الشيك حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا:
على سفرة العشا في ليلة رأس السنة، “الحاجة فاطمة” جدتي وزعت على كل واحد في العيلة شيك بـ ٥٠ مليون جنيه… بس الكل ضحك وكأنها رمية نكتة سخيفة أو خرف كبار. بابا بص للشيك بقرف وقال: “باينة أوي إنها مزورة وفاشوش.. ما تبقوش عبط.” أنا الوحيدة اللي أخدت الشيك بتاعي وحطيته في جيب جاكيتتي بالهدوء. تاني يوم الصبح، مدير البنك أول ما شاف الشيك وشّه جاب ألوان ووطى صوته وقال بقلق: “يا فندم… إحنا لازم نتكلم فوراً.”
العشا كان في فيلا جدتي. أول ما وزعت الشيكات، الصالة سكتت لمدة ٣ ثواني.
وبعدها أخويا الكبير “شريف” انفجر في الضحك لدرجة إنه كان هيقلب كاس العصير. وبنت عمي “مي” خبطت على الترابيزة وقالت وهي بتشرق من الضحك: “يا تيتة فاطمة… دي أقوى الملاعيب اللي عملتيها في حياتك!”
بابا بص للشيك بتاعه خطف، ورماه جنب طبق الأكل بقرف: “باينة أوي إنها فوتوشوب وفاشوش.. ما تبقوش عبط.”
جدتي فاطمة كانت قاعدة على رأس السفرة، لابسَة شالها الكشمير المفضل، وشعرها الأبيض المترتب. ما ابتسمتش. ما شرحتش. اكتفت إنها تبصلنا بكسرة وهدوء يرعب، هدوء خلي أوضة السفرة أبرد من التلج اللي بره في الشارع.
أنا كنت أصغر أحفادها، عندي ٣٢ سنة، مطلقة، وشغالة شغلانتين في القاهرة عشان أقدر أدفع إيجار الشقة الصغيرة اللي قاعدة فيها في الهرم. طول السهرة كنت قاعدة أسمع قرايبي وهما بيفشخروا بالترقيات، والعربيات الجديدة، والسفريات، وأنا عاملة نفسي مش سامعة بابا وهو بيعرفني للناس ويقول: “دي ندى… لسه بتدور على نفسها ومش عارفة ترسى على بر.”
عشان كده لما جدتي زقت الشيك ناحيتي، أنا ما ضحكتش.
ادفعوا لأمر: ندى عبد الرحمن. مبلغ وقدره ٥٠ مليون جنيه مصري.
إيدها كانت بترعش وهي بتمسك معصم إيدي: “إياكي تضيعيه يا ندى.”
بصيتلها بذهول: “تيتة… إيه ده؟”
قالتلي بصوت واطي: “ده اختيار.”
بابا نفخ بضيق: “أمي أرجوكي… ما تشجعيهاش على العبط ده.”
جدتي لفت بصتها ليه وقالت: “أنت طول عمرك يا عبد الرحمن بتكره الحاجات اللي ما بتعرفش تسيطر عليها.”
الأوضة سكتت تاني، بس للحظة. وبعدها الضحك رجع أعلى وأوسخ من الأول. أخويا شريف رفع الشيك في الهوا وقال: “أروح أقبضه من بنزينة ولا أعمله برواز وأعلقه في الصالة؟”
ومي بنت عمي طبقت الشيك بتاعها على شكل طيارة ورق ورقتها في الصالة.. ونزلت في طبق الطحينة!
وعمتي إلهام قالت: “يا أمي على الأقل كنتي اعمليها بمبلغ يتدقق.. ٥٠ مليون لكل واحد؟ بلاش أوفرة!”
جدتي ما دافعتش عن نفسها. طلبت من الشغالة تجيب الحلو.
أنا أخدت الشيك بالراحة، طبقته، وحطيته في الجيب الداخلي لبالطو بتاعي.
بابا أخد باله وقال: “ندى.. أوعي تقولي إنك هتعيشي الوهم ومصدقة العبط ده؟”
بصيت لطبقي: “ده مكتوب عليه اسمي.”
قال بضيق: “حاجة تصغر وتقصر الرقبة.. أنتِ ست كبيرة ومخك في راسك.”
عين جدتي جات في عيني، ولأول مرة الليلة دي، شفت حاجة ورا ملامحها… مش هزر، ولا خرف.
كان استعجال ورعب.
تاني يوم الصبح، أخدت بعضي وروحت فرع “بنك مصر” رئيسي، والشيك جوه الفايل معايا. كنت مستعدة للإحراج، ومتوقعة إن الموظفة تبتسملي بإحسان وتقولي إن الجدة كبيرة في السن وتعبانة.
الموظفة مسكت الشيك، قرت البيانات… وفجأة الابتسامة اختفت من وشها تماماً.
نادت على مدير الفرع، راجل طول بعرض اسمه “أستاذ خالد”. بص للشيك، وبعدين بصلي، ورجع بص للشيك تاني.
وشه اتمسح منه الدم تماماً واصفرّ زي الورق.
أخدني من إيدي ودخلني مكتبه الزجاجي وقفل الباب بالترباس.
وطى صوته وقال وهو بيترعش: “يا فندم… إحنا لازم نتكلم فوراً.”:
الجزء الثاني
أستاذ خالد ما قعدش فوراً. فضل واقف وممسك الشيك بإيديه الاتنين كأنه ماسك دليل في مسرح جري\مة.
— “هو فيه مشكلة؟” سألته.
بص من ورا الساتر الزجاجي ناحية صالة البنك، وبعدين نزل الستائر. “أنتي جبتي الشيك ده منين؟”
— “جدتي إدتهولي البارح.”
— “الحاجة فاطمة العطار؟”
هزيت رأسي.
فكّه اتقفل بقوة. “الحاجة فاطمة عميلة خاصة في البنك ده من أكتـر من عشرين سنة.”
معدتي اتكركبت: “يعني الشيك حقيقي؟”
أستاذ خالد قعد أخيراً قصادي: “أيوة. الشيك حقيقي.”
الكلمة نزلت عليا زي الصدمة لدرجة إني ضحكت ضحكة خطفة، مش عشان الموضوع يضحك، بس عشان عقلي ما كانش لاقي رد فعل تاني.
زق الشيك على المكتب ناحيتي، بس فضل حاطط صباعه على الطرف: “بس فيه حاجة لازم تفهميها. الشيك ده مش مسحوب من حساب شخصي عادي.. ده مربوط بوقف وحساب ائتماني.”
— “وقف إيه؟”
— “وقف عائلة العطار للحفاظ على الأصول.”
بصيتله بذهول: “أنا عمر ما سمعت عنه.”
قال بحذر: “أنا مش متفاجئ. حسب التعليمات المسجلة عندنا، المستفيدين ما كانش المفروض يعرفوا أي حاجة عنه لحد ما الحاجة فاطمة هي اللي تبدأ التوزيع بنفسها.”
— “المستفيدين؟” كررت الكلمة.. “يعني شيكات الكل كانت حقيقية؟”
— “أيوة.”
افتكرت شريف أخويا وهو بيموت على نفسه من الضحك، ومي وهي بترميه في طبق الطحينة، وبابا وهو بيرميه جنب طبقه زي المنديل.
أستاذ خالد قرب بكسدة: “يا مدام ندى، لما جدتك سلمتكم الشيكات دي البارح، هي فعلت بند في الوثيقة. كل شيك لازم يتدخل الصرف أو يترفض بشكل رسمي خلال ٧٢ ساعة. لو ما حصلش ده، المستفيد ده بيسقط حقه تماماً في حصته.”
حسيت ببرودة في جسمي كله: “بيسقط حقه لمين؟”
— “للمستفيدين الباقيين اللي قبلوا الشيك وصرفوه.”
زوري اتجمد: “جدتي كانت عارفة إنهم هيضحكوا عليه ويستهزئوا بيه…”
أستاذ خالد ما ردش فوراً.
السكوت ده كان هو الرد.
فتح فايل وطلع منه كذا ورقة عليهم إمضاء جدتي في الآخر: “وفيه حاجة كمان. جدتك عدلت وثيقة الوقف دي من ست شهور. ضافت تقرير حالة عقلية وصحية سليم من دكتورين كبار، وإقرار فيديو، وجواب بتشرح فيه هي ليه بتعمل كده.”
— “ليه؟”
أستاذ خالد بان عليه عدم الراحة: “كانت شايفه إن ولادها بيمارسوا عليها ضغط عشان تغير نظام تركتها ووصيتها.”
صوت بابا رن في دماغي: ما تشجعيهاش على العبط ده.
ضغبت بكفوفي على بعض تحت الترابيزة: “ضغط إزاي؟”
— “أنا مش من حقي أتهم حد.. بس هي وثقت محاولات متكررة للسيطرة على أملاكها، بما فيها محاولات لنقلها لدار رعاية متخصصة وتقييد صلاحياتها المالية.”
بقّي جف تماماً: “بابا كان بيعد يقولنا إنها بدأت تنسى وتخرف…”
وش أستاذ خالد بقى أهدى: “التقارير الطبية بتقول عكس كده تماماً.”
زق ظرف تاني ناحيتي. كان مكتوب عليه اسمي بخط جدتي الرقعة الجميل:
لـ ندى فقط.
إيدي كانت بترعش وأنا بفتحه.
جواه كانت فيه رسالة قصيرة:
ندى، لو بتقري الجواب ده، يبقى أنتي الوحيدة اللي سمعتيني وفكرتي قبل ما تحكمي. وده عندي أهم من الفلوس. إياكي تلمحي لأبوكي بأي حاجة الأول. وما تثقيش في أي حد استهزأ بحاجة هو مش فاهمها. تعاليلي الفيلا النهاردة، وهاتي الجواب ده معاكي. فيه حاجات لازم أقولهالك قبل ما هما يعرفوا.
صوت الكرسي عمل حشرجة في الأرض وأنا بقوم واقفة.
أستاذ خالد قام هو كمان: “يا مدام ندى، فيه حاجة أخيره لازم تعرفيها.. أبوكي كلم البنك هنا من ٣٠ دقيقة.”
اتسمرت مكاني: “وقال إيه؟”
— “سأل إذا كانت فيه أي معاملات مالية كبيرة اتقدمت على حساب الحاجة فاطمة العطار.. وادّعى إن معاه توكيل رسمي ووصاية مالية عليها.”
— “وهو معاه؟”
أستاذ خالد ضم شفايفه في خط مستقيم.
”لا،” قالها بثبات.. “ما معاهوش.”
الجزء الثالث والأخير
خرجت من البنك وركبت عربيتي وجريت على فيلا جدتي في المعادي. أفكاري كانت بتتسابق. بابا كان بيحاول يسيطر على كل حاجة ويدعي إنها كبرت وخرفت، وهي كانت قاعدة وسطنا في ليلة رأس السنة، بتفرج عليا وعلى العيلة كأنها بتعملنا اختبار أخير.
أول ما وصلت الفيلا، لقيت عربية بابا ركنا بره.
قلبي اتكركب. فتحت الباب بالراحة ودخلت. الصالة كانت ساكتة تماماً، بس صوت كلام دافي جاي من أوضة المكتب بتاعة جدتي.
قربت من الباب، وسمعت صوت بابا وهو بيعلى:
— “يا أمي افهمي، الموضوع بقى خطير! أنتي مش حاسة بالتصرفات اللي بتعمليها! توزيع شيكات بلمبالغ دي في ليلة رأس السنة؟ ده تصرف يخلي أي حد يشك في قواكي العقلية!”
صوت جدتي جه بمنتهى الهدوء والوقار:
— “وأنت جريت على البنك الصبح عشان تسأل على الشيكات دي ليه يا عبد الرحمن؟ لو هي مجرد ‘هبل وخرف’ زي ما قُلت للكل على السفرة… كنت محروق أوي كده ليه تعرف اتقدمت للصرف ولا لأ؟”
بابا اتلجم للحظة، وبعدين كمل بعصبية:
— “أنا بضمن حق العيلة! وبحمي أملاكك من أي حد يستغلك، خصوصاً بعد ما شفت ندى وهي بتاخد الشيك بتاعها البارح وتخبيه في جيبها زي الحرامية!”
في اللحظة دي، زقيت الباب ودخلت.
— “أنا ما خبيتهوش يا بابا،” قُلت بصوت ثابت.. “أنا أخدته عشان جدتي هي اللي إدتهولي بنفسها.”
بابا لفلي ووشه أحمر من الغضب:
— “أنتي إيه اللي جابك هنا؟! وأزاي تتصرفي بالأسلوب ده؟ أوعي تكوني صدقتي العبط ده وروحتي البنك تفضحينا؟”
بصيت لجدتي. كانت قاعدة على كرسيها الفوتاي، لابسة نفس الشال الكشمير، وفي عينها نفس النظرة الهادية، بس المرة دي كان فيها ابتسامة فخر صغيرة.
طلعت الجواب اللي كتبتهولي وحطيته على المكتب قدام بابا، ومعاه إشعار إيداع الشيك من بنك مصر.
— “أنا صرفت الشيك يا بابا،” قُلت بالراحة.. “وأستاذ خالد مدير الفرع أخد الشيك وفعّل بند الـ ٧٢ ساعة في وقف عائلة العطار.”
بابا بص للإشعار، ووشه اتمسح منه الدم تماماً:
— “وقف إيه؟ أنتي بتقولي إيه؟”
جدتي فاطمة قامت وقفت بالراحة، ومسكت عصايتها:
— “عبد الرحمن… أنت وشريف وإلهام ضحكتم البارح، ورميتم الشيكات في الزبالة وفي الأكل، واستخفيتم بيا. قُلتم عليا كبرت ومبقيتش بفهم. بس الحقيقة إنكم كنتم عميان بالسيطرة والطمع.”
كملت بصوت قاطع يرن في الأوضة:
— “الوقف ده شرطه واضح من ست شهور… اللي هيحترم وجودي، ويسمع كلامي، وياخد الشيك بجدية، هو اللي هيتعتبر مستفيد وتتنقل له حصة الوقف. وبما إنكم رفضتم الشيكات واستهزأتم بيها… فحِصصكم كلها سقطت قانوناً وبقت من نصيب ندى.”
بابا بص لجدتي بذهول، وبعدين بصلي:
— “أنتي… أنتي ضحكتي علينا؟! الفلوس دي ملك العيلة كلها! الشركة والفيلا والأسهم!”
جدتي فاطمة قربت منه وقالت بثبات:
— “الشركة والفيلا هيتداروا من النهاردة تحت وصاية ندى. أنتم عشتوا سنين فاكرين إنكم بتسيطروا عليا، وأنا سيبتكم لحد ما كشفتم نيتكم بنفسكم. ندى هي الوحيدة اللي ما حاسبتنيش كأني كركوبة ملاهاش قيمة.”
بابا حاول يصرخ أو يعترض، بس المحامي الأستاذ رفعت دخل من باب المكتب ومعاه أوراق التنازلات والوصاية الرسمية المعتمدة.
— “أستاذ عبد الرحمن،” المحامي قال بجدية.. “حضرتك والمادام إلهام والأستاذ شريف قدامكم ٤٨ ساعة لتسليم كل متعلقات وإدارات الشركة، وتقارير الحسابات للسيدة ندى.”
في خلال أيام، كل حاجة اتغيرت.
بابا وعمتي وشريف فهموا متأخر أوي إن استهزائهم وتكبرهم كلفهم ثروة كاملة. اضطروا لأول مرة في حياتهم يقعدوا ويراجعوا أنفسهم، ويبدأوا يعتمدوا على نفسهم بعيداً عن التحكم في أملاك جدتي.
أما أنا، فسبت الشغلانتين والإيجار، ونقلت للفيلا عشان أكون جنب جدتي، ومسكت إدارة الوقف والشركة وحافظت على اسم “الحاجة فاطمة العطار” مرفوع زي ما يستاهل.
وعرفت إن أحياناً… أبسط لفتة احترام وتقدير، بتبقى قيمتها أثقل بكتير من ٥٠ مليون جنيه.