معلقة صورتنا حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
— “الست دي معلقة صورة فرحنا في صالتها!”
نطقت فريدة الجملة أول ما شريف دخل من باب الشقة. هو حتى مالحقش يقلع الجاكيت؛ بصلها بنظرة ذهول كأنها اتجننت.
في اليوم ده بعد الظهر، فريدة كانت نازلة الدور اللي تحتهم ومعاها صينية “كيكة ذرة” سخنة عشان ترحب بالجار الجديد. دي عادة اتعلمتها من جدتها في المنصورة، ودايماً شريف كان بيتريق عليها ويقول إنها “حركات أرياف”.
الست اللي فتحت الباب كانت واحدة اسمها ميرنا، في منتصف التلاتينات، لابسة باروكة سودا مش مظبوطة أوي، وأخدت الصينية من غير حتى ما تبتسم. وقبل ما تقفل الباب، عين فريدة جت على الحيطة الرئيسية في الصالة.
كانت هي.. بلبس الفستان الأبيض، وماسكة في إيد شريف.
مش صورة شبهها.. دي كانت نفس الصورة اللي أصحابهم أهداوهالهم في عيد جوازهم الخامس، الصورة اللي كانت ناقصة من الألبوم اللي متشال في الدولاب!
رد شريف وهو بيهز كتفه ببرود:
— “يمكن المصورة نزلتها على النت ولا حاجة.. بلاش تخلقي مشاكل من اللاشيء.”
بس السخرية في كلامه كانت سريعة زيادة عن اللزوم. وفي نفس الليلة، لما أخدت منه الجاكيت عشان تعلقوا، شمت فيه ريحة برفان حريمي مسكرة.. نفس الريحة اللي شمتها في شقة ميرنا بالظبط.
سكتت وما قالتش كلمة.
تاني يوم الصبح، عملت نفسها نايمة. شريف خرج من غير ما يستخدم الأسانسير، نزل دور واحد على السلم، وفتح باب شقة ميرنا بالمفاتيح اللي معاه!
فريدة حست إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها.
كلمت مها، السمسارة اللي باعتلهم شقتهم في المعادي من سنين. ادعت إنها عايزة تشتري الشقة اللي تحتهم عشان تقعد فيها حماتها. مها راجعت الملف وادتها اسم المالك:
فريدة عبد الرحمن منصور.
اسمها هي بالكامل! الشقة اتشتت من شهر بس باسم واحدة واضح رسمياً إنها هي.
بعدها بساعات، جّت الحاجة نادية، أم شريف. هي عمرها ما بتيجي من غير ما تتصل، بس ظهرت العصر وهي متوترة جداً، بقيت تمسح الخشب اللي مفيش عليه تراب وتتهرب من إنها تحط عينها في عين فريدة. ولما لمحت ميرنا واقفة في مدخل العمارة، وشها اصفرّ وكانت حتغمى عليها!
تمتمت وهي بتمسك قلبها:
— “أنا… أنا كنت فاكراها لسه في السجن!”
الحقيقة بدأت تتكشف حتة حتة. ميرنا كانت مراته الأولى! زوّرت إمضاءات وسرقت فلوس من شركة أبوها ودخلت السجن. الحاجة نادية أكدت إن شريف اتطلق منها من سنين طويلة، وإنه خبى الموضوع ده كله عن فريدة عشان “يبدأ صفحة جديدة”.
فريدة أخدت عربيتها وطارت على مكتب السجل المدني.
الموظفة بصلت في الشاشة، حوجبت، وطلعتلها شهادة رسمية:
— “يا مدام.. حضرتك مش متجوزة أصلاً! طلاقك متسجل عندنا من تلات شهور!”
إيد فريدة اتجمدت وهي ماسكة الورقة. هي عمرها ما رفعت ق\ضية طلاق، ولا وقفت قدام قاضي ولا مأذون! بس في واحدة برقمها القومي وإمضاءتها، ومعاها بطاقة حديثة، أنهت جوازها رسمياً.
وفي النيابة، اكتشفت الأدهى والأمر: من شهرين، واحدة شبهها جداً عملت محضر بدل فاقد لبطاقتها، وسحبت هويتها كاملة وبقت بتتعامل بيها في كل حتة. وفي صورة البطاقة المزورة.. كانت ميرنا، متكحلة ومتزوقة عشان تبان شبه فريدة بالظبط!
ساعتها بس فريدة فهمت.. صورة الفرح اللي معلقة على الحيطة مكانتش ذكريات ولا حنين.
دي كانت محطوطة عشان تدرس ملامحها وتتعلم إزاي تبقى هي.. وما كانتش متخيلة أبداً هما ناوين يعملوا فيها إيه عشان ياخدوا مكانها بالكامل…
الجزء الثاني
رجعت فريدة البيت وهي عاملة نفسها مش عارفة أي حاجة. جوازهم اصلاً كان بعقد انفصال ملكية؛ الشقة، ومكتب الديكور والهندسة بتاعها، وشاليه الشاليهات الصغير في الساحل الشمالي.. كل دول ملكها هي لوحدها ومكتوبين باسمها.
شريف في المقابل، كان بقاله شهور غرقان في الديون من غير ما هي تعرف. وبمساعدة كتمان من معارفها القدام، فريدة اكتشفت إن جوزها اختلس مبالغ ضخمة من الشركة اللي شغال فيها. كان بيكريت موردين وهميين، ويلعب في الفواتير، وخسر معظم الفلوس في استثمارات فاشلة وتداول على النت. المراجعة الداخلية لو كملت في الشركة، مصيره كان هيبقى السجن المؤكد.
المخطط بدأ يوضح قدام عينها زي الشمس: ميرنا تتقمص شخصية فريدة، تبيع ممتلكاتها، تفضي حساباتها في البنك، وتنقذ شريف من الج\ريمة والتزوير.
بس عشان محدش يشك في السرقة، كان لازم الأول يهزوا ثقتها في نفسها ويثبتوا إنها “غير متزنة عقلياً”.
في الليلة دي، شريف عملها كباية شاي. فريدة مثلت إنها بتشرب، بس وهي بتميل الكباية لمحت بودرة بيضا راكدة في القاع. دلقت الشاي بالراحة في قصرية الزرع جنبها، وبعد ساعتين بدأت تمثل إنها دايخة ومش قادرة تفتح عينها.
تاني يوم الصبح، شريف غير مكان شنطتها وخبى مفاتيحها في كيس الزبالة. وقالها بنبرة تمثيلية كلها قلق:
— “انتِ مش فاكرة؟ انتِ قمتِ مشيتي وأنتِ نايمة إمبارح! وكنتِ بتقولي كلام غريب ومش مفهوم.. أنا خايف عليكِ، يمكن محتاجة تشوفي دكتور مخ وأعصاب؟”
فريدة لعبت اللعبة للاخر. بدأت تمثل إنها بتنسى المواعيد، وتتلخبط في الأسماء بقصد، وسابته يصدق إن المهدئات جابت نتيجة معاها.
لكن في الخفاء…
أخدت عقود الملكية كلها وحطتها في خزنة مكتبها، وقفلت أي تعاملات بنكية مريبة، وحدثت بصمتها وهويتها في البنك. كمان بلغت النيابة بفرغ تسجيلات لكاميرات المراقبة وهي بتوريهم ميرنا وهي بتحاول تسحب فلوس باسمها.
ودخلت على لابتوب شريف وسحبت كل الفواتير المزورة، والتحويلات المشبوهة، والملف اللي حاطط فيه صور ورقها الرسمي. سيفت كل حاجة على كارت ميموري وطبعت منها نسخ ورق.
من كتر الضغط، فريدة كانت محتاجة تتكلم مع حد. قابلت ندى صاحبتها الانتيم في كافيه في الكورنيش. حكتلها حتة صغيرة بس: الجارة، والطلاق المزور، وشكوكها إن في حد ينتحل شخصيتها.
ندى بصلتها بقلة تصديق وقالتلها:
— “يمكن شريف مظلوم وميعرفش؟ انتِ مضغوطة أوي يا فريدة وشكلك تعبان.”
مشيت فريدة وفي بقها طعم مرارة.. ومكنتش تعرف إن بمجرد ما قامت، ندى رفعت السماعة وكلمت شريف!
— “مراتك بتدور وراك وبتقصقص أثرك.. شريف، أنا طول عمري بحبك ومش عايزاك تقع في مشكلة!”
شريف طار على شقة ميرنا، وقرروا يسرّعوا الخطة.
إقترحوا على فريدة تروح تقضي أسبوع في مصحة نفسية واستجمام في وادي النطرون عشان تعالج التشتت اللي عندها — وده عشان يخلو لها الجو يبيعوا فيه كل حاجة.
وافقت فريدة من غير ما تعترض.
يوم الأربع، خرجت بشنطتين وركبت التاكسي اللي شريف طلبهولها. بس بعد شارعين اثنين، السواق — اللي كان راجل أمين وشغال مع مكتبها من سنين — نزلها قدام بنسيون صغير شبابيكه بتبص على عمارة بيتها بالظبط، وأخد هو الموبايل وبدأ يتحرك بيه في اتجاه المصحة عشان يظهر في الـ GPS إنها سافرت فعلاً.
لمدة يومين، كانت فريدة واقفة ورا الشباك بالكاميرا بتصور كل حركة بتتم.
صباح الجمعة، خرجت ميرنا من العمارة لابسة فستان من بتوع فريدة، وباروكة نفس قصّة ولون شعرها، ومكياج مظبوط جداً حاطة بيه حبة الخال (الحسنة) اللي جنب بقها. شريف فتحلها باب العربية ونسق معاها قدام بواب العمارة كأنها مراته عادي جداً.
فريدة مشيت وراهم للـ مكتب الشهر العقاري في أطراف الجيزة.
من العربية في الباركينج، شافتهم داخلين مع مشتريين ومُحامي، ومسكين ملف في إيديهم مكتوب عليه عنوان شاليه الساحل وشقة المعادي. دول مكانوش جايين يبيعوا الشقة بس.. دول كانوا ناوين يجردوها من كل حاجة تملكها في يوم واحد!
وفي اللحظة اللي ميرنا مسكت فيها القلم، وجاية تمضي باسم “فريدة عبد الرحمن منصور”…
الباب اتفتح بحدة، ودخل شخص محدش فيهم كان يتوقع وجوده أبداً!
الشخص اللي دخل كان فاروق بيه المليجي، الشريك الرئيسي ورئيس مجلس إدارة الشركة اللي شغال فيها شريف، ومعاه اثنين من رجال الأمن وحراسته الخاصة، ووراهم على طول ضابط بزي رسمي وأربعة أفراد شرطة!
المكان اتخرس تماماً. القلم وقع من إيد ميرنا ورنّ على الترابيزة الرخام.
شريف وشه اتخطف وبقى لون الورق، وقام وقف فجأة:
— “فاروق بيه؟! حضرتك… حضرتك بتعمل إيه هنا؟!”
فاروق بيه ما ردش عليه. مشي بخطوات ثقيلة ومستقيمة لحد ما وقف قدام الترابيزة، وبص للمشتريين والمحامي وقال بنبرة حازمة هزت القاعة:
— “البيع ده باطل، والست اللي ماسكة القلم دي نصابة بتمثل شخصية فريدة هانم!”
في اللحظة دي، دخلت فريدة من باب الشهر العقاري. كانت لابسة نظارتها الشمسية، بكامل أناقتها وثباتها، وفي إيدها شنطة جلد سودا. وقفت جنب فاروق بيه وبصلت لشريف وميرنا بنظرة برود قاطعة.
ميرنا ارتبكت وأيديها بدأت ترتعش، وحاولت تصرخ وتعمل مشهد:
— “إيه الجنان ده؟! أنا فريدة! الست دي كدابة ومجنونة! شريف قولهم.. أنا مين؟!”
شريف كان متلخبط، عينيه رايحة جاية بين فريدة وميرنا، ريقه جف وما قدرش ينطق كلمة واحدة.
فريدة ابتسمت سخرية، وفتحت شنطتها وطلعت أصل بطاقتها القومية الحديثة، وجواز سفرها، وشهادة البصمة البيومترية اللي عملتها في السجل المدني من يومين بس، وحطتهم قدام الموثق العقاري:
— “حضرتك تقدر تتأكد من جهاز البصمة الإلكتروني اللي عندك حالاً. افحص بصمتي وبصمة الست دي، وتأكد مين فينا فريدة عبد الرحمن منصور.”
الموثق بص للورق وللضباط، ولما طلب من ميرنا تحط إيدها على جهاز البصمة، ميرنا رجعت لورا بخوف وحاولت تتسحب عشان تهرب، بس رجال الشرطة كانوا أسرع ومسكوها من دراعها. الباروكة اتهزت من على راسها واتكشفت حقيقتها قدام كل اللي واقفين.
الضابط اتلقف الموقف فوراً وقدم إذن النيابة للجميع:
— “ميرنا سيد أحمد، وشريف صلاح الدين.. عندكم أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهم التزوير في محررات رسمية، واختلاس أموال، وانتحال شخصية، والشروع في السرقة.”
شريف بدأ يترجى فريدة بنبرة صوت مكسورة ومرعوبة:
— “فريدة! اسمعيني بس.. أنا اتضحك عليا! هي اللي هددتني وهي اللي خططت لكل ده! أنا بحبك والله، أنا كنت بحاول أنقذ نفسي من الديون بس!”
فريدة قربت منه بخطوات بطيئة، وبصلته في عينيه بمنتهى القسوة والهدوء:
— “أنت ما بتحبش غير نفسك يا شريف. فاكر الشاي اللي حطيتلي فيه المهدئ؟ فاكر لما كنت بتفهمني إن جالي جنون ومشي أثناء النوم؟ أنا كنت فاهمة كل ملعوبة بتلعبوها من أول يوم شفت فيه الصورة في شقة ميرنا.”
وبعدها بصت لـ ندى صاحبتها اللي كانت واقفة ورا شريف متدارية ووشها جايب ألوان من الخوف والكسوف.
— “وأنتِ يا ندى.. شكراً إنك كلمتيه وعرفيته إنني بدور وراه. مكالمتك دي هي اللي خلتني أسبقكم بخطوة وأبلغ فاروق بيه بالدلايل والفواتير المزورة اللي شريف اختلسها من الشركة، وخليته يراقب تحركاتكم المالية خطوة بخطوة.”
فاروق بيه هز راسه بأسف وقال لشريف:
— “الورق والمستندات اللي فريدة هانم سلمتهالي للنيابة فيها كل الاختلاسات والتزوير باسم شركتنا.. أنت مش بس رايح السجن، أنت هتترفض وتتحاكم وتدفع كل مليم سرقته.”
الشرطة الكلبشات في إيد شريف وإيد ميرنا. ميرنا كانت بتبص لشريف بغل وتصرخ فيه وتتهمه إنه هو اللي جرها للموضوع، وشريف كان ماشي وهو مبصبهص في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين فريدة.
لما القاعة فضيت، المشتريين اعتذروا لفريدة بسرعة ولموا ورقهم وجريوا، والموثق قدم اعتذاره عن اللخبطة.
خرجت فريدة للشمس والهوا النظيف بره مكتب الشهر العقاري. اتنفست بعمق لأول مرة من شهور. أخدت عربيتها وطلعت على النيابة عشان تنهي إجراءات إلغاء الطلاق المزور وتثبت الجري\مة عليهم، وبعدها رفعت ق\ضية طلاق رسمية للضرر للإنفصال الأبدي عن شريف.
بعد أسابيع…
رجع كل حق لأصحابه. شريف وميرنا ات حكم عليهم بالسجن المشدد بتهم التزوير والانتحال والاختلاس. ندى خسرت شغلها وسمعتها وبقت متجنبة من كل أصحابها.
أما فريدة، فغيرت كالون شقتها، ونزلت شقة ميرنا مع البواب ودخلت الصالة.. شالت صورة الفرح اللي كانت معلقة على الحيطة، وقطعتها لحتت صغيرة ورامتها في الزبالة.
قفرت الباب وراها، وطلعت شقتها، وهي عارفة إن صفحة قاسية من حياتها اتقفلت للأبد، وإنها خرجت منها أقوى، وأذكياء، وما سمحتش لأي حد إنه يسرق هويتها أو يحرمها من حياتها.