لو ندى عرفت اللي حصل، هتطردني من حياتها وهتكرهني بقية عم
حصري لصفحة روايات رولا
— لو ندى عرفت اللي حصل، هتطردني من حياتها وهتكرهني بقية عمرها.
سمعت الجملة دي وأنا واقفة بره عيادة حماتي في الكوربة بمصر الجديدة، وفي شنطتي فايل ورش المأذون وورق الطلاق، وبقرارات كنت بقالي شهور باخد فيها.
ماكنتش رايحة أتدور على مبررات.. أنا كنت خلاص جَبت أخري وما بقاش فيا حيل للأسئلة.
في الجمعة دي بعد الظهر، كنت ناويّة أنهي جوازي من كريم بعد 12 سنة مع بعض. ماكنتش عاوزه خناق، ولا دراما، ولا دموع قدام أهله. كل اللي كنت عاوزاه إني أقعد معاه، أحط الورق قدامه على الترابيزة، ونعترف إن في قمم بنوصلها في العلاقات خلاص.. اتنين ما بقوش عارفين بعض.
بس قبل ما أمد إيدي وأخبط على الباب، سمعت اسمي.
— ما ينفعش تفضل مخبي على ندى أكتر من كده يا كريم — دي كانت حماتي، طنط سميرة.
اسّمرت في مكاني.
لحد اللحظة دي، كنت حاطة إيدي في المية الباردة ومقتنعة 100% إن كريم بيكلم عليا واحدة.
وشكوكي دي ما جتش من فراغ ولا كانت غيرة هبلة.
بقالي قرب السنة بشوف الراجل اللي بنيت معاه عمري بيتسحب من حياتي حبة حبة.
أنا وكريم اتعرفنا لما كنت ببيع كيك بيتي في بارتشن صغير في مول في زايد. هو كان مهندس معماري في شركة مقاولات، وكان كل يوم يجي يشتري حتة كيكة شيكولاتة رغم إنه كان دايماً يقول إنه ملوش في الحلويات.
— بشتريها عشان أنتِ اللي عاملاها — كان يقولها لي ويسكت.
مع الوقت، سبنا الشقق الإيجار الصغيرة واشترينا بيت في التجمع. أنا فتحت كافيه صغير بوصفات أهلي، وهو اترقى في شغله وبقى مشرف على مشاريع كبيرة.
ماكنتش حياة فارهة، بس كانت مستورة ودافية.
كنا من الأزواج اللي بيقعدوا يخططوا للمصيف وهم بيبصوا على الأسعار، نتخانق ندهن حيطة الصالة أنهي لون، ونحوش الفكة في حصالة عشان نعمل بيها سفرية صغيرة.
كل ده اتغير بعد عيد ميلاده الـ38.
في الأول كانت تفاصيل صغيرة.
كريم بدأ يغير على تليفونه بشكل مريب. زمان كان بيرميه على الترابيزة عادي؛ بعد كده بقيت ألاقيه معاه جوه الحمام.
أول ما يجيله مسج، يقوم يروح الأوضة التانية.
أول ما أدخل عليه، يقلب الشاشة.
وفي ليلة، لمحت إشعار جاله:
”دكتور رامي بيفكرك بميعاد يوم الخميس. مهم جداً وما ينفعش تتأخر.”
لما سألته مين ده، خبا الموبايل في جيبه فوراً.
— ده مقاول من موقع الشغل.
— ومن امتى المقاولين بيبعتولك مواعيد مع دكاترة؟
بصلي بجمود وقال:
— ندى، أنا هلكان وتعبان، مش قادر على النهدة والخناق على كل حاجة.
الجملة دي بقت هي اللي على لسانه دايماً.
أنا تعبان.
عندي شغل كتير.
بكرة نتكلم.
بس بكرة ده ما كانش بيجي أبداً.
وبدأت تزيد خروجاته المفاجأة لبيت أمه.
كان يقولي إنه رايح عشان هي قاعداني لوحدها، بس ساعات كان بيرجع وعينيه مدمعة ومحمرة، وما ينطقش بحرف.
وفي يوم، لقيت في العربية كيس صيدلية فيه علب دوا غريبة ما أعرفهاش.
لما سألته، رد بسرعة أوي وكأنه كان مستني السؤال.
— دي فيتامينات ومكملات عشان الإرهاق.
ماكنتش الحقيقة.
عرفت ده لما أخدت أسامي الأدوية وسرشت عليها تاني يوم على النت، واكتشفت إنها أدوية بتتاخد مع جلسات الكيماوي وعلاج الأورام.
خفت، ركبي خبطت في بعضها.. بس عقلي الصغير دور على التفسير الأسهل.
فكرت إن الأدوية دي ممكن تكون لبيئة تانية.. لوحدة تانية.
أو يمكن حجة بيلف بيها عشان يداري على حاجة.
القشة اللي قصمت ظهر البعير كانت يوم عيد جوازنا.
كنا حجزنا ترابيزة في مطعم صغير في الزمالك، نفس المكان اللي احتفلنا فيه بأول سنة لينا مع بعض. اشتريت فستان جديد ونزلت بدري وقعدت أستناه.
استنيت 40 دقيقة.
بعدها ساعة.
وفي الآخر جتلي مسج منه:
”مش هعرف أجي. سامحيني.”
بس.. ولا كلمة زيادة.
رجع البيت على نص الليل.
قميصه كان عليه بقعة دم صغيرة.
— ايه ده؟ ايه اللي حصل؟
— مفيش.
— كريم.. قميصك فيه دم!
سكت وما نطقش.
ولأول مرة جه في بالي إنه يمكن مش بيكلم عليا واحدة.. يمكن مخبي بلاوي أكبر من كده بكثير.
بس ما يدانيش أي إجابة.
أسابيع وأنا بحاول أفركش السكوت ده.
— قولي الحقيقة حتى لو هتوجعني.
— مش قادر يا ندى.
— مش قادر ولا مش عايز؟
وطى رأسه في الأرض.
السكوت ده كان بيذبحني أكتير من أي اعتراف.
فروحت لمحامية.
المحامية قالتلي إن طالما مفيش دليل يثبت وجود ست تانية، فالأهم دلوقتي إننا نأمن حقك ومحل الكافيه بتاعك.
— بس قبل ما تاخدي الخطوة دي، اتأكدي إنك عارفة الحكاية كلها — قالتلي كده.
أنا كنت فاكرة إن الصورة وضحت خلاص ومافيش حاجة تاني تتعرف.
لحد اليوم ده.
لما سمعت حماتي من ورا الباب بتقول:
— العملية الأسبوع الجاي.. ولوحصلت حاجة لا قدر الله، ندى ليها حق تعرف إن جوزها بيموت وبيحارب سرطان في الكبد!
إيدي بدأت تترعش والورق هيقع مني.
سرطان.
عملية.
كلمة “خيانة” و”واحدة تانية” اتمسحت من دماغي في ثانية.
كريم ما كانش بيهد بيتنا.
كريم كان بيحارب المرض لوحده وأنا بجهز شنطي عشان أمشي.
وبعدها سمعت صوته هو.
— لو ندى عرفت، هتبيع الكافيه بتاعها، وهتسيب دنيتها كلها وتقعد تحت رجلي تخدمتني.. هي عملت كده مع باباها قبل كده، وأنا مش هقدر أشوفها بتتعذب العذاب ده تاني وتعيش نفس الكابوس.
نفَسي اتطمع.
أبويا كان متوفي بالسرطان وأنا عندي 19 سنة، وكريم كان شاهد وعارف أد ايه التجرية دي كسرتني وطلعت عيني.
— هي فاكراك ما بقتش بتحبها — قالتها طنط سميرة وهي بتعيط.
سكت شوية.. السكوت كان تقيل.
— أنا بحبها أكتر من نفسي.. عشان كده عاوزها تقدر تكمل حياتها وتعيش لو أنا ما طلعتش منها.
فولدر الطلاق اللي كان في شنطتي وقع على الأرض، وصوته رن في المكان.
طول الشهور دي كنت فاكرة إن كريم بيدور على طريقة يخلع بيها مني.
أثره كان بيرتب حياتي عشان أقدر أعيش وأقف على رجلي من بعده.
الباب اتفتح فجأة.
كريم كان واقف قدامي.
كان خاسس أوي.. خاسس بدرجة مرعبة أنا غمضت عيني عنها وما رضيتش ألاحظها.
بص في عينيا المليانة دموع.
بعدها بص للفايل اللي مرمي على الأرض.
قرا الكلام المكتوب على الغلاف:
”عريضة دعوى طلاق”.
ولأول مرة أشوف الخوف بجد في عينيه.
— أنتِ.. كنتِ هتمشي وتسيبيني؟ — سألني بصوت واطي ومكسور.
ما عرفتش أرد.
عشان في اللحظة دي فهمت إننا إحنا الاتنين كنا بنخسر أثمن حاجة في حياتنا.
هو.. عشان خبا عني الحقيقة.
وأنا.. عشان صدقت ظنوني ومشيت ورا شك ورايا نص الحكاية بس.
وماكنتش عارفة بعد اللي سمعته ده.. هل جوازنا ده لسة فيه نفس يرجع يتعاش تاني ولا خلاص؟
الجزء 2
كريم ما حاولش يبرر ولا يدافع عن نفسه لما شافني ماسكة ورق الطلاق. ما جريش ورايا، وما قاليش أنتِ فاهمة غلط. فضّل واقف قدام الباب، وعلى وشه تعبير عمر ما شفته عليه قبل كده: الخوف.
— ندى… أنتِ كنتِ ناوية تتطلقي من امتى؟
حضنت الفولدر في صدري وقسّيت قلبي:
— من اليوم اللي حسيت فيه إن ماليش راجل أتسند عليه.
حماتي مسكت إيدينا ودخلتنا جوة. على ترابيزة السفرة كانت فيه تحاليل، وإشاعات، وشتات أدوية، وفواتير مستشفيات متطبقة فوق بعض. كل ده كان قدامي. كل ده كان بيحصل وأنا مقتنعة إن كريم عايش حياة تانية وبيلعب بيا.
— ليه ما قولتليش؟ — سألته بصوت مخنوق.
أخد وقت عقبال ما ينطق:
— عشان عارفك.
الجملة دي استفزتني وأكلت في قلبي أكتر.
— لا، أنت عارف نسخة قديمة مني.. النسخة اللي دايماً بتجري تشيل وتصلح. بس أنت حتى ما إديتنيش الفرصة إني اختار.
كريم نزل عينه في الأرض.
الدكتورة اللي شفت اسمها في المسجات ما كانتش ست بيكلمها عليا، دي كانت الاستشارية المتابعة لحالته. المكالمات المستخبية كانت عشان ينسق مواعيد التحاليل. وخروجاته المفاجأة لبيت أمه كانت عشان جلسات الكيماوي كانت بتهد جسمه وما كانش بيقدر يسوق لمسافات طويلة لحد التجمع.
حتى قميصه اللي كان عليه دم يوم عيد جوازنا ما كانش زي ما خيالي صورلي.. هو أغمى عليه في حمام المستشفى والتمريض ساعدوه لما وقع وراسه اتخبطت.
بس كان في حاجة واحدة لسة مش قادرة أفهمها.
— ليه تسيبني أشك إنك بتخونني؟
كريم اتنهد تنهيدة طويلة ومكسورة:
— عشان حسيت إنك لما تكرهيني وتشوفيني ندل، هتعدي وتنسي أسهل بكثير من إنك تشوفيني وأنا بتعصر من المرض وبموت بالبطيء.
— دي مش حماية يا كريم.. ده سلب لإرادتي. أنت حرمتني اختار موقفي بنفسي.
ما ردش.. لأنه عارف إن عندي حق.
في الليلة دي قعدنا نقلب في كل الأوراق الطبية. التشخيص كان جاله من 5 شهور؛ ورام في الكبد محتاج استئصال وعلاج مكثف بعد العملية. الدكاترة قالوا إن فيه أمل، بس المشكلة الكبيرة ما كانتش المرض بس.. كانت الفلوس.
كريم حاول يتصرف لوحده من غير ما يضغطني. باع الموتوسيكل اللي كان بيموت فيه، خلص كل تحويشته، وحتى استلف مبالغ صغيرة من أصحابه.. بس الرقم المطلوب للعملية في المستشفى كان كبير جداً.
ووسط الأوراق، لقيت ورقة ثانية غريبة.. جواب رسمي من الشركة اللي شغال فيها.
— ايه الورقة دي؟
سكت وما نطقش.
كانت إيميلات مطبوعة بينه وبين الـ HR. قبل ما يتعب بشهور، الشركة كانت بتخصم من مرتبه كل شهر قسط التأمين الطبي الخاص. بس لما جه يحتاجه عشان العملية، اكتشف إن المدير أكل عليه الفلوس والوثيقة اصلاً ما اتفعلتش!
— مين اللي عمل المهزلة دي؟
— مدير القطاع، مهندس سامح.
— وقال إيه لما واجهته؟
فتح فايل تاني وراني جواب من الشركة.. عرضوا يدفعوا جزء من مصاريف العملية، بشرط إنه يوقع على إقرار رسمي إن اللي حصل ده كان “خطأ إداري غير مقصود وأن الشركة غير مسؤولة عن العلاج”.
حسيت بنار جمرت في قلبي.. مش نار الزوجة المخدوعة، دي نار مظلوم بشوفه بيتداس عليه وهو في أضعف حالاته.
— كنت ناوي تضيع حقك وتوقع على القرف ده؟
— ماكنتش ناقص مشاكل ولا قضايا يا ندى.. أنا كنت بحاول أعيش!
ولأول مرة من ساعة ما دخلت، كريم يعلي صوته عليا.
السكوت ساد الأوضة.. وبعدها غمض عينيه وقال بصوت واطي:
— أنا آسف.
قربت منه بالراحة. أنا ماكنتش زعلانة إنه خايف، أنا كنت زعلانة لأن الخوف ده كان بيموتنا إحنا الاتنين.
تاني يوم الصبح اتصلت بـ “فريدة” المحامية بتاعتي.. مش عشان نكمل إجراءات الطلاق، عشان حاجة تانية خالص.
— فريدة، محتاجة تراجعي معايا قض..ية تعويض وتأمين صحي وقض..ية شغل.
جمعت كل الورق: مفردات المرتب، الإيميلات، والجوابات.. حتى التسجيلات والمسجات اللي كان مهندس سامح بيضغط فيها على كريم. ماكنتش عاوزه انتقام، كنت عاوزه أرجعله حقه وأخلي محدش يستغل مرضه.
لما سامح عرف إن في محامية مسكت الموضوع، كلم كريم على طول. أنا كنت واقفة جنبه وهو سيرفوني:
— كريم بيه، أنت كبرت الموضوع ليه؟ لو هتعمل مشاكل فالشركة مش هتقدر تساعدك بشيء.
كريم سكت، فأنا أخدت الموبايل منه وفتحت السبيكر وشغلت التسجيل:
— مكنش ينفع تعيد الجملة دي تاني يا باشمهندس سامح؟
السكة قطعت والخط اتفصل.
في نفس اليوم بالليل، بعتوا إيميل رسمي بموافقتهم على تغطية كافة مصاريف العملية. فريدة قالتلنا:
— هناخد الفلوس، بس مش هنوقع على أي إقرار يبرأهم من الجر..يمة دي.
ولأول مرة من شهور حسيت إننا بنواجه المشكلة سوا، مش بنهرب منها.
كريم كان بيبصلي وأنا برتب الفولدرات وقال:
— ماكنتش متوقع إنك هتعملي كل ده.
— ولا أنا كنت متوقعة إني أعرف خبر مرض جوزي وأنا واقفة بتصنط من ورا الباب.
نزل راسه:
— حقك عليا.
قعدت قدامه ورفعت راسه:
— أنا هفضل جنبك يا كريم.. بس فيه حاجة لازم تفهمها كويس: إياك تفكر تقرر نيابة عني تاني أو تقيم وجعي وشيلتي قد إيه.
هز راسه بقلة حيلة.
بالليل طلع من الدرج ظرف أبيض مقفول.. قلبي اتقبض. كان شبه الظرف اللي كنت جايباه للمأذون، بس ده كان فيه وصية.. لستة بالحسابات، وحق الكافيه، وباسوردات كل حاجة.. كل حاجة متترتبة كأنه بيودع.
— بتعمل ده من امتى؟
— من يوم ما قالولي إن العملية ملهاش بديل.
— وكنت ناوي تمشي من غير ما تودعني حتى؟
دموعه نزلت:
— افتكرت إن ده الحل الوحيد عشان ما أكسركيش.
مسكت الظرف وقطعته:
— ما ترتبليش حياة أنت مش موجود فيها تاني.
صباح اليوم التالي، كريم دخل أوضة العمليات. العملية كان مفروض تاخد 4 ساعات.. عدت 5.. 6.. 7 ساعات.
كنت بالعب في الممر أنا وطنط سميرة، لحد ما الدكتور خرج وشكل وشه ما يطمنش:
— العملية كانت معقدة أوي.. الورم كان متأكل في أجزاء أكبر، وحصل نزيف شديد قدرنا نسيطر عليه بالعافية.
ركبي ما شيلتنيش:
— هو عايش؟
الدكتور سكت ثانية:
— عايش.. بس الـ24 ساعة الجايين هما المحك.
دخلتله العناية المركزة. كريم كان متوصل بأجهزة كتير، مسكت إيده السخنة وقلت:
— مش عارفة إذا كنت هقدر أتجاوز اللي عملته وفكرتك عني ولا لأ يا كريم.. بس مش هسيبك تضيع مني ولا تمشي وأنت فاكر إنك ما تفرقليش.
على وش الفجر، صوابعه اتحركت.
فتحت عيني بسرعة:
— كريم!
حاول يتكلم وصوته كان طالع بالعافية من تحت الماسك:
— لسة.. لسة عايزة نتطلق؟
قربت منه عشان أرد، بس فجأة صفارة الأجهزة علت وصوت الإنذار ضرب في الأوضة. الدكاترة دخلوا يجروا وطلعوني بره والستارة اتشدت.
ولأول مرة، فهمت إن السؤال ما بقاش: هل جوازنا هيعيش؟
السؤال كان: هل كريم أصلاً هيرجع عشان يسمع إجابتي؟
هل تفتكر إن الكذبة اللي بتطلع من الخوف وحسن النية، ينفع تتغفر لما الحقيقة تبان.. ولا الصدمة بتسيب شرخ مابيتصلحش؟
الجزء 3 والأخير
أصوات الأجهزة كانت بتصرخ جوة الأوضة، والدكاترة والممرضين بيدخلوا يجروا وأنا واقفة ورا زجاج العناية المركزة حاسة إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
طاقم التمريض شد الستارة، واللحظات بقت بتمر زي الساعات. حماتي مسكت في إيدي وهي بتبكي وبتردد دعوات مش مفهومة من كثر الخوف.
كل اللي كان شاغل دماغي في الثواني دي هو سؤاله الأخير: “لسة عايزة نتطلق؟”
ماكنتش قادرة أستوعب إزاي وفي قمة وجعه وعجزه، كان كل اللي هاممه هو موقفي منه.. إزاي فضل شايل هم زعلي وخوفي لحد آخر لحظة قبل ما يدخل في الغيبوبة.
بعد حولي نص ساعة من الرعب، الباب اتفتح وخارج الدكتور الاستشاري وهو بيمسح عرقه، وبصلي وقال تنهيدة طمأنينة:
— الحمد لله.. ضغطه نزل فجأة وكان فيه استجابة عكسية للمخدر، بس قدرنا نثبت حالته ونعدي الأزمة. هو دلوقتي تحت التأثير ونائم، بس المؤشرات حيوية ومستقرة.
وقعت على الكرسي وأنا باخد نفسي لأول مرة من ساعات.
الـ 24 ساعة اللي بعدهم قضيتهم قعدة على الكرسي جنب سريره في العناية. كنت بمسك إيده السخنة وأتأمل ملامحه الخاسسة والتعبانة. افتكرت أول مرة شفته فيها في المول، وافتكرت طموحنا والشقة الأولى، والتفاصيل الصيرة اللي ضاعت مننا وسط المشاغل والشغف اللي اتطفي بالتدريج.
على اليوم التاني، كريم بدأ يفتح عينيه بالراحة.
المرادي ما كانش فيه أجهزة بتصرخ. المكان كان هادي، والشمس داخلة من شباك الأوضة.
بصلي بالراحة، وصوته كان ضعيف جداً:
— ندى.. أنتِ لسة هنا؟
مسكت إيده بتنا وبستها:
— أنا مش هايمشي يا كريم.. أنا هنا ومش هتحرك من جنبك.
دمعة نزلت من طرف عينه، وقال بصوت مكسور:
— أنا آسف.. آسف إني شككتك في نفسك، وآسف إني افترضت إنك ضعيفة ومش هتقدري تشيلي معايا.. أنا كنت خايف عليكي من وجع الفقد اللي عشتيه مع باباكي.
قعدت جنبه على طرف السرير وقلتله بثبات:
— وجع الفقد صب وسعب يا كريم، بس وجع الخيانة والشك والانسحاب ألعن بكثير. الحب مش إنك تحميني من الحياة وتتألم لوحدك.. الحب إننا نشيل الشيلة سوا، في الحلوة وفي المرة. لما عيشتني في الشك، أنت حرمتني أكون سندك.
هز رأسه وقال:
— اتعلمت الدرس.. اتعلمته بأمرّ طريقة.
بعد أسبوعين في المستشفى، كريم خرج ورجعنا البيت.
الرحلة ما كانتش سهلة؛ كان قدامنا شهور من العلاج والمتابعة، وكانت فيه أيام بيبقى تعبان فيها جداً، وأيام تانية يقدر يقف على رجليه. بس المرة دي، كنا بنواجه كل حاجة سوا.
في نفس الوقت، “فريدة” المحامية كملت في قض..ية الشركة، ومع الضغط القانوني والإثباتات اللي كانت معانا، الشركة اضطرت تدفع كل مستحقات كريم والتعويض الكامل عن فترة العلاج وتأخير التأمين، ومن غير ما نوقع على أي إبراء ذمة يضيع حقه الأدبي.
وفي يوم، بعد ما كريم بدأ يسترد عافيته ويتحرك في البيت عادي، قعدنا على ترابيزة السفرة.
طلعت الفولدر الأبيض بتاع الطلاق من شنطتي، وحطيتها قدامه.
بصلي بخوف محبوس:
— ندى..
مسكت الورق قدام عينيه، وقطعته نصين.. وبعدها أربعة.. ورميته في الباسكت.
— الورق ده اتكتب لما كنت فاكرة إنك بعتني واخترت تبعد.. بس لما عرفت إنك كنت بتحارب عشان تحميني — حتى لو بطريقة غلط — كان لازم أدي لجوازنا فرصة تانية.
كريم مسك إيدي وقالي:
— أوعدك.. مفيش أسرار تاني.. مفيش أوجاع هتشيليها لوحدك، ولا هعشها لوحدي.
الزواج مش مجرد أيام حلوة بنعيشها سوا، الزواج هو القدرة على الغفران لما نفهم أصل الوجع، والتنازل عن الكبرياء عشان ننقذ البيت اللي بنيناه.
ساعات الخوف بيلبس ماسك القسوة، بس لما الحقيقة بتبان، الحب الصادق هو الوحيد اللي بيقدر يرمم الشرخ ويرجع يبني من جديد.