ياتدفعي ياتغوري
— يا تدفعي اللي عليكِ يا تغوري بره البيت النهاردة! — صرخ إبراهيم في باب العيادة، ومريم لسه قاعدة على شيزلونج الكشف، الروب مش مقفول كويس، والغرز لسه جديدة وبتوجعها.
الدكتورة لمياء وقفت مكانها مذهولة. والممرضة بسمة، اللي كانت بترتب قفازات طبيات، أيدها اتهزت والصينية الصاج وقعت على الأرض وعملت صوت عالي ملا الأوضة زي صرخة إنذار.
مريم كان عندها 24 سنة، وشها أصفر وشاحب، وإيدها حاطاها على أسفل بطنها. كانت رايحة العيادة الخاصة دي في المعادي عشان تطمن على نفسها بعد عملية حساسة. مكنتش عايزة حد يعرف.. مش عايزة أسئلة، ولا زعيق، ولا نظرات شفقة من حد. كان كل أملها تخلص، تشتري كوباية شاي سخنة، وترجع تنام.
بس إبراهيم مشي وراها وراقبها.
إبراهيم كان عنده 32 سنة، ابن زوج أمها الثاني، ومن يوم ما أبوه مات وهو جاسم على نفسهم في شقة شبرا كأنه ما ورثش العفش بس، لا دا ورث حياتهم هم الاتنين! في الأول قال هيقعد “كام أسبوع”.. وبعدين خد الأوضة الكبيرة، وسيطر على خزين البيت، وبقى يفتش في الفواتير، ويخبي المفاتيح، وبدأ ياخد عافية جزء من مرتب مريم اللي بتجيبه من شغلها في المكتبة.
أمها، فاطمة، كانت دايماً تقولها نفس الكلمة:
— استحملي يا بنتي.. معلش، ده في حكم أخوكي وعيلة.
“العيلة” بالنسبة لإبراهيم كانت تعني حاجة واحدة بس: الكل يسمع الكلام وينفذ.
— أنا بكلمك! — قالها وهو بياخد خطوة لجوة الأوضة — هتسددي إزاي المصاريف اللي بتستهلكيها في البيت؟
مريم بلعت ريقها بالعافية:
— أنا بشتغل.. وبشتري حاجتي بنفسي.
إبراهيم ابتسم بقلة أدب وازدراء:
— بتشتغلي عشان دلعك ومكياجك، مش عشان تدفعي إيجار ومصاريف! فاكرة نفسك هانم وبتروحي عيادات غالية ومحترمة؟
الدكتورة لمياء، ست عندها بتاع 50 سنة وصوتها حاسم، وقفت بينه وبين شيزلونج الكشف:
— يا أستاذ، اطلع بره فوراً! دي عيادة وطوارئ طبية.
— ما تتدخليش يا دكتورة، دي مشاكل عائلية بينّا!
— لما تهدد مريضة وتقتحم عليها العيادة، يبقى الموضوع مابقاش عائلي خالص!
مريم حست بروحها بتتسحب وصدرها بيتخنق. محدش كان بيسترجل يكلم إبراهيم بالطريقة دي! في البيت، الكل كان بيكتم نفسه لما يدخل. الجيران كانوا بيعملوا نفسهم مش سامعين الخناق والشتائم. وأمها كانت تستخبى في المطبخ وتفضل تدعي وتقول “كرة وتفوت وكل حاجة هتهدى”.
بس مفيش حاجة كانت بتهدى.. كل شهر كان الأرف بيزيد عن اللي قبله.
— قولي لها إنك مديونة لي بفلوس! — إبراهيم صرخ فيها وهو بيؤمرها.
مريم بصت لإيديها المرتعشة.. افتكرت كارت الفيزا اللي أخده منها بالقوة قبل كده. افتكرت الليلة اللي سابها فيها بره الشقة في البرد عشان رفضت تديله مهيتها. افتكرت أمها وهي بتفتح لها الباب في الفجر، مش عشان تحضنها، لا.. عشان توشوشها وتقولها “أبوس إيدك بلاش فضايح في المنطقة”.
ساعتها.. مريم رفعت رأسها وبصت في عينه:
— أنا مش مديونة لك بحاجة.
السكوت ساد الأوضة لثانية واحدة..
وبعدها، إبراهيم هجم على الأوضة.
القلم نزل على وشها بقوة رهيبة، لدرجة إن مريم فقدت توازنها. السلم المعدن بتاع الشيزلونج اتقلب، والورق المفروش اتقطع، ووقعت على الأرض الساقعة وهي متكومة من الوجع. غرز العملية اتشدت كأنها نار بتولع في جسمها، وحست بطعم الدم في بقها.
بسمة الممرضة صرخت:
— يا أمن! الحقوناااا!
الدكتورة لمياء مسكت تليفون العيادة بسرعة:
— اطلبوا النجدة فوراً! في بلطجي بيعتدي على مريضة!
إبراهيم اتحدف عليها وهو وشها أحمر من الغل:
— قولي لهم إنك اتكعبلتي ووقعتي! قولي لهم إنك طول عمرك بتمثلي وتعملي دراما!
مريم مكنتش قادرة تاخد نفسها.. كانت عايزة تغطي جسمها بالروب، وبنفس الوقت كان نفسها الأرض تتشق وتبلعها.
— دي مجنونة وبتاخد أدوبة نفسية! — إبراهيم زعق في الممر وهو بيبص ناحية الشارع — اسألوا أمها! المنطقة كلها عارفة إنها مريضة!
اثنين من أفراد أمن العمارة دخلوا بيجروا، وبسمة الممرضة نزلت على الركبتين جنة مريم وعدلت لها الروب بحنية:
— متتحركيش يا حبيبتي.. اهدي خالص، أنا معاكي.
دقائق معدودة، ووصلت أمناء الشرطة والدورية. ظابطة صغيرة في السن، اسمها “النقباء جstated/كارمن”، دخلت وشافت مريم مرمية على الأرض، خدها مولع أحمر، الروب متبهدل، وإيدها ماسكة بطنها بوجع. ملامح الظابطة اتغيرت في ثانية للصرامة:
— ابعد عنها فوراً يا جدع أنت!
إبراهيم رفع إيده لفوق، بس لسانه لسه كان طالع بقلة أدب وكأنه صاحب حق:
— يا فندم ده سوء تفاهم! هي اللي استفزتني وقلت أدبها!
الدكتورة لمياء ما ترددتش لحظة:
— أنا شفته بعيني وهو بيضربها بالقلم على وشها! والممرضة شهدت، وسمعناه وهو بيهددها بلسانه!
الأمين الثاني قرب من إبراهيم وكتّفه:
— هات إيدك ورا ظهرك!
ولأول مرة من سنين.. مريم شافت نظرة الخوف والحيرة في عينين إبراهيم.
الظابطة نزلت لمستوى مريم على الأرض وسألتها بهدوء:
— هو مد إيده عليكِ أو آذاكِ قبل كده؟
مريم كانت هتقول “لأ”.. كانت عايزة تحمي أمها، وتحمي البيت، وتحمي الكذبة القديمة اللي كان اسمها “عيلة”. بس وجع خدها، ونار الغرز، فكروها بالحقيقة المرة.
— أيوه.. — قالتها بصوت مرتعش بس مسموع.
وهي بتشوف الضحكة بتختفي من وش إبراهيم وهو بيتكلبش، مريم فهمت إن أصعب حاجة مكنتش ضربة النهاردة.. الأصعب كان كل السنين اللي عيلتها سمحت له فيها إنه يدوس عليهم، قبل ما ييجي اليوم اللي حد يستجرئ ويوقفه عند حده.
## الجزء الثاني
في المستشفى في قسم الطوارئ، مريم كانت قاعدة عينيها متثبتة على شاشة التليفون.. 17 مكالمة لم يُرد عليها من أمها “فاطمة”. الظابطة كارمن قالت لها بثبات إنها مش مجبرة ترد خالص. الإخصائية الاجتماعية، ست اسمها عبير، قربت منها وحطت على كتفها بطانية وادتها إزازه مية:
— محدش هنا هيقدر يجبرك ترجعي له أو تمشي عكس إرادتك.
مريم هزت رأسها بالمرور، بس من جواها مكنتش مصدقة.. على مدار 4 سنين، الكل كان بيعلمها العكس: إن هدوء البيت وراحة البال أهم من خوفها، إن الست لازم تستحمل عشان خاطر أمها، إن إبراهيم طبعة غشيم بس قلبه مش أبيض ولا أسود، وإنها لو اشتكت يبقى بتمشي ورا نكران الجميل ومش حامدة ربنا إن ليها سقف يلمها!
الدكاترة كشفوا على ضلوعها.. مفيش كسور الحمد لله، بس في كدمة شديدة، وغرز العملية الاتهبت وجابت دم بسبب الوقعة على الأرض. دكتورة الطوارئ نصحتها بالراحة التامة والمتابعة. بعد كده، عبير الإخصائية كلمتها عن قرار حماية، ومأوى مؤقت، واستشارة قانونية.. الكلام كان كبير أوي ومريم مكنتش قادرة تستوعبه.
همست مريم وهي باصة للأرض:
— أنا آسفة.. أمي كده هتتدبس في مشاكل بسببي.
عبير وقفت كتابة وبصت لها بقوة:
— أمك مأخدتش القلم على وشها.. أنتِ اللي أخدتيه.
الجملة نزلت على مريم زي السكين! التليفون اتهز تاني.. أمها. مريم بصت للظابطة كارمن:
— عايزة أرد.
— افتحي السبيكر. — طلبت الظابطة.
مريم فتحت الخط، وجاء صوت فاطمة من غير حتى “أزيك” ولا “أنتِ كويسة؟” ولا “بتوجعك إيه؟”..
— عملتي إيه يا مريم؟!
مريم حست بحاجة بتغرس في صدرها:
— إبراهيم ضربني في العيادة يا أمي.
— هو بيقول إنك أنتِ اللي استفزيتيه وقليتي أدبك قدام الناس!
— كان في شهود يا أمي! دكاترة وممرضات وشافوه!
فاطمة وطت صوتها وقالت بخوف ومكر:
— الشهود ميعرفوش طبعك لما بتمسكي في الرأي وتبقي عنيدة!
عبير الإخصائية غمضت عينها لثانية، كأن الجملة وجعتها هي كمان. ومريم عصرت الملاية بإيدها:
— أنا مش راجعة البيت ده تاني.
الناحية الثانية سادت فترة سكوت.. وبعدها فاطمة اتكلمت بصوت مرعوب:
— أنتِ مش فاهمة أنتِ بتقولي إيه!
— لأ، فاهمة كويس.
— لأ يا بنتي، أنتِ مقتنعة إنك فاهمة.. أنتِ مقتنعة بس مكنتيش تعرفي إبراهيم شايل لك إيه ومخبي إيه!
الظابطة كارمن طلعت أجنبتها وقلمها. ومريم سألت:
— شايل إيه؟
فاطمة بدأت تعيط بانهيار:
— صور.. رسائل.. أوراق! حاجات ممكن توديكي في داهية وتفضحك! بيقول لو بلّغتي عنه هيروح شغلك في المكتبة ويقول إنك سرقتي فلوس من الخزنة! وانه هيوري الناس سكرين شوتس وأنتِ بتقولي انك خلاص مش قادرة تعيشي، عشان يثبت للكل إنك مريضة ونفسيتك مش مظبوطة!
مريم حست بغثيان وعايزة ترجع.. هي عمرها ما أخدت جنيه مش حقها، بس إبراهيم مكنش محتاج حقيقة كاملة، كان يكفيه يرمي الشك والشبهة عشان الناس تصدق.
— أنتِ كنتِ عارفة كل ده يا أمي؟
فاطمة زادت في البكاء:
— أنا كان كل قصدي البيت يهدى وما نعملش فضايح!
— يهدى لمين بالضبط؟!
الظابطة كارمن اتدخلت بصوت صارم هز الخط:
— مدام فاطمة، المكالمة دي مسجلة وعلى السبيكر. اللي حضرتك بتقوليه ده يعتبر تهديد وابتزاز صريح! أوعي تمسحي أي رسائل، وخليكي مستعدة تطلبي للشهادة في النيابة.
فاطمة ما ردتش.. فضلت تتأوه وتعيط لحد ما مريم قفلت الخط.
في الليلة دي مريم مرجعتش شبرا.. عبير نسقت لها مكان في دار حماية وهادي في المعادي. المكان مكنش فخم بس مكنش كئيب، كان آمن جداً.. حيطان ألوانها هادية، سفرة صغيرة، تعليمات متعلقة في المطبخ، وستات بيكلموا بصوت واطي عشان كل واحدة شايلة قصة تهد الجبال.
إلهام، المسؤولة عن الدار، ادتها ترنج نظيف، وشبشب، ومفتاح للأوضة. مريم فضلت باصة للمفتاح في كف إيدها.. مكنتش فاكرة أمتى آخر مرة كان في باب ملكها وبمفتاح في إيدها هي.
تاني يوم، النيابة فتحت المحضر بتهمة الاعتداء، والتهديد، والعنف الأسري، وصدرت أوامر بعدم التعرض.. إبراهيم ممنوع يقرب من مريم أو يتصل بيها بأي شكل. بس إبراهيم مكنش من النوع اللي يتقبل إنه يخسر السيطرة بسهولة.
بعد الظهر، نهى، أخت مريم وأنتيمتها، جيلها رسالة من رقم غريب:
> *”قولي لمريم لو فتحت بقها، بكرة الصبح كل اللي في شغلها هيعرفوا حقيقتها على أصولها.”*
>
نهى بعتت السكرين شوت فوراً لمريم. عبير طبعتها، والظابطة كارمن أرفقتها في ملف القض\ية. مريم كانت اترعشت من الخوف، بس المرة دي ما طلبتش السماح ولا اعتذرت.
بعد 3 أيام، وبمرافقة قوة من الشرطة، مريم راحت الشقة في شبرا عشان تاخد أوراقها وهدومها. فاطمة فتحت الباب وعينيها ورمت من الكثرة البكاء:
— مكنش له لازمة تجيب البوليس يا مريم.. فضحتينيا!
— مكنش المفروض أحتاج أحدهم عشان آخد حقي يا أمي.
أوضتها كانت مقلوبة رأساً على عقب.. الأدراج مفتوحة، الهدوم مرمية، الحصالة مكسورة، والأوراق على الأرض. صورة تخرجها من الكلية كانت مقلوبة على السرير. مريم لمت بطاقتها، شهادة ميلادها، مفردات المرتب، صور قديمة لجدتها، وعلبة صغيرة فيها جوابات ذكرياتها.
وهي بتفتش في الدولاب، لمحت حاجة ملزوقة ببلاستر أسود تحت الرف: **فلاشة USB سوداء**. مكنتش بتاعتها! خبتها بسرعة في جيب الزعبوط بتاع السويت شيرت.
فاطمة مسكت إيدها وهي طالعة:
— يا بنتي.. إبراهيم مش بالبشاعة اللي أنتِ متخيلّاها!
مريم بصت لإيد أمها اللي على دراعها، وشالتها بهدوء وقسوة:
— لأ يا أمي.. هو أوحش من كده بكتير.
بالليل في دار الحماية، نهى جابت لابتوب قديم. مريم حطت الفلاشة وإيدها بتترعش وقلبها بيدق في زورها..
كان في فولدرات باسمها: فيها صور لكشوفات حسابها، تسجيلات صوتية، فيديوهات للممر، وسكرين شوتس للمحادثات.. بس الفولدر الأخير هو اللي جمد الدم في عروقها!
كان مكتوب عليه: **”أمي”**.
لما فتحته، مريم فهمت إن إبراهيم مكنش بيدمر حياتها هي بس.. ده كان ماسك على أمها “فاطمة” سر ثقيل ومظلم.. سر ممكن يطير شقتهم، وعيلتهم، وكل حاجة افتكروا إنهم بيحموها طول السنين اللي فاتت!
## الجزء الثالث والأخير
فولدر **”أمي”** كان جوه منه تسجيلات صوتية، صور مستندات، ورسائل متسجلة. مريم ما فتحتش أي حاجة لمد تقريباً دقيقة كاملة.. نهى، اللي كانت قاعدة جنبها، ما ضغطتش عليها خالص وقالت لها بهدوء:
— مش لازم تشوفي حاجة النهاردة يا مريم.
مريم هزت رأسها بالرفض براحة:
— لأ، لازم أشوف.. أنا استخبيت واستحملت كتير أوي.
فتحت أول تسجيل صوتی. صوت فاطمة كان طالع تعبان ومكسور:
> *”يا إبراهيم، كفاية بقى على مريم.. دي بنتي!”*
>
وبعدها جه صوته هو، بارد وواثق من نفسه كأنه شيطان:
> *”ما هي كانت بنت أبويا برضه وشوفي الدنيا رست على إيه! لو مش هتقفي معايا، هروح أوري للناس كلها أنتِ بصمتي ومضيتي على إيه!”*
>
مريم فتحت الصورة اللي بعدها.. كانت عقد سلفة وشيكات تاريخها يرجع لـ 4 سنين فاتوا، بعد وفاة جوز أمها بشرين بسيطة. فاطمة كانت ماضية عليها كمديونة، والضمان كان **شقة شبرا**! والفوائد كانت زي النار وخراب بيوت! في الملفات الثانية كان في إيصالات أمانة، تحويلات، ورسائل إبراهيم بيبتزها فيها وبياخد منها فلوس عافية.
— مش معقول! — نهى شهقت بصوت واطي.
وكان في أكتر من كده: تسجيلات صوتية إبراهيم بيهدد فيها إنه يلبس مريم قض\ية سرقة لو اتكلمت، فيديوهات من كاميرا الممر المتركبة فوق وهي راجعة من شغلها بتسيب الفلوس على التربيزة، وسكرين شوتس من محادثات خاصة طابخها عشان يثبت إنها “مجنونة وبتهيس”.
الفلاشة مكنتش وسيلة حماية لفاطمة.. دي كانت **سلا\ح ابتزاز** ضدها!
مريم حست بغضب عميق، بس كان معاه وجع وحزن يهد الجبال. أمها مكنتش بتبجل إبراهيم ولا بتدافع عنه عشان بتحبه.. كانت بتعمل كده عشان كانت معصورة ومربوطة من إيدها اللي بتوجعها، عشان حطت الشقة في خطر، ولأن الاعتراف بالحقيقة كان معناه إنها تسلم بإنها ضحت ببنتها وسابتها لقمة سائغة لخوفها! بس الفهم والتبرير مكنش معناه الغفران ولا المسامحة.
تاني يوم، عبير ومحامية الدار راجعوا الملفات والفلاشة. المحامية قالت بثبات:
— الفلاشة دي بتقلب القضايا كلها! هنا في عنف أسري، تهديد، ابتزاز، وعنف مالي وتعدي على الممتلكات. أمك تعتبر ضحية بس ده ما يعفيهاش إطلاقاً إنها قصّرت في حقك وسابتك في الوش.
جلسة النيابة والمحكمة الأولى جت بعد أسبوع. مريم شهدت من مكتب النيابة. خدها كان لسه أصفر من أثر الضرب والقلم، شفتها كانت قربت تطيب، وإيديها مثلجة. إبراهيم ظهر على الشاشة بلبس مرتب، وشعره متسرح، ووشه هادي.. كان بيحاول يبان في صورة الراجل الشريف المحترم اللي اتبلت عليه بنت طائشة!
محاميه حاول يقلل من حجم المصيبة:
— يا فندم دي مجرد خناقة عائلية بسيطة على مصاريف البيت، وموكلي كان بيحاول يربيها ويرجع الانضباط!
وكيل النيابة قدم تقرير الدكتورة لمياء، شهادة الممرضة بسمة، وتسجيل الصوت اللي كان في موظفي الاستقبال وهو بيزعق ويقول: *”يا تدفعي اللي عليكِ يا تغوري بره البيت النهاردة!”*. وبعدها عرض الرسالة اللي بعتها لنهى، والملفات اللي اتفرغت من الفلاشة!
إبراهيم بربش بعينيه واهتز.. وفي اللحظة دي، هيبته وسيطرته طاروا في الهواء! اتكلموا عن إيصالات الأمانة، الكاميرات اللي في الممر، وتهديده لشغل مريم في المكتبة.
وبعدين طلبوا شهادة **فاطمة**.
مريم حست بمعدتها بتتأثر ومخنوقة. أمها ظهرت على شاشة ثانية، من غير مكياج، وعينيها ورمة ومحمرة.
سألها وكيل النيابة:
— هل إبراهيم ضغط عليكِ وأجبرك تمضي على الورق وإيصالات الأمانة دي؟
فاطمة وطت رأسها للأرض.. وللحظة، مريم افتكرت إن أمها هتنكر وتداري عليه زي كل مرة. بس فاطمة رفعت وشها وقالت:
— ايوه يا فندم.. ضغط عليّ.
إبراهيم اتململ في مكانه بغضب. فاطمة حكت إنه بعد وفاة جوزها، إبراهيم جاء وقال لها إنه لازم يدفع ديون عاجلة، وطلب منها تمضي على أوراق “عشان الإجراءات بس”. هي مكنتش فاهمة يعني إيه الفوائد المركبة دي، ولما حبّت ترجع، هددها إنه يرميها في الشارع ويطردها من الشقة!
— وبعدها بدأ يستقوى على مريم.. — فاطمة قالتها وهي بتعيط — كان يقولي دي حِمْل وثقيل، ولو خافت هتسمع الكلام وتدفع.. أنا افتكرت إني لو سكت وما واجهتوش، كل حاجة هتهدى والبيت يعيش في أمان!
سألها وكيل النيابة:
— وهل الهدوء تحقق؟
فاطمة هزت رأسها بالرفض:
— لأ يا فندم.. كل حاجة زادت زفت وخراب!
مريم مكنتش حاسة براحة.. كان جواها حالة حداد ووجع. أمها قالت الحقيقة، بس بعد ما الفأس وقعت في الرأس وبعد فوات الأوان.
لما جه دور مريم عشان تتكلم، المحامية عرضت عليها تقرأ البيان المسجل، بس مريم أخدت نفس عميق وقالت:
— لأ، أنا هتكلم. العنف مابداش في العيادة يا فندم.. العنف بدأ من يوم ما إبراهيم قرر إن مرتب شغل حلال بتاعي بقى ملكه! لما ركّب كاميرات عشان يراقب كل خطوة باخدها.. لما أمي طلبت مني أستحمل وأبلع الإهانة عشان الشقة ما تضيعش.. لما الكل سمى الخوف “طبع غشيم وطيبة قلب”!
صوتها اتهز، بس ما اتكسرش:
— يومها كنت حاسة بالخزي والكسوف وأنا مرمية بالروب على الأرض قدام الغرباء.. النهاردة أنا فاهمة كويس إن العيب والكسوف مكنش عندي أنا.. العيب كان عنده هو، وعند كل واحد كان عارف ومصمت وفضّل يسكت!
إبراهيم ما طلبش السماح.. فضلت عينه في الأرض، كأن السكوت هو الحبل الوحيد اللي فاضل له.
القض\ية استمرت شهور طويلة.. مكنتش سريعة ولا وردية. إبراهيم أنكر التسجيلات وقال الفلاشة ملعوب فيها وإن مريم عايزة تطرده وتاخد الشقة، بس الفحص الفني للنيابة أكد صحة التواريخ والتسجيلات. نهى شهدت، الدكتورة لمياء شهدت، الممرضة بسمة شهدت، وحتى صاحب المكتبة شهد إن إبراهيم جه يسأل لو مريم بتمسك فلوس الخزنة، كأنه كان بيجهز التهمة من بدري!
في النهاية، إبراهيم اضطر يعترف بجزء من التهم عشان يخفف الحكم. وصدرت ضده أحكام وقرارات قضائية، تعويض عن الأضرار، علاج نفسي إجباري، عدم تعرض مطلق، وقض\ية منفصلة بتهمة الابتزاز المالي. مكنش العقاب المثالي زي الأفلام، بس الأهم إنه اتمنع تماماً إنه يتحكم في البيت، أو الفلوس، أو يرسم الصورة اللي على مزاجه.
فاطمة جابت محامي عشان يلغي إيصالات الأمانة والفوائد الظالمة. خسرت فلوس، وخسرت نظرة الجيران، وخسرت راحة البال بتاعة التظاهر إن كل حاجة تمام.. بس أصعب خسارة ليها كانت **مريم**.. لأن مريم مرجعتش تعيش معاها تاني!
بمساعدة نهى ودار الحماية، مريم أجّرت أوضة صغيرة فوق مطعم وجبات شعبية في الدقي. الدش كان بياخد وقت عقبال ما يسخن، التلاجة كانت بتعمل صوت عالي، والشبابيك كانت بتهتز لما الأتوبيسات تعدي من الشارع.. بس رغم كل ده، مريم عشقت المكان ده!
المفتاح كان مفتاحها هي.. السكوت والهدوء كان ملكها.. ومرتبها بقى في جيبها هي!
في الأول، كانت بتعيط لما تسمع أي رزعة باب. بس بعد فترة بدأت جلسات العلاج النفسي، غيرت رقم تليفونها، رجعت شغلها، واتعلمت تنام من غير ما تحط كرسي ورا الباب عشان تقفله!
فاطمة بعتت لها رسائل كتير.. في الأول كانت عتاب، وبعدين زعل، وفي ليلة في الفجر بعتت لها:
> *”سامحيني يا مريم.. كان المفروض أحميكي.”*
>
مريم قعدت يومين عقبال ما ترد عليها، وكتبت جملة واحدة بس:
> *”أيوه.. كان المفروض تعملي كده.”*
>
ما زادتش كلمة.. مش لأنها مابتكرههاش أو مابتحبهاش، بالعكس هي بتحبها جداً.. بس حب حد مش معناه إنك ترجعي للمكان اللي كان هيطحن روحك ويفرتكك!
بعد سنة كاملة.. مريم راحت نفس العيادة في المعادي عشان كشف دوري عادي. وهي داخلة، إيديها سقعت وافتكرت الذكريات.. الكراسي، ريحة المطهرات، والممر رجّعوا لها الشريط كله في ثانية.
بسمة الممرضة أول ما شافتها من الريسبشن اتعرفت عليها فوراً:
— مريم!
مريم ابتسمت:
— أزيك يا أستاذة بسمة؟
الممرضة حضنتها بقوة لما مريم فتحت لها إيديها:
— فرحانة أوي إني شايفاكي كده!
— كده إزاي؟
— واقفة على حيلك ومطمنة.
الكشف كان بسيط وسريع، مفيش فيه أي دراما.. وعشان كده مريم كانت هتعيط من كثرة الفرحة والهدوء.
وهي طالعة من باب العيادة، شافت بنت صغيرة لابسة نظارة شمس غامقة، واقفة جنب راجل شكله خنيق ومتضايق. مريم مكنتش تعرف قصتهم إيه، بس بصت في عين البنت لثانية واحدة.. مش بنظرة شفقة، لا، بنظرة دعم كأنها بتفتح لها باب الأمل من غير ما تزقها عليه.
بره العيادة، الجو كان جميل والشمس هادية. مريم اشترت كوباية قهوة ووقفت تستنى إشارة المرور..
ماضيها ما اتمسحش، وأمها مابقتش الأم المثالية في يوم وليلة، والعدالة ما صلحتيش كل حاجة انكسرت.. بس إبراهيم مابقاش يقدر يحدد قيمتها، ولا وين تنام، ولا إيه اللي تنطق بيه!
ولأول مرة من سنين طويلة.. مريم مرجعتش لبيت حد: **مريم رجعت لنفسها!**
تفتكري هل مريم المفروض تسامح أمها في يوم من الأيام وتفتح معاها صفحة جديدة؟ ولا في سكوت من العيلة بيكون جر\يمة وصدمة تستاهل القطيعة والمسافة؟