لمدة 3ساعات حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
لمدة تلات ساعات تقريباً، الراجل الغريب اللي كان قاعد ورايا في الأتوبيس كان عمال يخبط حرف جزمته في رجلي وأنا قاعدة جنب ابني، ومسافرين عشان نزور حمايا اللي قالوا إنه بيموت. كنت متغاظة وجايبة آخري وكنت خلاص هلف وأهزأه—لحد ما قبل المحطة بتاعتنا بلحظات، رمى في إيدي منديل رمادي متطبق وهمس في ودني:
«اعملي نفسك دايخة… ومهما يحصل، إياكي تمضي على أي حاجة.»
الجزء الأول
أنا ما أبديتش أي رد فعل.
بس أول ما وصلت بيت حمايا، لقيت وصية مستخبية—وفهمت فجأة ليه فيه حد كان مستميت عشان يحذرني.
في الأول، افتكرت الراجل اللي في أتوبيس الصعيد ده مجرد حد بثرخ وبيتحرش بالرجل.
لتلات ساعات، بوز جزمته كان كل شوية يخبط في كعب رجلي. كنت بقول لنفسي يمكن المكان ضيق ومش بقصد، بس الموضوع زاد عن حده وكنت خلاص هقف وأمسح بكرامته الأرض.
بعدين الأتوبيس وقف في استراحة على الطريق الصحراوي.
الراجل قام، ومشي من جنبي، وفي ثانية من غير ما حد ياخد باله، زق في إيدي منديل قماش رمادي متطبق.
ومن غير ما يبصلي حتى، همس بصوت واطي جداً:
«اعملي نفسك دايخة. وإياكي تمضي على أي حاجة.»
أنا اتسمرت في مكاني.
ابني يوسف اللي عنده تسع سنين كان نايم على كتفي.
بالراحة خالص، فتحت المنديل.
كان جواه ورقة صغيرة مكتوبة بخط الإيد:
ما تثقيش في أي حد جوة بيت الحاج عبد السلام الهواري.
معدتي اتعصرت.
الحاج عبد السلام الهواري ده يبقى حمايا.
المغرب بالليل، حماتي «ثريا» كلمتني وهي بتعيط وتلطم. قالتلي إن الحاج عبد السلام بيموت ونفسه يشوف حفيده الوحيد للمرة الأخيرة قبل ما يقابل وجه كريم.
جوزي الله يرحمه كان متوفي من سنتين، فما ترددتش لحظة.
لميت هدومنا، أخدت يوسف، وركبنا أول أتوبيس طالع على الفيوم.
بس أول ما وصلنا هناك، كان فيه حاجة مش مظبوطة في الجو.
«هشام» أخو جوزي الصغير، كان واقف مستنينا بعربية جيب سودة، وبيبتسم نفس الابتسامة المظبوطة بتاعة العم الحنين اللي بيمثلها دايماً.
بس لما دخلت أنا ويوسف بيت الهوايرة، الحاج عبد السلام ما كانش نايم في السرير بيموت زي ما قالوا.
كان قاعد حاطط رجل على رجل في الصالة.
واعي تماماً.
وأكتر من اتناشر حد من قرايبهم وعمام الجبل متجمعين حواليه.
واحد من عمامه بص ليوسف مباشرة وقال:
«أهو وصل.. كبير عيلة الهواري الصغير.»
الطريقة اللي كانوا بيبصوا بيها لابني خليت جسمي يقشعر.
على العشا، الكلام بقى أغرب.
كانوا كل شوية يجيبوا سيرة «حماية اسم العيلة والورث».
يتكلموا عن الممتلكات والأراضي اللي جوزي الله يرحمه سابها.
وبعدين كذا حد من القرايب بدأ يرمي كلام إن واحدة أرملة صغيرة زيي ما ينفعش تتساب تتصرف في مبالغ وأطيان بالقطين ده لوحدها.
أنا فضلت ساكتة.
كل اللي في دماغي كان تحذير الراجل الغريب.
إياكي تمضي على أي حاجة.
بالليل متأخر، وأنا معدية من جنب المندرة، سمعت أصوات جاية من جوة.
صوت هشام أخو جوزي كان باين.
«هي لازم تمضي بكرة. من غير توقيعها، مش هنعرف نلمس قرش واحد من أسهم الشركة ولا نبيع الأرض.»
نفسي اتأطع.
الحاج عبد السلام رد عليه، وصوته كان ضعيف بس حاسم:
«سيبوا الولد برة اللعبة دي.. الولد ملوش ذنب.»
فجأة ثريا حماتي بدأت تعيط:
«إحنا مخبيين الحقيقة دي بقالنا أكتر من عشرين سنة…»
قلبي بدأ يدق زي الطبلة.
حقيقة إيه؟
وليه مستميتين أوي كده على توقيعي؟
في اللحظة دي، الراجل الغريب اللي كان في الأتوبيس ما بقاش غريب خالص.
ده كان بيحاول ينقذني.
وأي حاجة كانت مستنياني الصبح، كانت متعلقة بابني، بفلوس جوزي الله يرحمه…
وبسر العيلة دي دفناه تحت الأرض من عشرين سنة.