امي اختفت

أنا مش مصدق اللي حصل، وادي القصة بالكامل من أولها:
​أمي اختفت في رحلة كروز وسابت لي ورقة مكتوبة بخط إيدها على ترابيزة المطبخ:
​”أخدنا شقاء العمر وحوشنا وسافرنا كروز.. شيلي أنتِ بقى يارا “عصام”.. ماهو طبعة نكد ومايتعاشرش.”
​بعدها بدقايق معدودة، لقيت جوز أمي مرعي مرمي على أرضية الحمام، مش قادر يتحرك ولا يرفع جسمه، وده بعد يومين بس من عملية دقيقة في العمود الفقري.
​ساعتها بصيت على شريط الدوا بتاعه.
​الأقراص اللي جوه العلبة مش هي خالص اللي الدكتور كاتبهاله في الروشتة.
​موبايله ما بيجمعش شبكة ولا بيعمل مكالمات.
​الإنترنت مقطوع والراوتر مشال الفيشة بتاعته.
​المشاية بتاعته محطوطة في مكان بعيد تماماً.
​ولما جيت ألحقه وأطلبه نجدة، لقيت عصام فجأة بيخلع دبلته بالعافية وبيضغط عليها في كف إيدي.
​وكان محفور جوه الدبلة من جوه رقم واحد بس:
​3200000.
​”ثلاثة مليون وجنيه و200 ألف يا يارا..” همس بيها بصوت مكسور. “جه الوقت اللي تعرفي فيه الحقيقة كاملة.”
​في اللحظة دي بس، فهمت إن أمي مسبتش البيت وطلعت مصيف ولا كروز لمجرد الفسحة..
​الجزء الأول
​البيت كان تلج وصهد الخوف ماليه في الصبحية دي في شباك يناير في التجمع الخامس.
​دوبني حطيت رجلي في المطبخ، لما لمحت ورقة مطوية ومحطوطة تحت ملاحة الملح.
​كانت مكتوبة بآني خط أزرق بتاع أمي اللي حافظاه صم.
​أخدنا شقاء العمر وحوشنا وسافرنا كروز.. شيلي أنتِ بقى يارا “عصام”.. ماهو طبعة نكد ومايتعاشرش.
​قريتها مرتين ورا بعض.
​”أخدنا؟”
​وقبل ما ألحق أستوعب هي تقصد مين بـ “أخدنا”، سمعت صوت جاي من أخر الطرقة.
​صوت حكة خفيفة على الأرض.
​وبعدها سكوت تام.
​”عم عصام؟”
​مفيش أي رد.
​جريت بسرعة ناحية حمام الأوضة الرئيسية.
​اللي شفته هناك خلى ركبي تخبط في بعضها ومعدتي تتقلب.
​جوز أمي كان قاعد على الأرض، بيحاول بالعافية يشد فوطة يغطي بيها نفسه.
​كان شكله مهدود تماماً.
​وشه أصفر زي الليمونة.
​وإيديه بترتعش بشكل يرعب.
​”عم عصام!”
​جريت عليه ونزلت على ركبي.
​”إيه اللي حصل؟ إيه اللي وقعك كده؟”
​”حاولت أقف على حيلي..”
​”أنت مش المفروض تتحرك من السرير أصلاً لوحدك!”
​عصام كان لسه عامل عملية شريحة ومسامير في الضهر في المستشفى الجوي من يومين اثنين بس.
​والدكتور كان واضح جداً وقاطع في تعليمات الخروج.
​محتاج حد يخدمه ويعينه.
​الدوا ينزل في مواعيده بالدقيقة.
​حركة في أضيق الحدود.
​ولازم حد يفضل قاعد جنبه عشان لو حصلت أي طوارئ.
​بدل كل ده، أمي سابته مرمي لوحده وسافرت تعمل كروز!
​فجأة، عينيا جت على علبة دوا محطوطة جنبه على الأرض.
​مسكتها.
​العلبة هي هي بتاعة المسكن.
​بس الحبوب اللي جوه مش هي خالص!
​فتحت العلبة ونزلت كذا حبوب في كف إيدي.
​أشكال مختلفة.
​وأحجام مش متناسقة.
​في حاجة غلط ومش طبيعية بتحصل.
​”عم عصام.. هي دي الأقراص اللي المستشفى كتبوهالك؟”
​عينه زاغت فوراً وما رضيش يبصلي.
​”يارا.. بلاش.”
​صدري أتقفل وقلبي بدأ يدق بسرعة.
​”بلاش إيه؟”
​ما نطقش.
​”هي أمي كانت عارفة إن شكل الدوا ده متغير؟”
​برضه سكت.
​السكوت ده رعبني أكتر من لو كان جاوبني وقالي أي مصيبة.
​طلعت موبايلي بسرعة عشان أطلب الإسعاف.
​مفيش شبكة خالص.. طوارئ فقط.
​اتكدرت ومشيـت ناحية شباك المطبخ يمكن ألقط أي إشارة.
​برضه مفيش فايدة.
​”ماشية.”
​مسكت سماعة التليفون الأرضي.
​حرارة مقطوعة.
​بصيت على راوتر النت.. فيشته متشالة من الفيشة وسلك الفايبر مخلوع.
​ريعت تاني ناحية عصام.
​”فين المشاية بتاعتك؟”
​شاور بعينيه بالعافية ناحية السلم المؤدي للبدروم.
​مشيت ورا نظرتوه.
​المشاية بتاعته كانت مركونة جنب أول درجة في سلم البدروم.
​بعيدة عنه مسافة مستحيل راجل لسه طالع من عملية ضهر خطيرة يوصلها لوحده من غير ما يقع يتكسر.
​في اللحظة دي بالذات، كل حاجة اتغيرت في دماغي.
​دي مش مجرد شبكة موبايل قطعت حظ.
​ولا راوتر اتقفل بالغلط.
​ولا مشاية حد حركها وهو بيمسح.
​تقريباً كل وسيلة كان ممكن عصام يتصل بيها بأي بني آدم — أو يتحرك بيها بأمان جوه البيت — اختفت بنفس الطريقة وفي نفس الوقت!
​جبت جاكتي بسرعة.
​”إحنا نازلين حالا، هوديك المستشفى.”
​فجأة عصام ناداني بصوت متهدج:
​”يارا..”
​لفيت له.
​لقيته بيحاول بالعافية يخلع دبلته من صباعه المورم.
​وإيده بترتعش وهو بيمدها لي.
​”دي معاكي..”
​”عم عصام مش وقت دبل خالص إحنا لازم—”
​”شيليهـا!”
​أخدتها منه.
​جوه الدبلة كان فيه حفر صغير جداً برقم:
​3200000
​فضلت باصة للرقم بذهول.
​”إيه الرقم ده؟”
​عصام سند راسة على الحيطة بتعب.
​”ثلاثة مليون و200 ألف.”
​بصيت له باستغراب.
​”يعني إيه؟”
​”أمك فاكرة إن أيامي بقت معدودة في الدنيا.”
​جسمي كله قشعر.
​”أنت بتقول إيه؟”
​أخد نفس بالعافية وقالي:
​”هي تعرف الفلوس والحسابات اللي باينة في البنوك بس..”
​بلع ريقه بكامل صعوبة وكمل:
​”لكن ما تعرفش كل حاجة.”
​وطيت قعدت جنبه على الأرض.
​”عم عصام سيبك من الفلوس دلوقت، أنت محتاج دكتور فوراً.”
​”اسمعيني الأول!”
​مسك في معصم إيدي بقوة.
​”من سنين طويلة.. أنا وأخويا عملنا شركة شحن وتفريغ في السويس.”
​أنا كنت عارفة إن عصام كان شغال في مجال النقل قبل ما يطلع معاش.
​بس عمره ما قال إنه كان شريك أو يملك حاجة!
​”أنا أصل الحصة بتاعتي لسه باسمي..” كمل وهو بيعافر عشان يتكلم: “ومحطوطة في صندوق وديعة مغلقة.”
​”كام يعني؟”
​”أكتر بكثير من اللي أختك وأمك “ماجدة” يعرفوه.”
​بصيت تاني للدبلة اللي في إيدي.
​”ثلاثة مليون و200 ألف دولار؟”
​ما جاوبش بصريح العبارة.
​بس قال بصوت حزين:
​”الوديعة دي معمول حسابها من قبل ما اتجوز أمك بكثير.”
​قلبي كان هيقف من الخضة.
​”ولو جرى لك حاجة؟”
​عينه جت في عيني بقسوة وقال:
​”لو مابقتش قادر أدير أموري الصحية أو العقلية.. السيطرة والتصرف في الصندوق بيروح لـ شخص تاني فوراً.”
​”مين الشخص ده؟”
​وقبل ما عصام يلحق ينطق حرف—
​طخ!
​باب عربية اترزع بره في الجاردن.
​ملامح عصام كلها اتغيرت واتخطف لونه.
​وقفت بسرعة.
​”مين ده؟”
​بص ناحية باب المطبخ وقال بثقل:
​”أمك..”
​صوت المفتاح دائر في الباب الخارجي.
​حطيت دبلة عصام في جيب جاكتي في السريع.
​وبعدين رفعت دراعه على كتفي وبدأت أجرجر جسمه بالعافية ناحية الجراج.
​دوبنا وصلنا عتبة الباب، لما سمعت ضحكة أمي يرن في البيت.
​ما كانتش لوحدها.
​صوت راجل كان بيضحك معاها.
​وفجأة الضحك وقف.
​”عصام؟”
​فضلت ماشية وبحاول أسرع خطواتي.
​”يارا؟ أنتِ بتعملي إيه؟”
​أمي ظهرت ورايا في الطرقة.
​وجنبها راجل شايل شنطة جلد سوداء كبيرة بتاعة مستلزمات طبية.
​لثانية واحدة ما عرفتوش.. وبعدين افتكرت!
​دكتور إيهاب مراد.
​الممرض الخاص اللي أمي أصرت تطلبه بنفسها وتأجره عشان يراعي عصام بعد العملية.
​”واخداه ومودياه فين؟” أمي سألت بنبرة حدة.
​ما رديتش عليها وكملت سحب فيه.
​”يارا بكلمك!”
​”رايحة بيه المستشفى.”
​وشها قفل وجمد.
​”هو مش محتاج مستشفى ولا حاجة، هو كويس.”
​وقفت وبصيت لها بغضب:
​”أنا لقيته مرمي على أرضية الحمام!”
​”ده طبيعي لسه طالع من عملية كبيرة وبيتهيأله حاجات.”
​”الدوا بتاعه متلخوب ومتبدل بحبوب تانية!”
​إيهاب الممرض اتدخل بسرعة وخطى خطوة ناحيتي:
​”يا أستاذة يارا، التوهان وحالة عدم التركيز دي طبيعية جداً بعد البنج الكلي والعمليات الدقيقة.”
​بصيت له بحتقار ورسيت عينيا عليه:
​”وموبايله اللي مخلوع منه شريحة الـ SIM ده من البنج برضه؟”
​محدش نطق.
​”والتليفون الأرضي اللي مقطوع؟”
​أمي ربعت إيديها وقالت بكل برود:
​”وبعدين؟”
​”والراوتر اللي مخلوع من الفيشة؟ والمشاية بتاعته اللي محطوطة جنب سلم البدروم عشان يقع يتكسر؟ وأنتِ اللي اختفيتي وسبتيه؟”
​”أنا ما اختفيتش!”
​”أنتِ سبتي ورقة بتقولي فيها إنك أخدتي الفلوس وطلعتي كروز!”
​وشها اتخطف لثانية ولونها اتغير.
​إيهاب الممرض حاول يتدخل تاني وهو بيقرب من عصام:
​”يا آنسة عصام بيه محتاج يرتاح جوه، أنتِ كده بتطلعي روحه وبتقلقيه.”
​بصيت لجوز أمي.
​”عم عصام.. أنت عايز تفضل هنا معاهم؟”
​إيهاب رد نيابة عنه بسرعة:
​”هو مش في وعيه عشان يسأل!”
​طنشته تماماً.
​”عم عصام؟ ترجع جوه ولا نمشي؟”
​عصام رفع راسه بالعافية، وبص لأمي والممرض.
​”لا.”
​كلمة واحدة بس.
​بس الهدوء والسكون نزلوا على المكان زي الصاعقة.
​إيهاب وقف مكانه وما تحركش.
​وش أمي اتشنج من الغضب.
​سندت عصام لحد ما قعدته في الكرسي اللي جنب السواق في عربيتي.
​وقفلت الباب بالمفتاح.
​أمي جرت ورايا على باب السواق.
​”أنتِ مش فاهمة أنتِ بتدخلي في إيه يا يارا.. والله هتندمي!”
​”يمكن أكون مش فاهمة.”
​فتحت باب السواق وقلت لها:
​”بس أنا مستحيل أسيبه معاكوا هنا لحظة واحدة.”
​”أنتِ بتعملي أكبر غلطة في حياتك!”
​بصيت لها بثبات:
​”يبقي أنا اللي هتحمل نتيجتها.”
​ركبت واديت غيار ومشيت بأقصى سرعة.
​أول كام شارع في التجمع، الموبايل ما كانش لسه لقط شبكة.
​وفجأة أول ما طلعت على المحور، الإشارة جابت فايڤ جي ورجعت كاملة.
​اتصلت فوراً بالإسعاف وشرطة النجدة.
​شرحت إن عصام لسه طالع من عملية خطيرة في الضهر من يومين، وحالته حرجة، ومحتاج فحص طبي عاجل، وبلغت عن شكوكي الكاملة في ملعوب حصل في الدوا بتاعه والظروف المرعبة اللي لقيته فيها.
​لما قفلت المكالمة، بصيت جنبي على عصام.
​كان غمض عينيه.
​بس كان لسه حاسس بيا وواعي.
​إيدي نزلت في جيب الجاكت.
​لمست المعدن البارد بتاع الدبلة.
​3200000.
​ثلاثة مليون و200 ألف دولار.
​صندوق وديعة أمي ما تعرفش عنه حاجة.
​ممرض خاص داخل علينا بشنطته في نفس لحظة وصول أمي.
​وسائل اتصالات مقطوعة بفعل فاعل.
​دوا مسكن متبدل بحبوب مجهولة.
​وأم كاتبة ورقة إنها هربت وسافرت كروز، وعادت بعد دقائق معدودة مع نفس الممرض اللي هي نقتـه بنفسها!
​المكعبات مش راكبة على بعضها خالص.
​”عم عصام..”
​فتح عينيه بالعافية.
​”إيه اللي أمي مخبياه عني؟”
​فضل ساكت لعدة ثواني وهو بيبص للطريق.
​فسألته بصيغة تانية خالص:
​”هي أمي بتحاول توصل لإيه بالظبط؟”
​عصام بصلي.
​وصوته طلع بحشرجة مكسورة:
​”يارا.. الموضوع أكبر بكثير من مجرد فلوس..”
​قلبي اتقبض وحسيت ببرودة في جسمي.
​”يعني إيه؟”
​غمض عينه تاني وما كملش.
​ولما الأطباء في مستشفى المروة كشفوا وقتها على الحبوب اللي أنا أخدتها معايا في علبة الدوا.. مكالمة واحدة من المعمل حولت الورقة الغريبة اللي أمي كتبتها من مجرد حجة إهمال.. لجريمة بشعة مكتملة الأركان.
​لأن على بال ما الليل نزل، كنت أخيراً فهمت ليه عصام خبى 3.2 مليون دولار عن مراته طوال السنين دي.. وليه اختارني أنا بالذات عشان أعرف مكان الفلوس السرية!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *