جيت من السفر

## رجعت من السفر لقيت صاحبة عمري خدت جوزي.. ونسيت إن القصر والشركة والفلوس باسمي
رجعت من سفرية شغل في سويسرا، دخلت فيلتي في التجمع، لقيت أختي وصاحبة عمري لابسة روب أمي الحرير الله يرحمها.
جوزي أدالها أوضتي، وغيّر أرقام السرية بتاعة أمن القصر، ورفع عليا قض\ية طلاق قبل حتى ما يواجهني ويقولي إنهم بقوا عشاق.
اللي الاتنين ما فهموهوش ولا استوعبوه، إن القصر، والشركة، والشركة والفرع اللي كانوا بيخططوا يتقاسموها… عمرها ما كانت ملكي ولا ملكه؛ دي أملاك مقفولة باسم العيلة في صندوق ائتماني مغلق.
بورتريه أمي كان مرمي بوشه تحت النجفة الكريستال في الصالة الرئيسية.
شرخ أبيض قاطع الإزاز نصين فوق وش **نادية هانم الألفي** من الخد للفك. اتنين عمال كانوا شايلين كنب قطيفة فاتح وطالعين بيه على السلم، والتالت واقف في الصالة بملف في إيده بيوجههم ناحية الجناح الشرقي.
نزلت شنطتي على الأرض.
ريحة البيت كانت خليط من المطر، وملمع الخشب، وورد اللوتس اللي حد حطه على الترابيزة. تعب الطيران وركوب 12 ساعة من زوريخ كان لسة حاسس بيه جسمي كله، وضهري بيموتني من الوجع.
وفي اللحظة دي… ظهرت **شيرين** على أول السلم… لابسة روب أمي الحرير الأبيض.
على مدار 23 سنة، كانت شيرين هي أول حد بكلمه في أي نجاح، أو عزاء، أو صفقة تفشل، أو ليلة ما يجيليش فيها نوم. هي اللي كانت ماسكة إيدي يوم وفاة أمي، وهي اللي قفلتلي زراير فستان فرحي، ووقفت جنبي في الكوشة وباركت لـ **هشام** باعتباره الراجل الوحيد اللي تطمن عليا معاه.
دلوقتي… إيدها المتظبطة بالمانيكير محطوطة على درابزين السلم.
قالت ببساطة: «انتِ رجعتِ؟»
لا كانت مصدومة.. ولا مكسوفة. مجرد إزعاج في المواعيد!
«هشام قال إن اجتماعات سويسرا هتقعد للجمعة.»
رديت بهدوء: «خلصت امبارح.»
باب الأوضة اتفتح وراها، وخرج هشام وهو بيظبط أزرار قميصه الأزرق الفاتح. حافي، وشعره مبلول.
بص لشنطتي وبعدين لوشي، وطلع تنهيدة بطيئة:
«إحنا محتاجين نتكلم.»
بصيت لروب أمي اللي على جسم شيرين وقلت:
«واضح إنكم خلصتوا كلام واستقريتوا من غيري خلاص.»
واحد من العمال نزل عينه في الأرض، والتانيين وقفوا على السلم والكنبة متعلّقة بين إيديهم.
هشام نزل على السلم بهدوء ورزانة، نفس الهدوء اللي بيمثل بيه في لقاءاته الصحفية. وهو في الأربعين، لسة محتفظ بطلته الأنيقة اللي كانت بتخلي المستثمرين يفتكروا إن ثقته دي دليل على شطارته. 12 سنة جواز علموني كمية التصنع اللي ورا المظهر ده.
قال: «أنا وشيرين ما خططناش لده.. الموضوع جه كده عشان كنا إحنا الاتنين حاسين بالوحدة.»
شيرين نزلت وراه وقالت بصوت واطي: «أنا عمر ما كان قصدي أؤذيكي..»## الجزء الثاني
رباط الروب كان مبروم ومربوط بفيونكة معينة.. أمي الله يرحمها كانت مفرجاها ومظبطاها لنا إحنا الاتنين وإحنا عندنا 15 سنة، ووقتها قعدنا نضحك عشان شيرين أول ما جربت تربطه اتفك منها في وسط حفلة المدرسة.
قلت لها بنبرة هادية بس قاطعة: «اقلعي الروب ده.»
شيرين برشت بعينيها: «إيه؟»
«روب أمي.. اقلعيه قبل ما تنطقي بكلمة زيادات.»
وشها احمرّ تحت الميك أب: «ده كان متعلق في الدريسنج روم عادي!»
«بس محدش أذن لك تلبسيه.»
ملامح هشام اتغيرت وقسيت: «هو ده بالظبط السر في المشكلة يا ندى! كل حاجة في البيت ده بتتحول لمقدسات لمجرد إنها كانت ملك عيلتك.. قواعدك انتِ، تاريخك انتِ، شركتك انتِ، والفلوس اللي باسمك انتِ!»
شيرين شدّت الروب عليها أكتر: «هشام قال إنك أصلاً مبقتيش بتقعدي في الأوضة دي تقريباً..»
بصيت لها في عينها: «أنا بنام فيها.»
«انتِ طول الوقت مسافرة!»
«وده مش معناه إن سريري بقى مفروش للإيجار.»
هشام وقف بيني وبينها وقال بكل برود: «شيرين بتخلي المكان يدخل فيه روح.. تحسي إنك عارفة تتنفسي فيه.»
«يبقا تروحوا تتنفسوا في أي داهية تانية.»
«وده اللي هيحصل فعلاً..»
سحب فايل جلد كان محطوط على الترابيزة وقال: «أنا رفعت قض\ية طلاق الصبح.»
الورق اللي جوه الفايل كان شكله نضيف ومترتب بشكل استفزازي. مد إيده بيه ناحيتي، بس أنا حطيت إيدي في جيبي وما أخدتوش.
كمل وهو بيتكلم بثقة: «الشقة بتاعة الشركة اللي في الزمالك تحت التوضيب والتشطيب دلوقتي، فأنا وشيرين هنقعد هنا موقتاً.. انتِ ممكن تروحي تقعدي في شاليه الساحل لحد ما المحامين يوصلوا لتسوية عادلة وتقسيم يرضي الطرفين.»
لثانية واحدة، افتكرت إن التعب والإرهاق مخليني مش سامعة صح.
«انت بطلب مني أسيب فيلا الألفي وأمشي؟»
صلحلي بلهجة رسمية: «بيت الزوجية بتاعنا.. المحامي بتاعي أكد لي إن ليا حق انتفاع وإقامة فيه. وبعد 12 سنة جواز، الفيلا، وشركة **الألفي للخدمات الطبية**، وصندوق الاستثمار.. كل ده هيدخل في التقسيم والتوزيع.»
شيرين كانت سابت السلم ودخلت غيّرت روب أمي ورجعت لابسـة فستان أحمر مظبوط عليها.. بتاعها هي المرة دي.
قالت بابتسامة صفرا: «شاليه الساحل تحفة يا ندى.. انتِ طول عمرك بتقولي إنك بتحبي القعدة هناك أكتر.»
السيناريو ده كانوا مراجعينه ومسمّعينه سوا كذا مرة!
هشام كان فاكر إن الجواز أداله حق في نص كل حاجة كان بس مجرد مسموح له يوقف جنبها.. وشيرين كانت فاكرة إن صداقة العمر عرفتها المكان اللي مستخبي فيه الكنز.
وقبل ما أرد أو أنطق بحرف، الباب الرئيسي للفيلا اتفتح.
هوا بارد دخل الصالة.
دخل **دكتور طارق زهران** ومعه **أستاذة ماجدة الشاذلي**، المستشارة القانونية لـ **صندوق عيلة الألفي**، ومعاهم **عم حسنين** كبير حراس وأمن العزبة.
دكتور طارق كان بيقلع جوانتي الجلد الأسود صباع صباع.. راجل طوال، رزين، ووشه معروف جداً من غير حتى ما تتابع أخبار البورصة والاستحواذات اللي بيعملها. مكتبه للحلول الاستثمارية كان بيدير استثمارات خاصة في كذا دولة، وكان هو الحارس والمشرف المستقل على صندوق أملاك عيلة الألفي من يوم ما أمي عينته من 7 سنين.
ده غير إنه كان صاحبي من أيام الماجستير في الجامعة، من قبل ما أي حد فينا يفهم الطمع والطموح ممكن يكلفوا البني أدم إيه.
## الجزء الثالث
طارق دخل الصالة وخطواته ليها رنة حاسمة على الرخام. بص على العمال اللي واقفين الكنبة في أيديهم، وبعدين نقل نظره لهشام وشيرين، وأخيراً تثبتت عينيه عليا.
«أهلاً ندى.. حمداً لله على السلامة.»
أستاذة ماجدة الشاذلي كانت ماسكة شنطة جلد سوداء ثقيلة، وشها الخالي من أي تعابير كان بيوحي إنها جاية لمهمة عمل رسمية جداً، مش مجرد زيارة عادية. أما عم حسنين، فشكله كان متوتر، ماسك جهاز اللاسلكي في إيده وعينيه قلقانة وهو بيبص للهشام.
هشام عقد حواجبه واستغرب وجودهم، وبص لطارق بنبرة فيها تعالٍ:
«دكتور طارق؟ أظن إن ده مش وقت مناسب خالص للزيارة.. إحنا في وسط مسألة عائلية خاصة جداً، وياريت تتفضلوا دلوقتي والمحامين يبقوا يتواصلوا.»
طارق ما تهزش ولا خطوة. قلع النظارة الشمسية وحطها في جيب جاكيت البدلة بكل هدوء، وقال بصوت واطي بس مسموع في الصالة كلها:
«أستاذ هشام.. أظن إنك فاهم الأمور غلط تماماً. أنا مش جاي أزورك، ولا جاي أتدخل في مسائل شخصية. أنا هنا بفتفت أو أوهام كانت عندك.»
شيرين قفلت إيدها على درابزين السلم وشكلها بدأ يتغير: «يعني إيه الكلام ده؟ انتوا داخلين البيت بالطريقة دي ليه؟»
أستاذة ماجدة طلعت ملفات وأوراق رسمية مختومة بالنسر وبأختام الاستثمار والشهر العقاري، وقربت خطوة.
«أستاذ هشام.. الأوراق اللي في إيدك دي مالهاش أي قيمة قانونية بالنسبة للفيلا أو الشركة أو الصندوق. حضرتِك رافع قض\ية طلاق بتطالب فيها بتقسيم ممتلكات.. بس المشكلة إنك بتطالب بتقسيم حاجات ما حيلتكش فيها سهم واحد.»
هشام ضحك ضحكة استخفاف، بس كانت باينة مش طبيعية:
«نعععم؟ كلام إيه ده يا أستاذة ماجدة؟ أنا جوز ندى الألفي بقالي 12 سنة! أنا الرئيس التنفيذي لشركة الألفي للخدمات الطبية، والبيت ده هو بيت الزوجية المسجل باسمها.. ومن حق المحكمة تقسم الأملاك والمكاسب اللي اتعملت أثناء فترة الجواز!»
هنا طارق اتكلم، ونبرة صوته كانت أبرد من الهواء اللي داخل من الباب:
«هشام.. انت نسيت تقرأ البنود الصغيرة في العقود اللي مضيت عليها زمان. أو يمكن غرورك طغى عليك فافتكرت إنك بقيت صاحب الأملاك.»
فتح طارق ملف أسود كان مع أستاذة ماجدة ورفع ورقة معينة:
«المرحومة نادية هانم الألفي.. لما أسست **صندوق عيلة الألفي المغلق** من 7 سنين، نقلت ملكية الفيلا دي بالكامل، والأسهم الحاكمة في شركة الألفي للخدمات الطبية، وكل المحافظ الاستثمارية، لصالح الصندوق ده فقط. ندى نفسها.. ما تملكش الفيلا ولا الشركة بشخصها.»
هشام وشيرين اتسمروا مكانهم.
طارق كمل: «الصندوق ده ملكيته مستقلة ومحمية ببنود قاسية جداً. ندى هي المستفيدة الوحيدة من أرباحه، وليها حق الإدارة والانتفاع طالما هي حية.. لكن الأملاك نفسها مش باسمها الشخصي عشان يدخل فيها حق زوجية، ولا ينفع تتجزأ أو تتقسم في طلاق أو تسوية.»
شيرين بصت لهشام بذهول وشفايفها بترعش: «هشام.. إيه الكلام ده؟ انت مش قولتلي إن الفيلا باسمها وإن كل حاجة هتتقسم بالنص لما ترفع القض\ية؟»
هشام وشه بقى أصفر زي الليمونة، وقرب من أستاذة ماجدة بغضب:
«انتوا بتشتغلوني؟! أنا ليّ حقوق! أنا الإدارة! أنا اللي طورت الشركة في الـ 12 سنة اللي فاتوا دي!»
ماجدة الشاذلي ابتسمت ابتسامة عملئية باردة وقالت:
«وده ينقلنا للنقطة الثانية يا أستاذ هشام.. بصفتك الرئيس التنفيذي، انت كنت موظف بمعرفة مجلس إدارة الصندوق، وبتستلم مرتب ومكافآت. وبما إنك انتهكت بنود السلوك الشفاف والنزاهة الواردة في عقد التعيين، وبناءً على قرار مجلس أمناء الصندوق الصادر صباح اليوم من زوريخ… تم إقالتك رسمياً من منصب الرئيس التنفيذي لشركة الألفي للخدمات الطبية، وتجميد كافة صلاحياتك الإدارية والتوقيعات البنكية بدءاً من الساعة الثامنة صباحاً.»
الصمت نزل على الصالة زي الصخرة.
العمال اللي شايلين الكنبة بصلوا لبعض، وبدأوا ينزلوا الكنبة بالراحة على الأرض ويمشوا لورا ناحية الباب.
بصيت لهشام اللي كان بيحاول يستوعب الصدمة، ولشيرين اللي كانت واقفة فوق زي اللي اتضربت على دماغها.
قلت بهدوء وأنا بصلهم في عينيهم:
«انت وهام افتكرتوا إنكم أذكياء.. افتكرتوا إنكم لما تستغلوا سفري، وتغيروا الشفرات، وتغيروا ديكور البيت، وترفعوا القض\ية.. ه تحطوني تحت الأمر الواقع وتاخدوا نص شقا عيلتي. شيرين درَست البيت وعرفت كل حاجة فيه.. بس نسيتوا تدوروا في الورق.»
شيرين نبرة صوتها اتغيرت تماماً وبقت بتلجلج: «ندى.. انتِ فاهمة غلط.. أنا وهشام كنا.. كنا بنمر بظروف.. أنا صاحبتك..»
«كنتِ صاحبتي..» قطعت كلامها وأنا بشاور لعم حسنين.
«عم حسنين.. أستاذ هشام والأستاذة شيرين قدامهم 20 دقيقة بالظبط يلموا هدومهم الشخصية في شنط. روب أمي يفضل في مكانه، وأي حاجة تخص الفيلا تفضل هنا. بعد الـ 20 دقيقة، لو حد فيهم لسة متواجد جوة حدود العزبة، بلّغ الشرطة فوراً بوجود اقتحام لملكية خاصة بانتهاك حيازة الصندوق.»
هشام صرخ بصوت عالي وهو بيقرب مني: «انتِ مش من حقك تطرديني من البيت اللي عشت فيه 12 سنة! المحامي بتاعي هيوريكي!»
طارق وقف في وشه بكل هيبة، وربّع إيده:
«أستاذ هشام.. أمن العزبة برة معاه أمر كتابي بإخلائكم، وبوابات القصر اتغيرت أرقامها السرية من نص ساعة وأنتوا مش داريين. لو بتحب نفسك وتحافظ على اللي فاضل من سمعتك في سوق الأعمال.. اطلع لم هدومك وامشي بالهدوء.»
شيرين بصت لهشام بذهول، وهشام بص لها بعجز وتوتر وهو مش عارف يرد ولا يقول إيه. الثقة والسيطرة اللي كانوا داخلين بيها اختفت في لحظة، واتبخرت كل الأحلام اللي بنوها على تقسيم الثروة.
لفيت ضهري وبصيت لبورتريه أمي المكسور على الرخام. ووطيت بالراحة، رفعت البرواز المكسور من على الأرض، ومسحت التراب والازاز المكسور من على وش **نادية هانم الألفي**.. وابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا حاسة إن الحق رجع لأصحابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *