الدلاية حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
: دلاية أمي الفضية القديمة (مفاجأة الورث المستخبى)
​أمي كانت دايماً بتقول إن عيلتنا زي الترابيزة..
“كل رجل فيها مهمة يا بنات”.. كانت تقولها وهي مبتسمة وبتجهز العشا لينا واحنا صغيرين. “لو رجل واحدة مالت أو انكسرت، الترابيزة كلها تقع وتتهد على اللي عليها”.
وقتها، وأنا طفلة صغيرة، كنت مصدقة كلامها وببصله بقدسية.
​وقتها، أنا وأخواتي ريهام ومي كنا بنلعب ونتخانق على الهدوم ومين اللي ياخد الحتة الكبيرة من الكيكة، وكنا بنلوف عيوننا بملل من نصايح أمي وقوانينها في البيت.. كنا فاكرين إن الأم دايماً هتفضل موجودة ومبتغيبش زي الشمس.

بس لما كبرت، اتعلمت الحقيقة الصعبة اللي العائلات بتخاف تواجهها أو تعترف بيها: فيه ناس بتظهر في حياتك بس لما يكون الحب سهل ومريح.. وناس تانية مبتظهرش إلا لو فيه مصلحة أو فلوس هياخدوها.
​أمي “أمينة” كان عندها تلات بنات.
ريهام، الكبيرة.. كانت طموحة، شيك، وبتحب المظاهر ومبتطيقش أي حاجة تعطّلها أو تاخد من وقتها.
ومي، البنت الوسطانية.. كانت ملامحها هادية وبتبان غلبانة وطيبة، بس دي كانت قشرة برة بس.. كانت دموعها قريبة وبتعتذر بسرعة، بس طريقتها دي كانت دايماً تمهيد لطلب قرشين أو مصلحة من وراك.

وبعدين أنا.. “نادية”.. البنت الصغيرة اللي فضلت عايشة جمب أمها حتى بعد ما خلصت جامعة، كنت بروح أتعشى معاها كل حد، وأرد على تليفونها بلهفة لما تطلبني بس عشان تقولي إنها وحشتها نبرة صوتي.
​طول عمر سذاجتي كانت مخلية عذري ليهم جاهز: “ريهام ومي مشغولين في حياتهم وجوازاتهم، بس وقت الجد والشدة هيقفوا جمبي وجمب أمي”.
أول إشارة إن الدنيا بدأت تبوظ كانت بسيطة وتافهة.. أمي بدأت تنسى حاجات صغيرة.
تضيع مفاتيح الشقة وتضحك وتقول الزهايمر بدأ، أو تطلبني مرتين في نفس اليوم تسألني على نفس الحاجة وتقول معلش أصلي مهيبرة من قلة النوم وضغط البيت.

وبعدها دخلنا في مرحلة التعب الحقيقي والهمدان.. أمي مابقتش تنزل تتمشى الصبح زي زمان، وبقت تقضي اليوم نايمة على الكنبة القديمة في الصالة لدرجة خلت شكلها يبان صغير وضعيف قوي ومخيف بالنسبة ليا.

​واليوم اللي وقعت فيه من طولها في السوبر ماركت القريب من البيت في شبرا.. كان هو اليوم اللي فوقني من وهم العيلة.
المستشفى كلمتني أنا لأن رقمي كان هو رقم الطوارئ المسجل في بطاقتها الصحية.
لما وصلت، أمي كانت مكسوفة وحاضنة شنطتها في حضنها كأنها بتستخبى وراها من العجز.
قالت بضيق وكسوف: “مفيش حاجة تستاهل يا نادية يا بنتي.. أنا بس قومت بسرعة والضغط وطي”.
قولتلها وأنا ببوس راسها: “يا أمي إنتي وقعتي في السوبر ماركت والناس شالتك.. اهدى بس”.
الليلة دي عملتلها شوربة دافية وقعدت معاها على الكنبة، حطت راسها على كتفي زي زمان وحسيت برعب حقيقي.. أنا لسه محتاجاها في حياتي، ومقدرش أتخيل الدنيا من غيرها.
​تاني يوم الصبح كلمت ريهام ومي عشان نقف جمبها ونشوف هنعمل إيه.
ريهام ردت عليا بنبرة مستعجلة ومتنرفزة: “نادية أنا مش فاضية خالص وورايا اجتماع مهم في الشغل وعندي تسليم مشاريع”.
قولتلها: “ريهام.. أمي وقعت في الشارع ودخلت المستشفى امبارح!”
سكتت ثانية وقالت ببرود: “طب هي كويسة دلوقتي؟”
رديت: “الدكاترة عايزين فحوصات ومتابعة.. ولازم نتناوب عليها ونقف معاها، أنا لوحدي مش هقدر على الشغل والمستشفى”.
نفخت وقالت: “أنا جدولي مقفول الأسبوع ده كله.. قولي لها ترتاح وأنا هبقى أعدي عليها لما أفضى.. وبلاش تعملي سيناريو دراما من بتاعك ده عشان أنا عارفة إنك بتحبي دور الضحية والمسؤولة”.
الكلام نزل عليا زي الكرباج.. جرحني في مقتل.
قولتلها بصوت واطي: “أنا بحب أمي وعايزاها تعيش.. مش بمثل”.
قالت بزهق: “مش فاضية للكلام ده دلوقتي يلا سلام”، وقفلت السكة في وشي.
حصري روايات رولا
​كلمت مي، ومي كانت أرأف شوية في النبرة: “يا حبيبتي يا أمي.. يا عيني عليها تعبانة قوي؟”
قولتلها: “محتاجة حد يفضل معاها.. تقدري تيجي تقعدي معاها يومين بس تشيلي معايا الحمل وتوديها للدكتور؟”
قالت بسرعة وتمثيل واضح: “من عيوني يا نادية.. ابعتيلي التفاصيل والعناوين وأنا هجيلها علطول”.
وطبعاً ده كان كلام لسان وبس.. مجتش ولا سألت بعد كده.
​تشخيص أمي جه بالتدريج وبوجع.. تحاليل، دكاترة، إشاعات.. لحد ما الدكتور قالي بصراحة: “المرض في مراحله الأخيرة وكل اللي نقدر نعمله دلوقتي هو الرعاية التلطيفية والمسكنات لحد ما أمر ربنا يتم”.
أمي كانت بتحاول تبان قوية ومبتسمة عشاني.. بس كنت بشوف الخوف في عينيها وهي ماسكة الدلاية الفضية اللي في رقبتها وكأنها بتقرا عليها تعاويذ وأدعية تحميها.
الدلاية دي كانت حتة من أمي.. دلاية فضة صغيرة وعتيقة ومحفورة على شكل بيضاوي ومعلقة في سلسلة رفيعة لونها اتغير من كتر الاحتكاك بجلدها.. لبستها في الأفراح والمآتم وفي البيت وحتى وهي نايمة كانت في رقبتها.
حصري روايات رولا
​لما التعب زاد وبقت طريحة الفراش، بقيت أنا الست اللي مابتنامش وبتعيش في الفراغات الصعبة بين الشغل والمستشفى وجرعات الدواء وتنضيفها والوقوف جمبها.
في ليلة صعبة وهي بتتألم بصوت واطي، قالتلي ودموعها نازلة: “أنا أسفة يا نادية يا بنتي.. بقيت حمل تقيل عليكي وتعبتك معايا”.
بست إيدها وقولت والدموع في عيني: “إنتي مش حمل يا أمي.. إنتي البركة بتاعتي والبيت كله من غيرك ميسواش مليم”.
ضغطت على إيدي بقوة غريبة وسكتت وبصت في عيني بنظرة طويلة وعميقة كأنها بتودعني وتقولي كلام كتير بس فضلت السكوت.
​لما أمي ماتت.. ماتت في هدوء تام في فجر يوم جمعة.. إيدها كانت في إيدي وراحت روحها لبارئها بسلاسة من غير أي دراما وعذاب.
قعدت جمبها ساعات مش قادرة أتحرك ولا أصدق إن البيت فجأة بقى فاضي وبلا روح.
ريهام ومي وصلوا متأخر.. وبدأوا يولولوا ويصرخوا قدام الناس عشان يعملوا شو ومنظر الحزن والأخوات اللي قلبهم محروق.
الجنازة كانت زحمة، والناس عمالة تعزيني وتقولي أمك كانت ست صالحة ونقية وجمعتكم دايماً.. وأنا بهز دماغي وبقول الحمد لله وقلبي فاضي ومستنزف تماماً.
​بعد أسبوع من الوفاة، اتجمعنا في مكتب الأستاذ ممدوح المحامي عشان قراءة الوصية وتوزيع الميراث.
ريهام كانت قاعدة شيك ولابسة أسود فخم كأنها رايحة اجتماع مجلس إدارة، ومي عمالة تمسح عينيها بمنديل وتشهق بالبكاء المستعار.
الأستاذ ممدوح فتح الورق وبدأ يقرا ببرود روتيني:
“شقة شبرا الكبيرة.. تؤول ملكيتها بالكامل للابنة الكبرى ريهام”.
ريهام أخدت نفس طويل والابتسامة بانت على وشها كأنها كسبت قض\\ية.
“الحساب البنكي والشهادات الإدخارية.. تؤول بالكامل للابنة الوسطى مي”.
مي كتفت إيدها وشهقت براحة وضمنت قرشين حلوين يسندوها.
وبعدين المحامي طلع علبة قطيفة صغيرة وقديمة من الدرج وزقها ناحيتي:
“أما الابنة الصغرى نادية.. فترث الدلاية الفضية الخاصة بأمها وسلسلتها”.
حصري روايات رولا
​السكوت حل في الأوضة مرة واحدة.. سكوت غريب ومحرج.
مي بصت للعلبة وقالت باستغراب وضحكة مكتومة: “ده بجد؟ يعني السنين والخدمة دي كلها وأمك سابتلك حتة حديدة فضة مصدية؟”
ريهام ضحكت ضحكة صفرا وشماتة واضحة: “طب والله عيب.. يعني ياللي كنتي عاملة نفسك الملاك الحارس والابنة البارة، أهو أمك في الآخر عرفت قيمتك وسابتلك سلسلة مابتجيبش خمسين جنيه.. التعب ماراحش في مطرحه يا نادية!”
النفس ضاق بيا ودموعي كانت هتنزل من غدرهم.. بس تكيّفت ومسكت العلبة وقولت بقوة وعيني في عينهم: “الدلاية دي كانت ريحة أمي.. وهي عندي بالدنيا كلها وبالشقة وبالفلوس اللي هتتخانقوا عليها”.
مي لوت بوزها وقالت: “براحتك يا حبيبتي.. ابقي بيعيها لما تتزنقي في إيجار شقتك الجديدة”.
المحامي اتنحنح وقال: “طالما خلصنا الإجراءات.. اتفضلوا امضوا هنا”.
ريهام وقفت بسرعة ومضت وقالت: “يلا يا مي عشان عندي مشاوير”.
​طلعت وقفت في الشارع وأنا كابسة على العلبة القطيفة في جيبي بكل قوتي لحد ما السلسلة علّمت في كف إيدي.
​الشهور اللي بعد وفاة أمي مكانتش شهور حزن بس.. دي كانت حرب شوارع بين ريهام ومي.
ريهام نزلت الشقة وبدأت توضبها عشان تبيعها ومي طالبت بحقها في العفش والحاجات الأنتيكة.. ريهام اتهمتها بالطمع ومي اتهمتها بالأنانية والخباثة والسرقة.. وأنا كنت في النص بتفرج بقرف وزهد.
ريهام في الآخر غيرت قفل الشقة وطردت مي ومنعتها من الدخول.. وأنا أخدت كرتونة صغيرة فيها صوري وصور طفولتي وعزلت في شقة إيجار صغيرة وبدأت حياتي من الصفر في هدوء بعيد عن قرفهم وخناقهم على القرش.
حصري روايات رولا
​مبقتش أرد على تليفوناتهم خالص.. كانوا بيكلموني بس لما واحدة فيهم تتخانق مع التانية وعايزاني أقف في صفها ضد أختها.
ريهام تقولي: “قولي لمي تبعد عني ومطالبش بحاجة!”
ومي تقولي: “شايفة ريهام بتعمل إيه؟ دي كلت حقنا وشقتنا!”
كنت بقفل السكة وأقولهم ماليش دعوة بمشاكلكم.. صونوا ذكرى أمكم وبطلوا فجر.
​في يوم رحت شقة شبرا عشان أجيب بقية كرتونة صوري القديمة اللي كانت في البلكونة، ولقيتهم واقفين في الصالة بيصرخوا في وش بعض والجيران سامعينهم.
مي صرخت في ريهام: “إنتي بعتي سفيرة السفرة والنيش بتوع أمي يا ريهام؟ دي كانت أثر وريحة الغالية!”
ريهام ردت ببرود: “حاجات قديمة ومكركبة الشقة وملهاش لازمة وبعتها للتاجر وجابت سعر حلو.. دي شقتي وأنا حرة أعمل فيها اللي أنا عايزاه”.
مي شافتني ودخلتني في الحوار: “شايفة يا نادية؟ قولي لها إنها غلطانة وحرام عليها!”
بصيتلهم وأنا قرفانة وتعبانة وقولت بصوت واطي: “كفاية بقى.. ارحموا نفسها وارحموا سيرة أمكم في قبرها!”
ريهام زعقت: “بقولك إيه يا نادية إنتي ماليش كلمة عليا وبلاش دور الواعظ ده.. إنتي أصلاً طلعتي من المولد بلا حمص فخلّيكي في حالك”.
ومي زعقت في ريهام: “إنتي اللي طماعة وأكلتي الورث كله!”
ريهام ردت عليها: “على الأقل مخلصتش فلوس أمي والشهادات البنكية في سنة واحدة على اللبس والسفر والمنظرة زيك يا فاشلة!”
​مشيت وسبتهم بياكلوا في بعض.. وريهام بعتتلي رسالة بالليل: “الشقة اتباعت خلاص والمالك الجديد هيستلم الأسبوع الجاي.. تعالي خدي كرتونتك القديمة عشان هرميها في الزبالة لو فضلِت”.
الشقة اتباعت ومي خلصت الفلوس في سنة وراحت تشتري عربية وتصيف وبدأت تكلمني تعيط وتطلب مني سلف وفلوس عشان تتزنقت.. ومكنتش برد عليها ولا على رسايلها.
​كنت بقعد بالليل في شقتي الصغيرة، أمسك الدلاية الفضية وأفتكر طيبة أمي وحنيتها وأبكي وأقول: “يا أمي.. وحشتيني قوي”.
​سبع سنين عدوا.. سبع سنين من الشغل والتعب والصبر والرضا.
اتعلمت فيهم إزاي أصنع سلامي النفسي بإيدي وأقول (لا) بكرامة ومن غير خوف وخجل.
ريهام بقت زي الغريبة اللي بتبعت رسايل مجاملة في الأعياد من باب تبرئة الذمة.. ومي قطعت لما عرفت إني مش هديها فلوس سلف.
​وفجأة.. خالتي “صفاء” توفت.
خالتي صفاء كانت الأخت الصغيرة لأمي.. ست هادية جداً، ملهاش صخب، مكنتش اتجوزت ولا خلفت وعايشة لوحدها في شقة قديمة في الظاهر كلها كتب وورد وريحة بخور وياسمين.. كنت بروح أزورها وأقعد معاها برضه وبحبها لأنها كانت ريحة أمي الحنينة.
جنازتها كانت صغيرة وريهام ومي جم متأخر ولابسين نظارات شمس وعملوا الواجب ومشوا بسرعة كأنهم وراهم ميعاد مهم.
​بعد أسبوعين من الوفاة.. تليفوني رن.
المتصل كان الأستاذ ممدوح المحامي بتاع زمان.
قال بنبرة هادية ورسمية: “مساء الخير يا نادية يا بنتي.. سؤالي غريب شوية.. بس إنتي لسه محتفظة بالدلاية الفضية بتاعة والدتك الله يرحمها؟”
قلبي انقبض وقولتله: “أيوة يا فندم.. معايا وفي عيوني.. في إيه؟”
قال بصوت مريح: “طب من فضلك تعاليلي المكتب حالاً وهاتي الدلاية معاكي”.
​نزلت وجريت على هناك وإيدي على جيبي والدلاية حاسة بوزنها تقيل وكأنها بقت كائن حي بينبض بالخبايا.
دخلت المكتب والأستاذ ممدوح رحب بيا وقعدني قدام مكتبه.
وقالي: “أهلاً يا نادية.. هاتي بقى الدلاية لو سمحتي”.
حطيت الدلاية في إيده.
​مسكها وبدأ يلفها بتركيز وفتح القفل الصغير بتاعها بحرص.. وبصباعه ضغط على الحافة الداخلية للبطانة الفضية ولفها بزاوية معينة.. وفجأة الجزء الداخلي اتحرك وظهر تحته تجويف صغير جداً ومحفور فيه أرقام وحروف إنجليزية دقيقة ونظيفة وممسوحة بالليزر!
بصيت بذهول وقولت: “إيه ده؟ أنا عمري ما خدت بالي إن الدلاية دي بتتفتح بالطريقة دي أو فيها كتابة جوة!”
المحامي ابتسم وحط دوسيه تقيل قدامي وقال: “والدتك الله يرحمها.. قبل ما تموت بكام سنة، عملت صندوق استثماري وحساب ائتماني مقفول في بنك دولي كبير.. وكتبت شروط لنقل الأصول دي بالكامل وتسييلها لشخص واحد بس”.
​صدري بدأ يضيق ومبقتش قادرة أتنفس من المفاجأة.
زق الورق قدامي وقالي: “شوفي الأرقام والحسابات دي”.
بصيت للأرقام والتحويلات.. الأرقام كانت بملايين الجنيهات والشهادات الاستثمارية والعقارية الكبيرة باسم أمي!
صوتي اتهز وقولت: “ده.. ده لمين؟”
قال بابتسامة دافية: “ليكي يا نادية.. الحساب والأصول دي اتنقلت للصندوق وحسابات الوصاية باسم خالتي صفاء كحارس قانوني ومنفذ للوصية.. والشروط كانت صارمة جداً: الأصول دي متتفتحش ولا تؤول ليكي إلا بعد مرور 10 سنين من وفاتها بشرط إنك تكوني لسه محتفظة بالدلاية دي وما فرطتيش فيها ولا بيعتيها.. ولكن في حالة وفاة خالتي صفاء قبل الـ 10 سنين (وهو اللي حصل دلوقتي بعد 7 سنين)، تؤول التركة والأصول ليكي فوراً طالما الدلاية معاكي وبحوزتك والرقام دي مطابقة للرقم التسلسلي المشفر لحساب البنك”.
​برقت عيني وقولت بدموع: “يعني خالتي صفاء كانت عارفة؟”
قال: “أيوة.. وهي اللي كانت بتدير الحساب وبتشرف على الأرباح وبتزودها.. وكانت ممنوعة بحكم شروط الوصية تقولك أي حاجة عشان نضمن إنك محتفظة بالدلاية لمجرد قيمتها العاطفية وريحة والدتك.. مش عشان قيمة الفلوس المستخبية وراها”.
​ورجع فتح دوسيه تاني وقالي: “ومش بس كده.. خالتي صفاء الله يرحمها كتبت في وصيتها إن شقتها في الظاهر وكل مدخراتها وحاجاتها الشخصية تروح بالكامل ليكي إنتي.. لأنك كنتي البنت الوحيدة اللي بتسأل عليها وتودها من غير مصلحة”.
​الشقة لفت بيا.. والدموع غرقت وشي.. بس مش عشان الملايين والشقق.. عشان أمي كانت عارفة.. كانت شايفة وشايفاهم وعارفة مين اللي صان ومين اللي خان ومين اللي يستحق الشقا والتعب ومين اللي يطمع وياخد ويجري.
همست بدموع ونحيب: “يعني الدلاية دي.. كانت المفتاح والفيصل”.
قال المحامي: “أيوة يا بنتي.. وكانت رهان أمك عليكي وعلى أصلك.. وإنتي كسبتي الرهان”.
​الخبر طار في العيلة بسرعة البرق.. الفلوس والملايين مابتستخباش في بيوت الموتى لما يكون المحامين شغالين.
أول تليفون جالي كان من ريهام.
صوتها كان ناعم، حنين، ومترتب وخايف قوي: “نادية يا حبيبتي.. إزيك وعاملة إيه؟ وحشاني قوي.. احنا أخوات يا حبيبتي ولازم نتجمع ونقعد سوا ده إحنا ملناش غير بعض”.
كنت سامعة صوت الحسابات والقرش في وداني من ورا الكلمة الحنينة.
ومي كلمتني بعدها وهي بتعيط بحرقة: “أنا كنت صغيرة ومكنتش فاهمة حاجة والدنيا جت عليا وتعبت.. متسيبينيش يا نادية يا أختي ده أنا لحمك ودمك وأمك كانت دايماً تقول الترابيزة متقفش من غير رجل مننا”.
​مسكت التليفون وقولتلها بكل برود وراحة وهدوء: “أمي كانت بتقول كده لما كنا بنات بنحب بعض وبنخاف على بعض.. بس إنتوا كسرتوا الترابيزة بإيدكم لما بعتوا عفشها وطردتوني واستهزأتم بيا وضحكتم عليا وأنا ماسكة ريحة أمي وببكي عليها.. إنتوا بعتوا أمكم بالقرش، وأنا صنتها بالتراب.. فمحدش يكلمني عن الأخوة دلوقتي”.
​ريهام بعتتلي رسالة: “عايزين نقعد ونتصالح والأصول بتقول كده”.
ومي بعتت: “أرجوكي متقسيش علينا.. أمنا كانت هتزعل من الفرقة دي”.
الرسالة دي بالذات خلتني أبتسم بمرارة وأقفل التليفون خالص.. أمي هي اللي خططت لكل ده وعرفت قيمتكم وحرمتكم عشان تتعلموا الدرس وتعرفوا إن القلوب النقية هي اللي بتدوم في الآخر.
​وافقت أقابلهم مرة واحدة في كافيه هادي في المعادي.. أرض محايدة.
ريهام جت شيك وبتحاول تبتسم وودودة، ومي دخلت وراها وعنيها حمرا وبتتباكى.
ريهام قعدت وقالت: “احنا غلطنا يا نادية ومقدرناش تعبك ووقفتك جمب أمنا.. واحنا أسفين”.
بصيتلهم وقولت: “إنتوا مكانش هاممكم أمي ولا تعبي.. إنتوا كان هاممكم هتاخدوا إيه وتمشوا.. ومفتكرتونيش بكلمة حلوة ولا بقرش لما كنت ببني حياتي من الصفر في الشقة الإيجار وريهام بتبيع شقة شبرا ومي بتشتري عربية وتصيف.. محبتوش تشاركوني في فرحكم وبحبوحتكم.. فملكمش حق تشاركوني في رزقي اللي ربنا وأمي كتبوه ليا”.
​مي عيطت وقالت: “بس احنا أخوات وممكن نبدأ من جديد”.
هزيت دماغي وقولت: “ابداوا من جديد مع نفسكم وأصلحوا حالكم.. أنا علاقتي بيكم انتهت رسمياً.. احترموا حدودي وبلاش اتصالات ورسايل تانية”.
ريهام وشه اتشنج وقالت بغل: “يعني عشان الفلوس هتتبري مننا؟”
بصيت في عينها بثبات وقوة: “لأ.. عشان اللي عملتوه وأنا معيش مليم.. عشان الطمع والغل والجحود اللي في قلوبكم.. الفلوس كشفتكم بس مش أكتر”.
​وقفت وشيلت شنطتي ومشيت وسيبتهم على الترابيزة بياكلوا في نفسهم من القهر والندم.. مشيت وأنا حاسة بروح أمي وخالتي صفاء حواليا في الهوا الساقع وبيطبطبوا على كتفي.
​عزلت ونقلت في شقة خالتي صفاء بالظاهر.. الشقة دافية وجميلة وبخورها مالي المكان.. وصور أمي في كل حتة.
الدلاية الفضية محطوطة في علبتها القطيفة القديمة على الكومودينو جمب سريري.. مش بلبسها كل يوم.. بس ساعات لما بشتد بيا الحنين وأشتاق لأمي، بمسكها وأقفل كف إيدي عليها وأحس بدفاها وريحتها وبفتكر كلامها الحقيقي: “إن الوفاء والأصول والرحمة هما اللي بيدوموا في الآخر.. والشر بيقع في شر أعماله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *