مدفوعات
— **لو المدفوعات المبدئية مادفعتش النهاردة، بكرة الصبح هنوقف علاج ابنك.**
الكلمة نزلت زي الصاعقة في طابور مستشفى الأطفال بمصر القديمة. مريم كانت ضامة لفيشة الفحوصات والتقارير بتاعة ابنها على صدرها بكل قوتها، ووطت رأسها عشان أخصائية التخليص المالي ماتشوفش الدموع اللي ماليين عينيها. كل اللي حيلتها في الشنطة 150 جنيه، وغيار هدوم واحد، وعلبتين بسكويت، ومفتاح مبقاش يفتح أي باب، بعد ما سابت الأوضة اللي كانت مأجراها في شبرا من تلات أسابيع.
على بعد خطوات، وقف **مراد بيه** مذهول ومش قادر يتحرك.
مراد رجل أعمال معروف، كان جاي المستشفى النهاردة بنفسه عشان يتابع أجهزة التنفس اللي تبرع بيها للمكان. وهو طالع، لمح الست اللي قاعدة متكومة على كرسي بلاستيك أزرق في الممر.
دي كانت **مريم**… الشغالة اللي شغالّة عنده في فيلا المعادي بقالها أربع سنين.
طول عمرها بتيجي في ميعادها بالثانية، نضيفة ووشها بشوش. من كم شهر طلبت تعدل مواعيد شغلها عشان “ظروف عائلية”، ومراد وافق من غير ما يسأل ولا يضغط عليها.
دلوقتي بس فهم الحقيقة كلها.
ورا الإزاز، كان قاعد **ياسين**… طفل مولود بدري ومتركبله خرطوم أكسجين وأجهزة قياس النبض. مريم كانت لابس نفس البلوزة بتاعة امبارح، ومتغطية بشال قديم ومتهالك.
مراد رجع لورا عشان ماتشوفوش، وراح على طول لمكتب الدكتور المتابع. وبعد ما مريم وافقت توقّع على إذن مشاركة التفاصيل، مراد سمع كلام خلاه يتصدم: الطفل محتاج عملية قلب مفتوح فوراً. مريم باعت العفش، ورهنت غوايش أمها الدهب، وصرفت كل مليم حيلتها. أما أبوه، **حسام**، أول ما عرف إن الولد هيتولد بمشاكل صحية، خلع واختفى.
— **مش بس اختفى…** —الدكتور كمل كلامه بأسف— **ده أمه جت هنا الأسبوع اللي فات، وقالت لمريم تسيب الولد يموت عشان “طفل عيان زي ده مش هيجيب غير الفقر والوجع”.**
مراد حس بمرارة شديدة في حلقة.
بالليل، رجع للممر تاني. مريم كانت موطية على الحضانة وبتوشوش ياسين عشان ماريخافش. أول ما لفت وشها وشافت صاحب شغلها، وشها اصفرّ واصطدمت:
— **مراد بيه… أنا.. أنا هفهم حضرتك! والله ما بقصر في الشغل، وبكرة الصبح هكون في الفيلا في ميعادي، أوعدك!**
— **أنا مش جاي أحاسبك يا مريم.**
— **أنا محتاجة الشغل ده أوي** —قالتها وهي بترتعش ومذعورة— **لو مشتني، ابني مش هيلاقي ثمن دواه.**
مراد كان لسه هيرد ويتكلم، بس فجأة دخلت الممر ست صابغة شعرها ولابسة دهب كتير. كانت **حكمت**، أم حسام. رميت ورق على الكرسي بقلة أدب:
— **وقّعي هنا. تتنازلي عن أي نفقة أو مصاريف من ابني، وساعتها مش هتشوفي وشنا تاني.**
مريم بصت في أول ورقة… الموضوع مكنش مجرد تنازل عن نفقة، ده كان تنازل كامل عن نسب الولد لعيلة حسام!
— **مش هSign.. مش هعض على الورق ده أبداً.**
حكمت مسكتها من دراعها بقوة:
— **يبقى استحملي بقى اللي هيجرالك! حسام اتفق مع محامي، وهنرفع قض\\ية إثبات عدم أهلية.. هنيجي ونقول إنك مش متزنة، ومعندكيش سكن، وسايبة الواد في المستشفى عشان تشتغلي.. ووالله لناخد الطفل منك.**
مراد جه يتدخل، بس مريم زقت إيد الست وحضنت ملف ابنها جامد:
— **ياسين مش بيعة وشروة!**
حكمت ضحكت بشر:
— **لا يا حبيبتي، هو مشكلة.. وبكرة لما يلغوا العملية عشان معندكيش تدفعي الشيك، هتفهمي الكلام ده كويس.**
في اللحظة دي بالذات، جهاز إنذار الحضانة صفّر بصوت عالي ومرعب! الممرضات والدكاترة جروا على الأوضة، ومريم صرخت باسم ابنها وهي بتنهار…
وهنا مراد فهم إن مفيش وقت للحديث ولا الاستئذان… لازم يتحرك فوراً.
يتبع
:
## الجزء الثاني
الدكاترة قدروا يثبتوا حالة ياسين بعد عشرين دقيقة عدّوا كأنهم أبديّة. مريم فضلت ملزوقة في الإزاز وهي بتترعش، في الوقت اللي حكمت مشيت فيه من غير ما يبان عليها حتى مجرد إحساس بالذنب.
مراد عمل تلات مكالمات:
* الأولى كانت لمدير المستشفى.
* الثانية لأشطر جراحة قلب أطفال في مصر.
* الثالثة للمحامي بتاعه.
وقبل نص الليل، كانت التكلفة الكاملة للعملية، والأدوية، وفترة التأهيل مدفوعة بالكامل. لما الدكتور طارق بلغ مريم بالخبر، بصت له بين الارتياح والخوف:
— **أنا مش هقدر أقبل كل ده.. ده كتير أوي.**
رد مراد بثبات:
— **أنا مش بشتري منك حاجة يا مريم.. أنا بس بمنع إن الظلم يقرر مصير حياة ابنك.**
مريم انهارت في العياط.
تاني يوم الصبح، اتحدد ميعاد العملية يوم الجمعة. مراد عرض عليها كمان شقة صغيرة في المعادي قريبة من فيلته، وشغل إداري بمرتب ومواعيد مريحة ومناسبة لظروفها. بس قبل ما تلحق ترد، وصلها إعلان قضائي! **حسام** رفع دعوى بيطلب فيها الحضانة المؤقتة لياسين.
في العريضة بتاعته، كان كاتب إن مريم أم مهملة، ملهاش عنوان ثابت، ومش متزنة نفسياً. وكان مرفق صور ليها وهي نايمة على الكرسي في المستشفى، وتقرير نفساني مضروب بيوصي بإبعاد الطفل عنها!
— **الكلام ده كذب والله!** —مريم قالتها بانهيار— **أنا عمر ما حد كشف عليا ولا عملي تقرير!**
المحامي بتاع مراد بص في التقرير وضيق عينيه. التوقيع كان لدكتورة نفسية شغالّة في مركز طبي خاص ملك لعيلة حسام!
في نفس اليوم الظهر، حسام ظهر في المستشفى. كان لابس بدلة شيك ومقلمة، ومسك بوكيه ورد، وبيصطنع الاهتمام والدفء قدام الممرضات:
— **أنا جاي أطمن على ابني وأخده.**
مريم وقفت في وشه:
— **ابنك بقاله شهور هنا وعمرك ما سألت عنه ولا جيت شفته!**
حسام وطي صوته وقال بخباثة:
— **بلاش فضايح وشوشرة.. أمي بتقول إن الباشا المليونير ده بيكفلك وبيصرف عليكِ. وطالما ياسين بقى وراه قرشين، يبقى أنا كمان ليّا كلمة وليّا حق أقرر.**
مراد كان واقف عند الباب وسمع الجملة:
— **حق تقرر؟ يعني بقى له قيمة دلوقتي؟**
حسام ابتسم بقلة أدب:
— **حضرتك مش فاهم.. دي أمور عائلية وتخصنا.**
— **إنك ترمي طفل عيان ده مش أمور عائلية.. ده قذارة.**
حسام قرب من مريم ووشوشها:
— **وقّعي على التنازل وأنا هخلع وأسيبك في حالك. لو رفضتِ، أقسم بالله لهثبت في المحكمة إنك على علاقة بمراد بيه عشان تاخدي منه فلوس.**
التهديد كان كفيل يخلي وش مريم يصفَرّ ويقطع الخلف. هي مكنتش خايفة على سمعتها، هي كانت خايفة إن القاضي يعطل العملية أو يأجلها.
في اللحظة دي، تليفون محامي مراد رن بمسج. قدروا يوصلوا للدكتورة صاحبة التقرير، واعترفت إن حكمت دفعت لها فلوس عشان تزوّر التقرير. وتسلمت كمان تسجيلات بصوت حسام وهو بيشرح خطته: ياخد الحضانة، ويرفع قض\\ية يطالب فيها مراد بسبوبة وفلوس لدعم الطفل، وياخد الفلوس يقلّبها لحسابه.
مريم افتكرت إن الكابوس خلص لحد هنا… بس الدكتور طارق دخل المكتب وهو مستعجل ومخضوض:
— **عندنا مشكلة كبيرة! في حد طلب يسحب اسم الطفل من قائمة العمليات بحجة إن الأب مش موافق على الإجراء.**
— **مين اللي اتصل بالظبط؟** —مراد سأل بغضب.
الدكتور ورّاه السجل.. المكالمة كانت طالعة من مكتب **فريد Villaseñor**… **فريد أخو مراد الكبير!**
مريم بصت لمراد وهي مش فاهمة حاجة، بينما مراد حس إن الأرض بتميد بيه. فريد عضو في مجلس إدارة المؤسسة الخيرية بتاعته، وله صلاحية يوصل لكل الملفات. لو كان متآمر مع عيلة حسام، يبقى الموضوع مش مجرد خناقة على حضانة طفل… دي خيانة وطعنة في الضهر من أقرب الناس ليه!
وكان فاضل أقل من 12 ساعة على عملية ياسين!
## الجزء الثالث
مراد خرج من المستشفى وهو في قمة غضبه، غضب مCurrentش بيه من سنين. فريد، أخوه الوحيد، كان بيقود جزء من المؤسسة وكان دايماً بيشتكي ويقوله إن مراد بيضيع فلوسه على “حالات ملهاش أمل”.
بس عمره ما تخيل إن خسته توصل بيه لإنه يتدخل في عملية طفل هيموت!
— **هاتلي مكان فريد حالاً** —مراد قال للمحامي— **واعمل إيقاف فوراً لكل صلاحياته في المؤسسة.**
الرد جه بعد ربع ساعة: فريد قاعد بيتعشى في مطعم فخم في الزمالك مع حسام وحكمت!
مراد ماستنّاش، أخد المحامي وطلع على المطعم فوراً. دخل عليهم في الصالة الخاصة، ولقى التلاتة قاعدين، قدامهم أكل وعصاير، وعقود، ومجلد مكتوب عليه اسم “ياسين”.
فريد رفع عينه بضيق:
— **أظن مش مكانك هنا يا مراد.**
— **وأنت مش مكانك تتدخل في ملف طبي بتاع طفل!**
حسام حاول يقفل المجلد بسرعة، بس محامي مراد سحبه من قدامه. جوه كان في مسودات قض\\ية، وكشوفات حساب، ومشروع إنشاء صندوق استثماري. الخطة كانت إن حسام لما ياخد الحضانة، يطلب الدعم المالي من مؤسسة مراد يتحول لحساب شخصي، جزء منه يتسدد بيه ديون عيلة حسام، والجزء الثاني يروح لشركة “استشارات طبية” وهمية ملك لـ فريد!
— **هي حياة ياسين تسوى كام عندكم بالظبط؟** —مراد سأل بصوت طالع بالعافية من الصدمة.
حكمت عدلت الشال بتاعها بكل برود:
— **بلاش دراما يا مراد بيه. الولد محتاج فلوس وإحنا محتاجين نصلح أوضاعنا.. الكل كسبان.**
— **ومريم تخسر ابنها؟**
رد فريد بحدة:
— **مريم دي شغالة معندهاش بيت ولا قيمة! أنت سايب عقدة الذنب تعميك يا مراد.. أنت مش هتقدر تنقذ كل واحد تقابله في الشارع!**
مراد بص له في صمت قاتل. الجملة دي فتحت جرح قديم في قلبه مفيش غير قليلين يعرفوه.
من 12 سنة، مراد خسر مراته “فريدة” وهي بتولد بسبب مضاعفات طبية. مراد وقتها كان في الإسكندرية بيخلص صفقة شغل وما ردش على تليفونات المستشفى. لما وصل، كانت هي فارقت الحياة. ومن يومها، سخر جزء كبير من ثروته لعلاج الحالات الحرجة، بس عمره ما اتكلم عن السبب.
فريد كان عارف السر ده كويس وبيستغله.
— **أنت مش بتحمي المؤسسة يا فريد** —مراد قالها بأسى— **أنت بتستغل موت فريدة عشان تبرر جشعك وأطماعك.**
فريد ضرب على الترابيزة بغضب:
— **أنا بحمي مالنا وحقنا! كل مليم بترميه للهبل ده بينقص من ورث العيلة وممتلكاتها!**
— **المؤسسة دي مش ملكك.**
— **بس الشركتين ملكنا! ولو فضلت تأخد قرارات بعاطفتك، مجلس الإدارة هيسحب منك الإدارة فوراً!**
المحامي طلع جهاز التسجيل اللي كان بيسجل كل كلمة دارت في القعدة، وأعلن إن في محضر رسمي هيتعمل بالمستندات دي.
حكمت وقفت بخوف:
— **الكلام ده ميثبتش حاجة علينا!**
رد المحامي بثبات:
— **يُثبت الشروع في النصب، وتزوير أوراق رسمية، واستغلال بيانات طبية، والتعطيل العمدي لإجراء جراحي إنقاذ حياة! ده غير إن الدكتورة اعترفت خلاص.**
وش حسام اصفرّ وجاب ألوان:
— **يا ماما.. مش قولتِ لي إن الدكتورة مش هتنطق؟!**
الجملة دي كانت المسمار الأخير في نعشهم.
رجع مراد المستشفى قبل الفجر. مريم كانت لسه واقفة قدام الحضانة بتدعي.
— **العملية في ميعادها؟**
— **في ميعادها.. ومفيش مخمور هيقدر يلمس ملف ياسين تاني.**
مريم غمضت عينيها وأخدت نفس طويل، وبعدين سألت بتعجب:
— **هو ليه أخو حضرتك عمل كده؟**
قعد مراد جنبها على الكرسي، ولأول مرة يحكي لحد عن مراته فريدة، والمكالمات اللي راحت عليه، وإحساس الذنب اللي كان بياكله طول السنين اللي فاتت:
— **كنت فاكر لسنوات إن مساعدة الناس دي طريقة بكفّر بيها عن ذنبي.. بس النهاردة فهمت إن الموضوع مش تكفير عن ذنب، الموضوع إنك “توصل في الوقت الصح”.**
مريم حطت إيدها على المجلد وقالت بنبرة صادقة:
— **وحضرتك جيت في الوقت الصح.**
الساعة 6 الصبح، الممرضات جهزوا ياسين. مريم طبطبت على إيده الصغننة وهي بتعيط:
— **أنا مستنياك هنا يا حبيب مريم.. ترجعلي بالسلامة.**
السرير تحرك لغرفة العمليات، ومريم فضلت ماشية وراه لحد ما الأبواب المقفولة اتفتحت واتقفلت. ساعتها رجليها مشالتهاش ووقعت، بس مراد مسكها قبل ما تقع على الأرض.
العملية استمرت 5 ساعات و40 دقيقة. مريم كانت بتذرع الممر جيئة وذهاباً، بتدعي وبتعيط في سرها.
على الظهر، جه المحامي بأخبار من النيابة والمحكمة: طلب الحضانة بتاع حسام اترفض وتم إيقافه، والنيابة فتحت تحقيق في التزوير ومحاولة تعطيل العلاج، وصدر أمر عدم تعرض لياسين وأمه.
بس مريم مكنش فارق معاها كل ده:
— **مش مهم أي حاجة.. المهم هو يطلعلي بالسلامة** —همست وهي بتترعش.
ومراد كان عارف إن عندها حق.
أخيراً، باب العمليات اتفتح. الدكتورة داليا خرجت وقلعت الماسك، كان باين عليها التعب بس وشها بيضحك:
— **العملية نجحت الحمد لله!**
مريم وقفت مكانها مش مصدقة:
— **ابني عايش؟!**
— **عايش، وقلبه استجاب أفضل بكثير مما كنا متوقعين. الـ 48 ساعة الجايين مهمين تحت الملاحظة، بس الخطر الكبير عدى خلاص.**
مريم حطت إيدها على بقها وبكت بحرقة، وحضنت مراد بكل قوتها وهي بتقول:
— **شكراً.. شكراً إنك مسبتناش لوحدنا!**
رد مراد ابتسامة خفيفة:
— **ياسين هو اللي عمل الجزء الصعب وبطل.**
بعد يومين، فتح ياسين عينيه الصغيرين. كان ضعيف، بس أول ما سمع صوت أمه حرك صوابعه. مريم مسكت إيده وابتسمت لأول مرة من غير خوف.
أما خيانة فريد، فكان ليها نتائج حاسمة. مجلس الإدارة سمع التسجيلات وعين التفتيش، وتم إقالته فوراً وتحويله للمحاكمة بتهم النصب والاحتيال. وحسام وحكمت اتوجهت ليهم تهم الابتزاز والتزوير.
أثناء التحقيقات، حسام طلب يكلم مريم:
— **أنا بس عايز فرصة أعرف ابني وأكون جنبه..**
مريم بصت له بجمود من الناحية الثانية:
— **كان عندك فرصة من أول يوم عرفت إنه جاي للدنيا.. وأنت اخترت تخلع.**
حسام ارتبك وقال:
— **أمي هي اللي ضغطت عليا!**
حكمت اتلفتت له بزعيق واستحقار:
— **بتقول عليا أنا يا جزمة؟!**
حسام نزل راسه في الأرض. لأول مرة، التنين بطلوا يمثلوا إنهم عيلة. كل واحد كان بيحاول ينقذ نفسه ويرمي التهمة على الثاني.
القاضي رفض أي حقوق للرؤية وأمر بترتيب نفقة متأخرة، بس مريم خلاص.. مقتش محتاجة لفلوسهم في حاجة.
مراد نفّذ وعده. جاب لها شقة مريحة في حي مصر الجديدة، قريبة من مركز التأهيل الطبي. شقة منورة فيها أوضتين وصالة وجنينة صغيرة. مريم رفضت في الأول:
— **ده كتير عليا أوي يا مراد بيه.**
— **الكتير هو اللي شيلتيه لوحدك يا مريم.**
— **بس أنا مش عايزاك تفتكر إني بشتغل عندك عشان أسدد ثمنها..**
— **أنتِ مش مديونة ليا بحاجة.**
مريم وافقت بشرط واحد: إنها تفضل شغالّة وتدفع جزء رمزي جداً كل شهر كإيجار للشقة عشان تحافظ على كرامتها، ومراد تفهم ده جداً. عينها “منسقة الدعم الأسري” في المؤسسة الخيرية، لأن مفيش حد أقدر منها على فهم خوف الأمهات اللي بيدخلوا المستشفيات معندهمش جنيه ولا عارفين يروحوا فين.
كان شغلها إنها توجه العائلات وتكتشف الحالات الحرجة. مكنتش بتبتعلهم أوهام، كانت بتشرح لهم الخطوات وبتشاركهم قصتها:
— **أنا كمان نمت على الكرسي ده.. وأنا كمان افتكرت إن محدش هيحس بينا.**
ياسين قضى شهور في العلاج الطبيعي والتأهيل. اتعلم يقعد، وبعدها يحبي، وأخيراً بقى يمشي على رجليه. كل خطوة كانت عيد. مراد كان بيحضر التدريبات والمتابعات المهمة من غير ما يحاول ياخد مكان مش مكانه.
مع الوقت، ياسين بدأ يناديه: **”أنكل مراد”**.
أول مرة قالها، مراد اتسمر مكانه.
— **مش عجباك؟** —الولد سأل ببراءة.
مراد نزل على ركبه عشان يبقى في مستواه وابتسم:
— **عجباني أكتر مما تتخيل يا ياسين.**
عدت خمس سنين…
شقة مصر الجديدة اتملت رسومات ولعب وزرع. ياسين كبر وبقى طفل صحيح، شقي، ومبتسخطش من الكلام. كانت في حسنة أو ندبة صغيرة في صدره من أثر العملية، مريم علمته يبصلها بخر وفخر:
— **دي علامة المعركة اللي أنت كسبتها يا بطل.**
مراد هو كمان اتغير. أعاد هيكلة المؤسسة، وحط نظام رقابي صارم، وفتح برنامج كامل لدعم الأمهات المعيلات اللي بتديره مريم.
علاقته بفريد مصلحتش. فريد من الإقامة الجبرية كان بيبعت جوابات كلها كلام عن إنه عايز يرجع منصبه أكتر من الإحساس بالندم.
في يوم، وصل جواب أخير منه، مختلف عن اللي قبله:
> *”كنت فاكر إن الفلوس هي الحكامة الوحيدة اللي بتمسك العيلة. دلوقتي معنديش لا عيلة ولا فلوس.. أظن إن كان عندك حق.”*
>
مراد شال الجواب من غير ما يحس بنصر. العدالة مش دايماً بتبسط، ساعات بس بتمنع الأذى إنه يستمر.
في مدرستهم، عملوا حفل بمناسبة “يوم الأسرة”. كل طفل كان لازم يتكلم عن شخص غير حياته. مريم قعدت في الصف الأول وجنبها مراد، كان لابس قميص كحلي ياسين اختارهوله عشان “يبان أصغر ومش كشر”.
لما جه دور ياسين، طلع على المسرح وهو ماسك لوحة رسم. كان راسم تلات أشخاص ماسكين إيد بعض قدام مستشفى. واحدة أمه، والثاني هو وهو صغير، والثالث راجل طويل بشعر أسود.
الأهالي في الصالة ابتسموا بلطف.
ياسين مسك المايك وقال:
— **عيلتي مكنتش زي العائلات اللي في الحواديت. أنا وأمي كنا عايشين في المستشفى عشان كنت عيان. بابا مشي، وناس تانية كانت عايزة تحرمنا من بعض. بس في يوم.. جه أنكل مراد.**
مراد نزل راسه في الأرض بحياء.
كمل ياسين كلامه:
— **هو مكنش عمي من دمي، بس قرر يفضل جنبنا في الوقت اللي كان يقدر يمشي فيه. دفع ثمن عمليتي، ووقف جنب أمي، وعلمنا إننا لما نطلب المساعدة ده مش عيب.. العيب الحقيقي إنك تشوف حد بيتألم وماتعملش حاجة.**
الصالة كلها سكتت.
مريم حطت إيدها على قلبها والدموع في عينيها. الجملة دي مكنش حد محفظهالوا!
رفع ياسين الرسمة لفوق وقال:
— **أنا بفتخر بأمي لأنها عمرها ما استسلمت، وبفتخر بـ أنكل مراد لأنه جه في الوقت الصح. بالنسبة ليا.. العيلة هي الناس اللي مابتسيبكش وأنت خايف.**
مراد وقف على رجليه والناس كلها بتسقف بحرارة. ياسين نزل يجري من على المسرح وحضنه جامد، ومريم انضمت للحضن ده.
في اللحظات دي، مراد افتكر تاني مكالمات ليلة موت فريدة اللي ماردش عليها. الوجع كان لسه موجود، بس مبقاش حسرة ولا عقاب… بقى وعد واتوفى بيه.
وهم طالعين، ياسين كان بيجري ورا الكورة في الجنينة تحت شجر الجاكاراندا.
— **ساعات بفكر في الليلة دي..** —مريم قالت بصوت هادي— **لو حضرتك كنت خرجت من باب تاني، لو مكنتش لمحتني..**
— **بس أنا لمحتك.**
— **ولو كنت قررت مالتدخلش..**
مراد بص لياسين وهو بيلعب وقال:
— **في لحظات في الحياة، الدنيا مش بتسألك أنت جاهز ولا لأ.. هي بس بتحطك قدام حد محتاجلك.**
مريم ابتسمت وسألته:
— **وساعتها الواحد بيعمل إيه؟**
— **بيقرر هو عايز يكون أنهي نوع من البني أدمين.**
ياسين جه بيجري وهو عرقان ومبسوط:
— **أنكل مراد! يا ماما! تعالوا العبوا معايا!**
مشي الاتنين ناحيته.
مكنوش عيلة تربطها أوراق ولا وراثة ولا واجبات ثقيلة. كانوا عيلة اتبنت بالقرارات: قرار أم رفضت تستسلم، وقرار راجل فهم قيمة إنه “يوصل في الوقت الصح”، وقرار طفل عاش عشان يفكرهم إن الجدعنة والخير كمان بيتورثوا.
لأن ساعات المعجزة مش إن الوجع يختفي…
ساعات المعجزة الحقيقية إنك لما تحس إن كل حاجة ضاعت، تلاقي حد يبص في نفس الممر اللي كل الناس عميت عنه… ويقرر إنه ميفوتش ويعدي.