بعد ال.ح.ادثة

​على المغرب كده، أختي رشا وصلت وجابت معاها أكل وقعدت مع العيال، في حين إن فريدة كانت بتساعدني أرتب الأوراق. حسام لمّ شنطة سفر وأعلن إنه رايح يقعد في فندق “لحد ما الناس كلها تروق وتهدى.” وقبل ما يخرج، قرب مني وقال بتشفي: “فاكرة إن الكرسي المتحرك ده بيديكي قوة عشان الناس تصعبِ عليهم؟” بصيتله في عينه مباشرة: “لأ.. الأوراق الرسمية هي اللي بتديني القوة، عشان انت ماضيت باسمك على كل مصيبة.” فكه اتشد ومشي وساب البيت.
​تاني يوم الصبح، رفعت ق\ضية طلاق. التوقيت ماكانش انتقام.. كان حماية. فريدة وصلتني بمحامي أحوال شخصية اسمه الأستاذ هشام. على الضهر، كان هشام قدم طلبات للمحكمة بخصوص النفقة المؤقتة، والحضانة، وحظر التصرّف في الممتلكات المشتركة، وإلزامه يكشف عن كل حساباته. وحذرني إني مأستعجلش النتائج، لأن المحاكم بتمشي بالدليل والخطوات والوقت. وأنا شغلي علمني الصبر على التفاصيل.
​أنا بقالي سنين شغال في مراجعة الجودة والحسابات في شركة أجهزة طبية، وبعرف كويس إزاي أعمل ملف مخرومش المية. قعدت أجمع وأوثق: كشوف حسابات، رسايل تليفون، إخطارات تأمين، فواتير مستشفيات، أوراق المدارس، وكل مسج حسام بعتها. كنت بكتب التواريخ وما بدخلش في أي خناقة. لما كان يكلمني ويتهمني إني بقوّي العيال عليه، كنت بقفل السكة في وشه وبطلب منه إن التواصل يكون بس عن طريق الأبلكيشن اللي المحامي نصح بيه.
​بعدها جت المفاجأة الحقيقية الأولى. محقق من البنك كلمني عشان الفلوس اللي اتحولت. حسام ماكانش مجرد نقلها، ده دفع منها مقدم لـ عربية SUV جديدة بالتقسيط، وبعت مبلغ محترم لـ فانيسا—واحدة عندها 29 سنة شغال في العقارات وكانت على علاقة بيه وأنا في مصحة التأهيل. وباقي الفلوس كان نقلها لحساب تاني.
​حسام كان فاكر إني اكتشفت الحساب الأولاني بس.
ماكانش يعرف إن البنك جاب أصل وفصل الحساب التاني.
​بعد تلات أيام، جه البيت وكان بيطلب إنه يتكلم معايا على جنب. قعدت في الصالون ورشا كانت واقفة جنبي. حسام كان شكله مهدود وتعبان. “شيرين.. أنا غلطت.” قلتله: “دي جملة مختلفة خالص عن ‘غوري بره’.” نزل عينه في الأرض: “أنا ممكن أرجع جزء من الفلوس.” “جزء؟” بلع ريقه بصعوبة: “اصل فانيسا خدت جزء منها.” هزيت رأسي بهدوء: “يبقى المفروض تروح تطلبهم منها هي.”
​حسام بصلي وهو مذهول.. كان مستني دموع، أو زعيق، أو محاولة تفاوض.
اللي خده مني كان السكوت.
ولأول مرة في جوازنا، فهم إن سكوتي ده عمره ما كان استسلام.
ده كان معناه إن كلامي معاه انتهى خلاص.
الجزء التالت والأخير:
​الأيام اللي بعد كده مرت زي حركة الساعة. حسام كان فاكر إن القضايا بتاعة الأحوال الشخصية هتاخد سنين في المحاكم وإنه هيقدر يماطل، بس الأستاذ هشام والأستاذة فريدة كانوا نازلين عليه بتقلها.
​محقق البنك قدم التقرير النهائي للنيابة، والتحويلات اللي حسام عملها وهو وصي عليّ وقت ما كنت في غيبوبة العناية المركزة اتحولت لق\ضية “استيلاء على أموال وخيانة أمانة”. فانيسا أول ما شمّت خبر إن فيه نيابة وبلاغات ورجال شرطة بيدوروا في أصل الفلوس، رجعت العربية وحظرت حسام من حياتها خالص ومسحت بيه الأرض، عشان تنجد نفسها من أي تهمة مشاركة في جري\مة.
​في يوم الجلسة الأولى، حسام جه المحكمة وهو لابس بدلة مبهدلة، شكله اتغير 180 درجة عن الراجل اللي كان واقف يطردني من بيتي. محاميه حاول يماطل ويقول إن الفلوس كانت لمصاريف العلاج والبيت، بس هشام قدم فواتير المستشفى اللي الشغل بتاعي كان مغطيها بالكامل، وقدم عقود الشراء بتاعة الشنط الأوريجينال، وإيصال مقدم العربية الـ SUV، والتحويلات البنكية لـ فانيسا.
​القاضي بص لحسام وقال كلمتين بس هزوا القاعة: “اللي يستغل مرض مراته وهي بين الحياة والموت عشان يسرقها ويسرق عياله، ما يستاهلش حتى الرحمة.”
​المحكمة حكمت بإلزامه برد الـ 750 ألف جنيه بالكامل، مع التحفظ على أي ممتلكات باسمه لصالح النفقة، وتمكين نهائي ليّ ولعيالي من الشقة.
​بعد ست شهور، كنت قاعدة في الصالون في بيتي في التجمع. ليلى كانت بتساعد ياسين في واجبه، وأنا كنت ببدأ أول جلسة علاج طبيعي مكثف في البيت بعد ما بالي رديت وروح المعنوية رجعتلي.
​تليفوني رن، كان حسام بيحاول يكلمني من رقم غريب. رديت وشغلت السبيكر.
​”شيرين.. أنا اترفعت من الشغل، والبنك حاجز على أي مرتب يدخلي، ومبقتش لاقي مكان أقعد فيه.. ارجوكي تنازلي عن المحضر، العيال هيستفادوا إيه وأبوهم محبوس؟”
​بصيت لعيالي اللي كانوا عايشين في هدوء وأمان لأول مرة من سنين، وقلتله بنبرة أهدى من الهادي:
​”العيال اتعلموا درس مهم أوي يا حسام.. اتعلموا إن الظلم له آخر، وإن اللي يفتكر إن مراته ضعيفة لمجرد إنها مش قادرة تقف على رجلها.. بيجي عليه اليوم اللي ما بيعرفش يقف فيه على حيله خالص.”
​قفلت السكة في وشه، وبصيت للدكتورة بتاعة العلاج الطبيعي وابتسمت:
​”يلا نبدأ الجلسة.. أنا جاهزة أقف على رجلي من جديد.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *