رواية جديدة جدا 1
“الفصل الأول”
وقفت فتاة في منتصف العشرينات أمام مكتب، تعقد ذراعيها على صدرها، وتحدق فيه بإعجاب واضح وهو منغمس في عمله، تحيط به الملفات من كل جانب، ترددت لحظة، ثم تنحنحت بخفة لتلفت انتباهه، وقالت بنبرة عاشقة:
“ممكن اخد من وقتك يا أستاذ همام؟”
اعتدل في جلسته فور أن سمع صوتها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة تنم عن احترام خاص لها.
“طبعا يا استاذة عهد اتفضلي.”
تقدمت وجلست أمامه، تحاول إخفاء توترها بابتسامة خفيفة، ثم سألته وهي تعبث بأصابعها:
“انت مش ناوي تتغدا ولا ايه؟”
حرك رأسه بالنفي، وأعاد نظره إلى الأوراق المكدسة أمامه.
“لا مش هينفع، عندي ملفات كتيره اوي عايز اخلصها واسلمها النهاردة.”
رمقته بنظرة حزن مصطنع، وقطبت جبينها بدلال واضح.
“خلاص براحتك ذنبي فى رقبتك، هفضل جعانه بسببك.”
عقد حاجبيه بدهشة، ورفع بصره إليها مستغربًا.
“ليه بس حضرتك؟ تقدري تنزلي تاكلي براحتك، لسه الوقت طويل.”
ابتسمت ابتسامة مشرقة أضاءت وجهها، وقالت بخفة صادقة:
“اصل انا مش هعرف اكل لوحدي والبت ملك مجاتش النهاردة، وقولت يعني لو تيجي انت معايا نتغدا سوا مش هيحصل حاجه، ولو على الشغل أنا هسهر معاك النهاردة اساعدك فيه لحد ما تسلمه كله.”
ارتبك قليلًا أمام إصرارها، وقبل أن ينطق، أردفت بصوت مملوء رجاء:
“علشان خاطري، تعالى معايا يا همام.”
تعلق بضحكتها، وسرح في ملامحها البريئة، حتى غاب عن الرد لحظة، بينما قلبه يخفق بعنف يناقض سكونه الظاهري.
لاحظت صمته، فاحمر وجنتاها بخجل، وهمست:
“ه همام انت سكت ليه؟”
انتبه لنفسه، وأزاح عنه شروده بابتسامة مرتبكة.
“ها، م مافيش.”
ثم اعتدل في مقعده وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
“تصدقي أنا حسيت دلوقتي بالجوع، يلا بينا، قبل ما الوقت يخلص.”
أومأت رأسها بسعادة، وتحركت إلى جواره بخفة ظاهرة، واتجها نحو المصعد، لكن قبل أن يصلا إليه، ظهر والدها فجأة، وتوقفت خطواتها حين سمعت صوته الغاضب.
“عهد!! رايحه فين كده؟”
ارتبكت، والتفتت إلى همام بنظرة قلقة، ثم أجابت بكلمات متقطعة:
“ا احنا رايحين نتغدا يا بابي فى المطعم.”
انتقل بصر والدها إلى همام، وحدق فيه بنظرة صارمة متفحصة، قبل أن يقول بلهجة لا تحتمل نقاشًا:
“اتفضلي روحي، ولينا كلام مع بعض بعدين.”
تركهما ودخل المصعد، فيما ظل الصمت ثقيلًا بينهما للحظات.
تنحنحت عهد بخجل وشيء من الارتباك.
“سوري يا همام عطلتك يلا بينا.”
هز رأسه نافيًا، وابتسم ابتسامة مختنقة تخفي شيئًا من الضيق.
“لا اتفضلي حضرتك روحي انتي، أنا هرجع مكتبي.”
استدار ليغادر، لكنها أسرعت تمسك بيده، وكأنها تخشى أن يبتعد فعلًا.
“علشان خاطري يا همام تعالى ننزل ناكل، بابي ميقصدش حاجه.”
توقفت أنفاسه لحظة وهو ينظر إلى يدها المتشبثة به، ثم رفع عينيه إلى عينيها، وصوته خرج مثقلًا بشيء لم تصفه الكلمات.
“مش عايز أسببلك مشكلة مع رياض باشا.”
ابتسمت برقة صادقة، وكأنها تطمئنه من أعماق قلبها.
“مافيش مشكله ولا حاجه، وبعدين كله فداك، يلا بقى عصافير بطني بتصوت.”
لم يستطع منع ابتسامة دافئة من التسلل إلى شفتيه، وأومأ برأسه أخيرًا. دلفا المصعد معًا، يجاور أحدهما الآخر، غير مدركين أن تلك اللحظات البسيطة كانت تمهيدًا لطريق لن يكون سهلًا أبدًا.
**********************
جلس همام وعهد متقابلين، يفصل بينهما طاولة صغيرة ازدحمت بأطباق تفوح منها رائحة شهية، غير أن كليهما لم يمد يده إليها، كان الصمت أثقل من الجوع، والنظرات أبلغ من الكلام.
ترددت عهد قليلًا، تعبث بطرف المنديل بين أصابعها، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بتوتر واضح:
“همام، هو انت فيه حد فى حياتك؟”
تجمد في مكانه، وكأن السؤال باغته على حين غرة لم يكن يتوقعه، ولم يكن مستعدًا له.
طال صمته، فخفت بريق عينيها، وقالت بصوت مختنق بالحزن:
“خلاص فهمت مش مجبر ترد عليا، ربنا يسعدكم.”
انتفض سريعًا، وكأن كلماتها طعنته، وقال مدافعًا وقد بدا عليه الارتباك:
“لا لا انتي فهمتي ايه؟ أنا مافيش حد فى حياتي خالص، اصلا معنديش وقت لكدة.”
تنفست بارتياح ملحوظ، وانفرجت أساريرها، وارتسمت ابتسامة صافية على شفتيها.
“خضتني، الحمدالله.”
قطب جبينه بعدم فهم، وحدق بها متسائلًا:
“خضتك! ليه مش فاهم؟”
أغمضت عينيها لحظة، تلوم نفسها على اندفاعها، ثم قالت بتوتر حاولت إخفاءه:
“ها، ل لا اقصد يعني الحمدالله، هتكون متفرغ لشغل وكده، أنا اهم حاجه عندي مصلحة الشركة بتاعتنا.”
نظر إليها بنظرة طويلة، كأنه يقرأ ما خلف كلماتها، ثم قال بنبرة مثقلة بشيء من الألم:
“مينفعش.”
رفعت حاجبيها بدهشة:
“هو ايه اللي مينفعش؟”
تنهد بعمق، وكأن صدره يضيق بما يحمله، ثم قال بصوت خرج بصعوبة:
“مينفعش اللي حضرتك حاسه بي، أنا فين وانتي فين؟ فيه فرق اجتماعي ما بينا، فرق ما بين السما والارض، واللي حصل النهاردة من رياض باشا، يأكدلك كلامي، لمجرد أنه شافنا نازلين مع بعض نتغدا عادي، المجتمع عمره ما هيعترف بينا اتنين، هيفضل شايفنا انتي عهد رياض بنت اكبر رجل اعمال، وانا همام مجرد موظف حسابات عندكم فى الشركه.”
تجمعت الدموع في عينيها، ولمعت تحت ضوء المكان، وهزت رأسها نفيا بإصرار:
“بس الحب ميعرفش حاجه اسمها فروق اجتماعيه، قلوبنا مش بأيدينا يا همام، أنا بحبك من أول لحظة شوفتك فيها، خطفت قلبي من وقتها، ومتأكده، انك انت كمان بتحبني زي واكتر، همام أنا عمري ما بصيت انت ابن مين ولا أنا ابقى ايه، أنا شيفاك أعظم راجل شافته عيوني.”
ابتلع غصة مؤلمة، وشعر أن كلماتها تضعف مقاومته، لكنه تمسك بعقله قبل قلبه وقال بصعوبة:
“صدقيني يا عهد، والله ما هينفع، ابوس ايدك بلاش تخليني اعشم نفسي بحاجه عمرها ما هتحصل.”
مدت يدها وأمسكت بكفه، كأنها تحاول أن تثبته أمامها، وقالت من بين دموعها:
“هيحصل، صدقني يا همام كل ما كان حبنا قوي كل ما هيقوي موقفنا، وهنقدر نكمل مع بعض، من غير مشاكل.”
سحب يده برفق مؤلم، وكأنه ينتزع قلبه معها، وقال بصوت مبحوح:
“أنا مش مستعد للخطوة دي دلوقتي يا عهد، مقدرش ادخل لعبه هكون خسران فيها.”
نظرت إليه نظرة طويلة، مزيج من عتاب وحب وإصرار، ثم قالت بصوت مختنق:
“مهما كان بابي ايه، الحب الصادق هيكون شفيع لينا قصاده، جرب وصدقني مش هتخسر حاجه، لان هفضل جنبك ومعاك مهما حصل.”
أنهت كلماتها ونهضت ببطء، محاولة أن تحافظ على ما تبقى من كرامتها، ثم ابتعدت عنه بخطوات متثاقلة.
ظل همام جالسًا مكانه، يحدق في أثرها، وقلبه ينزف بصمت، زفر بضيق شديد، ألقى ببعض النقود فوق الطاولة دون أن يلتفت إلى الطعام الذي لم يمس، ثم عاد إلى عمله، غير مدرك أن تلك اللحظة كانت أول صدع حقيقي في حكايتهما.
**********************