في معاد فرحي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​بعد الظهر في اليوم اللي كنت مجهزة نفسي عشان أبلغ فيه أهلي بمعاد فرحي، بقى هو اليوم اللي حاولوا يمسحوا فيه مستقبلي تماماً. لحظة واحدة كنت واقفة فيها قدام بيت أهلي لابسة فستاني الأزرق اللي بحبه، واللحظة اللي بعدها لقيت ضربة قوية وساحقة بتنفجر في وشي. حتى ملحقتش أشوف أبوي وهو بيرفع قالب الطوب قبل ما يضربني بيه، ويطيرني ناحية السلالم والدم بيغطي عيني ومخليني مش شايفة قدامي. وقبل ما أقع على درجات السلم، كان شريف لحقني ومسكني في إيده.
​”سارة! خليكي معايا! بصيلي يا سارة!”
​كنت بحاول بالعافية أفتح عيني الشمال، بس الضلمة كانت بلعتها تماماً. وبعيني التانية اللي فاضلة، شفت منظر أرعب بكتير من إصابتي نفسها. أمي مكنتش مصدومة، مكنتش بتعيط.. أمي كانت بتبتسم!
​”نشوف بقى شريف هيفضل يحبك بوشك ده ولا لأ!”
​أبوي رمى قالب الطوب المكسور على جنب بمنتهى البرود، وكأن مفيش أي حاجة غريبة حصلت.
​”أنا حذرتك من الأول.”
​وبعدها خرجت فريدة على باب البيت وهي لابسة فستان غالي، وشكلها متغاض ومستفز بدل ما تكون مصدومة.
​”قلتلك يا بابا مش هترضى تتحرك من مكانها.”
​أمي اتنهدت بقلة صبر.
​”عملنا اللي علينا وحاولنا معاها بالهداوة الأول!”
​شريف سندني بالراحة على عمود مدخل البيت قبل ما يلتفت ناحيتهم وهو هيتجنن من الغضب.
​”أنتم كلكم مرضى!”
​أبوي شاور بإيده على فريدة مباشرة.
​”لا، أنت بس خطبت البنت الغلط.”
​الكلام ده وجعني أكتر من ضربة الطوبة نفسها. أهلي بقالهم شهور بيحاولوا يجبروا شريف إنه يسيبني بعد ما باع شركته للمقاولات بملايين الجنيهات. فريدة كانت بتطارد شريف في كل حته على أمل إنه يختارها هي، بس هو عمره ما عبرها ولا اختارها.
​”أنا بحب سارة!”
​”بكرة تنساها وتتعدل.”
​ولما شريف طلع تليفونه عشان يطلب النجدة، أبوي ضرب التليفون برجله طيره بعيد على درجات السلم.
​”محدش هيطلب حد هنا!”
​الخناقة اللي حصلت بعد كده لفتت الأذار أخيراً. كهربائي كان جاي في ميعاده عشان يعمل صيانة، ولما شاف المنظر طلب الإسعاف فوراً بالرغم من تهديدات أبوي ليه.
​”أنا بطلب الإسعاف حالاً!”
​”لو خطوت خطوة واحدة كمان، هقول لراجل الشرطة إنك بتهجم عليا أنت كمان!”
​ولأول مرة في الليلة دي، أبوي رجع لورا وخاف.
​وانا بتنقل على نقالة الإسعاف، بصيت على البيت لآخر مرة. كان في راجل عجوز واقف بسبات ورا ستارة صالة المعيشة، حاطط إيده اللي بتبصم وترعش على الزجاج قبل ما يختفي وراها. مكنتش أعرف وقتها إن الراجل الغريب ده، وست شهود، وسر عائلي مستخبي ومستنسي، هما اللي هيبدأوا يهدوا كل حاجة أهلي فاكرين إنهم مسيطرين عليها.
​في المستشفى، أوضة الطوارئ كانت بتتحرك بسرعة مرعبة. الدكاترة حوطوني من كل ناحية بينما الممرضين بيوثقوا كل إصابة وبياخدوا صور لكل الكدمات عشان التقرير الطبي والشرطة.
​”أبوي ضربني بقالب طوب في وشي..”
​الأوضة كلها سكتت ذهول، لحد ما الدكتورة ليلى هزت رأسها بالراحة.
​”تمام.. طمني خالص، إحنا هنخلي بالنا منك وهنعمل اللازم.”
​شريف رفض إنه يتحرك من جنبي.
​”أنا حبيتك قبل الليلة دي، وبحبك دلوقتى، وهفضل أحبك في كل عملية، وفي كل أثر جرح، وفي كل كابوس، وقدام كل قاضي في المحكمة.”
​ولما جه المباحث يحققوا معايا، حكيتلهم على حاجة كانت تبدو مستحيلة لأي حد يسمعها.
​”عيلتي هما اللي خططوا للموضوع ده.”
​بعد دقائق بسيطة، رجع الظابط أحمد وهو معاه معلومات جديدة. ست شهود مستقلين أكدوا كلامي وحكايتي حرفياً. أبوي اتقبض عليه، وأمي وفريدة بيتحقق معاهم في القسم. بس فضلت لغز واحد بس مش معروف.
​الراجل العجوز الخايف اللي كان واقف ورا الستارة اختفى ومن غير ما يسيب أي أثر!
​قبل ما أدخل أوضة العمليات، واحدة من متطوعات المستشفى الكبار في السن سلمت شريف ظرف مقفول من زائر مجهول. جوه الظرف كان في كارت شخصي للمحامي الشهير “ممدوح الشاذلي”، وعلى ظهر الكارت كانت مكتوبة ست كلمات بخط الإيد:
​”اسألي عن وصية جدك الأخيرة.”
​الجزء الثاني: السر اللي حاولوا يدفنوه
​صحيت بعد العملية ولقت ضمادات مغطية الناحية الشمال من وشي كله، ووجع غير طبيعي ماسك من خدي لحد كتفي. الدكاترة شرحولي إن قالب الطوب كسر عظام كتير حولين عيني، ورغم إنهم ثبتوا العظام وأنقذوا الوضع، بس مش قادرين يضمنولي هقدر أرجع أشوف بعيني دي تاني قد إيه.
​شريف ماسابش أوضتي لحظة، ورفض يروح البيت حتى لما الممرضات فكروه إنه بقاله يجي يومين كاملين مانامش ولا غمض عين.
​”شريف.. روح استريح شوية.”
​”مش هستريح ولا هتحرك من هنا إلا لما تطمني وتستريحي أنتِ الأول.”
​تحقيقات النيابة وقسم الشرطة كانت ماشية بسرعة أسرع من المتوقع بكثير. ست شهود من الجيران والصنايعية أدوا أقوالهم ورسموا الصورة كاملة؛ شرحوا إزاي أبوي ضربني فجأة وبدون مقدمات، وأمي وفريدة واقفين بيتفرجوا ومن غير ما حد فيهم يحاول يمنعه أو يلحقني. أهلي حاولوا يلفوا ويدوروا ويقولوا للظابط إن الموضوع كان مجرد حادثة وإن قالب الطوب وقع بالخطأ أثناء المشادة، بس الشهود كلهم قالوا نفس الكلام وأكدوا إنها كانت جر..يمة متخططة ومع سبق الإصرار.
“هي عمرها ما لمسته!”
“هو اللي مشي ناحيتها.”
“وبعدها رمى قالب الطوب!”
​الظابط أحمد جه المستشفى وهو شايل dossier تقارير بيكبر وينتفخ كل شوية. الكهربائي اللي طلب 911 كان سجل حتة من المشادة، والأنوار والكومباوند قدام البيت جابوا كاميرات المراقبة للشارع كله، ودكاترة الطب الشرعي طلعوا آثار دمي من على قالب الطوب المكسور اللي كان مرمي في الجاردن قدام الفيلا.
​”الحجج والأعذار اللي عندهم خلاص بتخلص.”
​وبعدها حط ظرف تاني على الترابيزة اللي جنب سريري.
​”الظرف ده جه من نفس الشخص المجهول.”
​جوه الظرف كان فيه صورة قديمة أبيض وأسود لرديئة وممسوحة، فيها جدي واقف جنب ولد صغير أنا عمري ما شفته في حياتي. ومكتوب على ظهر الصورة بخط إيد دقيق جداً خمس كلمات بس:
​”هو عمره ما اتنسى.”
​محدش فينا كان فاهم الجملة دي معناها إيه ولا يقصدوا بيها مين.
​بعد الضهر في نفس اليوم، جه المحامي ممدوح الشاذلي وهو شايل شنط وثائق ومستندات مقفولة بكوالين. شرح إنه كان المحامي الخاص لجدي لأكتر من عشرين سنة، وإن فيه تعليمات وأوامر سرية ومقفولة جوه صندوق الأمانات بتاع العيلة بتلزمه إنه يتدخل ويظهر فوراً لو أنا اتعرضت لأي أذى شديد من أي حد من عيلتي.
​”موكلي كان عامل حسابه للظروف والاحتمال ده.”
​الأوضة كلها سكتت تماماً.
​المحامي فتح أول شنطة بالفيزا والكود، وطلع بالراحة فايل تقيل مليان جوابات بخط الإيد، وعقود ملكية، ومستندات قانونية. وعلى كلام جدي، تقريباً كل حاجة أهلي مدعين إنها ملكهم ومسيطرين عليها كانت في الأصل محطوطة في أمانة وقف عائلي بشرط واحد بس:
​محدش من أولاده يقدر يرث أو ياخد الممتلكات دي بشكل نهائي لو أذى بقصد أي حد تاني من أفراد العيلة.
​شريف بص للمحامي وهو مش مصدق اللي بيسمعه:
“حضرتك تقصد إنه كان متوقع ومترقب اللي حصل ده؟”
​المحامي هز رأسه بالراحة وقال:
“كان بيتمنى إنه يكون غلطان..”
“بس أمن نفسه وتأكد إن الحقيقة هتعيش وتظهر لو ظنونه طلعت صح.”
​وإحنا بنكمل مراجعة الأوراق، ظهرت مفاجأة تانية. الراجل العجوز اللي شفته بيتفرج عليا من ورا ستارة الصالة مكنش غريب ولا حاجة. ده كان شغال زمان عند جدي، وفضل يتفقد البيت والمكان بالراحة ومن غير ما حد يحس بعد وفاة جدي، لأنه عمره ما وثق في أهلي ولا في طريقة معاملتهم ليا.
​”هو شاف كل حاجة حصلت.”
“ووافق إنه يشهد في النيابة والمحكمة.”
​ولأول مرة من ساعة الضرب والاعتداء، شفت الخوف والقلق الحقيقي بيحل محل الثقة على وش أهلي في نشرة الأخبار بتاعت بالليل. الرواية والتلفيق اللي كانوا محبكينها كانت بتتفشش وبتقع حتة حتة، وهما حتى مكنوش يعرفوا إن أكبر سر جدي سابه لسه متكشفش أصلاً.
​الجزء الثالث: الثروة اللي حاولوا يسرقوها
​لما صحيت بعد العملية، كان الفجر يادوب بيبدأ ينور السماء ورا شباك أوضة المستشفى. وشي كان ملفوف بضمادات تقيلة، وكل حركة بسيطة كانت بتسمع وجع في خدي وعيني، ولثواني بسيطة ومشبكة مكنتش فاكرة أنا فين. وبعدها شريف مال عليا على السرير، واداني بق مية بالراحة، وابتسم وهو باين عليه الارتياح.
​”صباح الخير..”
“العملية نجحت والحمد لله.”
“والدكاترة لسه عند كلامهم وإن عينك وإن شاء الله رؤيتك هترجع تاني.”
​أخيراً سمحت لنفسي آخد نفسي وأطمن. وقبل ما ألحق أسأله أي سؤال تاني، وش شريف اتغير وظلم، وعرفني إن الليلة كملت بأحداث طويلة بعد ما أغمى عليا.
​”أبوكي اتوجهتله تهم رسمية.”
“وأمك محبوسة وتحت التحفظ.”
“وفريدة…”
“فريدة هربت!”
​غمضت عيني لأن الإجابة مصدمتنيش. فريدة قضت حياتها كلها بتهرب من المسؤولية وتتلون باللي الناس عايزة تصدقه، والهروب كان مجرد كذبة تانية هي فاكرة إنها هتنقذها.
​بعدها بوقت مش طويل، رجع الظابط أحمد مع وكيلة النيابة وهي شايلة فايل تقيل جابوه أثناء تفتيش بيت أهلي. شرحوا إن التحريات والمباحث لقوا حاجات أكتر بكثير من مجرد أدلة الاعتداء.
​”لقينا عقود وأوراق مزورة.”
“قد إيه؟”
“ثلاثة وعشرين وثيقة ومستند.”
​جوه الفايلات كان فيه تفويضات بنكية مزورة، ونقل ملكيات وأمانات بالنصب، وعقود عقارات مزيفة، وأوراق قانونية عليها إمضاءات باسمي! حتى كان فيه وثيقة بتدعي إن أنا تنازلت بمزاجي عن نصيبي في الورث، وتانية بتقول إني مجهزة نفسي عشان أسافر بره مصر وأستقر تماماً.
​”أنا عمرى ما أمضيت على أي حاجة من دي!”
“إحنا عارفين وبنأكد ده.”
وكيلة النيابة طلعت وثيقة تانية بالراحة من الفايل.
​”وكمان كانوا مجهزين جواب.”
​”جواب مكتوب فيه إيه؟”
​”إنك نهيتي خطوبتك، وقطعتي كل علاقتك بعيلتك، وسافرتي بره مصر بسبب اضطرابات نفسية وعدم استقرار.”
​شريف قام وقف فجأة بسرعة لدرجة إن الكرسي اترزع وصوته اتسمع في كل أوضة المستشفى.
​”دول كانوا هيمسحوا وجودها تماماً!”
​وكيلة النيابة محاولتش تجادل أو تنكر:
“ده فعلاً واحد من الاحتمالات والسيناريوهات اللي كانوا بيفكروا فيها.”
​وأنا بلك أسمع للأدلة، فهمت أخيراً إن ضربتي بالطوبة دي عمرها ما كانت بسبب خناقة عادية، ولا بسبب خطوبتي، ولا حتى جنون فريدة بشريف.. كل ده كان مجرد التغطية والشتات المثالي لخطط أقدم بكتير. أهلي كانوا فاكرين إني لو اختفيت، محدش هيسأل عن إمضاءات مزورة، ولا عن وثائق أمانة مفقودة، ولا عن ملايين الجنيهات اللي هتنقل فجأة لشركة فريدة.
​بعد الضهر في نفس اليوم، جه المحامي ممدوح الشاذلي وهو معاه أصول أوراق الوقف العائلي اللي جدي كان حاميها من سنين. وأكد إن كل نقل أو تحويل مزور ملوش أي قيمة قانونية أصلاً، لأن جدي كان حاطط شرط أساسي إن أي تعديل في الوقف لازم يتم بشهادته هو شخصياً وبوجوده في مكتبه.
​”كانوا يقدروا يقلدوا إمضاكي..”
“وكانوا يقدروا يقدموا أوراق وتفويضات مزورة..”
“بس عمرهم ما كانوا هيقدروا يستوفوا الشروط الصارمة اللي جدك حطها.”
​ولأول مرة من ساعة الاعتداء، ابتسمت من قلبي.
​”جدي كان عارف..”
“جدي شك فيهم وفهمهم قبل ما أي حد فينا يلاحظ أي حاجة.”
​المحامي هز رأسه بالراحة وقال:
“قضى سنين بيحاول يحميكي منهم..”
“وحتى بعد وفاته.. لسه بيحميكي.”
​وفي نفس اللحظة تقريباً، التليفون رن عند الظابط أحمد وجاتله مكالمة.
​”لقوا فريدة.”
​اتقبض عليها في محافظة ثانية وهي بتحاول تهرب وبورق ونمر مزورة. المباحث كمان طلعوا سجلات مالية بتثبت تورط شركتها في كل ورقة ومستند متزور ضدي وضد نصيبي في الورث.
​الشاهد الأخير اللي كان ناقص، عم فاروق، عاش لحد ما قدر يدي أقواله كاملة للنيابة. كشف إن جدي كان بيثق فيه على مدار عشرات السنين، وطلب منه يخلي عينه عليا بالراحة ويراقب الوضع لو حس إن فيه أي حاجة مش مظبوطة. ولما عم فاروق اكتشف إن أهلي بيجهزوا أوراق مزورة للوقف، حبسوه في القبو بتاع الفيلا عشان يمنعوه يبلغ حد أو يحذرني قبل ما ينفذوا هجومهم.
​كل حاجة اكتملت وضبطت في مكانها الصحيح.
​ضربة الطوبة..
العقود المزورة..
الورث والثروة..
مفيش حاجة من دي كانت عشوائية.
​كانت مخطط متنفذ بدقة، بس انهار كله لأن راجل عجوز خايف عاش وقت كافي عشان يقول الحقيقة.
​بعد شهور طويلة، وبعد عمليات كتير وأسابيع علاج وتأهيل، كنت واقفة جنب شريف قدام مجمع المحاكم، والمراسلين والصحفيين ماليين الرصيف حولين منا. رؤيتي وعيني ارتاحوا ورجعوا لطببيعتهم بنسبة كبيرة، رغم إن أثر الجرح تحت عيني الشمال هيفضل معلم للابد.
​صحفي سأل السؤال اللي كان الكل مستني يسمع إجابته:
“تفتكري جدك لو كان موجود هنا النهاردة، كان هيقول إيه؟”
​بصيت لخاتم العيلة اللي المحامي ممدوح الشاذلي رجعهولي أخيراً، وقبل ما أرد قلت:
“جدي قضى حياته كلها بيبني حاجة لعيلته..”
“عمره ما تخيل إنه هييجي اليوم اللي يحتاج يحميها من العيلة نفسها.”
​حطيت إيدي في إيد شريف ومشيت معاه من غير ما أبص ورايا ولا بصة واحدة. أهلي حاولوا يسرقوا مستقبلي، وورثي، وحتى اسمي ووجودي.
​بس بدل ما يعملوا ده..
خسروا كل حاجة جدي قضى عمره يبنيها.
​وأنا ورثت أكتر بكثير من مجرد ثروته وفلوسه..
أنا ورثت الحقيقة اللي رفض إنهم يدفنوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *