ريم ج1

بارت 1
​كان بيبص عليها ومتأمل فيها.. شايفها وهي بتتمايل فوق ضهر الحصان بخفة وانسيابية ورشاقة تامة، ماسكة اللجام بإيديها الرقيقة وأصابعها الممشوقة.
بقى له أكتر من شهر بييجي هنا كل يوم بس عشان يراقبها بهدوء تام.. عايز يشبع عينيه من تفاصيلها اللي تخطف العين، ويسرح في عينيها.. ويتوه في ملامحها..
​البنت الساحرة دي..
لها عينين بتنور، وبتلمع بشعاع هادي.. خضار الطبيعة الخلاب بيطلع من بين رموشها الكثيفة الكحلانة زي الشجر الأخضر..
كان بيشوف في العينين دول مزيج غريب من القوة والألم.. خليط من الغموض والحدة. اللي يشوفها مستحيل ما يفتتنش بيها.. هيتسحر ويمشي وراها وهو مغيب، أما شفايفها المليانة.. فكانت سحر تاني خالص.
​من مكانه البعيد اللي مخليه يراقبها براحته، كان بيتمنى بس لو يقرب منها ويلمس خصلات شعرها الأشقر الغامق..
عرف عنها كتير، عرف كل حاجة عايزها بعد ما حس إنه انجذب ليها بشكل كامل.
هي بنت من طبقة غنية جداً، غناها قريب من غناه بس هو لسه متفوق عليها بمراحل. عايشة في كنف أبوها.. واللي بالصدفة هيجمعهم شغل واستثمار ضخم قريباً.. الحكاية ما كانتش غير صدفة، بس كانت أحلى صدفة في حياته وأكيد هيستغلها.
​حياتها معقدة جداً.. عمره ما شاف بنت بجمالها وعندها حياة غريبة بالدرجة دي!
البنت دي هربت من جوازتين سابقين وهي لابسة فستانها الأبيض.. هربت وسابت وراها كلام وسمعة تبهدل بحقها وحق أبوها.. بس هي ما فرقش معاها أي حاجة خالص، ولا شالت هم كلام الناس.
دور كويس وعرف سبب هروبها بس ما وصلش لأي نتيجة لحد دلوقتي.
من بعيد بيقدر يشوف شرودها الدائم..
​ومن فترة قصيرة بس، عرف إنها بتكون بنت خالة صاحبه الوحيد.. صاحبه المقرب “تامر”.. واللي بالصدفة بيطلع هو صاحب الإسطبل اللي بيرعى فيه خيوله كمان.
عايز يقرب منها ويتعرف عليها بسرعة لأنه بيسافر كتير وبيغيب عن البلد، عشان كده قرر يختصر الطريق ويتكلم مع تامر في الموضوع. هيقوله عن إعجابه الدفين بيها، وتامر أكيد هيتفهمه لأنه عارفه وعارف أخلاقه..
تامر دايماً كان بيقوله لو عندي أخت ما ألاقيش ليها عريس أحسن منك..
​ابتسم ابتسامة بتجنن وهو شايفها بتنزل من على ضهر الفرس بخفتها المعتادة، وشعرها النازل على ضهرها ومخليها زي أميرة هاربة من شي قصر.
تنهد وسأل تامر بتوتر وهو عامل نفسه مش عارف حاجة:
​(مين البنت دي يا تامر؟.. وشاور بإيده لجهة حنين).
​بص تامر للمكان اللي بيشاور عليه صاحبه، وظهرت ابتسامة صغيرة على وشه وجاوبه بخفة وهو بيراقبها وهي بتلاعب فرسها:
​(حنين).
بص عمران لتامر وضيق عينيه بذكاء ومكر وقال:
​(هو أنت تعرفها يا تامر؟)
تامر ما ردش لحظة وتنهد، وبعدها قال ببساطة:
​(حنين.. تبقى بنت خالتي).
ابتسم عمران بانتصار وهو حاسس إنه مسك أول الخيط وكمل:
​(حنين.. إسم جميل).
رفع تامر حاجبه وبادله المكر وقال:
​(أوعى تقول لي إن سهم العين صابك يا عمران.. لأنني مش هصدقك).
عمران ما جاوبش، وفضل على نظراته الصريحة المليانة إعجاب بحنين.
ابتسم تامر وبود غمز بعينه، لأنه من زمان ملاحظ النظرات الصريحة دي من صاحبه لحنين بس كان بيقول يمكن نظرات عادية وسرحان، وقال:
​(يا ابن الماكرة يا صاحبي.. مفكرني ما حسيتش بانجذابك ليها من زمان؟ مفكرني غافل عن مراقبتك الساكتة ليها؟)
​تنهد عمران بحرارة وظهر عليه التوتر، بعد عينيه عنها وبص لتامر وقال من غير تردد:
​(عايز أتكلم معاها… ينفع يا تامر؟)
ضربه تامر على كتفه بقوة خلت عمران يتهز وهو بيحاول يخفي ضحكته وجاوب:
​(لو عملت كده وقدرت تتكلم معاها.. هعمل كل جهدي عشان أدبر لكم موعد).
لف عمران إيده حوالين رقبة تامر وشد عليه وهو بيقول بتحدي:
​(ماشي، خليك قد وعدك بقى).
​وما هي إلا دقايق، وكان عمران بقى ورا حنين..
قرب منها بحذر وهي كانت سرحانة وكاتمة دموعها بالعافية، ونسمات الهوا العليلة بتساعدها عشان تخبي دموعها.
صفر عمران بصوت قوي.. الفرس جفل وصار يصهل عالي، وهي مسكت اللجام بسرعة وهدته، وبصت للي صفر بحدة. وقبل ما تنطق بأي كلمة، مد عمران إيده وقال بضحكة فيها مرح:
​(عمران.. )
​بصت له وبعدين على إيده الممدودة وما اهتمتش خالص، كل اللي عملته إنها لفت وادت له ضهرها وفضلت تملس على حصانها وتلاعبه بنعومة وكأنه مش موجود أصلاً!
بص عمران لإيده الممدودة بشوية انزعاج بس كمل وهو متغاظ:
​(عمران شرف الدين.. شاب رجع من السفر وناوي يستقر هنا.. وقريب جداً كمان).
رجعت شعرها لورا وهي بتسمع له وبس، وكمل هو بهزار:
​(شكراً آنسة حنين على التعارف اللطيف ده).
بس هي كمان ما ردتش وكأن الكلام موجه للا شيء.
​زفر عمران وهو متضايق وكان ناوي يلف ويمشي بعد ما اتخنق منها، بس في اللحظة الأخيرة قررت تلتفت وتبص له، فالتقت عيونها الخضرا المشرقة بعينيه اللي بتتأملها بوله.
سرح فيها شوي قبل ما تقول هي بصوت جدي وناشف:
​(حنين…. )
ابتسم ووشه نور وهو لسه ضايع في خضار عيونها وقال:
​(وأخيراً.. حسيت إني مش بكلم نفسي).
رفعت حواجبها وهي بتتأمل رجولته الفريدة.. جمال غربي مخلوط بسحر عربي، عيونه الحادة لايقة جداً مع جسمه القوي وهيبته، بشكل يخلي الواحد يبص له مرتين لوسامته الطاغية.
بس ما كانتش عايزة تبين له إنه عجبها، فقالت فوراً:
​(ابعد عن طريقي).
​تأمل ملامحها الحادة وصوتها القوي وطلبها البسيط.. ما عرفش يجاوب.. فعلاً البنت دي فيها غرور مش طبيعي!
بس انتبه للمرة الأولى إنه سادد عليها الطريق بجسمه الضخم، وحس بقد إيه حلو إنه محاصرها بين إيديه، تنهد وتأملها وبعدها بعد وسابها تمر من غير ما يزود أي كلمة.
​دي ما كانتش المرة الأولى اللي يقع فيها بسحر جمالها ورقة صوتها وطبعها الناشف.. وما كانتش الأخيرة.
ومن وقتها وهو بيحاول يقرب منها بكل الطرق لحد ما بدأ الكلام الودي بينهم، وما مرش كام يوم حتى بدأ الشغل القوي مع أبوها.
تأقلم بسرعة في البلد وقرر يستقر فعلاً ويضل قريب منها.. غير إن أمه كانت مصرة جداً يرجعوا من السفر.
فتح كذا مشروع وهنا كان لحنين الفضل.. عشانها دخل في كذا استثمار، حتى إنها استلمت إدارة شركة من الشركات باسمه.
​(بعد سنة)
​اعترفت له بحبها وبدأ تعلقها بيه يزيد يوم بعد يوم.. حس بصدق مشاعرها بعد تعب طويل وهو بيحاول يكسب قلبها.
هو اعترف بحبها من الشهر التاني بس بعد ما حس بانسجام كبير معها، بس هي أخدت وقت طويل عشان تتأكد من مشاعرها، ومع ذلك كان دايماً بيحس إن حبه ليها أكبر بكثير من حبها ليه.. وفي أوقات كتيرة ما كانش بيحس بمشاعرها أصلاً.
قدم ليها أكتر من اللي طلبته.. بكثير أكتر من اللي بتتمناه.. كان دايماً بيبص لها بعيون غرقانة بالحب.
ما نسيش قصة هروبها من جوازتين قبل كده، وكان ناوي يفتح معها السيرة ويفهم. بس تامر أصر عليه ما يفتحش الموضوع ده أبداً طالما هي اعترفت له بحبها.. لأن الجوازتين السابقتين دول كانت مجبورة عليهم فرض من أبوها وبدون رضاها، عشان كده عمران تجنب يتكلم معها في أي حاجة تخص الموضوع ده.
​بس الأيام الحلوة ما دامتِش طويل بالنسبة لها، فبمجرد ما عرفت بقرار عمران إنه يتجوزها فجأة وبموافقة أبوها السريعة كالعادة، بدأت تتغير معاه شوي شوي.
وبعد شهرين كاملين..
حدد أبوها وعمران موعد الفرح من غير ما يرجعوا ليها خالص، لأنها ببساطة كل ما كان عمران يفتح السيرة لتحديد الموعد كانت تتهرب بحجج فاضية.. بدأ يشك في تهربها بس قال لنفسه ده خوف وتوتر طبيعي زي أي بنت، وده اللي خلاه يقرر الموعد مع أبوها وبس.
​يوم عقد القران (قبل ساعة)
​في أوضتها كانت بتبص لنفسها في المراية بشرود، وصاحبتها الوحيدة “رهف” واقفة جنبها وتبص لها بانبهار.. عم تتطلع بتفاصيلها الجذابة وفستانها الأبيض البراق اللي بيلمع زي موج البحر بسبب الأحجار الكريمة المشغولة عليه.
وشعرها الأشقر مرفوع بدقة لفوق بشكل كعكة زادتها جمال وأنوثة، وعيونها المرسومة بعناية بكحل عصري خلتها تبدو زي عارضات الأزياء.
رهف ما قدرتش تشيل عيونها عنها وكانت ضايعة في طلتها الملوكية، بس نظرات حنين الفاضية والشاردة هي اللي صحّت رهف.
بصت لحنين بشك وحست إن في حاجة غلط، وقالت بصوت خايف:
​(النظرة دي يا حنين أنا عارفاها كويس جداً.. عارفاها أكتر من أي حاجة في الدنيا.. عشان خاطر ربنا، أوعى يكون اللي في بالي صح!)
شهقت رهف وحطت إيدها على بقها بقوة وكملت:
​(حنين… اتكلمي.. في إيه بيحصل؟)
​ظهرت دموع الوجع في عيون حنين وبدأت تشهق بصوت واطي عم يعلى شوي شوي، وقالت بصوت بيرجف:
​(بحبه كتير.. بس ما جاش لعندي بالطريقة الصح… ما كانش زي ما كنت عايزاه يكون).
حركت رهف راسها بزعل وقالت وهي مش مصدقة:
​(كفاية جنان يا حنين! أنتِ بتحبيه كتير وأنتِ اعترفتيلي بقد إيه بتموتي فيه.. وقفي أرجوكِ).
حنين سكتت ورهف كملت:
​(بترجاكِ يا حنين… )
بس حنين كانت في عالم تاني تماماً وشاردة بعيد.
رهف ما لقتش طريقة غير إنها تضربها كف صغير على وشها وهزتها بقوة وقالت بغضب:
​(قولي له طيب! لا تكوني جبانة.. لا تكسري قلبه بالطريقة دي.. عمران شاب يستاهل كل خير).
همست حنين بتعب:
​(عارفة إنه يستاهل الأحسن.. عارفة.. بس مش قادرة).
رجعت رهف تصرخ في وشها:
​(هتكسري قلبه اللي حبك.. افهمي بقى يا حنين!)
​بس خبط على الباب قطع خناقتهم القوية..
دخلت مرات أبوها وقالت بصوت زي فحيح الأفعى، صوت مليان غل وغيرة:
​(يلا يا حنين.. جه الوقت عشان نخلص منك.. أقصد عشان نشوفك عروسة وأخيراً… )
ابتسمت حنين بوجع بس خبت ألمها بقوتها المعروفة، وبصت لرهف وقالت بصوت عم يترجى:
​(ادعي لي أرجوكِ يا صاحبتي الوحيدة).
وبعدها بصت لمرات أبوها وقالت:
​(دقايق وهكون تحت).
​في قاعة الحفل
​كان مستنيها بشوق كبير وعلى نار.. عايز تخلص المراسم الرسمية والمملة دي عشان ياخدها بحضنه وتكون له وأخيراً.. بنت أحلامه.
كان واقف في نص الصالة على منصة عالية شوي عن الناس، لابس بدلته السوداء الرسمية وشعره مصفف على الآخر، جاهز يستقبل أميرته الغامضة اللي تمنى من أول يوم يكتشف غموضها.
وجنبه تامر صاحب طفولته وابن خالته واقف وعينيه قلقانة عم تتلفت على الكل.. بيتمنى تمر الليلة دي على خير، لأنه أكتر شخص عارف حنين وجنانها وتصرفاتها غير المتوقعة.
أما المعازيم فكانوا قاعدين مستنيين وصول “العروسة الهاربة”.. ليها ماضي عريق في الهروب من الأفراح!
كلهم مستنيين اللحظة دي بفضول زي العريس تماماً.
​وما هي إلا لحظات حتى انفتح باب القاعة على الآخر..
وظهرت هي بهيئتها الخايفة كالعادة.
قربت رهف وهي بتبص لتامر بنظرات حزينة وقوية، وتامر فوراً فهم شو القصة.
أما عمران فكان لسه في عالمه الوردي المليان حب ومستنيها تظهر بصبر كبير، بس بمجرد ما قربت رهف لعنده وقالت بصوت ضايع وعالي أشبه بالصراخ:
​(العروسة هربت…. حنين هربت!)
صرخ تامر بجنون وقال:
​(عملتيها يا مجنونة.. تباً ليكي يا حنين!)
​أما عمران فدخل في صدمة قوية ومش مصدق حاجة من اللي سمعه.. لسه مستنيها، مستني تظهر وتكذب الخبر ده عشان يرتاح قلبه.. بس ما ظهرتش، وكل حاجة تأكدت بلمحة عين.
عم القاعة صمت تقيل وموتر، الناس كلها كأنها كانت متوقعة هروب الأميرة النائمة، والكل كان متأكد إنها هتعملها اليوم إلا هو.. هربت عشان تظهر بعد سنة بقوة أكبر وكأنه ما حصلش حاجة.
​بعد ساعات من التدوير والتعب، قعد عمران على الأرض بخيبة أمل هتفضل معاه العمر كله.. انكسر قلبه بسهم حبها وانكسر ضهره قدام الناس كلها بالهروب ده.
طلب رقمها لمرة أخيرة وبس..
وهي كانت قاعدة في مكانها المعتاد، فستانها الأبيض انطفى لمعانه، وطرحتها بقت زي حبل عم يخنقها في زاوية بعيدة في كوخ تابع لتامر.. كوخها السري اللي بتروح عليه كل ما تهرب.
ضامة رجليها لصدرها وراسها عليهم بتعب، ودموعها مش راضية تنزل، محبوسة في عيونها ومخلية الرؤية ضبابية.
رن تلفونها وشاف اسم “عمران”.. ما قدرتش ترد، صوتها بيرجف وخانها، بس عشان فضل يصر ويرن ردت ببساطة وبلعت ريقها وهي بتسمع نفسه السريع والمخربط.
​سكتوا التنين وقت طويل.. أنفاسهم مختلطة بغصة تقيلة.
حركت حلقها أخيراً وقالت بهمس ناعم وعم يترجى والدموع مغطية عيونها:
​(سامحني يا عمران.. أرجوك سامحني).
ما ردش عليها فوراً، بس نفسه بقى أسرع وأحد، وغص بالكلمات قبل ما يقول:
​(مش هسامحك أبداً يا حنين… تفتكري كويس إن النار اللي شعلتيها بإيديكِ هتحرقك أنتِ أول واحدة).
نزلت دموعها أخيراً وارتاحت عيونها بعد ما سمعت بحة صوته التعبانة، ونزلت الدموع على خدودها.
رجعت تهمس بصوت مبحوح:
​(أرجوك.. أرجوك).
بس قاطعها وقال بقسوة:
​(هتدفعي ثمن حبي غالي.. حبي اللي ضيعتيه بسهولة. أنتِ كسرتي قلبي بخنجر مسموم… هتدفعي ثمن وقفتي زي الأغبي وقت طويل قدام الناس وأنتِ كنتِ مقررة ومجهزة للهروب من قبل. هكرهك يا حنين لكل اللي باقي من عمري).
وقفل الخط في وشها..
وهي دخلت في نوبة بكا مريرة وغصة خنقتها وصارت زي العلقم في بقها.
​(( بعد عام ))
​كانت قاعدة في حديقة بيتها مستنية صاحبتها رهف كالعادة.
هي الصاحبة الوحيدة اللي فضلت معاها رغم كل شي، بالإضافة لتامر ابن خالتها.. تامر الشاب اللي بتعتبره كل شي بحياتها، أخوها اللي ما جابتهوش أمها.
أما رهف فهي صاحبة الصدفة والأيام الصعبة، صاحبة عطتها إياها الحياة عشان تصير علاقتهم زي الأخوات وأقوى.
لحد دلوقتي بتتذكر أول لقاء بينهم، وقت كانت رهف في دار الأيتام زي أي بنت عاشت بلا أهل ولا عيلة، مع إنها من عيلة معروفة بس هي الميزة الوحيدة اللي ما حرمهاش منها أبوها بعد ما رماها بالدار زي اللقطاء.
​أما حنين فبنت من عيلة غنية جداً ولها اسمها.
في إحدى المرات كانت في حملة خيرية مع أمها عم يوزعوا هدايا على بنات الميتم، حنين كان عمرها وقتها سبعتاشر سنة ورهف أربعتاشر سنة، وأغلب البنات في السن ده بيتعرضوا لمعاملة سيئة في الدار.
تطورت علاقتهم بسرعة وصارت حنين تزور الدار كتير. وحنين بوقتها كانت بنت مدللة ووحيدة وما عندهاش رفقات رغم العز اللي عايشة فيه، عشان كده تعلقت برهف ولقيت فيها حاجة خلتها عايزة تضل معاها وتحميها من كل شي بدون سبب.
وبعد فترة قصيرة، قدرت حنين بسلطة أمها تطلع رهف من الدار وتجيبها تعيش في بيت عيلتها.
عاشوا سوا أيام كانت حلوة إلى حد ما، بس دايماً كانوا بيعانوا من أبو حنين القاسي والمتسلط.. حتى حنين ما سلمتش منه وكان ليها النصيب الأكبر من قسوته مع إنها بنته.
​مرت الأيام وصارت الفاجعة الكبيرة فوق راس حنين ورهف، لما توفت أم حنين.. السيدة العظيمة اللي فضلها ما بينتسيش لا على حنين ولا على رهف. حنين تغيرت كتير بعد وفاة أمها، خسرت ضحكتها وطفولتها وصارت قاسية وقوية أكتر، الكل لاحظ الشيء ده وعرفوا إن في سبب قوي غير حنين وخلى حياتها تنقلب.
حتى رهف نقلت لتسكن لوحدها بعد وفاة أم حنين.. حنين عارضتها كتير في الأول بس رغبة رهف بالاستقلال كانت أقوى، وما قدرتش تمنعها تنال حريتها وتبدأ شغلها الخاص بعيداً عن سلطة عيلة حنين.
​قطع شرودها صوت مرات أبوها.. صوت كله كره وبغض ما بتعرفش سببه، يمكن كل مرات أب بتغار من ولاد جوزها، أو يمكن مرات أبوها حالة خاصة. بعمرها ما قدرت تتقبلها لأنها أصلاً ما عطتش لحنين مجال، فكيف بدها تتقبلها وهي شايفها عمايلها السودة بحقها؟
همست مرات أبوها بصوت زي فحيح الحية:
​(في حفلة اليوم.. أبوكِ مجهزلك مفاجأة رح تسعدك بجد. يا ريتني أقدر أخرب المفاجأة وأقولك دلوقتي، بس عايزة أشوف شكل وشك لما تكتشفيها لوحدك!)
​بصت فيها حنين بحدة، نظرة خلت التانية تموت من قهرها، وقالت حنين بقوة:
​(أي كانت المفاجأة، هستقبلها برحابة صدر.. بس أرجوكِ يا “سعاد” لا تنسي إني أنا صاحبة معظم الشركات اللي بيملكها أبويا… أنا الوريثة الوحيدة.. ومش هفوت فرصة تذكيرك إن أمي الله يرحمها كتبت كل أملاكها باسمي أنا وبس!)
كانت الحية بدها تصرخ وترد، بس صوت رهف المحبوب قطع القعدة وقالت:
​(سعاد! أنتِ هنا؟ كنت بسأل نفسي من وين الريحة الفواحة دي… أقصد إزيك يا سعاد؟)
بصت مرات أبوها لرهف بحدة وقالت باحتقار:
​(وش البوم.. التقى للتو بغراب الشؤم!)
ضحكت رهف عشان تستفزها وقالت بسخرية:
​(شكراً على الإطراء يا وش الخير!) وشددت على الكلمة الأخيرة عشان تفهمها.
مشيت سعاد بسرعة قبل ما تطق من البنتين دول.
​وصلت رهف لعند حنين وضربت كفها بكف حنين علامة النصر وقالت:
​(آسفة تأخرت عليكي عارفة بس… ) وتنهدت وقعدت جنبها.
التفتت حنين وقالتلها:
​(المقرف مديرك ده رجع لـ حركاته البايخة تاني؟)
تنفست رهف عشان تلقط نفسها وقالت بسرعة:
​(هو خلص اصلاً عشان يرجع؟ لولا عمران بس كنت سبت الشركة دي.. بس عمران وصاني انقل كل شي إلو عن طريق الإيميل.. أنا عينه في الشركة).
​تغيرت ملامح حنين بس انذكر اسم عمران قدامها، حسيت بغصة ودمعة بدها تنزل وجسمها رجف شوي.
