معزمنيش ج1

​أخويا اتجوز وأنا محدش عزمني: “مراتي مش عايزاكي هنا، وشايفاكي تصعبي على الكافر.” ورداً على ده، ألغيت شهر العسل بتاعه، وبعت شقته، وقطعت كل علاقة ليا بيه.
​أنا اسمي مي. عندي 38 سنة. وأخويا يوسف عنده 29 سنة. بيننا 9 سنين، بس بحسهم زي العمر كله.
​عرفت الخبر من على إنستجرام. أخويا الصغير يوسف كان واقف ببدلة وبيكحكح ويكلم واحدة بطرحة وفستان أبيض. الكابشن كان مكتوب عليه: “الأستاذ وحرمه يوسف الشناوي. إمبارح.” هو اتجوز إمبارح.
​إيداي كانت بترتعش لدرجة إن التليفون وقع مني على الأرض. شيلته ورنيت عليه. جرس.. وبعدين فويس ميل. رنيت تاني. فويس ميل. رنيت 10 أو يمكن 15 مرة لحد ما حد قرر يرد أخيراً.
​ما كانش صوت يوسف. كانت هي.
​—بطل زن ورن يا مي، —قالتها، وصوتها كان طالع بارد كالتلج.
​—فين يوسف؟ وليه؟ ليه محدش عزمني؟
​سمعت صوت أخويا مكتوم في الخلفية، بس ما رضيش ياخد التليفون ويكلمني. سابها هي تتكلم.
​ندى ضحكت. كانت ضحكة حادة وقذرة.
​—اسمعي نفسك أنتِ عاملة إزاي! أنتِ تصعبي على الكافر و‘صعبانة على نفسك’! —قالتها—. أحنا مش عايزينك هنا. دي حياتنا أحنا دلوقتي.
​وبعدين قفلت السكة في وشي بالبساطة دي.
​15 سنة من عمري، كل حاجة ضحيت بيها عشانه، كل حاجة اتخليت عنها.. كلها اتهدت واتكسرت. أنا ما بقيتش أخته خلاص.. بقيت مجرد واحدة “تصعب على الكافر”.
​بس قبل ما أقولكم إزاي كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب، اعملوا لايك واشتركوا في القناة، وسيبوا كومنت بتشوفونا منين؟
​أنا اسمي مي، عندي 38 سنة، وأخويا يوسف عنده 29 سنة. بيننا 9 سنين بس بحسهم عمر كامل.

​لما أمتنا اتوفت، كنت أنا عندي 23 سنة، ويوسف كان عنده 14 سنة بس. لسة فاكرة لما كنت واقفة في الجنازة وبتبص عليه. كان عيل رفيع وغرقان في بدلة واسعة عليه ومبهوقة على كتافه. ما كانش بيعيط، كان باصص وسرحان بس.. كان ضايع. أبونا كان خالع من حياتنا من سنين، كان مجرد طيف وخيال. طول عمرنا إحنا التلاتة بس، وفجأة بقينا إحنا الاتنين بس.
​كنت في أخر سنة ليا في كلية تربية، بدرس عشان أطلع مدرّسة تاريخ. كان عندي خطيب، وكان عندي خطط ومستقبل. بصيت ليوسف وهو ماسك الورقة اللي عليها صورة أمي في الجنازة، وفي ثانية واحدة عرفت إن كل خططي طارت في الهواء.
​سحبت أوراقي من الكلية الأسبوع اللي بعده على طول. الكلية قالتلي ممكن تؤجلي، بس أنا كنت عارفة إني عمر ما هرجع تاني. بعت كتبي، وسيبت خطيبي، وأخدت يوسف وعزلنا من شقتنا الغالية لشقة إيجار صغيرة أوضتين وحمام في شبرا حيطانها بتشف الصوت.
​ونزللت اشتغلت. اشتغلت جرسونة في مطعم فول وطعمية من 6 الصبح لحد 2 الضهر. وبعدها أطلع على شغلانة حسابات لسباك في المنطقة من 3 العصر لحد 9 بالليل. كنت برجع البيت رجليا بتتخلع وريحة هدومي طالعة زيت وطعمية وقهوة، وبرضه أعد مع يوسف أراجعله واجبه.
​—ذاكرت لاختبار الرياضة؟ —أسأله.
​—أه، أي كلام خلاص، —يرد وهو متنح في الفيديو جيمز.
​—ما تقوليش أي كلام يا يوسف! وريني كشكولك!
​يتنهد تنهيدة درامية من بتاعة المراهقين دي، ويقولي إني زننانة وبضايقه، ويقولي إني مش أمه. وكان عنده حق.. أنا ما كنتش أمه. أمي كانت حنينة وصبورة، لكن أنا كنت تعبانة.. بنت عندها 23 سنة وحاسة إني عندي 50 سنة. أنا ما كنتش بربي أخ، أنا كنت بربي ابن وبطريقة غلط، بس أنا كنت كل حاجة فاضلاله في الدنيا.
​قطعت عهد وسر بيني وبين نفسي لروح أمي: “أنا مش هسيبه يضيع.. هخليه يعيش الحياة اللي كنتِ بتحلمي بيها عشانه.”
​فشديت على نفسي. دفعت ثمن أكله، هدومه، أدواته المدرسية. لما حب يشترك في نادي الكورة دفعت الاشتراكات. لما جاله قطع في الرباط الصليبي دفعت مصاريف المستشفى والعملية. اشتغلت في الويك إند، وفي الأعياد. ما خرجتش، ما اتعرفتش على حد.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *