متعاقبة
حصري لصفحة روايات رولا
“أنتِ مغضوب عليكِ وممنوعة من الخروج لحد ما تتأسفي لأخوكِ،” بابا قالها قدام العيلة كلها بصوت عالٍ.
لثواني معدودة، السفينة والبيت كله جابه السكوت التام.
وبعدين طارق بدأ يضحك.
طنط مليكة غطت بقها بإيدها، بتتصنع إنها بتداري ابتسامتها. ومرات بابا، دينا، ابتسمت بسخرية وهي بتشرب عصيرها، أما ابن عمي كريم فكان بيهز راسه وبيدحك بصوت واطي.
أنا كان عندي أربعة وعشرين سنة.
وبطريقة ما، بابا، راغب النجار، كان لسه بيعاقبني وكأني عيلة عندها أربعتاشر سنة.
الدم حِرِي في وشي وسخن، بس رفضت تماماً أديله رد الفعل اللي كان مستنيه بفارغ الصبر.
”تمام.”
بابا برّش بعنيه من المفاجأة.
ماكنش دا اللي هو عايزه.
كان عايزه أجادل.
كان عايزني أعلّي صوتي، وأفقد أعصابي، وأديله سبب جديد عشان يقول للكل إن أنسانة صعبة ومتعبة.
بس أنا كنت خلاص قفلت كتاب الدور دا ومش هلعبة تاني.
المشكلة دي كلها كانت بدأت بسبب عربية أمي الله يرحمها، الشاهين الكلاسيك اللي كانت بتعزها.
أمي كانت بتحب العربية دي جداً لسنين. وبعد ما توفت، بقت واحدة من الحاجات القليلة اللي سابتها وكانت قريبة جداً من قلبي.
وطارق كان عارف دا كويس.
وكان عارف كمان إنه ممنوع يأخدها من غير ما يستأذن.
أخدها برضه.
وحك الجنب اليمين كله في عمود خرسانة في جراج عمومي.
ولما جيت أقوله إنه لازم يدفع مصاريف تصليحها، ضحك وقال إن أنسانة درامية وبكبر الموضوع.
وبابا وقف جنبه.
زي العادة.
”أنتِ أحرجتي أخوكِ قدام الناس كلها،” بابا قال. “ولحد ما تتأسفي له، مش هتعتبي بره البيت دا.”
طارق رجع بضهره على الكرسي وهو مبتسم ابتسامة النصر.
اللي محدش فيهم كان فاهمه، هو إني ماكنتش عايشة في البيت دا عشان محتاجة بابا.
العكس هو اللي كان صحيح.
من ست شهور، بابا هو اللي جه يترجاني تقريباً عشان أرجع أعيش في البيت.
شركة المقاولات بتاعته، “النجار للتطوير العقاري”، كانت في أزمة كبيرة. عقود ومشاريع ضخمة كانت اتلغت، الديون تراكمت عليه، وكان محتاج حد بسرعة ينقذ الحسابات ويظبط المالية.
فوافقت أرجع.
بس كان في تفصيلة صغيرة بابا شكله قرر يتجاهلها أو ينساها.
البيت دا أساساً ماكانش بتاعه.
والقانون بيقول إن أغلب الشركة اللي بيقعد يقول عليها “شركته” ماكنتش ملكه هي كمان.
أمي، كاميليا النجار، كانت شارية البيت دا في التجمع من قبل ما تتجوزه حتى.
ولما توفت من أربع سنين، حطت البيت، وحسابات استثمارية، وحصتها الكبيرة اللي بتملكها في شركة النجار في وصية وأمانة مغلقة.
ولحد ما أتم الأربعة وعشرين سنة، كل حاجة كانت تحت إدارة مكتب حراسة قانوني.
وفي اللحظة اللي كملت فيها أربعة وعشرين سنة، السيطرة الكاملة اتنقلت ليّ.
عيد ميلادي كان من إحدى عشر يوم بالظبط.
ومحامي بابا كان بعت له ورق كتير جداً بيشرح له دا معناه إيه بالظبط.
بس الظاهر إن بابا معملش نفسه فاضي يقرأ الورق دا كويس.
فعلى بال ما الكل تحت كان لسه بيضحك على إزاي راغب النجار “حبس” بنته اللي عندها أربعة وعشرين سنة، أنا طلعت فوق بهدوء.
سحبت شنطة السفر من الدولاب.
أول حاجة دخلت الشنطة كانت هدومي.
بعدها اللاب توب.
أوراقي المالية والمستندات.
ومذكرات أمي.
وفي الآخر، مسكت الصورة المتبرقعة اللي جنبه السرير.
أمي كانت واقفة جنب عربيتها، وبتضحك للكاميرا.
فضلت باصة للصورة لعدة ثواني.
وبعدين حطيتها في الشنطة هي كمان.
من غير صريخ.
من غير خناق.
من غير أي دراما أو سلام أخير.
الساعة 5:40 الصبح، عربية أوبر كانت واقفة بره البيت.
شيلت شنطتي ونزلت بيها، سبت مفتاح البيت محطوط بنظام على التسريحة في أوضتي، وخرجت من باب الشقة.
محدش صحي.
الساعة 8:17 الصبح، بابا اتصل.
كنسلت وما رديتش.
بعدها بـ اتناشر دقيقة، جالي مسج منه.
”عرفتي قيمتك وعرفتي مكانك خلاص؟”
أنا ضحكت بجد.