عيلتي مسحوني من حياتهم ج1-2-3
عيلتي مسحوني من حياتهم عشان اتجوزت راجل أسمر.. وبعد تسع سنين، جنازة أبويا فضحت السر اللي عمرهم ما كانو عايزين يعرفوهوني
تسع سنين، وأهلي بيتعاملوا كإني مت مرتين.
ماتصلوش لما ابننا جه الدنيا. ومابعتهوش كارت تهنئة لما كنت هاموت وأفقد جوزي في حادثة عربية على الدائري. وماتكلفوش حتى يقولوا لي إن جدتي —اللي كانت البنیآدمة الوحيدة في البيت ده اللي دافعت عني— ماتت.
وبعدين، في يوم خميس مطره في المعادي، ست غريبة اتصلت بمكتبي وقالت لي: “يا مدام ندى، أبوكي مات إمبارح. والمحامي بتاعه بيقول إن لازم تنزلي مصر حالا.”
فضلت ماسكة التليفون على ودني وباصة من الحائط الازاز بتاع مكتبي.
”أبويا ماكلمنيش من تسع سنين.”
الست سكتت لحظة.
”أنا فاهمة.”
”لا.. مش اعتقد إنتِ فاهمة حاجة.”
سكتت تاني.
وبعدين قالت جملة غيرت كل حاجة.
”أبوكي ساب تعليمات تخصك إنتِ وجوزك وابنك بالذات.”
صوابعي ضغطت جامد على التليفون.
”تعليمات إيه؟”
”مش مخولة أناقش ده.”
”ومادام كده متصلة ليه؟”
”علشان العيلة كلها متجمعة هناك خلاص.”
كنت هاضحك بصوت عالي.
أومال يعني، ما هو طبيعي.
أمي، هدى الدمرداش.
أخويا الكبير، مروان.
أختي الصغيرة، فريدة.
جوازاتهم.
عيالهم.
كل واحد فيهم قضى التسع سنين اللي فاتوا بيتعامل كإني اتشلت بالموس من شجرة عيلة الدمرداش.
”ودا دخله إيه بيا أنا؟”
”المحامي هيقرا ورق أبوكي بكره الساعة حداشر.”
”أنا مهتمة بفلوسه في إيه؟”
”الموضوع مش فلوس وبس.”
”امال موضوعه إيه؟”
الست وطت صوتها:
”أبوكي ساب جواب متختم بالورق الأحمر، وكتب عليه تعليمات واحدة بخط إيديه.”
فضلت مستنية.
”تعليمات إيه؟”
”سلمي الجواب ده لندى قبل ما حد يمضي على أي حاجة.”
غمضت عيني.
ندى.
اسم دالعي القديم لما بيتقال جوه دماغي لسه بيعمل رنين غريب.
ندى الدمرداش.
أنا مكنتش ندى الدمرداش من تسع سنين.
أنا بقيت ندى المهدي.
مرت زياد المهدي.
وأم ياسين زياد المهدي.
وحسب العيلة اللي اتولدت فيها، الاختيارين دول خلوني إنسانة بلا قيمة، ينفع تترمى في الزبالة.
يا ترى أرجَع للناس اللي محو جوزي وابني من حياتهم تسع سنين كاملة—ولا أحافظ على الحياة الهادية اللي بنيناها وأخلي أبويا ياخد سره الأخير معاه للقبر؟
قلت للست إني هاتصل بيها تاني.
وبعدين قعدت مكاني من غير ما اتحرك.
شاشة الكمبيوتر كانت قدامي عليها أرقام ميزانية الربع سنوية.
مج القهوة برد جنب الكيبورد.
الناس رايحة جاية في الممر بره مكتبي.
يوم خميس عادي.
حياة عادية.
ما عدا إن أبويا مات.
حسيت بحزن.
الشيء ده استغربته.
مش حزن نضيف.
مش النوع اللي بيخلي الواحد يمد إيده يدور في ألبومات الصور القديمة.
أنا كان جوايا كوكتيل مشاعر: حزن مخلوط بغضب، بذكريات قديمة، بارتياح، وبالأمل القديم المهين إن في مكان ما جوه التسع سنين السكوت دول، أبويا كان ندم على اللي عمله.
كنت بكرهم الأمل ده.
زياد لقاني قاعدة على جزيرة المطبخ عندنا بالليل.
دخل من الباب اللي على الجراج الساعة سبعة إلا رول، فك الكرافتة، باس جبهتي، ومن أول ثانية حس إن في بلاء.
زياد بيلاحظ التفاصيل.
دي كانت أول حاجة شدتني ليه من إثنى عشر سنة.
كان عنده تلاتة وأربعين سنة وقتها، طول وعرض، عريض الكتاف، وشوية شعرات بيض بدأت تبان في جنين شعره، وبنفس العيون البني الهادية اللي شفته بيها أول مرة.
كان دكتور قلب أطفال شاطر.
دكتور شاطر بجد.
بس لو سألت أمي، هتقول لك إنه لسه الراجل اللي “دمر عيلتنا.”
”في إيه؟” سألني.
زياد وقف.
مش بطريقة درامية.
بس وقف.
وبعدين قعد جنبي.
”امتى؟”
”إمبارح بالليل.”
”أنا أسف.”
بصيت له.
”أنت أسف؟”
”هو في الآخر أبوكي.”
”كان بيطردك كارهك.”
زياد هز راسه.
”ما كانش يعرفني كويس عشان يكرهني.”