رهف انتبهت فوراً وشعرت بالذنب وشهقت وحطت إيدها على بقها:
​(آسفة.. نسيت قصة عمران.. زلة لسان!)
ابتسمت حنين بالعافية وقالت:
​(عادي.. أنا نسيته وتخطيته من زمان… خبريني كيف أوضاعه؟)
رفعت رهف حواجبها وبصت في ملامح حنين الشاحبة، لأنها عارفة كويس قديش حنين بتموت في عمران.. هو الشخص الوحيد اللي دخل قلبها بدون إذن.
زفرت وقالت بسخرية:
​(المرة الجاية لما تحبي تخبري شخص بيعرفك أكتر من نفسك إنك نسيتي حبك الوحيد، تأكدي من ملامحك في المراية الأول وبعدين اكذبي! ثانياً، مفهوم الكلام ده؟)
ولكزت راس حنين بإصبعها وكملت بزعل:
​(وهقولك ببساطة عن أحواله.. عمران هو اللي نسيكي وتخطاكي بقوة وقريباً هيرجع يستقر هنا، بعد ما خطب بنت واحد من رجال الأعمال بره.. بس بتمنى من ربنا إنك تنسيه قبل ما يرجع).
​بلعت حنين غصتها وقالت بقوتها المزيفة:
​(يلا قوام.. تأخرنا على “برق”).
وما هي إلا دقايق وكانوا في الإسطبل جنب حصان حنين.
صارت حنين تملس على فرسها بنعومة ورقة وتلاعبه بحركات بيعرفوها التنين، ورهف قربت إيدها من بق الحصان وفيها شوية أكل. قرب الفرس ولما صار فمه فوق إيدها بعدتها وهي بـ ترجف.
بس في إيد قوية زي الحديد مسكت إيد رهف ورجعتها لبق الفرس..
وصاحب الإيد عم يقول:
​(أوعي تمنعي الأكل عن أي حصان شم ريحته.. ده أكتر شي بيعصبه!)
​بصت رهف لجسمه القوي وراه وإيده القوية اللي شادة على إيدها، والحصان أكل كل شي بإيدها.
أما حنين فبصت لتامر وهي عم تضحك وقالت بهدوء:
​(خوفت رهف أكتر ما خافت من حصاني!)
بص تامر بحنين وضحك معاها ولسه ماسك إيد رهف.
سعلت رهف ووشها صار أحمر، فلت تامر إيدها وقال بمزح:
​(يعني ما بيحقلهوش لصاحب المكان يطمن على خيله؟)
ركضت رهف عشان تبعد وقربت من حنين وهي عم تتطلع فيها بزعل عشان تبطل ضحك لأنها انحرجت كتير.
بس سؤال تامر الثاني خلاها توقف بقلق، وكان:
​(سمعت إن أبوكِ هيوقع عقد شراكة جديد مع رجل أعمال شاب؟)
​ضاعت عيون حنين في المدى وقالت بصوت واطي:
​(ما اعرفش.. منين سمعت الخبر ده؟)
تامر ما جاوبش، وحنين رجعت سألته بحدة، فـ اضطر يقول:
​(الكل عارف… مش بس أنا يا حنين).
مسكت حنين إيد رهف من غير ما تحس ووشها صار أصفر زي الليمونة..
هي عارفة إن أبوها مش هيضيع فرصة عشان يعرضها للجواز مرة تانية على شركائه أول ما يشم ريحة صفقة جديدة.. مش هيوقف عن بيعها وشراها كأنها بضاعة، وهي ما عندهاش غير الهروب عشان تديله درس عشان يوقف يأذيها، حتى لو كان الجواز ده صوري بس الموضوع ده عم يدمر مشاعرها واستقرارها ويخرب حياتها كلها.
​انتبهت رهف لشحوب حنين المفاجئ وضمتها لصدرها وقالت بصوت واطي في أذنها:
​(الوعد يا حنين.. أنتِ وعدتيني مافيش هروب مرة تانية، هنواجه الكل بلا خوف.. مش هتقبلي بجوازة غصب عنك، ومش هتهربي).
أما تامر فكان عم يتطلع بحنين بعيون زعلانة لأنه عارف شو عم يدور براسها.. مش هيسمح لها تهرب بعد اليوم، في آخر هروب خربت كل شي حلو بحياتها، ولازم تحط حد لكل شي عم يدمرها، وهو أكيد مش هيتخلى عنها وهيساعدها.
​في قاعة الاحتفال الضخمة
​الصالة كانت مجهزة على الآخر، حفلة مخملية زي عادة الطبقة الغنية.. بتضم أشهر التجار في البلد وأرقى العائلات.
كل شي في الحفلة معمول بطريقة تخطف العقل وتجذب الانتباه..
وهي كانت واقفة بعيد عم تراقب كل شي بتوتر. ما ضيعتش الفرصة دي ولبست فستان أبيض جريء ومشغول بعناية، فستان تعمدت تلبسه عشان تتحدى الكل وتوريهم إنها قوية لدرجة تظهر بالفستان الأبيض قدام العيون اللي ناطرتها بعد هروبها الأخير، وتضرب بحكي الناس عرض الحائط.. تعلمت القوة من وقت ما راحت أمها سندها في الوسط ده اللي ما بيرحمش، ومش هتكون ضعيفة أبداً. واليوم إثبات جديد منها إنها قادرة تعيش حياتها زي ما هي عايزة.
​قطبت حنين حواجبها وهي شايفه مرات أبوها قربت منها وصارت واقفة معاها على نفس الطاولة، وقالت وهي بتشاور على واحد من المعازيم:
​(مفاجأة الحفلة… شوفي يا حنين هاد هو جوز المستقبل… مش هتقدري تهربي للأبد.. لازم يكون في نهاية.. والشاب هناك ده بظن هو نهايتك… هي دي مفاجأة أبوكِ ليكي!)
التفتت حنين عشان تشوف الشاب ده.. ما كانش شاب عادي خالص، باين عليه الإجرام وقوة العين رغم أناقته الكبيرة، عيونه زي رجال العصابات.
​بعدت عيونها عنه بعد ما لقطت نظراته الجريئة ليها، وتطلعت بأبوها صاحب المفاجآت. شو تمنت بهاللحظة لو أبوها ينفي الحاجة دي، شو تمنت لو ما عندهاش أب في الدنيا دي، تمنت حاجات كتيرة مستحيلة.
بس أبوها مش هينفي شي كالعادة.. هي مجرد قطعة للبيع في قاموسه.. دمعت عيونها بس حبست الدموع بقوة وأخدت قرارها بسرعة.
مسكت ديل فستانها وركضت هاربة بره الحفلة.. بعيد عن كل شي. أسرعت بخطواتها بس الكعب العالي كان عم يعيقها، فـ شلحته ومسكته بإيدها، وصارت تركض مسرعة، بإيد ماسكة ديل الفستان وبالإيد التانية الكعب وكملت هروبها السريع.
​لكن خبطتها بجسم قوي وصلب خلتها ترجع لورا وكان بدها تقع، لولا إيده القوية اللي مسكتها وأجبرتها تقف وهي شادة عليها بقوة.
تطلعت بصاحب الجسم القوي ده والإيد الصلبة.. وعرفته فوراً!
وقف الزمن بينهم لحظة طويلة.. تأملته بكل ملامحه الرجولية الناضجة ووسامته القوية.. ورجعت فيها الذكريات لورا.
قديش كانت بتحبه… قديش تمنت ما تفارقهش.. أحبته من كل قلبها زي ما هو حبها بزيادة.
تذكرت بوساته.. همساته.. كل شي حلو كان بينهم، مرت الصور براسها زي شريط السينما بسرعة مع نظرات عيونه الغامقة.
بس الذكريات دي ما كملتش.. ورجعت بقوة للواقع!

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *