مكلو خدتي البنت حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
—لو خدتي البنت معاكي النيابة تاني، هيقرشوكي أنتِ كمان ويطردوكي —قالها مدحت، طليق مريم، وهو بيزعق في التليفون أول ما قالتله إنها مش لاقية حد يسيب البنت معاه.
مريم ضغطت على الموبايل وبصت لبنتها جودي، اللي عندها 12 سنة وقاعدة على الترابيزة بزي المدرسة الإعدادية.
اليوم من أوله كان باين من عنوانه. الحجة فاطمة، والدة مريم واللي متعودة تشيل عنها جودي بعد المدرسة، جتلها أزمة ضغط مفاجئة ونقلوها الدمرداش. ومدحت شغال في موقع بترول في رأس غارب، وكالعادة من يوم الطلاق، حله الوحيد كان إنه يرمي فلوس وخلاص.
—هاتي أي دادة تقعد بيها، وبلاش تدخلي البنت في مشاكل شغلك.
مريم قفلت السكة في وش.
ما كانش ينفع تغيب النهاردة بالذات. الساعة 12 كان عندها أهم جلسة تحقيق في قضية بقالها 5 شهور بتاكل في أعصابها: اختلاس ملايين كانت مخصصة لبناء مستشفى أطفال أورام في الجيزة. 3 شهود غيروا أقوالهم فجأة، والمحاسب اختفى ومحدش عارفله طريق، وحتى السكرتيرة اللي كانت حافظة التواريخ والمبالغ بالقرش، فجأة بقيت تقول “مش فاكرة يا فندم”.
كان فيه حد بينقل الأخبار وبيسرب المستندات من جوة النيابة.
جودي قالت بهدوء:
—يا ماما خذيني معاكي، هقعد في أي ركن أقرأ في كتابي والله مش هتحسي بيا خالص.
مريم رفضت في الأول، بس بصت في الساعة ولقيت الوقت بيجري، فوافقـت.
في مقر النيابة بمدينة نصر، مريم دخلت جودي على إنها بنت أختها عشان تتفادى كلام زمايلها والملاحظات. قعدتها على مكتب جانبي، وادتها أزازة مياه، والموبايل البمبي اللي أبولها جابهولها في عيد ميلادها.
بعدها بشوية، دخل كريم، وكيل نيابة عنده 30 سنة، حركي وشاطر وكل الناس بتحبه، وشغال في الفريق بقاله سنة ونص.
—لو حابة يا أستاذة مريم ادخلي أنتِ التحقيق وأنا هخلي بالي منها، أصل كده كده قاعد بخلص شوية تقارير —قالها وهو بيضحك.
مريم اترددت ثواني:
—تسلم يا كريم، أنقذتني والله.
قبل ما تخرج، باست جودي على رأسها:
—اوعي تطلعي برة المكتب.
كريم قعد دردش مع جودي كلمتين عن المدرسة والكتب، وبعدين السكرتيرة ندهت عليه عشان يوقع أوراق في المكتب اللي جنبه.
خرج.
وبعد 5 دقايق رجع.
بس المرة دي ما كانش بيضحك.
بص في الممر يمين وشمال، وقفل الباب بشويش، وقرب من مكتب مريم.
في الأول عمل نفسه بيدور على قلم.
بعدها فتح الدرج.
وبعدين طلع الفايل الأزرق بتاع القضية.
جودي حبست نفسها.
من ورا كومة الفايلات والكتب اللي على المكتب، شافته بيمد إيده يضلع موبايله، يفتح الكاميرا، ويصور صفحة صفحة بالترتيب.
في اللحظة دي افتكرت جملة سمعت أمها بتقولها لتيتة من أسبوعين:
“فيه حد بيبيعنا من جوة يا أمي..”
جودي حطت إيدها بالراحة في جيبها، طلعت الموبايل البمبي، وشغلت تسجيل الفيديو.
كريم كان مركز وبيصور بسرعة.
ما خدش باله خالص إن البنت بتصوره.
أول ما خلص، رتب الورق زي ما كان بالضبط، ورجعت على وشه نفس الابتسامة وقالها:
—أكيد زهقتي صح؟
جودي هزت رأسها بالرفض وهي ساكتة.
بالليل في البيت، جودي حطت الموبايل البمبي على الترابيزة قدام أمها:
—ماما.. لازم تشوفي ده.
مريم شغلت الفيديو أول مرة.
وبعدين عادته تاني.
في المرة التالتة، وشها أصفر ودقات قلبها وقفت.
عشان الفيديو ما كانش فيه كريم بس وهو بيصور الأوراق السرية..
الولد وهو بيصور، كان ظهر في انعكاس زجاج الدولاب الصاج اللي وراه حقيقة تانية خالص.. حاجة مريم عمرها ما كانت تتوقع تشوفها في مكتبها..
مريم كبرت الفيديو بأصابعها وهي بتترعش. ورا كريم، وظهر في انعكاس زجاج الدولاب الصاج، كانت فيه فلاشة متوصلة بكيسة الكمبيوتر بتاعة النيابة. مريم كانت عارفة الفلاشة دي كويس؛ هي بنفسها كانت مدياها لكريم من 3 أسابيع عشان ينقل عليها ملفات، وقتها حلف لها إنه مسحها ورجعها فاضية.. بس الحقيقة إنها ما كانتش فاضية ولا حاجة.
—جودي.. حد يعرف إنك سجلتي الكلام ده؟
—محدش خالص يا ماما.
مريم مسكت إيد بنتها بقوة:
—ماتقوليش لأصحابك، ولا لباباكِ، ولا لتيتة، ولا لأي حد في الدنيا.. ولا كلمة.
جودي بلعت ريقها بصعوبة:
—هو إحنا في خطر يا ماما؟
مريم كانت عاوزة تطمنها وتقولها “لا”، بس ما قدرتش تكذب.
الليلة دي مريم ما غمضتلهاش عين. قعدت تعمل حصر لكل مرة كريم دخل فيها مكتبها، أو مسك فيها ملف القضايا، أو عرف فيها أسامي الشهود.. كل خيط كان بيسلم للثاني.
تاني يوم الصبح، قابلت اللواء إبراهيم، رئيس التفتيش والمتابعة وصديق والدها القديم، في كافيه بعيد عن مقر النيابة. سلمته نسخة من الفيديو.
اللواء إبراهيم اتفرج في صمت تام، وبعدين رفعه عينيه ليها:
—البنت عندها 12 سنة؟
—أيوه.
—تسفريها برة القاهرة فوراً.. النهاردة قبل بكرة.
مريم حست بتلج بيجري في عروقها.
مدحت جه من رأس غارب في أول طيارة. ولأول مرة من يوم الطلاق، ما اتخانقوش؛ أول ما فهم إن جودي شهدت بالصدفة على تسريب مستندات خطيرة، اتغير تماماً وركبها معاه وعربيتهم طلعت على بيت عيلته في طنطا.
مريم رجعت شغلتها طبيعي جداً وكأن مفيش حاجة حصلت، وده كان أصعب اختبار ليها. كل يوم الصبح، كريم يدخل المكتب ومعاه قهوتها:
—أخبار بنت أختك إيه يا أستاذة؟
—تمام.. عند باباها.
—الحمد لله، ربنا يحفظها.
ومريم كانت بتجبر نفسها تبتسملة وتعدي اليوم.
في خلال 8 أيام، التفتيش جاب آخره؛ اكتشفوا تحويلات مالية بتنزل بانتظام في حساب بنت عم كريم، وصوروا مقطع له وهو بيسلم ملفات في جراج مول في التجمع الخامس. اللي كان بيستلم منه كان السكرتير الخاص بـ “عاصم بيه”، محامي المتهم الرئيسي في قضية المستشفى.
بس الصدمة الحقيقية ظهرت لما تفريغ المكالمات المراقبة نزل.
كريم ما كانش بيسرب ورق وبس.. ده كان بيبيع نقاط ضعف كل شاهد: مين ابنها مقبوض عليه في قضية، مين عليه ضرائب متأخرة، ومين مراته مريضة ومحتاجة علاج.. كان بيديهم المفتاح عشان يهددوا الشهود من غير ما يسيبوا أثر.
مريم كانت بتسمع التسجيلات ونفسها مسدود، لحد ما سمعت صوت كريم بيقول:
—البنت الصغيرة شافت أكتر من المفروض تشوفه.
سكت الطرف الثاني ثانية، وبعدين جه الرد:
—يبقى تخلصوا من الموضوغ ده كمان قبل ما تنطق بكلمة.
مريم وقفت مرة واحدة وصرخت:
—جودي فين؟!
اللواء إبراهيم كان بيمسك تليفونه عشان يكلم مدحت، بس قبل ما يتصل، دخل ظابط حركة وجايب في إيده فايل أحمر:
—يا فندم.. عرفنا مين اللي شغل كريم معانا من الأول، وفيه تسجيلات مكالمات بينه وبين المحامي من قبل ما كريم يدخل النيابة أصلاً.
مريم فتحت الفايل بسرعة، ولما شافت إمضاء التعيين والتوصية، دراعاتها اتراخت..
الإمضاء كان لشخص هي اعتمدت عليه ووثقت فيه طول حياتها المهنية.
وفي اللحظة دي، مريم فهمت إن القبض على كريم مش هيبصم لحاجة.. الخيانة كانت طالعة من رأس المنظومة نفسها، والاسم اللي على وشك تقرأه كان قادر يهد القضية، ويهد كل حاجة كانت فاكراها صح في حياتها.
إيديها كانت بتترعش وهي بتمسك الورقة. الاسم المكتوب تحت خانة التوصية والتعيين كان المستشار رفعت.. رئيس النيابة نفسه، وأكتر حد مريم كانت بتعتبره أستاذها ومثلها الأعلى من أول يوم دخلت فيه الهيئة.
—مش معقول.. —همست مريم وصوتها بيقطع— دة هو اللي مسكني القضية بنفسه! هو اللي كان بيشجعني كل يوم!
اللواء إبراهيم مسك كتفها بصرامة:
—اثبتي يا مريم! اللعبة أكبر من كريم بكثير. رفعت كان بيلعب على الوشين، يديكي القضية عشان يبعت للناس دي رسالة إنه ماسكهم من إيدهم اللي بتوجعهم، وفي نفس الوقت بيبيعهم الأخبار أول بأول عشان يقبض التمن.. والنهارده لما حس إن الحبل بيضيق، قرر يضحي بأي حد.. حتى بنتك!
في اللحظة دي، تليفون مريم رن. كان مدحت..
فتحت الخط والاسبيكر شغال، وصوتها كله هلع:
—مدحت! جودي معاك؟ أنت وصلت طنطا؟
جالها صوت مدحت متوتر ومنقطع:
—مريم.. أنا واقف في استراحة الطريق الصحراوي.. جودي دخلت الحمام من 10 دقايق ومخرجتش.. بنتك مش جوة يا مريم! عربية سوداء جابت ورا وشفت واحد بيسحبها!
مريم صرخت صرخة هزت أركان المكتب. اللواء إبراهيم شد منها التليفون فوراً:
—مدحت! اسمعني كويس، ما تتحركش من مكانك وقفل مدخل الاستراحة، أنا هبلغ عمليات المرور تقفل بوابات الرسوم في الكيلو 85 حالاً!
التفت إبراهيم لرجاله:
—تتبعوا خط سير العربية السوداء فوراً من كاميرات الطريق، وهاتولي كريم من مكتبه حياً أو ميتاً!
في نفس الوقت، مريم ما استنتش. جريت على برة النيابة، ركبت عربيتها وطلعت على الطريق الصحراوي زي المجنونة. الدموع كانت مغرقانة وشها، بس جوة دماغها كانت الفكرة واحدة: “لو جودي جرى لها حاجة، الدنيا دي كلها هتتهد.”
بعد نص ساعة، تليفون مريم رن من رقم غير معروف.
فتحت الخط وهي بتلهث:
—ألو! جودي؟!
جالها صوت هادي، ومستفز، وصارم.. صوت المستشار رفعت نفسه:
—أهلاً يا مريم.. كنت أتمنى نتقابل في ظروف أفضل من دي، بس أنتِ وبنتك تدخينتكم كانت زيادة عن اللزوم.
مريم صرخت وهي ضاغطة على دركسيون العربية:
—يا خاين! يا واطي! بنتي ملهاش دعوة! خذ الملفات.. خذ القضية ولع فيها، بس رجعلي بنتي!
رفعت ضحك بصوت واطي:
—الملفات كده كده معايا يا مريم.. اللاب توب بتاعك والفلاشة الأصلية اللي كانت في مكتبك، كريم جابهم لي من 10 دقايق. اللعبة انتهت خلاص. بنتك أمان معايا.. بشرط واحد.
—إيه هو؟ نطق!
—توصلاتي دلوقتي على ملاحق ملاحة إدكو.. فيه مركب مستنياكِ هناك. هتمضي على إقرار استقالة وتنازل عن القضية بسبب ظروف صحية، وتاخدي بنتك وتسافروا برة مصر وما نلمحش وشك تاني.. قدامك ساعة واحدة، لو البوليس عرف.. البنت هترجعلك في كيس.
قفل السكة في وشها.
مريم بعتت اللوكيشن فوراً للواء إبراهيم من غير ما تتكلم عشان رفعت ما يشكش، وداست على دواسة البنزين لأخرها، طالعة على إدكو.
بعد 45 دقيقة، مريم وصلت منطقة الملاحات المهجورة. المكان كان مقطوع، الهوا ساقط وريحة الملح مالية الجو. شافتي مخزن قديم على الشط، وعربية رفعت السوداء واقفة قدامه.
نزلت من العربية وهي بتترعش، دخلت المخزن بخطوات متثاقلة.
كان جود قاعدة على كرسي، إيديها مربوطة، بس عينيها كانت ثابتة. كريم كان واقف وراها ماسك طبنجة، والمستشار رفعت قاعد على ترابيزة قدامه أوراق ومحضر التنازل.
—ماما! —جودي صرخت أول ما شافتها.
—جودي! أنتِ كويسة؟ عملوا فيكي حاجة؟!
—أنا كويسة يا ماما.. ما تخافيش!
رفعت شاور بعينيه لكريم، وشاور لمريم على الورق:
—امضي هنا يا مريم.. ونهي الكابوس ده.
مريم قربت من الترابيزة، مسكت القلم.. وبصت لرفعت في عينيه:
—أنت بعت ضميرك بكام يا رفعت بيه؟ الأطفال اللي كانوا هيتعالجوا في المستشفى دي ذنبهم إيه؟
رفعت أبتسم بسخرية:
—الضمير مابينفعش يا مريم.. العالم ده للقوي بس. امضي يلا خلصينا!
مريم توطت على الورق، وفي اللحظة اللي حطت فيها السن على الورقة.. جودي صرخت فجأة:
—ماما! الموبايل البمبي معاه في الجيب!
كريم اتلخبط وبص لجيبه، وفي نفس الثانية، الصوت انطلقت!
قوات العمليات الخاصة اقتحمت المخزن من السقف والأبواب!
صوت ضرب نار وقنابل صوت ملأ المكان. كريم اترعب ورفع سلاحه، بس ظابط من القوات الخاصة ضربه بطلقة في كتافه وقعته على الأرض.
رفعت حاول يمسك جودي عشان ياخدها رهينة، بس مريم هجمت عليه زي اللبؤة، زقته بكل قوتها وقعته على كومة الخشب، والظباط هجموا عليه وكتفوه في ثواني.
اللواء إبراهيم دخل المخزن وهو بيصرخ:
—أمنوا المكان! هاتوا البنت!
مريم جريت على جودي، فكت رباطها وحضنتها بكل قوتها، والاتنين انهمروا في البكاء.
رفعت وهو متكتف على الأرض، بص لمريم بغل وقال:
—فاكرة إنك كسبتي؟ أنا معايا حوت كبير برة.. مش هتعرفي تطاليه!
اللواء إبراهيم قرب منه ورمى قدامه ملف أسود:
—الحوت الكبير بتاعك.. عاصم المحامي والمقاولين بتوعه، كلهم مقبوض عليهم من نص ساعة يا رفعت.. الفلاشة اللي كريم سرقها من مكتب مريم؟ مريم كانت حاطة عليها برنامج تتبع وفيروس بيحول كل الملفات الممسوحة من جهازك لسيرفر التفتيش أول ما تتوصل.. أنت بلعت الطعم بنفسك!
رفعت وشها ابيض، وما عرفش ينطق كلمة.
بعد شهر..
قدام دار القضاء العالي في وسط البلد، مريم كانت واقفة ولابسة روب النيابة. الممر كان مليان صحفيين وعدسات كاميرات.
جودي كانت واقفة بعيد مع تيتة فاطمة ومدحت، بتتفرج على أمها بفخر.
مريم بصت للكاميرات وقالت بثبات:
—اليوم، تم الحكم بالسجن المؤبد على كل من تورط في سرقة أموال أطفال مستشفى الأورام، وعلى رأسهم من خانوا الأمانة واستغلوا مناصبهم.. القضية دي ما كانتش هتتكشف لولا شجاعة طفلة عندها 12 سنة، رفضت تسكت على الحق.
بعد الجلسة، مريم خرجت، مسكت إيد بنتها جودي ومشيوا سوا في الشارع، وجودي بصتلها وابتسمت:
—ماما.. الموبايل البمبي بتاعي فين؟
مريم ضحكت وحضنتها:
—ده ينحط في المتحف يا جودي.. ده اللي جاب حبل المشنقة للكل!