جوز بنتي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
جوز بنتي بص في عيني مباشرة ليلة رأس السنة، وقالي بمنتهى البجاحة وهو بيشاور على رأس الترابيزة جوه بيتي: “إنتي مش هتقعدي هنا.”
​الصالون كله سكت، والكل كان مستني إني أبلع الإهانة وأسكت عشان الليلة تعدي.
​بس بدل ما أعمل كده، قمت بكل هدوء وأخدت قرار غير حياة عيلتنا للأبد.
​”مش هينفع تقعدي هنا.”
​شريف قال الكلمة بصوت هادي كفاية إن الولاد الصغار اللي بيلعبوا في الليفينج ما يسمعوش، بس واضح كفاية لدرجة إن كل الكبار اللي قاعدين على سفرة العشاء اتسمروا مكانهم.
​الكرسي اللي كان بيشاور عليه هو كرسيي.. الكرسي اللي على رأس السفرة.
​طبعاً مفيش عليه يافطة بأسامي، بس ده المكان اللي بقعد فيه على رأس السفرة في شقة المهندسين، الشقة اللي اشتريتها أنا وجوزي الله يرحمه من 31 سنة.
​من الكرسي ده، قدمت عزومات رمضان، وأعياد الميلاد، وحفلات التخرج، وكل عزومة رأس سنة منسيتهاش من ساعة ما كانت بنتي “مريم” عندها 6 سنين.
​بصيت ببطء من إيده الممدودة لوشه.
​كان لابس البلوفر الكحلي الجديد اللي أنا لسه شرياهوله، وياقته كانت لسه بنشاتها ناشفة من العلبة.
​وراه، كانت أمه “نجوى”، حاطة كاس العصير وبتحاول تتصنع الإحراج ببراعة.
​”أفندم؟” سألته.
​شريف ابتسم ابتسامة خفيفة ومستفزة مفيهاش أي دفء.
​”ماما هي اللي هتقعد هنا.. ده المنطقي، هي ضيفة الشرف الليلة دي.”
​مريم بنتي كانت واقفة جنب باب المطبخ، ماسكة سيرفيس الرز بالخلطة بإيديها الاتنين. وشها اصفر.. ولحظة واحدة عينها جيت في عيني، وبعدها بصت في الأرض.
​ساعتها بس فهمت.. الموضوع مكنش سوء تفاهم، دي كانت ملعوبة ومتخطط لها.
​كل الكراسي على السفرة كانت مليانة. أحفادي “زياد” و”فريدة” كانوا مزنوقين بين ولاد عمهم. أخو شريف ومراته قاعدين مرتاحين على الناحية الثانية.
​ونجوى قاعدة على رأس السفرة، بأظافرها المتلونة أحمر وهي ماسكة الكاس وبتظاهر إنها مش مبسوطة باللي بيحصل، وهي من جواها طايرة من الفرحة.
​أنا قضيت يومين كاملين بحضر في العزومة دي. اشتريت اللحمة، وعملت الحلويات، ولفيت كل الهدايا اللي تحت الشجرة، واشتريت نوع العصير المخصوص اللي نجوى طلبته بالاسم. حتى اللعب الغالية اللي شريف قعد يشتكي إنها برة ميزانيته، أنا اللي دفعت ثمنها.
​دخلتهم كلهم بيتي عشان مريم بنتي تحايلت عليا وقالتلي:
​”عشان خاطري يا ماما، أنا نفسي في عزومة واحدة هادية ومن غير مشاكل.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ودلوقتي واقفة في صالون بيتي، والراجل اللي دخل حياة بنتي زي العاصفة جاي يقولي إن ماليش مكان على سفرتي!
​”شريف..” مريم قالتها بصوت واطي.
​رد عليها من غير ما يبصلها وهو متحكم في صوته:
“ما تبدأيش يا مريم، أمك دايماً بتلاقي طريقة تخلي كل حاجة عنها.”
​في اللحظة دي، حاجة جوايا هديت تماماً.. هدوء مرعب.
ما صرختش.. وما اترعشتش من الغضب. بقيت هادية جداً.
​حطيت سكرية الصوص الفضة في نص السفرة.. عملت صوت رنة خفيفة على الخشب. وفي السكوت ده، الكل سمعها.
​”عندك حق،” قلتها.
​شريف بربش باستغراب: “إيه؟”
​”أنا فعلاً مش هينفع أقعد هنا.”
​مريم رفعت رأسها بسرعة بصدمة.
​فكيت المريلة، طبقتها بنظام، وحطيتها جنب الطبق اللي كان متجهزلي. وبعدين أخدت شنطتي من على البوفيه، وطلعت الجاكيت بتاعي من الشماعة اللي عند الباب، ومشيت ناحية الباب الخارجي.
​”ماما؟” مريم نادت عليا وهي بتجري ورايا.
​وقفت وبصيت ورايا مرة واحدة بس:
“العشاء خلص.. بس البيت لسه مخلصش.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​فتحت الباب، وخرجت في برد الشارع، وسبتهم كلهم قاعدين حولين السفرة بتاعتي.
​كانوا فاكرين إني مجرد سيبت العشاء ومشيت زعلانة.. ماكنوش يعرفوا إن القرار اللي أخدته قبل ما الليلة تخلص، هيجبر بنتي تواجه الحقيقة المرة عن جوازتها.. وهيفهم شريف إن الست اللي حاول يهينها في بيتها، هي السبب الوحيد اللي مخلي عيلته عندها بيت أصلاً تحتفل فيه!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الجزء الثاني: الباب اللي اتفتح
​تاني يوم الصبح، رجعت بيتي في المهندسين.
​منظر صالة الأكل كان أصعب من ليلة أمس.. الأطباق المتبقية على السفرة، بقع العصير على المفرش الفاخر، وكاس “نجوى” لسه محطوط جنب الكرسي بتاعي.
​بدأت أنضف البيت ببطء.. مش عشان هما يستاهلوا، بس عشان أنا أستاهل بيتي يرجع نضيف وعزيز زي ما كان.
​على الساعة عشرة الصبح، “مريم” وصلت ومعاها الولاد، “زياد” و”فريدة”.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​خبطت على الباب بدل ما تستخدم مفتاحها.. الحركة دي لوحدها عرفتني قد إيه كل حاجة اتغيرت.
​الولاد أول ما شافوني جريوا عليا وحضنوني.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​فريدة سألتني ببركاء: “يا تيتا.. هو ليه بابا قالك مش هتقعدي هنا؟”
رديت عليها: “ساعات الكبار بينسوا الأدب والاحترام يا حبيبتي.”
​وزياد سألني: “هو إنتي مشيتي عشان كنتي زعلانة؟”
قلتله: “مشيت عشان كرامتي اتجرحت.. ولو كنت فضلت، كنت هعلم الكل إن جرحي حاجة عادية ومقبولة.”
​بعد ما الولاد دخلوا أوضتهم، مريم قعدت قدامي.
​همست وهي باصة للأرض: “أنا آسفة يا ماما.”
​سألتها: “على إيه يا مريم؟ قوليه بوضوح.. مش عشان تعاتبي نفسك، بس عشان تفهمي إيه اللي حصل.”
​مريم أخدت نفس مكسور وقالت:
​”آسفة إني مدافعش عنك.. آسفة إني سمحت لشريف يتكلم معاكي بالطريقة دي.. وآسفة إني كنت مستنية منك تبلعي الإهانة وتعديها عشان ‘اليوم يعدي ويبقى فيه سلام’.”
​قلتلها: “شكراً يا مريم.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​وهنا انهارت في العياط: “هو مش دايماً كده يا ماما والله!”
​سكت وما رديتش.. فضحكت ضحكة مكسورة وقالت: “أنا عارفة الكلمة دي شكلها إيه ودلوقتي فاهمة.”
​حكتلي إن شريف كان دايماً متضايق من مساعدتي المادية ليهم، وكان بيتهمها إني بستخدم الفلوس عشان أتحكم في حياتهم.
​سألتها:
​”هو أنا في يوم حاولت أتحكم فيكم؟” — قالت: “لا.”
​”تدخلت في تربية أولادك؟” — قالت: “لا.”
​”طلبت منك تختاريني هو ولا أنا؟” — قالت: “لا.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قلتلها: “يبقى شريف مش يضايقه التحكم.. شريف بيضايقه إنه شايف إن الست اللي بيحتقرها هي هي اللي شايلاهم وساترة بيتهم من الانهيار.”
​مريم بصتلي وقالت بصوت واطي: “هو قال لي اختاري.. قال لي لو مشيتي ورحتي لمامتك، ما ترجعيش البيت تاني.”
​رديت عليها: “وبرضه جيتي.”
قالت: “ما عرفتش أروح في أي حته تانية.”
​قمت قعدت جنبها وحضنتها: *”إنتي وعيالك بيتكوا هنا، واقعدوا الصبح وبالليل والوقت اللي يعجبكم.”
​الساعة واحدة الظهر، شريف جه وقعد يخبط على باب الشقة بغل وحقد.
​”مريم! افتحي الباب ده فوراً!”
​فريدة طلعت تجري من الأوضة خايفة، فمريم رجعتها جوة.
وقفت ورا الباب المقفول وقلتله بصرامة:
*”تتكلم وأنت واقف برة على السلم.. بنتي وعيالها أمان هنا، ومش هتدخل وأنت بتزعق.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​صرخ شريف: “إنتي طول عمرك عاوزة تقوميها عليا وتخربي بيتنا!”
رديت عليه: “لا يا شريف.. أنت اللي خربته بأفعالك.”
​خبط الباب بقبضة إيده بغضب.. مريم اتخضت، بس فجأة ملامحها اتغيرت.
قربت من الباب وقالت بثبات أول مرة أسمعه منها:
*”شريف.. روح.”
​الشارع كله سكت، وهو ذهول: “إنتي بتقولي إيه؟”
قالتله: “بقولك ارجع بيتك.. والباب مش هيتفتح.”
​كانت كلمة صغيرة، بس كانت بداية إنها تسترد حياتها وكرامتها.
بدأ يهددها إنه هيوقف الفيزا والكروت بتاعتها ويقطع المصاريف، فطلعت الموبايل وسجلت كل كلمة وبيقولها.
لما حس إنه اتكشف، مشي وساب العمارة.
​مريم قعدت على كرسي الصالون ومسكت رأسها: “أنا مش مصدحقة إن دي بقت حياتي.”
قلتلها: “دي حياتك النهارده يا مريم.. بس مش لازم تفضل حياتك لبكرة.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الجزء الثالث: كل واحد ويرجع لمكانه
​خلال الأسابيع اللي بعد كده، ركزنا على الخطوات العملية.
​مريم كلمت محامي أحوال شخصية شاطر في التجمع، فتحت حساب بنكي خاص بيها، وجمعت كل الأوراق والمستندات، ورسايل التهديد اللي شريف كان بيبعتهالها على مدار السنين.
​يوم عن يوم، كنت بشوف بنتي بترجع لنفسها القديمة.. بقت تنام مرتاحة وتضحك مع أولادها. في الأول كانت بتعتذر على كل حاجة: لو استخدمت فوطة، لو أكلت حاجة من التلاجة، أو حتى لو عيطت.. وفي كل مرة كنت بفكرها:
​”ده بيتك يا مريم.. إنتي مش ضيفة هنا.”
​شريف جرب كل الطرق: غضب، اتهامات، ورد، ورسايل صوتية يحاول يستعطفها فيها.. ومريم كانت بتاخد كل ده وتبعته للمحامي.
​حتى أمه “نجوى” كلمتني في التليفون وتقولي: “إنتي بتتدخلي بين الراجل ومراته وبتهدي البيت!”
رديت عليها بكل ثبات: “لا يا نجوى.. أنا فتحت باب بيتي لبنتي لما جوزها رماها.”
قالتلي: “شريف مكنش يقصد الكلام القاسي ده!”
رديت: “الظاهر إن عدم القصد ده طبع في العيلة عندكوا.”
​على بعد كام شهر، مريم رفعت قض\ية طلاق وضمت الأولاد، والمحكمة كانت شايفه الاستقرار والأوراق والتجاوزات المثبتة.. مش كلام شريف وعقدته من الاحترام.
​الربيع جه، ومريم اشتغلت في مركز طبي للأطفال في التجمع، واشترت عربية مستعملة بسيطة من فلوس شغلها وحسابها الخاص.
​في يوم من الأيام، طلعت كراسي السفرة في البلكونة عشان تلمعها وتجدد خشبها.. ولما جيت عند الكرسي اللي على رأس السفرة، سألتني عن لون الدهان اللي باباها الله يرحمه كان بيستخدمه.
​قلتلها: “أرو أستر.. كان دايماً يحب الحاجات الدافية.”
ابتسمت ولأول مرة من شهور ضحكنا سوا من قلبنا.
​رأس السنة اللي بعدها.. البيت كان مختلف تماماً.
​العفش هو هو، الشجرة في نفس مكانها جنب الشباك، والسفرة هي هي.
بس مفيش حد بيكلم حد بنظرات خايفة.. مفيش حد بيبص لوش شريف عشان يعرف هل مسموحله يفرح ويضحك ولا لأ.
​مريم هي اللي جهزت الأكل بنفسها، زياد وفريدة كانوا بيرتبوا الشوك والمعالق، والضحكة مالية المكان.
​لما الأكل يجهز، مشيت بغير قصد ناحية الكرسي اللي على رأس السفرة.. وبعدين وقفت.
​السنة دي الكرسي ده مكنش مجرد خشب.. ده كان رمز للإهانة، وللكرامة، وللبقاء.
بس المشكلة عمرها ما كانت في الكرسي.. المشكلة كانت هل أنا معتقدة إن ليّا مكان أستاهله ولا لأ؟
وأنا فعلاً أستاهل.. ومريم دلوقتي بقت تستاهل تاخد مكانها.
​سحبت الكرسي وقلتلها:
“اقعدي هنا الليلة دي يا مريم.”
​عينيها وسعت بصدمة: “بس ده كرسيكي يا ماما!”
​قلتلها ابتسامة رضا:
​”دي سفرتي.. وأنا اللي بقرر كل واحد يقعد فين.”
​مريم قعدت ببطء، ودموع الفرحة في عينيها، وأنا قعدت على الكرسي اللي جنبها.
​قبل ما نبدأ أكل، زياد رفع كاس العصير وقال: “لأحلى تيتا في الدنيا!”
هزيت رأسي وقلتله: “لينا كلنا يا حبيبي.. لينا كلنا.”
​بعد العشاء، كنت واقفة أنا ومريم بنغسل الأطباق في المطبخ.
سألتني: “هو إنتي ندمانة إنك قمتي وسبتي العشاء الليلة دي من سنة؟”
​بصيت ناحية الصالة.. شفت بنتي مالية مكانها وواثقة في نفسها وأولادها حولين منها بيضحكوا.
​قلتلها:
“لا يا مريم.. أنا بس ندمانة إني اتأخرت كل الوقت ده عشان أعمل كده.”
​في الليلة دي.. شريف افتكر إنه أخد مني كرسيي على السفرة..
بس الحقيقة إنه من غير ما يقصد.. رجعلي صوتي وكرامتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *