مريم
¡:
«بطلة زن يا مريم، أنا في اجتماع مهم أوي في الإسكندرية وبخلص صفقة العمر!»
صوت شريف خرج بارد من السبيكر، زي الموس اللي بيقطع في سكوت الصالة. بس وراء عصبيته، ووراء الكدبة اللي قالها بثقة، مريم سمعت صوت حجة مالهاش أي علاقة باجتماعات ولا إسكندرية…
صوت موج البحر.
وبعديه، ضحكة ست.
ضحكة واحدة صغيرة، سكرانة، ومبسوطة.. وكأن الدنيا مش بتهد على بعد مئات الكيلومترات.
مريم لا صرخت، ولا شتمت، ولا سألته مين اللي جنبه. بصت بس لشاشة التليفون اللي كان منور بإشعار يوجع القلب:
**30 مكالمة لم يُرد عليها.**
تلاتين مرة اتصلت بيه وهي واقفة في الممر بتاع مستشفى السلام في المعادي، والحاجة فاطمة —حماتها— كانت بين الحياة والموت. تلاتين مرة استنت يرد عشان تقول له: “تعالى بسرعة أمك بتموت!”.. وتلاتين مرة تسمع البريد الصوتي.
ودلوقتي ظاهر، متضايق، وعامل فيها مشغول، والبحر وراه فاضحه.
على الرف في الصالة، جنب بوكيه ورد أبيض بدأ يدبل، كانت محطوطة رخامة رخام صغيرة.. فيها رماد الحاجة فاطمة.
مريم فضلت تخدمها وتراعيها 18 سنة. كانت بتبدلها وتغسلها لما رجليها ما بقتش تشيلها. تسهر جنبها في أنصاص الليالي لما السخونية تزيد، تؤكلها اللقمة بالمعلقة صبرًا، وتمشّطلها شعرها الأبيض قبل كل ميعاد دكتور، وتقعد تقرأ لها قشرة عشان تطرد الونس من البيت.
وشريف.. ابنها الوحيد، ما كانش بيظهر غير عشان يشتكي من المصاريف.
“أمي طول عمرها تقيلة عليا وعاملة لي عبء!” كان دايماً يقولها.
بس مريم عمرها ما شافتها كده. بالنسبة لها، الحاجة فاطمة كانت البني آدمة الوحيدة في العيلة دي اللي عاملتها زي بنتها من دمها.
في اليوم ده، لما الدكاترة خرجوا من الطوارئ وعينيهم في الأرض، مريم حست إن في حاجة جواها انطفت. قربت من السرير، مسكت إيد فاطمة الساقعة ووشوشتها:
— سامحيني يا أمي.. ما عرفتش أوصل لشريف.
وفجأة.. حصلت معجزة.
الست العجوزة اللي بقالها سنين مش قادرة تحرك صباع، مسكت إيد مريم بقوة غريبة. شفايفها تحركت تحت ماسك الأكسجين.. الصوت ما خرجش، بس مريم فهمت كل كلمة من حركة شفايفها:
*«خلاص يا بنتي.. كل حاجة خلصت.»*
وبحركة صغيرة أوي، زقت حاجة في كف مريم.
مفتاح صغير، فضي، مربوط بخيط أزرق.
مريم كانت لسة هتسألها المفتاح ده بتاع إيه، بس جهاز القلب بدأ يصفر. خط مستقيم ظهر على الشاشة. الأوضة اتملت ممرضين ودكاترة وبقالهم رايح جاي، وأوامر في الهواء مالهاش لازمة.
الحاجة فاطمة مشيت.. من غير ما ابنها يلحق يودعها.
عيلة جوزها ظهرت بعد ساعات في العزا، بس عشان يترموا عليها ويعلقوا المشانق:
— “فضحتونا! جنازة من غير الابن الوحيد؟” العم سيد قالها وريحة رخيصة طالعة من بؤه. “أكيد أنتِ ما عرفتيش توصلي له صح!”
— “شريف طفش بسببك!” عمتو ماجدة قالتها وهي بتظبط العقد اللؤلؤ بتاعها. “طول عمرك عايزة تطلعيه العيل البايظ قدام الناس.”
مريم ما ردتش. عينها كانت جافة، دموعها كانت خلصت كلها في المستشفى.
بالليل، في الشقة اللي عاشت تنضفها وتخدم فيها سنين لوحدها، حطت مريم على ترابيزة السفيرة فايل أخضر فيه ورقة دعوى الخلع. وحطت فوقيه دبلة الجواز.
وبعدين قفلت تليفونها.
في الشنطة، حطت ثلاث غيارات، وشهادة الوفاة، والمفتاح الفضي، وصورة للحاجة فاطمة وهي بتضحك في أيامها الحلوة.
قبل ما تخرج، بصت أخر بصة على الصالة الفاضية. البيت ما بقاش فيه ريحة دفا.. بقى ريحة مدافن وكدب.
رمت المفاتيح في البوسطة بتاعة الباب.
هي مش رايحة عند أختها تستخبى، ولا رايحة تعيط في الدرة. هي رايحة تدور على الكالون اللي بيركب عليه المفتاح ده.
لأن الحاجة فاطمة ما سابتلهاش رسالة وداع…
سابتلها **حرب**.
ولما شريف يرجع من “رحلة شغله”، مش هيلاقي مراته، ولا أكل سخن، ولا مسامحة… هيلاقي مفاجأة أمه كانت مجهزهاله تحت الأرض وما كانتش تتخيلها أبداً!
:
## **الجزئية الثانية**
الفندق الرخيص كان قريباً من منطقة **موقف عبود**، في شارع أنوار النيون فيه بترمَش زي العيون التعبانة. مريم اختارت المكان ده بالذات عشان ما فيش حد من عيلة شريف ممكن يفكر يدوّر عليها هناك. بالنسبة لهم، هي أذكى وأرقى من إنها تنام في أوضة رخيصة حيطانها ورق سيجارة وريحتها كلور.
الساعة كانت حداشر بالليل لما طلعت من الشنطة تابليت قديم. كان بتاع شريف، بس سابه ونسيه من سنين لما اشترى واحد أحدث وأغلى. مريم كانت بتستخدمه عشان تشوف وصفات أكل وتدفع منه الفواتير.
أول ما وصلته بـ Wi-Fi الفندق، الإشعارات بدأت تنزل زي المطر.
وفيه إشعار منهم جمد الدم في عروقها:
> **”تمت عملية سحب: فندق فاخر في الغردقة – 280,000 جنيه.”**
>
وقت عملية السحب كان في نفس الدقيقة اللي الحاجة فاطمة كانت بتطلع فيها الروح.
مريم غمضت عينها. مش من الوجع… من الغل.
شريف ما كانش في إسكندرية بيقفل صفقة ولا زفت. كان على البحر، مع واحدة تانية، بياخد جناح ملكي في الوقت اللي أمه بتتألم وبتموت فيه في الطوارئ.
بعدها وصلت رسالة من أخت جوزها، شيرين:
*«مريم، هو شريف فعلاً في إسكندرية؟ صحبتي شافته إمبارح في مطار الغردقة مع واحدة شقراء! أنا مش عايزة أتدخل، بس المنظر شكله يعر بصراحة.»*
مريم حطت التابليت على السرير وطلعت المفتاح الفضي. الخيط الأزرق كان لسة فيه ريحة اللافندر، البرفان اللي الحاجة فاطمة كانت بتحطه لما تحب تحس إنها شيك.
تاني يوم، وهي لابسة بدلة كحلي رسمية كانت اشتريتها زمان عشان انترفيوهات شغل وما لبستهاش خالص، مريم راحت لمكتب مستخبى في منطقة **وسط البلد**.
اليفطة كانت مكتوب عليها:
> **الأستاذ / عبد السلام جودة**
> **المحامي بالنقض والموثق العقاري**
>
الراجل اللي فتح الباب كان راجل كبير، ملامحه جادة وعينيه فيها خبرة وشديدة.
— “أنا كنت مستنيكي يا مريم يا بنتي،” قالها. “الحاجة فاطمة الله يرحمها وصتني لما تيجي بالمفتاح ده، ما أسألش ولا كلمة.. بس أديكي الأمانة دي.”
من قاع الخزنة، طلع صندوق خشب غامق.
مريم حطت المفتاح. تكّة القفل كانت صغيرة، بس جوة قلبها عملت زي صوت جرس محكمة.
جوة الصندوق كان فيه ظرف مكتوب عليه اسمها، وعقد وصية متبصم ومضمون، ودفتر توفير أزرق.
قرت الوصية الأول:
> *”أهب كل أملاكي، وحساباتي، وحقوقي حصرياً لمرات ابني مريم، لأنها الإنسانة الوحيدة اللي راعتني بضمير وحب. وأحرم ابني شريف حرمان تام ومباشر من أي إرث.”*
>
مريم اتسمرت مكانها وما قدرتش تقف.
— “هو ده قانوني؟” سألت بصوت مخنوق.
— “قانوني مية في المية،” الأستاذ عبد السلام رد. “الحاجة فاطمة كانت في كامل قواها العقلية لما وقعت ده من سنة. كانت عارفة إن شريف ناوي يرميكي في الشارع أول ما هي تموت.”
مريم فتحت دفتر التوفير.
الرقم الأخير كان: **12,000,000 جنيه.**
حست إن النفس اتقطع منها.
بس الصدمة الحقيقية كانت لما فتشت في التحويلات القديمة. على مدار سنين، كان فيه إيداعات بمبالغ غريبة بتنزل: 300 ألف، 500 ألف، مليون جنيه…
وكلها جاية من نفس الشركة:
**شركة “الأفق” للمقاولات.**
مريم رفعت عينها:
— “الشركة دي بتاعة عمو سيد!”
المحامي هز رأسه بالراحة:
— “وشريف كان شغال مدير المشتريات في الشركة القابضة اللي بتدي العقود.”
مريم فهمت كل حاجة.
شريف ما كانش بس بيخونها ومطنش أمه… ده كان بيستخدم حساب أمه العيانة اللي يا دوب بتعرف تبصم، عشان يغسل فيه فلوس الرشاوي وعقود العطاءات المضروبة. فلوس حرام ووسخة بتدخل وتخرج من تحت رأس ست مريضة.
— “الحاجة فاطمة جمّدت الحساب ده من ست شهور،” المحامي كمل. “لما اكتشفت اللعبة، جالي هنا وهي خايفة من ابنها.”
مريم حست بغثيان.
الساعة تسعة الصبح تاني يوم، راحت البنك بشهادة الوفاة والوصية. الحساب اتحفظ عليه رسمياً لحين إنهاء إجراءات الوراثة. ما فيش سحب، ما فيش تحويل، ما فيش أي صلاحية لشريف.
الساعة تلاتة العصر، وصلت أول رسالة منه:
*«أنا خلاص قربت أوصل. نضفي الشقة واعملي لي أكل عدل. وبكرة الصبح هنبدأ في أوراق المدافن وإجراءات المرحومة.. أنا مش فاضي لدلع الحريم بتاعك ده.»*
مريم ضحكت ضحكة ميتة وهي واقفة في الشارع.
بالليل، فتحت كاميرا المراقبة اللي كانت مجهزاها من زمان في الصالة عشان تطمن على الحاجة فاطمة وهي بتطبخ.
الساعة تمانية وعشرة، شريف دخل الشقة بيجر شنطة سفر غالية، متسمّر من الشمس، لابس قميص كتان ووشه كله قرف.
— “مريم؟ إيه الضلمة دي؟”
ولع النور.
شاف الصالة فاضية.
شاف الترابيزة.
شاف الدبلة.
وشاف ورقة دعوى الخلع.
في الأول ضحك بسخرية. بس بعدين مسك الورقة المصورة اللي مريم سابتها جنب الورق: صورة من دفتر التوفير، وعليها علامات بالأحمر على تحويلات شركة المقاولات.
الضحكة اختفت من وشه تماماً.
شنطة السفر وقعت من إيده.
— “لا… لا لا لا…” تمتم وهو مرعوب.
وبعدين صرخ في الفراغ:
— “جابت الحاجات دي منين الفاجرة دي؟!”
بدأ يقلب في الإدراج، يفتح الدولاب، يرمي هدوم أمه على الأرض وهو بيدور على دفتر التوفير الأصلي. بعد ساعة كان بيشر عرق، شعره منكوش، وقميصه متبهدل.
مسك التليفون وكلم عمه سيد.
— “الورق معاها!” قالها وهو مش فاهم إن الكاميرا بتسجل كل كلمة. “لو مريم اتكلمت، هتودينا كلنا في داهية وتوديني طرة!”
سكت شوية، وبعدين قال الجملة اللي خليت مريم تقفل قبضتها بغل:
— “بكرة الصبح هنجمّع العيلة ونطلبها تحضر.. هنزنقها ونرهبها لحد ما تبصم وتتنازل عن كل حاجة.”
كانوا فاكرين إن مريم هتيجي لوحدها للمصيدة…
ما كانوش يعرفوا إن الضحية خلاص بقت هي اللي بتصطاد.
## **الجزئية الثالثة والأخيرة**
بيت العيلة الكبير كان ريحته قهوة محروقة، وبخور من بتاع العزا، وريحة خوف متغطي بالعافية. مريم وصلت الظهر بالدقيقة، وكان معاها الأستاذ عبد السلام المحامي، ماسك شنطة جلد سوداء وماشي بثبات راجل عارف البئر بفلوسه وأسراره.
في الصالة، العيلة كلها كانت قاعدة.
شريف، قاعد على رأس الترابيزة، عامل نفسه حزين وتعبان. عينيه كانت حمراء، بس مش من العياط على أمه.. دي كانت عينين راجل ما نامش طول الليل عشان كدبته بدأت تعفن.
العم سيد واقف جنب الدفاية، كتافه مفرودة وذراعاته متكتفة، وبيحاول يعمل فيها الفتوة والراجل الشديد زي ما بيعمل مع العمال بتوعه.
العمة ماجدة بتبص لمريم بقرف وحب استطلاع.
وشيرين، أخت شريف، كانت قاعدة ساكتة ووشها أصفر زي الليمونة.
— “شوف الشطارة!” العم سيد قال بصوت عالي. “بقى ليكي عين تيجي بعد اللي عملتيه؟”
مريم ما ردتش. قعدت على كرسي قريب من الباب، ومن غير ما تقلع الجاكيت بتاعها.
شريف اتنهد، وبدأ يمثل دوره:
— “مريم.. أنتِ لسة قدامك فرصة تلمي الموضوع. أنتِ سرقتي ورق وأوراق مالية تخص أمي في لحظة ضعف. أنا مش عايز أعمل فيكي بلاغ وأوديكي في داهية، بس في نفس الوقت مش هسمحلك تخربي العيلة دي بسبب حقدك.”
العمة ماجدة لوت بؤها:
— “هي دي أخرة لما نلم واحدة مالهاش أصل وتصدق إنها بقيلها قيمة!”
شريف زق فايل على الترابيزة ناحيتها:
— “إمضي هنا. تنازل كامل عن أي حق في الشقة، والحسابات، والورث. وتوقعي على الخلع من غير نفقة ولا مؤخر ولا أي مطالبة. وفي مقابل ده.. مش هبلغ عنك النيابة.”
مريم بصت للفايل اللي على الترابيزة زي ما تكون بتبص لزبالة متشيكة.
— “أنا مش هامضي على الكلام الفاضي ده.”
العم سيد ضرب بظاهر إيده على الترابيزة بفرعنة:
— “أنتِ فاكرة نفسك مين يا بت أنتِ؟!”
وهنا اتكلم المحامي عبد السلام ببرود تام:
— “هي عارفة نفسها كويس.. هي المالك والحائز والوريث الشرعي والوحيد لكل أملاك المرحومة الحاجة فاطمة.”
السكوت نزل على الصالة زي حجر الجرانيت.
شريف قام مخلوع من كرسيه، لدرجة إن الكرسي اتزحزح وصوته جرح الأرضية:
— “ده كدب! ده تزوير!”
الأستاذ عبد السلام طلع الوصية المتبصمة والموثقة من الشهر العقاري وحطها على الترابيزة:
— “المرحومة الحاجة فاطمة حرمت ابنها شريف حرمان صريح ومباشر من الإرث. كل أملاكها وحساباتها وعقاراتها بقت ملك مريم إبراهيم. وقبل ما حد فيكم يصرخ ويقول تزوير، الورق ده مسجل ومختوم وفيه تقرير طبي من لجنة ثلاثية بيثبت إنها كانت في كامل قواها العقلية لما وقعت.”
شيرين حطت إيدها على بؤها من الصدمة.
العمة ماجدة الضحكة اختفت من وشها تماماً.
شريف بص لمريم وكأنه لأول مرة يستوعب إنها مش جاية تترجى ولا تستعطف حد.
— “أمي مستحيل تعمل فيا كده!” قالها، بس صوته ما كانش فيه غضب.. كان فيه رعب.
مريم مدّت إيدها في شنطتها وطلعت صورة متكبرة من كشف حساب البنك، وزقتها ناحية العم سيد:
— “قبل ما تتهمني بالسرقة يا عم سيد، اقرأ الورقة دي كويس.”
العم سيد مسك الورقة بتكبر، بس أول ما قرأ اسم شركة **”الأفق للمقاولات”**، صوابعه بدأت تترعش.
— “ده… ده مش دليل على حاجة!”
— “لا، دليل على تحويلات ورشاوي جاية من شركتك لحساب ست مريضة،” مريم ردت بقوة. “دليل على تواريخ بتتطابق باليوم والساعة مع العقود اللي شريف كان بيطلعها من الشركة القابضة اللي شغال فيها. غسيل أموال ورشاوي مستخبية لسنين.”
شريف اتصرف بأسوأ طريقة ممكنة، وصوته علي بالهستيريا:
— “أمي هي اللي كانت بتعمل كده لوحدها! هي وعمي سيد اتفقوا من ورايا، أنا ما أعرفش حاجة!”
الصالة كلها اتجمدت.
أخته شيرين بصت له بقرف ورعب:
— “أنت بتلبّس التهمة لأمك؟! بعد ما سبتها تموت لوحدها؟!”
العمة ماجدة نزلت عينها في الأرض. حتى هي، اللي كانت بتقل أدبها على مريم في العزا، حست بالخزي.
شريف استوعب الهبل اللي قاله متأخر:
— “لا.. أنا ما قصدش.. أنا…”
في اللحظة دي، جرس الباب رن دقات قوية ومتتابعة.
المحامي عبد السلام بص في ساعته:
— “وصلوا في ميعادهم بالظبط.”
دخل الأوضة راجلين وست. الست كانت لابسة كارت تعريف بتاع **”الشركة القابضة”**، وواحد من الرجالة معاه كارنيه التفتيش والرقابة، والثاني معاه شنطة سوداء رسمية.
— “أستاذ شريف،” الست اتكلمت. “أنا الأستاذة نهى، مديرة الشئون القانونية والامتثال في الشركة. أمس وصلتنا وثائق بخصوص رشاوي وعمليات اختلاس وتزوير عقود تحت إدارتك.”
شريف وشه اتخطف وبقى زي الورقة البيضاء:
— “يا أستاذة نهى.. ممكن نتكلم في مكتبي بالراحة…”
— “ما فيش كلام يتقال،” ردت بصرامة. “حضرتك موقوف عن العمل فوراً وبدون أي مكافأة نهاية خدمة لفقدان الثقة. ده غير إن الشكوى اتقدمت رسمياً للنيابة العامة بتهم اختلاس، وتزوير، واستخدام غير مشروع لكروت الشركة.”
مريم اتنفست ببطء وهدوء.
الأستاذة نهى كملت:
— “وفوق كل ده، كشوفات الفواتير بتاعة رحلة شغلك اللي قلت إنها في إسكندرية، اتضح إنها سحوبات وإقامة في جناح ملكي في منتجع في الغردقة.”
شيرين غمضت عينها بتعب.
والعمة ماجدة وشوشت: “كان صايع مع واحدة…”
شريف قرب خطوة من مريم والشرار بيطلع من عينه:
— “أنتِ اللي عملتي كل ده!”
— “لا،” مريم ردت بثبات في عينيه. “أنت اللي عملته في نفسك.. أنا بس بطلت أغسل إيدك من الدم.”
المفتش دار وبص للعم سيد:
— “وأستاذ سيد.. شركة “الأفق” اتمسكت في تحقيقات النيابة والأموال العامة، ونصحك تجهز محامي شاطر من دلوقتي.”
الراجل الفتوة اللي كان عامل فيها شديد، ألوانه اتغيرت ونكش في مكان نفسه، ورجليه ما بقتش شايلاه.
— “أنا ما بصمتش على حاجة.. شريف هو اللي كان ممشي كل حاجة!”
شيرين قالت بصوت مكسور:
— “سبحان الله! من ساعة واحدة كنتم متجمعين تفرسوا مريم وترهبوها.. دلوقتي كل واحد بيبيع الثاني!”
العيلة بدأت تفركع وتتفكك قدام عينيهم. العمة ماجدة خدت شنطتها وتسحبت وهي بتقول إن مالهاش دعوة بالمشاكل دي. وإبن عمهم اللي كان جاي يتفرج على الفضيحة مشي من غير ما يسلم. العم سيد قعد في زاوية بيتنفس زي المزنوق في جحر. وشريف وقع على الكرسي وعينيه مبلمة في الترابيزة.
بس المحامي عبد السلام ما كانش خلص كلامه.
— “الحاجة فاطمة سابت وصية أخيرة.”
طلع من الشنطة ظرف أصفر قديم، مكتوب عليه بخط إيد متعرج وتعبان:
*«لا يُفتح إلا إذا ابني ما أظهرش أي ندم.»*
مريم حست بغصة في حلقها.
الأستاذ عبد السلام فتح الظرف، وطلع منه “لكلوك” صوف أزرق صغير بتاع أطفال، قماش قديم ومتهالك من الزمن.
شريف أول ما شافه اتسمر:
— “ده… ده كان بتاعي وأنا بيبي.”
— “أمك فضلت شايلاه من يوم ما اتولدت،” عبد السلام قال. “كانت بتحطه جنبه على السرير لما بطلت تزورها. كانت بتعصر عليه إيدها وهي بتعيط عليك بالليل.”
مريم نزلت رأسها.. افتكرت كام مرة دخلت على الحاجة فاطمة ولقيتها نايمة ومكوشة على اللكلوك ده بين صوابعها.
المحامي قلب حرف اللكلوك، وكان مستخبي جواه كارت ميموري أسود صغير جداً.
حطه في جهاز تسجيل صغير كان معاه.
الصوت خرج في الأول شوشرة.. وبعدين صوت شريف، وهو أصغر بس بحدة وقسوة:
*«إبصمي يا أمي خلصينا! أنا محتاج الحساب ده.. بلاش تناحة!»*
بعدها صوت الحاجة فاطمة الضعيف وهي بتعيط:
*«يا شريف يا بني دي فلوس حرام.. أنا مش هساعدك تضر نفسك وتضر الناس.»*
صوت خبطة شديدة ورازعة رنت في التسجيل.. الصوت كان واضح.
*«لو مابصمتيش، هرميكي في دار مسنين لا حد ينضفك ولا يغيرلك!»* شريف كان بيجعأ في التسجيل. *«عاجبك كده؟ تموتي لوحدك مرمية بين الغرباء؟!»*
صوت الحاجة فاطمة انكسر:
*«أنت ابني…»*
*«يبقى تتصرفي كأم وتسمعي الكلام وتتخرسي!»*
التسجيل خلص.
ما حدش في الأوضة تحرك. ولا حتى العم سيد.
مريم نزلت دموعها لأول مرة من يوم المستشفى.. مش عشان شريف، عشان فاطمة. عشان السنين اللي عاشتها أم بتسقي حب لولد بياكل في أحشائها.
شيرين قامت بالراحة وبصت لأخوها بقرف وذهول:
— “أمك كانت خايفة منك يا شريف؟!”
شريف فتح بؤه يحاول يدافع عن نفسه، بس مالقاش كلام:
— “مريم… أنا كنت مضغوط.. أنتِ مش فاهمة التوتر اللي كنت فيه.. إحنا ممكن نصلح كل حاجة.. أنتِ طول عمرك طيبة وبتحبيني!”
مريم قامت وقفت على حيلها:
— “أوعى تفتكر طيبتي وسكوتي كان إذن منك إنك تفضل تكسر فيا.”
طلعت ورقة الخلع الأصلية من شنطتها وحطتها قدامه، وجنبها القلم:
— “إمضي.”
شريف بص حواليه يدور على أي سند.. ما حدش بص له.
إيده كانت بتمشي بالعافية وهو بيمضي توقيع معوج في أخر الورقة.
— “البنت اللي كنت معاها قفلت سكتي..” قال بصوت واطي ومكسور. “والشركة هترفع عليا قضايا، وعمي هيلبسني التهمة.. أنا ما بقاش حيلتي أي حاجة.”
مريم خدت الورق:
— “أنت مش ندمان.. أنت بس خايف تعيش من غير ناس تستغلهم.”
بدأ يعيط.. مش عياط ندم، بس عياط الأنانية لما يكتشف إن العالم ما بقاش يمشي على مزاجه.
مريم خرجت من البيت ده وما بصتش وراها تاني.
بعد ست شهور…
الحاجة فاطمة كانت ترابها مرتاح في مدافن هادية ومحاطة بالخضرة. مريم استخدمت جزء صغير من الإرث واشترت شقة صغيرة، كلها شمس ونور، فيها بلكونة مليانة ورد، ومطبخ هادي ما حدش بيزعق فيه ولا بيدي أوامر.
النيابة كملت إجراءاتها، شريف اتسحب منه كل حاجة، خسِر شغله، وسمعته، وقضايا الاختلاس شغالة عليه. والعم سيد شركته أفلست تحت ديون العقوبات والأموال العامة. العيلة اللي كانت عاملة فيها “عيلة المالك” اتفككت وبقت هواء لما الفلوس طارت.
في يوم أحد الصبح، مريم راحت زارت مدفن الحاجة فاطمة، وحطت ورد بَنَفْسَجي على القبر، وحطت جنبه “اللكلوك الأزرق” بعد ما شالت منه كارت الميموري.
— “أنتِ اللي أنقذتيني يا أمي.. الله يرحمك.” وشوشت للتراب.
الهواء حرك الشجر، والورد نزل بالراحة على الشاهد وكأنه بيمسح على قلبها.
مريم افتكرت كل اللي مرت بيه: سنين الخدمة الساكتة، الإهانات، الـ 30 مكالمة اللي محدش رد عليها، الجنازة اللي وقفت فيها لوحدها، والدبلة اللي سابتها على الورق. زمان كانت فاكرة إن البداية من جديد بعد سنين العمر دي خسارة وكسرة…
بس في اليوم ده، فهمت حاجة تانية خالص.
ساعات الحياة مش بتنتهي لما حد يبيعك ويسيبك…
ساعات بتبدأ بالظبط، في الدقيقة اللي بتبطّل فيها تتصل بحد عمره ما كان ناوي يرد عليك.