يوم الجمعة الجاية حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
— الجمعة الجاية هتروح تتعشى مع بنت اللواء يا طارق. أنت دفنت مراتك من تمان سنين، كفاية بقى وعيش حياتك بدل ما أنت قاعد لي زي الأرامل.
جملة فريدة هانم نزلت عليه زي القلم على وشه وهو واقف في أوضة الصلاة.
المقدم طارق كان لسه واقف قدام صورة سلمى، المرفوعة على ترابيزة رخام في فيلا العيلة في التجمع. كان لسه راجع ليلتها من سيناء، وبوت الخدمة بتاعه لسه عليه تراب الشغل. مكنش مستني مواساة من أمه، بس برضه متوقعش إنها تحاول تبيع وتشتري في حياته وكأنها أصل من أصول مجموعة شركات العيلة.
— مش هتجوز حد — رد من غير ما يلتفت.
فريدة اتعصبت وضغطت على العكاز بتاعها، وخرز السُبحة خبط في بعضه.
— أنا مش باخد رأيك. عيلة اللواء ممكن تزقك للرتبة اللي تستحقها. سلمى دي كانت غلطة مشاعر، بنت من غير أصل، بنت خياطة على باب الله. وأنت دفعت تمن الهبل ده وزيادة.
طارق لف لها بالراحة. على مدار سنين كان ساكت ومستحمل أمه وهي بتسمي الحب الوحيد في حياته “ضعف وهبل”. سلمى ماتت وهو في مداهمة في سيناء. فريدة كلمته وقتها في التليفون وقالت له إن جاب لها نزيف، والطفل اتولد ميت، وإن كل حاجة اتدفنت والموضوع اتفَض. ولما نزل ملقاش غير شهادة وفاة من مستشفى خاص وأوراق مقفولة.
— كنتِ فين لما سلمى طلبت المساعدة؟ مش قلتِ إنك هتشيليها في عينيكِ زي بنتك؟
— عملت اللي لازم يتعمل.
حصري لصفحة روايات رولا
الرد كان بارد لدرجة إن في حاجة جواه اتكسرت.
طارق افتكر المكالمة اللي راحت عليه من سلمى ليلة الولادة. وافتكر كمان إنها قبلها بأسابيع كتبت له: “أمك مصممة إني أوقع على ورق.. أول ما ترجع لازم نتكلم”. الورق ده عمره ما شاف وشّه، وفريدة ساعتها قالت له إن سلمى كانت بتهتري وتخرف.
— ويعني إيه “اللي لازم يتعمل”؟
ولأول مرة، فريدة تهربت من عينيه، وبعدها خبطت بالعكاز على الأرض.
— يعني أحمي مستقبلك! ولو فتحت بؤك تاني أو شككت في كلامي، انسى العيلة دي، وانسى الشركة والمصالح اللي سانده شغلك ورتبتك!
طارق حس بغثيان، مش من التهديد، بس من الخوف اللي شاف بريقه في عين أمه.
خرج من الفيلا قبل نص الليل. وبدل ما يرجع كتيبيته، مسك الطريق وطلع على رشيد، البلد الساحلية اللي سلمى كبرت فيها. مزارش حماته من يوم العزا. الخجل كان مانعه: خجل إنه مكنش موجود، وإنه صدق من غير ما يدور، وإنه اكتفى بورقة مستشفى كدليل.
مع الفجر وصل للبيت أبو قرميد أحمر بتاع الست أمينة. لقاه متوضب، والورد حواليه متقلم، وفي هدوم أطفال مغسولة ومشعورة على الحبل في الحوش.
طارق زق الباب الحديد.
ولد عنده حوالي تمان سنين كان قاعد تحت شجرة جوافة، بيطير طيارات ورق. أول ما سمع الخطوات، رفع وشّه.
طارق أخد نفسه بالعافية.
الولد كان نفس قصة أورته العريضة، نفس الغمازة اللي فوق حاجبه الشمال، وندبة في دقنه طالعاله بالظبط.
— اسمك إيه؟ — سأله بصوت مكسور.
الطفل شاف البدلة العسكرية، وشه اصفر، وجري على جوه البيت.
وقبل ما يقفل الباب صرخ:
— يا تيتا! واحد من رجالة فريدة هانم رجع تاني!
طارق فهم إن ابنه مش بس عايش..
ده كمان اتربى إنه يخاف منه بسبب أمه.
ومكنش يتخيل إيه اللي مستنيه يكتشفه…
حصري لصفحة روايات رولا
**الجزء الثاني**
الباب مالحقش يقفل كويّس لما خرجت ست من المطبخ والأطباق وقعت من إيدها اتكسرت. طارق اتعرف عليها على طول.. دي “وفاء”، النبطشية اللي كانت متابعة حالة سلمى في الحمل واختفت تماماً بعد العزا المزيف. الست أمينة خرجت من وراها.. كانت كبرت في السن وعجزت، بس الغل كان مالي صوتها ومخليه صلب:
— جاي تخلص على الباقي كملت يعني؟ جاي تكمل اللي بدأته أمك؟
— أنا جاي أفهم الحقيقة.. مين الولد ده؟
وفاء بدأت تعيط بصوت عالي، والطفل الصغير، اللي اتضح إن اسمه “ياسين”، كان واقف يبص عليهم من الممر وهو حاضن شنطة قماش قديمة.
— ده ابنك.. — وفاء اعترفت وصوتها بيرعش — فريدة هانم هي اللي أمرت إننا نقولك إنه اتولد ميت.
طارق اضطر يتسند على كرسي قش كان جنبه. تمان سنين حزن وألم اتهدوا في ثانية واحدة. وفاء حكت إن فريدة نقلت سلمى لمستشفى خاص في التجمع ملك واحد شريك في مجموعة الشركات. وقت الولادة، سلمى جاب لها نزيف كان سهل السيطرة عليه، بس الدكتور أخر التدخل الطبي بتعليمات من فريدة عشان كانت واقفة بتساومها.. كانت عاوزاها تمضي على تنازل عن الحضانة وإقرار إن طارق مش أبوه.
— سلمى رفضت تمضي — وفاء قالت وهي بتمسح دموعها — فـ أمك هددتها وقالت لها مش هسيب الواد يعيش غير لو وقعتِ. هي كانت بتصفى ودمها بيضيع، فـ وقعت عشان تحميه.. وبعدها الدكتور أعلن وفاتها.
طارق بص لـ ياسين.. الولد نزل راسه في الأرض أول ما طارق حاول يقرب منه خطوة.
— هو ليه خايف من البدلة؟
— عشان بقالنا سنين بيطب علينا رجالة بيقولوا إنهم تبع عيلتك — الست أمينة هي اللي ردت وقالت — كانوا بيهددونا كل شوية إنه لو نطقنا، وياخدوا الولد يرموه في الشارع.
الرتب اللي على كتف طارق حاسس إنها بقت تقيلة زي الجبال.
— أنا هاخد ياسين في مكان أمان.
حصري لصفحة روايات رولا
— اسمع الباقي الأول! — الست أمينة قالتها وهي بتفتح صندوق خشب قديم، طلعت منه كوفية بيضا مصفَرة وفرشتها على الترابيزة. كان فيه حظاظتين بلاستيك بتوع المستشفى بنفس تاريخ الولادة.. طارق قرا المكتوب: “مولود (أ)” و”مولود (ب)”.
— سلمى جابت توأم — العجوزة فجرت المفاجأة — وفاء قدرت تهرب بـ واحد في المولد والدركبة اللي حصلت.. والتاني أخدوه رجالة فريدة هانم.
الهوا اتشفط من الأوضة. وفاء كملت وقالت إنها قعدت تدور وتعبش سنين، ولحد ما وصلت لسواق قديم اعترف لها إنه سلم الطفل التاني لست بتسهل التبني غير الشرعي في الجيزة. الست دي ماتت، بس سابت أجيندة فيها مبالغ وعناوين. أخر خيط كان بيتكلم عن ولد اسمه “زياد”، اتنقل لمخزن خردة وكرتون غير مرخص قريبة من منطقة المنيب، شغال هناك مع أطفال تانيين بيفرزوا الصفيح والكرتون مقابل لقمة الأكل.
طارق رفع التليفون وكلم “حسام”، قائد مجندين سابق وصاحبه اللي بيثق فيه عمياني. طلب منه يروح يتأكد من العنوان من غير ما يبلغ أي حد في الكتيبة أو القيادة. الرد جاله بعد ساعتين:
— لقينا الولد يا طارق — حسام قال — شبه الصورة بالظبط.. بس للأسف، جاتلهم أوامر الصبح بدري يرحلوا كل الأطفال من المكان. فيه حد عرف إنك بتنبش وراك.
— فاضل وقت قد إيه؟
— ممكن ساعة.. مش أكتر.
في نفس اللحظة، تليفون البيت الأرضي عند الست أمينة رن. صوت متغطي ومتحول بالكمبيوتر قال بتهديد واضح:
— سلّموا الولد الأولاني قبل الظهر.. وإلا التاني هيختفي ومحدش هيعرف له طريق للابد.
طارق شد مفاتيح العربية وخرج بسرعة. لأول مرة في حياته، مكنش طالع ينفذ أمر عسكري.. كان طالع ينقذ ابنه اللي أمه حكمت عليه بالضياع، وهو مش عارف هل هيلحق يوصل قبل ما يمسحوا أخر دليل حي، ولا الوقت هيسبقه.
**الجزء الثالث والأخير**
طارق دور العربية وجري بيها بأقصى سرعة. الأسفلت تحت العجل كان بيصرخ، وعقله شغال زي الماكينة. تمان سنين من حياته اتسرقوا، تمان سنين عاشهم مخدوع بيجلد نفسه على ذنب مقتكبهوش، وأمه هي اللي كانت بتدير المأساة دي كلها ببرود أعصاب.
مسك التليفون وهو سايق وكلم حسام:
— حسام، أنا جاي على الطريق. أوعى تغيب عينك عن مخزن المنيب!
حصري لصفحة روايات رولا
— طارق، أنا مراقب المكان من بعيد.. فيه عربية نص نقل مقفولة دخلت الحوش دلوقتي، وبيحملوا فيها كراتين وعيال. شكله النقل بيتم في اللحظة دي!
— خمس دقايق وأكون عندك.. متخليهمش يتحركوا يا حسام، بأي طريقة!
طارق داس بنزين للآخر، مكنش شايف قدامه غير وش سلمى وهو بيموت، ووش ابنه اللي اتظلم وعاش في الزبالة والخردة وهو ابن مقدم في الجيش وحفيد ناس أصحاب ملايين.
وصل المنيب، الممرات كانت ضيقة وريحة الكرتون المحروق والعفن مالية الجو. شاف عربية حسام واقفة على جنب، وحسام نزل منه بسرعة.
— هناك يا طارق.. العربية النص نقل بتقفل أبوابها اهي وطالعة.
طارق ما فكرش مرتين. كسر دركسيون عربيته وقفل الشارع الضيق بالعرض قدام عربية النقل. العربية الفرامل بتاعتها صرخت ووقفت على بعد سنتيمترات من عربية طارق.
نزل راجلين ضخام من كابينة العربية وهما ماسكين شوم وأسلحة بيضا:
— أنت ياض أنت وهو! إيه الغشومية دي؟ انزل بدل ما أفرغ فيك!
طارق نزل من العربية بهدوء مرعب. الهيبة العسكرية والغل اللي جواه كانوا كفاية يرعبوا بلد. بص للراجلين بصة خلتهم يتراجعوا خطوة لورا من غير ما يحسوا.
— افتح العربية اللي ورا. — طارق قالها بصوت وطي بس يرعب.
واحد منهم حاول يرفع الشومة ويجمّد قلبه:
— أنت فاكر نفسك مين يا حـ…
قبل ما يكمل الكلمة، طارق كان لافه وفاتح أسرته ومطيره على الأرض بضربة واحدة، وحسام مسك التاني ثبته في الصاج. طارق أخد المفاتيح من حزام الراجل وطلع يجرى على الباب الخلفي للعربية النص نقل.
إيده كانت بتترعش وهو بيفتح القفل. لما الباب اتفتح، الضوء دخل على الصندوق المحبوس فيه حوالي سبع أطفال، قاعدين وسط الكرتون والتراب، ميتين من الخوف.
طارق عينيه فضلت تفرز الوشوش بسرعة.. لحد ما وقفت عند ولد قاعد في الزاوية، لابس قميص مقطع، ووشه مليان هباب، بس عينيه… نفس عينين سلمى بالظبط، ونفس ملامح ياسين اللي سابه في رشيد!
طارق ركبه خارت ونزل على ركبه على الصاج:
— زياد…
الولد بص له بخوف وضم رجله لبطنه:
— أنت.. أنت هتاخدني فين؟ أنا عملت شغلي والله!
طارق مقتدرش يمسك دموعه، دموعه نزلت وخلطت التراب اللي على وش الولد وهو بيحضنه بقوة. حضنه لدرجة إن زياد حس بأمان عمره ما جربه في حياته.
حصري لصفحة روايات رولا
— محدش هيلمسك تاني يا حبيب أباك.. أنا جيت آخدك.
بعد ساعتين، كانت المباحث العسكرية والشرطة مالية المكان بناءً على بلاغ رسمي ومباشر من المقدم طارق، وبمعاونة حسام تم القبض على شبكة تهريب الأطفال دي كلها، والاعترافات كشفت إن المصاريف المادية للشبكة دي كانت بتتبعت شهرياً من حسابات تابعة لفريدة هانم تحت مسمى “تبرعات خيرية”.
في نفس اليوم بالليل، طارق جمع الولدين، ياسين وزياد، في بيت الست أمينة في رشيد. التوأم كانوا قاعدين جنب بعض، بيعاينوا بعض باستغراب واندهاش، شبه بعض كأنهم صورة ومرايتها. طارق كان قاعد قصادهم، قلبه بيترمم مع كل ضحكة صغيرة تطلع منهم وهما بيلعبوا بالطائرات الورق.
التليفون رن.. كان رقم فريدة هانم.
طارق بص للرقم، فتح السبيكر، وقال ببرود:
— سمعت إنك بتدوري عليا يا فريدة هانم.
صوت فريدة جه من الناحية التانية، بس المرة دي مكنش فيه الكبرياء والغرور بتوع زمان، كان فيه صوت ست مكسورة ومرعوبة:
— طارق.. أنت فين؟ الشرطة جاية الفيلا ومعاهم نيابة.. فيه أوامر ضبط وإحضار نازلة باسمي! أنت عملت إيه يا طارق؟ أنت هترمي أمك في السجن عشان حتة عيلين وبنت خياطة؟!
طارق بص لولاده، ولأول مرة من تمان سنين حس إنه يتنفس هوا نظيف.
— أنا معملتش حاجة يا فريدة هانم.. القانون هو اللي بيعمل. وأنتِ مكنتيش أمي.. أنتِ كنتِ السجان بتاع حياتي. البنت الخياطة دي سابتلي رجالة هيعيشوا ويشيلوا اسمي، وأنتِ هتتحاسبي على كل نقطة دم ونقطة دموع اتسببتِ فيها.
وقفل السكة في وشها قبل ما تسمع منه كلمة زيادة.
بعد ست شهور…
الشمس كانت طالعة دافية على شاطئ رشيد.
طارق كان واقف على الرمل، لابس هدوم مدنية بسيطة، بيتفرج على ياسين وزياد وهما بيجروا ورا بعض وبيضحكوا بصوت عالي، والست أمينة قاعد على كرسي بحر بتتفرج عليهم وبتدعي لهم.
طارق طلع من جيبه الصورة الوحيدة اللي حيلته لـ سلمى، بص لها وابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة من سنين طويلة، وودوش بصوت هادي:
— أولادنا في أمان يا سلمى.. وحقك رجع لحد عندك.
حط الصورة في جيبه، وجري على البحر عشان يلحق ولاده وهما بينادوا عليه:
— “يا بابا.. تعالى العب معانا!”
كلمة “بابا” رنت في أذنه زي أحلى لحن سمع في حياته، وعرف ساعتها إن كابوس التمان سنين انتهى، وإن الحياة أخيراً بدأت.