مرات ابني اتريقت عليا حصري لصفحة روايات رولا

​في تجمع العيلة السنوي، مرّات ابني رفعت كاس الشامبانيا، وشاورت عليا قدام الكل وتتريقت وقالت إن أنا الست اللي دايماً بتيجي وإيدها فاضية، بس سبحان الله بتتوقع تقعد في أحسن مكان على الترابيزة!
​الكل ضحك.
​ابني مضحكش.
​بس مدافعتش عني ولا فتح بقه برضه.
​كل اللي عمله إنه بَصّ في طبقه وسكت.
​اللي محدش فيهم يعرفه، إني بقالي يجي سنتين بدفع أقساط شقة ابني من تحت لتحت في السكة عشان البيت ميتسحبش منه.
​في بعد الظهر ده، قررت أقف وأعمل نخب وأقول كلمة بنفسي.
​التجمع كان في جنينة بيت أخو جوزي “داوود” في المنصورة.
​كان يوم دافي في أواخر الصيف.. الأطغال بيلعبوا في الجنينة، والمشاوي على الفحم، والقرايب قاعدين على الكراسي بيتكلموا عن الشغل والإجازات والتجديدات وكل اللي حصل من السنة اللي فاتت.
​أنا وصلت من قبل الظهر.
​ساعدت في شيل الأكل للمطبخ.
​مليت العصير.
​رصيت الأطباق والمناديل.
​وقعدت ألاعب أحفادي عشان أهاليهم يقعدوا يتكلموا مع القرايب.
​مكنش عندي مشكلة.
​عند ستين سنة، وبعد 11 سنة من وفاة جوزي، اتعلمت إن العيلة مش مثالية.
​الناس بتنسى.
​بيهملوا.
​وأوقات بياخدوا طيبتك وكرمك كأنه حق مكتسب ومضمون.
​في العادة، كنت بشوف إن شراء الخاطر أهم من إني أثبت صحة كلامي.
​بس أوقات اللي بتسميه “شراء خاطر” بيبقى مجرد سماح للناس إنهم يهينوك.
​واتعلمت ده قبل العشا على طول.
​”مي”، مرّات ابني، وقفت في نص الجنينة ومسكة كاس الشامبانيا:
​”أنا عايزة أقول كلمة وأعمل نخب!”
​الكلام بين الناس بدأ يهدى.
​ابتسمت للجنينة كلها قبل ما تبصلي بثبات:
​”نرفع الكاس للست اللي دايماً بتيجي وإيدها فاضية، بس سبحان الله بتتوقع دايماً تقعد في أحسن مكان على الترابيزة!”
​لمدة ثانية، محدش رد.
​وبعدين الناس بدأت تضحك!
​مش ضحك أحراج.. ضحك حقيقي!
​ابن أختي دارى ضحكته.
​واحدة من صاحبات مي كانت هتتدلق من المشروب من كتر الضحك.
​شوية من القرايب وشوشهم اتغيرت وحسوا بالإحراج، بس محدش فتح بقه.
​أنا فضلت قاعدة وحاطة إيدي في حجري.
​وبعدين بصيت لـ “طارق”.. ابني اللي عنده 35 سنة.
​افتكرته وهو طفل صغير كان بيجري عليا في المطبخ لما تحصله مشكلة.
​استنيته يبصلي.. مبصليش!
​يفضل باصص في طبقه.
​وده وجعني أكتر من هزار مي.
​لأن مي مكنتش تعرف أنا عملت إيه عشانهم.. بس طارق كان عارف!
​من سنتين تقريباً، كلمني بعد ما اتسرح من شغله كمدير.
​صوته كان كله رعب.. عندهم طفلين، وأقساط شقة، وقسط عربية، ومصاريف مدارس.
​كان خايف يبيعوا الشقة وينقلوا العيال من مدرستهم.
​عمره ما طلب مني فلوس بشكل مباشر، كان عزيز النفس، بس أنا فهمت اللي عايز يقوله.
​فعرضت عليه: “أنا ممكن أدفع قسط الشقة كام شهر.”
​ووعدني إن الموضوع مؤقت: “دول شهرين بس يا أمي لحد ما أقف على رجلي.”
​الشهرين بقوا ستة.. والستة بقوا سنة.. والسنة بقت 22 شهر!
​عمرِ ما حكيت لحد.. مكنتش عايزة أكسر نفس ابني.
​وبدلاً من ده، بقيت أسحب بالراحة من تحويشة العمر اللي جمعتها من شغلي ككاتبة في مدرسة لمدة 30 سنة.
​شهر ورى شهر، أدفع قسط شقتهم.
​وفي نفس الوقت، كنت لسه بركب عربيتي القديمة اللي بقالها 12 سنة.. بوفر في المصاريف.. حتى عملية الركبة اللي الدكتور نصحني بيها أجلتها عشان خفت من مصاريفها.
​ورغم كده، كل ما أزور بيت طارق ألاقي حاجة جديدة!
​عربية جديدة.. تجديدات في البيت.. فسح وإجازات.. مطاعم غالية.
​وفضلت ساكتة.. لأن بالنسبة ليا، مساعدة العيلة مش حاجة بنعلن عنها في الميكروفونات.
​لحد ما مي رفعت الكاس وقالت عليا باجي وإيدي فاضية.. وطارق باصص في طبقه!
​في حاجة جوايا اتغيرت تماماً.
​زقيت الكرسي لورا، وصوت احتكاكه بالأرض قطع الضحك.
​طارق رفع رأسه فوراً.. وابتسامة مي اتجمدت.
​مسكت كاس المية وقمت وقفت.
​”بما إننا بنقول كلام حلو وبنعمل نخب”، قلتها بمنتهى الهدوء، “فأنا كمان حابة أقول كلمة.”
​الجنينة كلها سكتت.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *