بيت حماتي اللي ع البحر حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
«عيالي، وأمي، وأنا هنقضي إجازة الصيف في بيت البحر بتاعك،» مرات ابني بعتت في رسالة. «تأكدي إن التلاجة متزودة بالطلبات قبل يوم الخميس.»
​رديت عليها بكلمة واحدة.
​«لا.»
​ردت بتعابير إيموشن بتضحك.
​«إحنا جايين على أي حال. إنتي إيه بالظبط اللي تقدري تعمليه؟»
​بس لما وصلوا ومعاهم خمس شنط سفر، اكتشفوا إني كنت خلاص أخدت قراري—وجاهزة لقرارهم هما كمان.
​«إحنا هنستخدم بيت البحر بتاعك في إجازة الربيع—عيالي وأمي جايين معايا كمان. جهزي التلاجة وخليها مليانة على يوم الخميس.»
​قريت الرسالة مرتين.
​ما كانش فيها أي سؤال.
​ما كانش فيها «هل ده هيكون مناسب؟»
​ولا «ممكن نعدي ونقعد هناك؟»
​ولا حتى تنبيه بأسلوب لطيف إن فيه كذا شخص ناوين يشغلوا البيت بتاعي.
​نانسي كانت خلاص أخدت القرار. ودوري الوحيد المحدد لي كان إني أجهز البيت وأشتري لهم أكلهم.
​أنا اسمي سميرة عبد الحليم. كان عندي ستاشر وستين سنة، والبيت الصغير اللي في الساحل الشمالي ده كان ملكي أنا بالكامل.
​ما كانش مودرن ولا كان يتاخد بيه العقل.
​بس بعد ما جوزي توفى، بقى هو المكان الوحيد اللي حسيت فيه إن الحياة ممكن تظبط وترجع تتقبل تاني.
​بنتي هنا كانت بتنام هناك في هدوء.
​كانت بتتكلم أكتر.
​ما بقتش تقعد تفحص وتراقب كل أوضة وكأنها محتاجة تتوقع مين ممكن يتعصب المرة اللي جاية.
​وده خلى البيت قيمته عندي أكبر من أي حاجة مكتوبة في عقد الملكية بتاعه.
​الرسالة كانت جاية من نانسي، مرات ابني كريم.
​في الأول، كتبت مسودة رد متقن بوضح فيه إنها ما إدتنيش مهلة كفاية، وممكن مثلاً نرتب في نهاية أسبوع تانية.
​بعدين مسحت الرد ده.
​وكتبت بداله كلمة واحدة بس.
​«لا.»
​نانسي ردت تقريباً في ساعتها.
​في الأول ظهرت شوية إيموشنات بتضحك.
​وبعدين جردت الرسالة دي:
​«إحنا جايين على أي حال. إنتي هتعملي إيه يعني؟ إنتي أصلاً يا دوب بتستخدمي المكان.»
​حطيت الموبايل على رخامة المطبخ.
​ما رديتش.
​دي ما كانتش أول مرة نانسي تتعامل مع موافقتي وكأنها تفصيلة ملهاش لزمة.
​الموضوع بدأ بالفلوس.
​«إحنا زنقة شوية الشهر ده.»
​«محتاجين مساعدة في مصاريف المدرسة.»
​«هنقدر نتصرف لو إنتي ساهمتي معانا.»
​كل طلب كان بييجي ومغلف بحالة طوارئ.
​مرة طلبات التموين والمطبخ.
​ومرة تانية تصليح طارئ للعربية.
​ومرة قسط تعليم مفروض يدفع قبل يوم الجمعة ضروري.
​المصاريف كانت بتظهر واحدة واحدة، فما كانش فيه طلب واحد منهم يبان خطير كفاية إنه يبرر خناقة أو مواجهة.
​حد ما في بعد ظهر يوم، راجعت كشوفات الحساب البنكي بتاعة كام شهر فاتوا.
​كان فيه تحويل بقيمة تقريبية تلاتين ألف جنيه مكتوب قصاده «تعديل مؤقت».
​ما كنتش فاكرة إني وافقت على حاجة زي دي خالص.
​ولما دققت أكتر، اكتشفت إن قرارات كتير من دي كانت بتاخد من قبل ما حد يتكلم معايا أساساً.
​ما كانش متوقع مني أوافق.
​كان متوقع مني أدفع.
​كل ما أفتح الموضوع ده مع كريم، كان بيرد بنفس الجمل الهادية:
​«نانسي تحت ضغط كبير.»
​«الموضوع حيهدى ويتظبط.»
​«إنتي طول عمرك بتساعدينا قبل كده.»
​كان فاكر إن السكوت بيمنع المشاكل.
​اللي ما قدرش يفهمه إن السكوت ما كانش بيلغي الضغط.
​كان ببساطة بيحط الضغط ده كله عليا أنا.
​طريقة نانسي وتصرفاتها ناحية بيت الساحل اتطورت بالراحة.
​في الأول، كانت بتتكلم عن قد إيه العيال بيبقوا مبسوطين لما يزوروه.
​بعدين بدأت تسميه «بيتنا».
​وف النهاية، بدأت تقسم وتوزع الأوض.
​«أمي تاخد الأوضة اللي تحت المرة اللي جاية،» أعلنت كده في وسط العشا. «عشان تكون مريحة أكتر ليها.»
​هي ما سألتش حتى إذا كان هيكون فيه زيارة جاية أصلاً ولا لأ.
​كريم كمل أكله عادي.
​فكرت أصلح لها كلامها، بس فضلت ساكتة عشان ما أكسرش فرحة العشا اللي كان لطيف.
​ولما بفتكر الموقف دلوقتي، بفهم إن العشا أصلاً ما كانش لطيف.
​أنا بس كنت الشخص الوحيد اللي متوقع منه يمتص ويتحمل عدم الراحة دي.
​الناس نادراً ما بتاخد السيطرة في لقطة درامية واحدة.
​هما بيتمرنوا من خلال الكلام في الأول.
​اللي خوفني في الأخر ما كانش الفلوس ولا حتى البيت.
​كانت بنتي هنا.
​في خروجة عائلية من الخروجات، عيال نانسي بدأوا يتكلموا بصوت عالي عن الحاجة اللي عايزين يعملوها بعد كده.
​نانسي وافقتهم في ساعتها.
​ما حدش سأل هنا.
​وقبل ما حد يلف ناحيتها، بنتي أخدت خطوة لورا.
​«عادي مافيش مشكلة،» قالتها.
​هي استسلمت وسابت مكانها قبل ما حد ياخده منها بشكل صريح.
​ما كانش فيه خناقة.
​ولا رفض باين.
​هنا ببساطة اتعلمت إن أسهل طريقة عشان تضمن إن الكل مرتاح هي إنها تانسحب وتبعد بنفسها قبل ما حد تاني يحتاج المساحة دي.
​لسنين طويلة، كنت بسمي نفس التصرف ده في نفسي “طيبة ورقة”.
​دلوقتي بقيت بشوف بنتي بتورث نفس الطبع ده.
​عشان كده لما نانسي أعلنت إنها هتيجي هي وعيالها وأمها للساحل الشمالي، أنا شفت أكتر من مجرد طمع واستحقاق.
​أنا شفت المنظومة كاملة اللي أنا شاركت في بناءها كل مرة سمحت فيها لإجاباتي إنها تتطنش وتتجاهل.
​كلمت كريم في الليلة دي.
​«أنا قلت لنانسي لا.»
​اتنهد.
​«هما خلاص رتبوا كل حاجة. بلاش تكبري الموضوع أكتر من حجمه.»
​«أنا مش هغير ردي.»
​«الموضوع هيظبط نفسه بنفسه.»
​الجملة دي وضحت كل حاجة.
​ما كانش فيه أي سوء فهم.
​هما سمعوني.
​هما ببساطة ما كانوش مصدقين إن كلماتي ممكن تغير خططهم.
​رفضي عمره ما طلب منهم أي مجهود أو تغيير قبل كده.
​وقبل شروق الشمس تاني يوم الصبح، سُقت وتوجهت للساحل.
​الطريق كان فاضي تقريباً، وأنا قفلت الراديو خالص.
​لما وصلت، مشيت بالراحة جوة البيت.
​الشبابيك كانت لسة مقفولة.
​الأوض كان فيها ريحة الخشب الخفيف وريحة هواء البحر.
​كل حاجة كانت بالظبط زي ما سبتها.
​بعدها خرجت برة وغيرت الباسورد بتاع الرقم السري للبوابة.
​جربت الرقم الجديد مرتين عشان أتأكد.
​وبعدها كلمت شركة أمن محلية هناك ووضحت لهم إن فيه كذا شخص من غير إذن ممكن يوصلوا ومعاهم شنط سفر.
​«حضرتك متوقعة مشكلة؟» الراجل سألني.
​«أنا متوقعة وصولهم،» رديت.
​بعد الضهر بشوية، عربيتين دخلوا في المشاية بتاعة البيت.
​الشنط بتاعتهم كانت مليانة شنط سفر.
​نانسي نزلت في الأول، وكانت لابسـة الابتسامة الواثقة بتاعة حد مصدق إن مقاوماتي كانت خلاص اتمسحت وتبخرت.
​بعدين وصلت للبوابة.
​الرقم السري القديم بتاعها ما اشتغلش.
​«إيه ده؟» هي طلبت تفهم بغضب.
​«أنا قيلالك ما تجموش.»
​ضحكت، بس ما كانش فيه أي ثقة في صوت الضحكة دي.
​«العيال هنا يا سميرة.»
​أمها نزلت من العربية التانية وبصت من ورايا ناحية البيت.
​«إحنا مشينا الطريق ده كله.»
​كريم نزل أبطأ منهم.
​ما قالش ولا كلمة.
​هو ببساطة كان بيبص بين نانسي وبيني، مستني مني أعمل نفس التنازل والتعديل اللي طول عمري بعمله قبل كده.
​«دول يا دوب كام يوم،» نانسي قالت. «إنتي مصعبة الموضوع ومخلية الموضوع ملوش لزمة كده ليه.»
​«ده لسة بيتي.»
​صوتها بقى أهدى وأوطى.
​«على الأقل دخلي العيال جوة. ونبقى نتكلم في الباقي بعدين.»
​«لا.»
​الكلمة كان لها صوت ورنين مختلف المرة دي.
​مش عشان أنا قلتها بصوت عالي.
​علشان أنا ما ضفتش أي حاجة بعدها.
​لا اعتذار.
​لا شرح ولا تبرير.
​ولا عزومة للمفاوضة.
​نانسي بصتلي من ورا البوابة المقفولة.
​«المفروض نقول إيه للعيال؟»
​«الحقيقة،» رديت. «إنكم اتقالكم ما تجموش.»
​كريم بص ناحية العربية المليانة شنط، والعيال اللي مستنيين، وإيد نانسي اللي محطوطة على شاشة الأرقام اللي ملهاش لزمة دلوقتي.
​ولأول مرة، هو فهم إن الحفاظ على الهدوء والسلام هيطلب من حد تاني غيري إنه يستسلم.
الجزء التاني:
​محدش كان قالها إن اختيارها ملوش أهمية. هي ببساطة اتعلمت تنسحب وتبعد بنفسها قبل ما حد يتجاهلها.
​أنا عرفت التصرف ده لأني قضيت سنين طويلة بعمل نفس الحاجة بالظبط.
​عشان كده لما نانسي بعتت رسالتها بخصوص إجازة الربيع، أنا مبقتش شايفة ده مجرد تصرف فردي فيه طمع واستحقاق.
​أنا شفت النمط كله على بعضه.
​ولما كريم كلمني وقال لي بلاش أكبر الموضوع «أكتر من حجمه»، أنا خليت ردي بسيط.
​«أنا قلت لها لا.»
​رد وقال: «هما خلاص رتبوا الرحلة.»
​«أنا مش هغير ردي.»
​سكت شوية وقال:
​«الموضوع هيظبط نفسه بنفسه.»
​بعد ما قفلت المكالمة، فهمت إنهم سمعوني كويس جداً.
​هما ببساطة ما كانوش مصدقين إن ردي هيفضل ثابت.
بعد ما كريم فهم إن الموضوع جد والمرة دي مفيش تراجع، نانسي وشها بقى ألوان وبدأت تصرخ وتتخانق في الشارع: «أنت واقف ساكت ليه؟! قُول لأمك حاجة! إحنا سايقين من القاهرة لحد هنا عشان في الآخر تقفل البوابة في وشنا؟!»
​كريم قرب من البوابة وبصلي بنظرة رجاء: «يا أمي، عشان خاطري، العيال تعبانين من الطريق.. ندخل بس النهاردة ونتكلم بكره.»
​رديت عليه ببرود وقوة عمرهم ما شافوها مني قبل كده:
«العيال يقدروا يرجعوا معاك العربية وتشوفوا أي فندق في المحافظة تقعدوا فيه.. البيت ده مقفول ومش هيدخله غير اللي بحترمني ويحترم كلمتي.»
​في اللحظة دي، عربية الأمن التابعة لشركة الحراسة بتاعة القرية وصلت ووقفت ورائ عربياتهم. نزل منها موظف الأمن وبصلي: «خير يا سميرة هانم؟ فيه أي إزعاج أو تعدي على الملكية؟»
​أمي نانسي شهقت بصدمة: «تعدي إيه يا جدع أنت؟! دي حماتي وده بيت جوزي!»
​الموظف بص في أوراق المعاينة اللي معاه وقال بهدوء: «البيت مكتوب باسم سميرة هانم عبد الحليم فقط، وحضراتكم مفيش معاكم تصريح دخول، والمالكة طالبة عدم تواجدكم. لو سمحتم اتحركوا بالعربيات برة السور عشان ما نضطرش نطلب نجدة الشاطئ.»
​نانسي كانت هتتجنن من الفضيحة، وأمها مسكتها من دراعها وهي مكسوفة ومكسورة من منظر القرايب والناس في الشارع: «يلا يا نانسي.. يلا يا بنتي نمشي بكرامتنا بدل البهدلة دي.»
​كريم بصلي أخيرًا بنظرة استوعب فيها كل السنين اللي فاتت.. فهم إن سكوتي زمان ما كانش ضعف، وإن كثرة التنازلات هي اللي وصلت مراته للحالة دي من الغرور. ركب عربيته من غير ما ينطق ولا كلمة، ولَفوا العربيات ورجعوا من مطرح ما جوم.
​رجعت قعدت في التراس، وبصيت للبحر.
هنا بنتي طلعت وقعدت جنبي، ومسكت إيدي بالراحة وابتسمت ابتسامة صافية أول مرة أشوفها من زمان.
​وقالتلي: «أنا فخورة بيكي يا بابا.. وفخورة إني اتعلمت النهاردة إن كلمة “لا” مش عيب لما تكون في حقنا.»
​ومن اليوم ده، نانسي عمرها ما تجرأت تطلب طلب بصيغة الأمر، وكريم بقى يعمل ألف حساب لكلمتي، والأهم من ده كله.. إن بنتي تعلمت إن مكانتها وكرامتها مش مجال للتفاوض أبداً.
​تمت القصة! ✨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *