
لسه سرحانة ومغمضة عينيها وبتسمع كلامه كأنه مزيكا بتدخل القلب، فقال هو: “صباحك سكر يا أميرة حياتي، صباحك سكر يا ملكة على عرش قلبي، صباحك جمال ونور وحياة أنا فيها لوحدي.”
سكت وهي زي المنومة ومبتسمة بحالمية وسرحانة في عالم هو سقفه وحضنه الدافئ جدرانه. خدت بالها من سكاته ففكرت هو مستني منها رد؟ ولسانها أصلاً اتقيد وعقلها غايب وحاسة إنها خفيفة زي العصفور. سمعته بيقول: “أنا متضايق من صاحبتك دي، كنت عايز أكون أول واحد يسمع صوتك الرقيق.”
وبرضه ما ردتش، فقال: “هتحرميني كتير من صوتك؟ ما عندكيش كلمة ليا تروي عطشي وتصبر شوقي لحد ما أرجع؟ فين حياة الصغيرة اللي ما كانتش بتفوت ثانية من غير ما تغني بحبي؟”
​هنا فتحت عينيها بصدمة ورجعت لأرض الواقع؛ حياة دي اتكسرت واتهزمت وضاعت وبقت سبب في ضياع غيرها. فجأة ضربات قلبها وقفت وعينيها الحالمة حبست الدموع ونزلت حزينة ومكسورة. ولما يأس من ردها قال: “أنا حجزت لنا كلنا أسبوع في مصيف كشهر عسل.. أنا وأنتِ وإياز وأدهم.”
ومن غير ما تقصد وبعفوية كاملة قالت بصوت مخنوق وخافت وحزين: “وهو ده هيصلح كسر أختي وكسري وكسر أبويا؟”
وكأنها ضربت خنجر في قلبه فوّقته على جرح مش هيخف مهما حصل. وفي الوقت ده، قربت منه بنت رقيقة عينيها بني وفيها نظرة إعجاب، وحطت فنجان قهوة قدامه على المكتب وهي بتقول بصوت ناعم ودلع طبيعي: “قهوتك يا سيد الناس.. عملتها بإيدي.”
وصل صوتها لحياة على الناحية التانية وخلاها تقطب حواجبها بحيرة، وهو انتبه وقال بشكر وجمود: “شكراً يا وفاء.. تسلم إيدك.”
​وبالكلمات البسيطة دي اللي ما فيهاش أي ود خاص، غيرة وضيق وفضول حياة اشتعلوا؛ مين دي وتطلع مين؟ وهل ليها الحق تسأل؟ قفل معاها المكالمة بسرعة، وده زود الشك في قلبها: مين وفاء دي وليه بتعمل له القهوة مخصوص؟ وسألت نفسها: هو أنا بجد فارق معايا إن ست تانية تدلع جوزي وتقوله يا سيد الناس؟!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *