لمي هدومك حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
الفصل الأول: ا
صوت المقص المعدني وهو بيقص الفروع كان الصوت الوحيد اللي مانع قلبي إنه يتكسر ويروح مية حتة.
كنت قاعدة على ركبي في الطين المبلول، وركبة العفريتة الدنيم القديمة شربت مية، وأنا بقلّم بالراحة فرع ناشف وميت من شجرة الورد الأبيض العظيمة اللي بابا كان زارعها الصبح بدري في يوم فرحي. ريحة التربة هنا كانت مكسورة بالمطر والصبر القديم.. دي كانت ريحة عبد الحميد بيه بنفسه. بابا بنى إمبراطورية في العقارات، ورفع أبراج زجاج وحديد في كل مكان، بس الجنينة دي—اللي على مساحة نص فدان وكانت ملجأه الخاص—كانت هي روحه الحقيقية.
دلوقتي، هو راح. السرطان أكله بالبطيء على مدار ست شهور عذاب، وسابني أرملة لجوازة كانت ميتة أصلاً، ويتيمة في بيت فجأة بقى واسع وفاضي أوي عليا.
”المفروض تبتدي تلمي شنطتك دلوقتي، عشان بكره بعد ما وصية المرحوم تتفتح.. الفيلا دي كلها هتبقى ملكنا!”
الصوت قطّع هدوء الجنينة زي سكينة مصدية. ما اتهزتش. قعدت بالراحة على كعوبي، والمقص الحديد البارد في إيدي، ورفعت وشي وبصيت.
نادين كانت واقفة على بعد مترين، كتلة مستفزة من الهدوم الصارخة الماركة اللي بتجرح عينك وسط طبيعة الجنينة. كانت خطيبة جوزي السابق—أو سكرتيرته اللي خانني معاها. كانت واقفة بصلف وغرور واحدة وصلت لمستوى معيشي ما تحلمش بيه بالطرق الملتوية.
”فيقي يا شيرين! كل حاجة في الدنيا دي فلوس وبس،” نادين قالتها وهي بتعدل إيدها بكل تبجح. خاتم ألماث ضخم وتقيل—مشترياه بفلوس أنا متأكدة إنها اتسحبت من حساباتنا المشتركة—لمع تحت شمس العصر. “بكره هتعرفي الدرس ده بالطريقة الصعبة. تامر وأنا هنعيد ديكور البيت أول ما نعتب هنا. وهنبدأ بإننا نشيل شجر الورد البلدي الكئيب ده. أنا عايزة هنا قاعدة مودرن وشواية كبيرة.”
خوف بارد اتسرب لجواي، بس سرعان ما اتقلب لغضب ناري وبارد في نفس الوقت. دي ما كانتش بتهدد بيتي بس؛ دي كانت بتعتدي على ذكرى بابا بشكل مباشر.
”تامر مابيمتلكش حاجة هنا،” قلتها بصوت واطي جداً، بس ثابت ومافيهوش أي أثر للانهيار اللي كانت هي مستنياه.
نادين ضحكت ضحكة صفرا ومستفزة: “يا حبيبتي! باباكي كان غايب عن الوعي في آخر تلات شهور. تامر وأخوكي كريم هما اللي كانوا ماسكين الشغل والشركة. هما اللي كانوا جنبه مع المحامين وأنتِ قاعدة هنا بتلعبي في الطين. عبد الحميد بيه ساب الشركة القابضة للرجالة اللي بيديروا الشغل بجد. أنتِ بقى هتاخدي قرشين تمشية حال، وإخطار إخلاء للفيلا.”
لفت بجزمتها العالية عشان تمشي ناحية بوابات السور. وهي بتلف، كعب جزمتها الرفيع غرس بغل في التربة اللي بابا قعد يخدمها أربعين سنة، وقطع جزر صغير من شجرة الورد الأبيض.
فضلت باصة عليها وهي ماشية ومختالة بنفسها. أول ما البوابة الحديد التقيلة اتقفلت وراها، هدوء الجنينة رجع تاني.
ما عيطتش. وقت الدموع انتهى من اليوم اللي قفشت فيه تامر معاها. بصيت للتربة اللي نادين بوظتها تحت شجرة الورد. مدّيت إيدي وبدأت أزيح الطين عشان أطمن على جزر الشجرة.
صوابعي خبطت في حاجة ناعمة.. حاجة بلاستيك.
برقت واستغربت، وبدأت أحفر أكتر. هناك، ومستخبي تحت سماد عضوي لحمايته، ومغلف بذكاء في جراب بلاستيك مقاوِم للمية، كان فيه ظرف.
سحبته بالراحة، ومسحت الطين من على البلاستيك. جوه كان فيه ورق تقيل من بتوع زمان. نفسي اتقطع.. الخط اللي على الظرف مايتنسيش. كان خط بابا.. خط إيده المترعشة في أسابيعه الأخيرة.
”لابنتي وحبيبتي شيرين.. يتفتح لما الضباع تتجمع حولين التركة.”
كان عارف! حتى وهو تحت تأثير المسكنات القوية والوجع، عبد الحميد بيه كان سابقهم كلهم بعشر خطوات. إيديا كانت بتترعش وأنا بفتح الجراب البلاستيك.
طلعت تلفوني من جيبي، وعيني مش مفارقة إمضاء بابا. طلبت النمرة الخاصة لأستاذة فريدة، محامية بابا اللي كانت شديدة الذكاء ووفية ليه لأقصى درجة.
ردت من أول رنة.
”لقيته يا أستاذة فريدة،” قلتها بصوت واطي والريح بدأت تحرك الورد الأبيض حولي. “لقيت الخطة.”
سكوت طويل كان على الناحية التانية من التليفون. ولما فريدة اتكلمت، كان صوتها مليان حماس ونبرة نصر:
“هاتيه وتعالي على مكتبي فوراً يا شيرين. أوعي كريم أو تامر يشوفوكي وأنتِ طالعة من الفيلا.. جه الوقت إننا نفعل الفخ!”
الفصل الثاني: سمّ المهندس
مكتب أستاذة فريدة في جاردن سيتي كان ريحته ورق قديم، وخشب ملمّع، وخراب مستني صاحبه. الإضاءة كانت هادية، والستاير التقيلة حجبة دوشة الشارع بره. المكان كان شبه غرفة عمليات حربية مش مكتب محاماة.
كنت قاعدة قدام مكتبها الضخم، والورق التقيل في إيدي. قريت الكلام، وصوت بابا كان بيرن في دماغي—صوت قوي، مليان حب حقيقي، وفي نفس الوقت ملوش رحمة مع الخاينين.
”يا حبيبتي يا شيرين..
الفيلا والجنينة علمتني إنك عشان تموتي الزرع الضار، مش بس بتقصي أطرافه.. أنتِ بتخليه يشرب السم لحد ما يوصل لجذوره تحت الأرض.
أنا بضيع يا شيرين، بس أنا مش أعمى. كريم أخوكي وتامر جوزك الخاين قضوا شهوري الأخيرة فاكرين إني ضعيف ومش داري بالدفاتر. بقالهم سنة بيسرقوا وملايين بتتسحب من حسابات الشركة القابضة عشان تامر يصرف على ست حسُن بتاعته، وعشان كريم يسدد ديون قمار مرعبة.
فاكرين إنهم ضحكوا على راجل عجوز.. هما غلطانين. بكره في قراءة الوصية، أنا هديهم اللي هما عايزينه بالظبط. هديهم الشركة القابضة كلها.. هديهم التاج اللي هيموتوا عليه.
بس أنا تأكدت إن التاج ده معمول من رصاص تقيل، وأنا بنفسي سلمت للنيابة والأموال العامة المطرقة اللي هتمرمغهم. هما هيرثوا قضايا الاختلاس، والديون المليونية اللي أنا ربطتها باسم الشركة، والمسؤولية الجنائية. أما الفيلا، والحسابات النظيفة، وورثي الحقيقي.. فده ليكي أنتِ وبس.
بس عشان الخطة تكتمل يا شيرين.. لازم تخليهم يفتكروا إنهم كسروا نفسك. لازم يشوفوكي مهدودة ومستسلمة عشان يبلعوا الطعم.”
نزلت الورقة، وعيني كانت مدمعة. كان عارف عن سرقة تامر.. وكان عارف عن خيانة كريم أخويا. وبدل ما يواجههم، ضفر جشعهم في حبل شنقهم بإيده.
”هما مش فاهمين حاجة خالص،” قلتها بصوت واطي وأنا ببص لأستاذة فريدة.
الست العجوزة عدلت نظارتها، وابتسمت ابتسامة باردة: “ولا فاهمين أي حاجة.”
في نفس الوقت، في نايت كلوب غالي في الزمالك، كان فيه مشهد تاني خالص بيحصل. فريدة كانت حاطة عليهم مراقبة، وكانوا ماشيين بالظبط زي ما بابا خطط.
تامر كان رافع كاس وشه أحمر من الخمرة والنصر المزيف: “في صحة المستقبل!” وسحب نادين وقعدها جنبه وهي بتضحك بصوت عالي ومستفز.
وعلى الناحية التانية في الترابيزة، كريم أخويا كان بيعرق بمهانة وهو بيمضي على إمبيالات بمبالغ خيالية لراجل من بتوع القمار، ومطمنهم إن الورث بكره هيغطي كل حاجة.
”بكره الصبح هنطرد شيرين من الفيلا،” تامر قالها وهو بيشرب. “والإمبراطورية كلها هتبقى ملكنا.”
ضحكوا مع بعض ضحكة كلها جشع، مش دريانين إن المكان اللي قاعدين فيه، والهدوم اللي لابسينها، والتنفس اللي بيتتنفسوه.. كل ده بيتسجل على شركة ميتة قانونياً.
رجعت الورقة لأستاذة فريدة. الحزن اللي كان كابس على نفسي فجأة اتقلب لهدوء وقوة. أنا مش مجرد بنت بتعيط على باباها؛ أنا المنفذة لورثه.
فريدة سحبت ملف تاني أحمر من درج المكتب وحطته قدامي: “عبد الحميد بيه أصر على بند أخير يا شيرين.. فخ نفسي. عشان لو تامر جاله لحظة ثبات فجأة وتردد إنه يوقع على استلام الشركة والالتزامات اللي عليها. لو ما وقعش، التنازلات مش هتتم.”
وطيت وقريت الجزء المتعلم بالماركر. دمائي اتجمدت من عبقرية بابا وقسوته على اللي ظلموه. هو ما اعتمدش بس على طمع تامر.. هو استخدم جشع وغرور نادين ضده.
بصيت للمحامية، وما عيطتش، وما اترعشتش. ابتسمت ابتسامة حادة زي المشرط:
“تامر مش هيتردد يا أستاذة فريدة.. طمع نادين وهيستريا الفلوس اللي عندها هيخلوا تامر يوقع وهو غمض عينيه كمان.”
الفصل الثالث: تجمع الضباع
قاعة الاجتماعات الفخمة في الدور الـ 30 في برج على النيل كانت ريحتها جلد غالي، وتكييف ساقع، وريحة برفان نادين الفاقعة اللي تموت.
كنت قاعدة في آخر الترابيزة الإزاز الطويلة، لوحدي تماماً. كنت هادية وفي قمة ثباتي، لابسة فستان أسود بسيط. في الناحية التانية، قاعدين جنب بعض زي الكلاب على فريسة: تامر، ونادين، وكريم. كان باين عليهم نفاد الصبر والغرور.
نادين كانت لابسة بلوزة حمرا فاقعة مش متناسبة خالص مع جلسة وصية، وقاعدة تتفرج على كاتالوجات ديكور على تليفونها وتوشوش تامر بصوت عالي إنها هتهد الجنينة وتعمل حمام سباحة. كريم كان بيمسح العرق من على أورته بمانديل ورجله عمالة تهتز تحت الترابيزة من الخوف من بتوع القمار.
”ممكن نخلص بقى يا أستاذة فريدة؟” كريم قالها بعصبية. “إحنا عارفين إحنا هنا ليه. بابا مات، خلينا نوزع التركة.”
أستاذة فريدة وقفت في أول الترابيزة، وفتحت ملف جلد تقيل. وشها كان ملوش أي تعبير:
“زي ما تحب يا أستاذ كريم.. ندخل في الشركات والأصول على طول. بالنسبة لشركة ‘عبد الحميد للإنشاءات والقابضة’ والحسابات البنكية اللي قيمتها حولي 100 مليون جنيه…”
نادين شهقت، والتليفون وقع من إيدها على الإزاز. مسكت في دراع تامر بجشع. عينين تامر وسعت بلمعة طمع مش طبيعية.
”… فقد أوصى بإن التركة دي بالكامل، بجميع أسهمها وحق الإدارة، تروح بالتساوي لابنه كريم عبد الحميد، ولجوز بنته السابق تامر، اللي كان بيعتبره زي ابنه.”
الأوضة فجأة سكتت.
تامر رجع بضهره على الكرسي الجلد، وبصلي بطول الترابيزة. بصلي بظرة شفقة وتكبر.. النظرة اللي واحد بيصها لحد مهزوم.
”ما تقلقيش يا شيرين،” تامر قالها بنبرة كلها لؤم. “أنا مش مفترس.. هعملك ماهية صغيرة تبدأي بيها حياتك بعد ما تفضي الفيلا طبعاً. نادين جابت العمال عشان يهدوا شجر الورد اللي بره ده، محتاجينك تفضي البيت على يوم الجمعة.”
فضلت باصة لسطح الترابيزة. نزلت كتفي، وخليت نفسي يتسرق، وتمثلت دور البنت المكسورة اللي اتسلب منها كل حاجة. كنت ببلع إهانتهم مش بوجع، بس بهدوء قناص بيشوف الهدف وهو بيدخل الفخ برجليه.
”امضوا على أوراق التنازل والاستلام،” قلتها بصوت واطي ومترعش بمثالية. بصيتله من تحت رموشي ونزلت دمعة مزيفة: “خدوا كل حاجة وسيبوني في حالي.”
تامر ضحك ضحكة مكتومة كلها شر رنت في الأوضة.
”هاتي الورق يا أستاذة فريدة،” كريم طلبها وهو بيمد إيده المترعشة.
فريدة حطت ورقتين كبار على الترابيزة، وحطت قلم جاف غالي بينهم: “دي إقرارات استلام الشركة بالكامل وبشكل غير مشروط. بإمضاءكم هنا، الشركة بكل ما فيها بقت ملككم رسمياً من اللحظة دي.”
تامر حتي ممشاش عينه على الكلام الصغير. وبدفع من نادين اللي كانت بتزقه، سحب القلم ومضى بإمضاء كبير وعريض. كريم سحب القلم بعده ومضى بسرعة كأنه بيلحق ميعاد.
زقوا الورق لأستاذة فريدة وهما مبتسمين ابتسامة النصر.
أول ما الحبر جف على الورق، فريدة سحبت الأوراق بالراحة، وحطتهم في شنطتها وقفللت الكوالين بتكة واضحة.
ما قالتلهمش مبروك. وما ابتسمتش.
بدل كده، مدّت إيدها في الدرج التاني وطلعت ملف أحمر تقيل.. عليه أختام النيابة العامة وهيئة الأموال العامة.
”ودلوقتي،” فريدة قالتها بصوت نزلت درجات حرارته عشر درجات، وتحولت من محامية لهادية لـ قاضي تنفيذ: “نقرا الملحق (ب).. التزامات والديون.”
الفصل الرابع: التاج الرصاص
السكوت في القاعة بقى يرعب. سكوت زي اللي بييجي قبل الكارثة.
”الملحق (ب)،” فريدة أعلنت بصوت قطع الأجواء: “المستفيدين تامر وكريم، بعد توقيعهم على الاستلام الكامل لشركة عبد الحميد القابضة، بيتحملوا قانونياً وبشكل شخصي كل الديون، والقضايا الفيدرالية، والالتزامات المالية الخاصة بالشركة.”
تامر حواجبو اتعقدت، والابتسامة اتجمدت على وشه: “قضايا إيه؟ ديون إيه؟ أنتِ بتقولي إيه؟ الشركة بتكسب ملايين وأنا اللي ماسك الحسابات!”
أنا رفعت رأسي أخيراً.
ما بقيتش مكسورة. فردت ضهري، وبصيت في عينه بنظرة باردة جداً. الضحية الضعيفة اختفت.
”كانت بتكسب يا تامر،” قلتها بصوت ثابت وقوي. “لحد ما أنت وكريم بدأتوا تسرقوا وتعملوا شركات وهمية من السنة اللي فاتت عشان تصرف على مجوهرات نادين وعلى ديون قمار كريم. أنت فاكر بجد إن راجل بنى إمبراطورية من الصفر مش هيلاحظ إنكم بتسرقوا الطوب من أساس بيته؟”
كريم اتخنق، وشكلو بقى زي الجثة والدم هرب من وشه: “هو… هو كان عارف؟”
فريدة فتحت الملف الأحمر، وفردت الورق قدامهم:
“قبل وفاته بتلت أيام، عبد الحميد بيه سلم الدفاتر الحقيقية غير المزورة، مع خريطة كاملة لعمليات الاختلاس بتاعتكم، للنيابة العامة والأموال العامة. وقدم رسمياً على إشهار إفلاس الشركة.”
نادين بصت لتامر بذهول: “تامر.. هي بتقول إيه؟”
”الشركة اللي أنتم لسه ماضيين على استلامها والسيطرة عليها فليسة تماماً،” فريدة كملت بكل قسوة: “وعليها ديون وقضايا اختلاس بـ 80 مليون جنيه. وبما إنكم وقعتوا بصفتكم الشركاء والمديرين التنفيذيين، النيابة والحكومة هتحجز على أموالكم وشرفكم الشخصي لسداد الديون دي.”
”لأ!” تامر زعق، وخبط بإيده على الترابيزة الإزاز وقام: “ده فخ! ده غير قانوني! أنا بسحب إمضائي!”
”ده عقد ملزم قانوناً يا أستاذ تامر،” فريدة ردت ببرود: “حساباتكم في البنوك، عربيتك الماركة، وعربية كريم.. تم الحجز عليها تحفظياً من ساعتين بقرار نيابة.”
نادين صرخت وصوتها جاب آخر الشارع: “لأ! لأ لأ! أنا حساباتي مربوطة بحسابه! ده افترا! تامر اتصرف!”
مسكت في قميصه وهي بتهزه، بس تامر كان متخشب. كان باصص للملف الأحمر وبقه مفتوح. هو بإيده، وبمنتهى الجشع، وقع على قرار إعدامه المالي والقانوني.
”الفيلا!” كريم قالها بصوت هيستيري وهو بيشاور عليا بإيد بتترعش: “الفيلا لسه موجودة! الفيلا تسوالها 30 مليون! نبيعها ونقفل القضايا والديون!”
وقفت بالراحة، وعدلت فستاني الأسود. حسيت إني أطول منهم بكتير وهما واصلين للقاع.
”الفيلا،” قلتها بهدوء، والكلمات نازلة زي الحجارة: “والحسابات المقفولة النظيفة، اتسجلت باسم ‘كتب حماية’ وباسم شركة خاصة بيا أنا بس من خمس سنين. أنتم ملكمش هنا أي حاجة.. غير العقوبة والسجن اللي تستاهلوه.”
نادين صرخت صرخة مكتومة كلها غل وخوف. الملايين اللي باعت نفسها عشانها تبخرت في الهواء، وسابتها مع واحد مفلس وداخل السجن.
”يا ابن الـ…!” صرخت ونطت ناحيتي فوق الترابيزة الإزاز، وضوافرها كانت متجهة لوشي وعينها مليانة جنون.
بس قبل ما تتعدى الترابيزة، وقبل ما أرفع إيدي حتى أدافع عن نفسي، باب القاعة الخشب التقيل اتفتح بقوة.
دخل تلات رجال ببدل رسمية وكارنيهات واضحة.
“تامر… وكريم عبد الحميد؟” الضابط قالها بثبات وهو بيمسك الكلبشات الحديد: “محدش يتحرك. أنتم مقبوض عليكم بتهم الاستيلاء على أموال الشركة، والتزوير، والاختلاس.”
الفصل الخامس: تقليم الخشب الميت
بعدها بفترة، وعن طريق التقارير اللي أستاذة فريدة كانت بتبعتها لي، عرفت الزاي الضباع اكلت بعضها.
تامر قاعد بالبدلة الزرقا في السجن. نادين كانت قاعدة الناحية التانية في زيارة السجن ماسكة التليفون البلاستيك. شعرها اللي كان معمول في كوافير غالي بقى منكوش ومكياجها سايح على وشها.
”الحكومة بتحجز على الشقة يا تامر!” نادين بتصرخ في التليفون وبتبص للراجل اللي كانت فاكرة إنها بتحبه بقرف: “كروت الائتمان أتقفلت! والبنك سحب العربية الصبح! أنت قايلي إن معاك ملايين! قايلي إنك ماحدش يقدر يلمسك!”
”نادين أرجوكي،” تامر كان بيبكي وأسلوبه المستفز اتكسر تماماً: “كلمي المحامي.. ادفيلو الفلوس من حساب الطوارئ بتاعك…”
”أنا معنديش حساب طوارئ! أنت كنت حساب الطوارئ بتاعي!” صرخت وخبطت الإزاز. “أنا هرفع قضية خلع! أنا مش هضيع نفسي مع واحد مفلس وداخل السجن!”
رقعت التليفون ومشيت من غير ما تبص وراها. تامر فضل باصص طيفها، والحقيقة أخيرًا طحنت قلبه. هو رمى جواز دام سنين من ست كانت بتحبه بجد، عشان واحدة طمعانة في جيبه. ودلوقتي هو مفلس، ولابسه قضايا وسجن، ولوحده تماماً. وكريم أخويا في العنبر اللي جنبه، بيحاول يعترف على تامر عشان ياخد تخفيف.
على بعد كيلو مترات من السجن، شمس العصر كانت رمية ضوء دافي وجميل على مبنى الفيلا.
كنت رجعت البيب، قلعت الفستان الأسود، ولبست العفريتة الدنيم القديمة.
خرجت للجنينة، وأخدت نفس عميق من الهواء النظيف. الطاقة الخانقة اللي تامر ونادين جابوها—الكدب، والضغط العصبي—اختفت تماماً. اتستأصلت، وجاه مكانها هدوء وسلام بسبب حب بابا اللي سابو.
مشيت لشجرة الورد الأبيض، الشجرة اللي نادين هددت إنها تشيلها.
قعدت على ركبي في الطين. ما همنيش الطين اللي وسخ هدومي. حطيت إيدي في التربة الساقعة، ومسكت المقص، وبدأت بالراحة ألم وأقص الخشب الميت الناشف اللي كنت بدأت أقصه من أيام.
الشجرة كانت حية وقوية. التلف اللي كعب نادين عمله كان سطحي. الجذور كانت نازلة في أعماق الأرض.
”عملناها يا بابا،” قلتها للهواء، وابتسامة حقيقية طلعت على وشي لأول مرة من سنة. “الزرع الضار مشي.”
وأنا بلم أدواتي عشان أدخل، حاجة لمعت تحت شجرة أخت متساقطة.
كانت جنب الشجرة الضخمة اللي بابا كان بيقعد تحتها بالكرسي المتحرك في أسابيعه الأخيرة. وطيت وقعدت على ركبي تاني. تحت جذع الشجرة، كان فيه مفتاح نحاس صغير ومزخرف.
مسكته. كان تقيل وبارد. ومربوط فيه ورقة صغيرة ممسوحة. مكتوب عليها بخط بابا الواضح: “لشيرين”.
الرحلة، على ما يبدو، كان لسه فيها سر أخير مستني يتفتح.
الفصل السادس: الجذور العميقة
بعد سنة.
الربيع جه بجمال ملوش مثيل. الفيلا كانت عبارة عن بحر من الورد الأبيض المزهر. الجنينة عمرها ما كانت بالجمال ده، اتوسعت أكتر وبقت بتكبر تحت رعايتي كل يوم.
كنت قاعدة في التراس، بشرب كباية شاي. ومفرود قدامي على الترابيزة التصميمات الهندسية لـ “دار عبد الحميد للرعاية والتعليم”.. مشروع خيري كبير كنت بدموله بالكامل. الفلوس ما جتش من قروض، دي جت من الحساب النظيف والمستخبي اللي المفتاح النحاس فتح صندوقه في بنك—هدية أخيرة من بابا عشان أبني بيها اسمي ونفسي بعيد عن شركاته.
تليفوني رن على الترابيزة.
بصيت للشاشة. كان إشعار أخبار تلقائي.
الخبر كان مكتوب فيه: “رفض الإفراج الشرطي عن تامر، ونقله لسجن شديد الحراسة بعد مشاجرة.”
قريت الكلام الأسود على الشاشة. شربت بق شاي، وحسيت بالدفء بيملى صدري.
استنيت يحصلي أي رد فعل.. استنيت غضب، أو وجع قديم، أو حتى فرحة تشفي.
دورت في قلبي، وما لقتش أي حاجة.
ما ابتسمتش، وما زعلتش. ضربات قلبي ما زادتش ولا دقة. المكان اللي كان فيه الخيانة والوجع تحول لتعافي كامل وقوة.
تامر بقى غريب. ونادين—اللي عرفت إنها شغالين دلوقتي في مطعم صغير—بقت لا تعنيني. هما الاثنين بقى مجرد أشباح مفيش ليها أثر في حياتي الحقيقية والجميلة دلوقتي.
سحبت الإشعار ومسحته خالص.
بصيت على بحر الورد الأبيض، والورق الأبيض الناعم وهو بيهتز مع هواء الربيع. كان شكلهم رقيق أوي، بس تحت الجمال ده، بين الأغصان، كان فيه شوك قوي ومبيكسرش.
افتكرت بابا. افتكرت صبره، وذكاؤه، والفخ القاتل اللي حطه في التربة وهو بيموت.
حطيت كباية الشاي. وقفت ومشيت في المشاية الحجر، وصوابعي بتلمس الورد الأبيض بالراحة.
شوكة صغيرة شكت صباعي. ما أوجعتنيش؛ بس كانت كفاية تطلع نقطة دم صغيرة، كفاية تفكرني إني حية، وصاحية، وواقفة على أرضي وثابتة.
ابتسمت، وبصيت للسما الزرقاء الصافية، وأنا حاسة بيقين جوه روحى:
هما افتكروا إنهم يقدروا يشيلونا من الأرض بسهولة عشان شكلنا رقيق في الشتاء.. بس نسوا أهم قانون في الطبيعة: الجذور العميقة بتعدي من أعتى العواصف، وحتى أجمل الورود بتعرف إزاي تدافع عن نفسها لما تتهدد.