جوزي
جوزي وصل ومعه مرات أخوه، رمى ورق الطلاق تحت رجلي وقال بعين قوية: “قدامك ساعة واحدة وتغوري من بيتي”. ومش بس كده، ده أقسم إنه هياخد مني عيالي. أنا ووطيت ببراعة رفعت الورق، وبصيت للست اللي كانت بدأت خلاص تقيس معالم الشبابيك عشان تغير الستائر، وابتسمت: “ساعة؟ قشطة جداً”. وبعدها طلبت المحامي بتاعي. لما الورق الرسمي وصل، اللي كان بيلم شنطه ويمشي ماكنش أنا خالص.
ساعة الصالة كانت بتدق بالضبط 8 بالليل لما جوزي رمى دوسيه لونه بيج تحت رجلي.
الورق اتزحلق على الرخام لحد ما وقف جنب جزمتي.
سامح حتى ممشيش فيه عرق خجل ولا بصلة ذنب.
كان حاطط إيد في جيب بنطلونه والإيد التانية لاففها حوالين وسط ياسمين.
مرات أخوه.
مرات أخو جوزي.
– إمضي على الطلاق، ولمي شنطتك واطلعي بره – قالها بهدوء يجمد الدم في العروق – البيت ده خلاص مابقاش بتاعك.
لقاطيع ثواني ماعرفتش أرد.
بره، مركونة قدام فيلتنا في التجمع الخامس، كانت عربية العيلة. ولادي الاتنين كانوا لسه قاعدين جواها مع الداية، فاكرين إننا داخلين نتعشى سوا.
ماكنوش يعرفوا إن أبوه قرر في لحظة إن أمهم لازم تتأمسح من حياتهم.
بصيت لياسمين.
كانت لابسة فستان أسود أنا نفسي اللي قايلالها تجيبه من كام شهر. كانت سانده إيدها على دراع سامح وعلى وشها ابتسامة نصر خبيثة.
ساعتها فهمت إن الموضوع مش وليد اللحظة.
ولا بدأ الليلة دي.
دول بقالهم كتير بيكتبوا السيناريو ده.
– أنت متوقع إني أمشي النهاردة؟ – سألته.
سامح ضحك ضحكة بثرة وناشفة.
– المحامي بتاعي هيقدم طلب الحضانة يوم الأحد. وكل ما تصعبيها، كل ما هتقلب على دماغك أكتر.
ياسمين مالت براسها ومالت بعينيها.
– في شقق مفروشة رخيصة في المقطم. أكيد هتلاقي حاجة على قد إيدك وتقدر تحسبي مصاريفها.
بصيتلها.
– ذوق والله، كلك واجب.
ابتسامتها اختفت لثانية.
سامح كشر وربع إيديه.
– سارة، بلاش طريقة التريقة دي. أنتِ معندكيش دخل ثابت، بقالك سنين قاعدة في البيت وتقريباً كل حاجة متسجلة باسمي. لو فكرتي تحاربي على العيال، المحاميين بتوعي هيثبتوا إنك معندكيش قرش تصرفي بيه عليهم.
ده اللي كان هو فاكره.
على مدار 6 سنين قللت شغلي عشان أربي عيالنا، وأظبط بيتنا، وأقف جنبه عشان يكبر شركته.
سامح فهم قرار قعدتي في البيت غلط.. افتكرها عجز.
فتكر سكوتي جهل.
وغلط الغلطة الكبيرة اللي جابت أجله.
من أسبوعين ساب التابلت بتاعه مفتوح على المكتب.
أنا ماكنتش بدور ولا بنبش ورائه.
لحد ما لمح أثر تحويل بانكي.
1,180,000 جنيه.
الفلوس دي اتسحبت من الحساب المخصص لمصاريف تعليم عيالنا.
فضلت أدور وأفتش.
لقيت عقود محطوط عليها إمضاءات شبه إمضتي بالملي.
قوائم مالية متلغوصة ومتعدلة.
ورق طلب قرض مدعوم بسباقات ومستندات مزورة.
وفي الآخر اكتشفت الفلوس دي راحت فين.
عربون لبنتاهوس بحوالي 52 مليون جنيه في الساحل الشمالي.
متشتري باسم شركة ياسمين هي المستفيدة الأولى فيها.
أنا حوشت كل ورقة.
كل ميل.
كل تحويل.
كل إمضاء مزورة.
سامح كان فاكر إن الدوسيه اللي على الأرض ده سلاحه اللي هيدبحني بيه.
ماكنش يعرف أنا شايلة إيه جوه شنطتي.
وطيت بالراحة، جمعت ورق الطلاق ورتبته.
– هو ده كل اللي عندك؟ – سألته.
سامح حواجبة اتعقدت.
– قصك إيه؟
– قصدي إن بعد 11 سنة جواز، كنت فاكرة إنك هتحضر مفاجأة تهز أكتر من كده.
ياسمين انفجرت في الضحك.
– أنتِ لسه مش مستوعبة اللي بيحصل ولا إيه؟
بصيت في عينها مباشرة.
– فاهمة ومستوعبة جداً.
فتحت شنطتي.
وطلعت منها حافظة سوداء متقفلة بالشمع الأحمر.
في زاوية الحافظة من فوق كان مكتوب اسم مكتب محاماة كبير في وسط البلد متخصص في القضايا المالية وجرائم الشركات.
سامح ضحكته اختفت فوراً.
– إيه ده؟
مشيت صباعي على الختم.
– حاجة كان لازم تقراها قبل ما تقرر تطردني من بيتي.
فك أسنانه بالعافية.
– البيت ده أنا اللي شاريه بفلوسي.
– لا.
– البيت ده داخل جوه أصول شركتي.
– بالظبط كده.
ياسمين بصت لسامح وهي مرعوبة.
وهو رجع يبصلي تاني.
ولأول مرة الليلة دي، وشها اتقلب وظهر عليه حاجة جديدة.
شك.
قربت منه خطوة.
– أنت صح في حاجة واحدة يا سامح.. في حد فعلاً هيلم حاجته ويمشي من هنا.
رفعت الحافظة في وشهم.
– بس قبل ما تمشي، افتكر كويس مين اللي أسس وهيكل أصول شركتك لما كانت على وش الإفلاس ورايحة في داهية.
تعبيرات وشه اتغيرت تماماً.
وساعتها قلت الجملة اللي بقالي أسبوعين مستنية أقولها.
– أنت عمرك ما كنت صاحب البيت ده.
الجمعة اللي بعدها، سامح جه ومعاه عربية نقل عفش كبيرة.
أنا كنت بشرب القهوة في البلاكونة لما سمعت صوت الموتور وهو بيركن قدام الفيلا.
نزلت وخرجت.
كان فيه كراتين متكومة جنب المدخل.
وياسمين واقفة بتقيس شباك السفرة بشريط قياس.
أول ما شافتني، ابتسمت بصفاقة.
– أنا اخترت ستائر طلياني.. الستائر بتاعتك طول عمرها تقيلة وذوقها بيئة.
سامح شاور على الباب بركبته.
– المهلة خلصت يا سارة. لمي حاجتك وخدي الباب في إيدك.
– أنا مش ماشية في حتة.
– بلاش تعملي شو ونمرة مالهاش لازمة.
– أنا مش بعمل نمر خالص.
حطيت فنجان القهوة على الترابيزة.
– أنا بس مستنية.
– مستنية إيه يعني؟
في اللحظة دي، عربية سوداء شيك دخلت من البوابة.
نزل منها المحامي بتاعي، أستاذ مصطفى.
وكان ماسك في إيده ظرفين كبار.
سامح ضحك ضحكة عالية ومستفزة.
– جايبة محامي عشان يمنعني أدخل بيتي؟
أستاذ مصطفى قرب مننا بهدوء.
– يا أستاذ سامح، العقار ده مش ملكك أصلاً.
ياسمين نزل الشريط من إيدها واستغربت.
– إيه العبط ده؟
سامح شد ورقة من الظرف اللي مع المحامي.
بدأ يقرأ.
وشه اتقلب وجاب ألوان.
من 4 سنين، لما شركته كانت بتغرق في المشاكل مع الدائنين، سامح طلب مني أتدخل وأعيد هيكلة جزء من أصوله.
قبل ما أتصلح بيه وأتجوزه، أنا كنت شغالة استشارية في إعادة هيكلة الشركات وحماية الأصول وإدارة الأزمات المالية.
هو كان عارف ده كويس.
بس اللي نسيه بقى، هو إحنا أنقذنا الفيلا دي إزاي وقتها.
الفيلا كانت متسجلة باسم شركة أصول، الحصة الأكبر فيها مملوكة لصندوق ائتماني مقفول.. صندوق اتأسس برأس مال خاص بيا أنا من قبل ما أتتجوزه.
سامح كان مجرد مدير مالي له صلاحيات إدارة.. مش أكتر.
والصلاحيات دي تلغيت رسمياً الساعة 8 الصبح النهاردة.
تمتم وهو مش مصدق:
– أنتِ ما ينفعش تعملي كده..
– بس عملت.
أستاذ مصطفى إداه الظرف التاني.
– وده مش الموضوع الأهم دلوقتي يا أستاذ سامح.
سامح فتح الظرف.
ياسمين قربت تتفرج.
في أول صفحة، كانت تفاصيل التحويلات البانكية من حساب مصاريف مدارس العيال، والعقود المزورة، والورق اللي اتقدم للبنك.
ياسمين وشها اصفر وبقت زي الجثة.
– سامح… إيه ده؟
سامح رفع عينيه وبصلي بذهول.
– أنتِ عملتي إيه؟
جالي ضحك هيكركر مني.
– أنا؟
طلعت صور التحويلات.
– أنت سحبت مليون و180 ألف جنيه من حساب تعليم عيالك.
حطيت ورقة تانية فوقيها.
– وزورت إمضتي عشان تضمن بيها قرض من البنك.
وورقة تالتة.
– واستخدمت شركة وهمية باسم ياسمين عشان تفبرك أرباح وتشتري بيها بنتاهوس.
ياسمين رجعت ورا خطوة وهي مرعوبة.
– أنت قايلي إن الفلوس دي بتاعتك ومن كدك!
سامح بصلها بغل وعاط فيها.
– اخرسي أنتِ خالص!
– أنت قايلي إن سارة معندهاش فكرة عن الحسابات وما بتفهمش في الأرقام!
أهي جابته..
الكلمة دي هي مربط الفرس اللي يلخص القصة كلها.
سامح كان فاكر بجد إني ما بفهمش.
بصيت له بثبات.
– طول السنين دي كنت شايفني مجرد الست اللي بتجيب العيال من المدرسة وتظبط لك عزومات الشغل.
شاورت على الورق.
– نسيت مين اللي علمك تقرأ ميزانية وتخرج من ديون كانت معدية الـ 27 مليون جنيه.
سامح بص لعربية النقل..
وبعدين بص للفيلا..
وبعدين بصلي.
– سارة.. ممكن ننزل ونتكلم ونحل الموضوع ده ودي.
– لا.
– يا سارة عشان خاطر…
– أنت لسه مش مستوعب اللي بيحصل.
أستاذ مصطفى قفل شنطته.
– البنك بدأ التحقيق الداخلي بتاعه بالفعل، والورق ده كله وصل للنيابة العامة والأموال العامة.
ياسمين حطت إيدها على بقها من الصدمة.
سامح اتخشب في مكانه وما نطقش.
وقبل ما يلحق يستوعب ضربة القلم، سمعنا صوت عربية تانية بتفرمل قدام البوابة بره…
يتبع