عدم الخلفه

من ست سنين رموا كل العيب عليّا وقالوا إن العيب مني عشان مش عارفين نخلف.. كان أسهلهم يلبّسوني أنا التهمة ولا إنهم يواجهوا الحقيقة المرّة. ولما طليقي شافني واقفة وجنبي ثلاثة أطفال زي القمر، بصيتله بمنتهى الهدوء وقلتله: “المشكلة عمرها ما كانت في مستقبلي.. المشكلة كانت في القصة الرخيصة اللي اخترت تضحك بيها على نفسك وتقولها للناس عني.”
​بداية الحكاية.. في فيلا التجمع
​”أنا عزمتها النهاردة عشان الناس كلها تشوف الست اللي تبيع عيلة زي عيلتنا بيبقى آخرتها إيه!”
قال يحيى الجوهري الكلمات دي تحت القبة الزجاجية لقصر عيلته في التجمع الخامس، حيث كان أكتر من متين ضيف متجمعين في الحفل السنوي لمؤسسة الجوهري للملاحة. صوته وصل بسهولة للقاعة كلها لأن الفرقة الموسيقية كانت واقفة لحظتها، وعدد من الكبار والمتبرعين القريبين كانوا بيسمعوا.
جنبه، أمه، الست نجوى الجوهري، ظبطت العقد الألماظ على رقبتها وبصت ناحية مدخل القصر بابتسامة مليانة تكبر وانتظار. من ست سنين، شافت مرات يحيى الأولانية وهي ماشية بشنطة هدوم واحدة بعد ما اتهموها إنها السبب في إنهم ما بيخلفوش. الليلة دي، كانت نجوى معتقدة إن الست دي هترجع مكسورة، وحيدة، وممتنة لمجرد إنهم سمحوا لها تدخل من البوابة.
وفجأة، صوت موكب عربيات يقرب من الجنينة.
عربية سوداء فخمة وقفت قدام المدخل الرئيسي، ووراها عربيتين تانيين فيهم أعضاء من مجلس أمناء المتاحف وممثلي المؤسسة. الباب الوراني اتفتح، ونزلت أميرة وهي لابسة فستان كحلي أنيق وعليه جاكيت سهرة عاجي راقي. شعرها الأسود كان معمول لمة كلاسيكية هادية، وما كانش على وشها أي أثر للتوتر أو الاعتذار.
نزل راجل معاها، ومد إيده عشان يساعدها وهي نازلة. يحيى عرفه على طول؛ كان شريف المنسي، مؤسس “مجموعة المنسي للتراث”، وهي شركة كبيرة بتمسك وإدارة الفنادق التاريخية، المسارح، والمجموعات الخاصة في مصر.
وطلع وراهم طفلين، ولد عنده سبع سنين وبنت عندها خمس سنين، ووراهم طفل تالت صغير وهادي ماسك في إيد شريف.
البنت بصت لأميرة وقالت لها:
“مامي، هو ده المكان اللي فيه مجسمات المراكب؟”
“أيوه يا ليلى، وهتشوفيها بعد ما الكلمات والتكريمات تخلص.”
يحيى اتسمر في مكانه ونفسه اتقطع لعدة ثواني.
لكن رجوع أميرة لقصر عيلة الجوهري ما بدأش مع الدعوة دي.. ده بدأ من سبع سنين، خلال عزومة عشا في شقة بوسط البلد، لما كل اللي قاعدين على الترابيزة قرروا إن جسمها هو السبب الوحيد في خيبة أمل العيلة.
الجزء الثاني: الجوازة اللي تحولت لمحاكمة
أميرة كانت متجوزة من يحيى بقالها يقرب من ست سنين لما طلب الطلاق. وقتها كان عندها أربعة وتلاتين سنة، وقضت معظم حياتها بتدرس ترميم الآثار والمعمار القديم. قبل الجواز، كانت شغال مع خالتها في ورشة صغيرة لترميم الزجاج المعشق الملون من الكنائس والمباني التاريخية بتاعة القرن التسعطاشر في كل أنحاء مصر.
يحيى كان من عيلة فلوسها جاية أساساً من صناعة السفن، وبعدها اتوسعت في التكنولوجيا الحيوية، العقارات التجارية، والاستثمار المباشر. كان معجب بذكاء أميرة أيام الخطوبة، بس بعد الفرح، بدأ يتعامل مع شغلها بالتدريج على إنه مجرد هواية غريبة المفروض ما تتعارضش أبداً مع عزومات عيلة الجوهري، مجالس إدارة الجمعيات الخيرية، أو سفريات الشغل.
أميرة قللت شغلها مع العملاء لحد ما بقت بتعمل مجرد تقارير ترميم من وقت للتاني. بقت تحضر حفلات جمع التبرعات، تستقبل المستثمرين، وتسافر مع يحيى المؤتمرات، حيث الناس كانت بتفتكر شياكة فستانها لكن نادراً ما حد يسألها عن خبرتها وشغلها.
الضغط عشان تجيب سليل للعيلة بدأ من تاني سنة جواز. الست نجوى عمرها ما زعقت أو قالت كلمة بيئة، كانت قسوتها بتوصل من خلال كلام مسموم ومحسوب بالملي بيتقال قدام الناس في القعدات.
في عزومة رمضان، جابت سيرة إن فيه عيلة كبيرة تانية ربنا رزقهم بتوأم بعد سنة واحدة بس من جوازهم. وفي غدوة في الجنينة، سألت أميرة بكل برود هل فكرت إن تأخير الخلفة ده ممكن يكون أنانية منها؟ وفي عيد الميلاد، أهدت أميرة شخشيخة فضة للأطفال وقالت لها إن المهم الواحد يفضل متفائل حتى لو جسم الست كان “مش متعاون”!
أميرة طلبت من يحيى أكتر من مرة إنه يروح معاها مركز للخصوبة والمناظير.
قالت له بعد السنة الخامسة من المحاولات اللي ما نجحتش: “التحاليل والفحوصات لازم تشملنا إحنا الاتنين.”
يحيى رفض وبشدة.
“رجالة عيلة الجوهري عمر ما كان عندهم المشكلة دي.”
“التاريخ العائلي مش تشخيص طبي.”
“أنا مش هعرض نفسي لفحوصات مهينة لمجرد إنك مش القادرة تتقبلي الواضح زي الشمس!”
يقينه الأعمى ده بقى سلا\ح، وسكوته ساب أمه تستخدم السلا\ح ده كل شوية.
عزومة العشا الأخيرة كانت في شقتهم اللي في الزمالك. الست نجوى كانت قاعدة على رأس الترابيزة مع إن أميرة ما كانتش عزماها. يحيى تقريباً ما لمسش أكله، وكان فيه ملف جلد أسود محطوط جنبه جمب كاس العصير.
بعد ما أطباق الأكل أتشالت، زق الملف ناحيتها على الترابيزة.
“أنا رفعت قض\ية طلاق.”
أميرة بصت للورق من غير ما تفتحه.
“إحنا حتى ما عملناش أبسط الفحوصات الطبية المطلوبة!”
“أنا صبرت واكتفيت من الانتظار عشان يكون عندي عيلة.”
نجوى اتعدلت في قعدتها وشبكت إيديها:
“يحيى يستاهل ست تقدر تكمل سلالة الجوهري.”
أميرة بصت لحيى في وشه مباشرة:
“هل فكرت ولو لمرة واحدة إن المشكلة ممكن ما تكونش عندي أنا؟”
وش يحيى خشب وقال بقسوة:
” بلاش تخلي الموضوع أبشع مما هو عليه.”
“الموضوع بقى بشع من اللحظة اللي اخترت فيها إن راحك واستسهالك أهم عندك من الحقيقة.”
ما اترجتوش ولا بكت. طلعت فوق، لمت شنطة هدوم واحدة، وأخدت الحاجة الوحيدة اللي فاضلة من شغلها القديم في البيت: لوحة زجاج معشق صغيرة كانت عمتها المرحومة “مريم” هي اللي مصمماها. اللوحة كان مرسوم عليها فنار تحت سماء مغيمة بعاصفة، وفيه شعاع نور واحد بينور المية.
وهي بتلف اللوحة في قماش صوف، طرف مكسور فيها جرح كف إيدها. خط دم رفيع ظهر، وافتكرت وقتها نصيحة عمتها مريم المفضلة:
“إوعي تخبي الشرخ قبل ما تفهمي إيه اللي تسبب فيه.”
خرجت أميرة من باب الشقة والجو كان شتا وتكتكة في أواخر فبراير. وقبل ما الشمس تطلع، كانت نجوى أمرت الأمن يغيروا كالون الباب.
وعلى الضهر، كان يحيى بلغ كذا حد من القرايب إن أميرة اختارت شغلها وطموحها على حساب العيلة، وإنها من الأساس عمرها ما كانت عايزة خلفة ولا أطفال.
الجزء الثالث والأخير: حقيقة تُشرق ونهاية حاسمة
بعد ما أميرة خرجت في الليلة دي، ما استسلمتش لكسرتها. رجعت لورشة عمتها مريم في خان الخليلي، وكرست كل طاقتها لشغلها اللي بتحبه. ورغم إن كلام نجوى ويحيى كان محاصرها في الأوساط العالية، إلا إن شغلها ونضافته اتكلموا عنها.
في وسط دوشة الترميم والشغل، اتعرفت على شريف المنسي، راجل قدر عقلها وشغفها قبل أي حاجة، والأهم إنه كان راجل بكل معنى الكلمة، ما بيمشيش ورا الأوهام ولا الكلام الفاضي. لما اتجوزوا، ربنا رزقهم بتلات أطفال زي القمر؛ “يوسف”، و”ليلى”، والصغير “حمزاوية”. كانت الحياة مع شريف هادية ودافية، قايمة على احترام وحب حقيقي مش شروط ومظاهر فارغة.
على الناحية التانية، يحيى اتجوز بعد طلاقه بسنة من ست اختارتها له أمه نجوى من عيلة كبيرة، عشان “تكمل السلالة”. لكن مرت السنة والتانية والتالتة.. وما فيش خلفة. ساعتها بس، وتحت ضغط وحيرة مراته الجديدة وأهلها، اضطر يحيى لأول مرة في حياته يواجه الحقيقة اللي كان هربان منها، ودخل مركز خصوبة بعيد عن العين في المهندسين عشان يعمل الفحوصات اللي كان رافضها زمان.
النتيجة كانت صدمة العمر؛ يحيى عنده عقم قطعي وغير قابل للعلاج، والعيب كان عنده هو طول الوقت. لكن بدلاً ما يعترف بغلطه، اختار يحيى وأمه يداروا السر ويرشوا الأطباء ويغطوا على الحقيقة بالملايين، فضلت نجوى تنشر شائعات جديدة عشان تحمي “اسم الجوهري” وهيبته المزيفة.
وفي ليلة الحفل في التجمع الخامس، كانت اللحظة اللي يحيى ونجوى استنوها عشان يكسروا فيها أميرة قدام الكبار.
لكن الوقفة اختلفت.
أميرة كانت واقفة بكامل شياكتها وثباتها، وحواليها ولادها التلاتة وشريف ماسك إيدها بحب وفخر. القاعة كلها كانت تبص عليهم بإعجاب شديد، والهمسات بدأت تزيد بين الحضور عن عيلة “المنسي” الجذابة.
نجوى كانت واقفة مصدومة، الابتسامة المسمومة اتجمدت على وشها، والعقد الألماظ اللي في رقبتها يخنقها وهو بيتحرك مع نفسها السريع. يحيى كان بصص لأميرة وللأولاد، ووشه أصفر زي الورق، كأن حد ضربه قلم فايقه من غيبوبة ست سنين. الأولاد اللي كان بيحلم بيهم، واقفين قدامه.. بس مش منه، واكتشف إن العيب اللي رماه على أميرة كان حقيقته هو اللي خاف يواجهها.
قرب يحيى من أميرة بخطوات مترددة، صوته كان بيترعش وهو بيحاول يبان متماسك قدام الضيوف:
“أميرة.. أنتِ.. كيف؟”
أميرة بصلته بكل هدوء، ما كانش في عينيها لا غضب ولا كره، كان فيهم بس شفقة على راجل عاش عمره كله في كدبة.
شريف قرب خطوة وحط إيده على ضهر أميرة بدعم، بينما أميرة اتعدلت وبصت ليحيى ولأمه نجوى اللي كانت واقفة وراه مش قادرة تنطق كلمة، وقالت بصوت واثق وواضح سمع كل اللي كانوا واقفين حواليهم:
“المشكلة عمرها ما كانت في مستقبلي يا يحيى.. المشكلة كانت في الحكاية اللي أنت وأمك اخترتوا تحكيها عني عشان تداروا خيبتكم. أنا مشيت بشنطة هدوم واحدة وبكرامتي، ورجعت ومعايا كل حاجة حرمت نفسك منها بسبب كبرك وغرورك.”
يحيى ما قدرش يرد، وشعور العار والندم أكله من جوة وهو شايف مراته القديمة بتلتفت بكل رقي وبتسحب ولادها وجوزها وتمشي وسط احترام وتبجيل كل الحاضرين في القاعة.
في الليلة دي، أميرة ما أخدتش حقها بالقوة أو بالخناق، أخدته لما عاشت وحققت نجاحها ورزقها، وسابت يحيى وأمه يواجهوا السجن اللي بنوه لنفسهم من الكذب والكبر، يعيشوا فيه لوحدهم لبقية حياتهم.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *