رواية جديدة جدا 1
مرت عدة أيام ثقيلة، كأن الزمن يتعمد أن يضغط على قلبيهما معًا، ذهبت عهد إلى الزيارة برفقة والدها كما أمرها، جلست أمام العريس، تستمع إلى حديث لا يصل إلى عقلها، وترد بابتسامة باهتة لا تمتد إلى عينيها، كان جسدها هناك، أما روحها فكانت عالقة في مكان آخر، عند رجل يهرب منها كلما اقتربت.
وفي الجهة الأخرى، كان همام يذبل بصمت، كل يوم يمر عليه وهو يشعر أن شيئًا منه ينتزع ببطء، صار يتجنب النظر إليها، يقلص الحديث معها، كأنه إن أطال الوقوف أمامها سيسقط في هوة لا عودة منها، رغم محاولاتها المستمرة لكسر جدار بروده.
وفي أحد الأيام، داخل الشركة، اتخذت عهد قرارًا متهورًا.
نهضت من مقعدها فجأة، والغضب يتصاعد في عينيها، واتجهت بخطوات سريعة نحو مكتب همام، فتحت الباب دون استئذان، ودلفت إلى الداخل، ثم أغلقته خلفها بقوة.
رفع رأسه بصدمة، قبل أن تتقدم نحوه ببطء محسوب، ونظراتها مشتعلة بنفاد صبر:
“اسمع بقى، أنا جبت اخري معاك، ما هو انت هتعترف بحبك ليا برضاك أو غصب عنك، وجنان بجنان، هصرخ واقول عليك بتتحرش بيا، ها يا ابن الناس؟ هتعترف بما يرضي الله، ولا افضحك بما لا يرضي الله؟!”
اتسعت عيناه بعدم تصديق، وحدق بها مذهولًا، ثم قال بنفاذ صبر:
“انسه عهد، بلاش جنان ارجوكي، واتفضلي روحي على مكتبك.”
لكنها لم تتراجع، اقتربت منه بسرعة، حتى باتت تقف أمامه مباشرة، ونظرت في عينيه برجاء صادق:
“همام، ارجوك أنا بتعذب بسببك، بحبك ومش قادرة اتصور نفسي مع غيرك، انت عارف لو مكنتش شايفه حبي فى عيونك، مكنتش هعمل كل ده، أنا رفض العريس، ميهمنيش هو مين ولا ابن مين، انا عايزة راجل واحد بس هو انت يا همام.”
أغمض عينيه بألم، وكأن كلماتها تمزق دفاعاته، وقال بصوت مختنق:
“هظلمك معايا يا عهد، مش هقدر اعيشك فى ربع مستواكي حتى.”
لكنها أمسكت بتلابيبه فجأة، واقتربت منه حتى كادت أنفاسها تلامس وجهه، وهمست بحرارة:
“أنا مطلبتش منك تعيشني فى مستوايا، أنا عايزه اعيش معاك انت على قد ظروفك، حياتك اللي عايشها دلوقتي، نقسمه لقمتنا مع بعض واخر اليوم اكون نايمه فى حضنك بنفكر سوا هنعمل ايه بكرا، ولو في يوم طلبت منك حاجه فوق طاقتك طلقني وقول عليا بتاعة كلام.”
ابتلع ريقه بصعوبة، وتسارعت أنفاسه رغماً عنه.
“ابعدي يا مجنونة حد يدخل علينا.”
لكنها اقتربت أكثر، وصوتها انخفض حتى صار همسًا مشاكسًا:
“أنا أقولك عايزه اكون فى حضنك، وانت تقولي ابعدي، كفايه بقى تقل عليا يا عم حسين يا فهمي.”
رغم توتره، لم يستطع منع ابتسامة حقيقية من الظهور، رفع يديه وكوب وجهها بين كفيه، ونظر إليها بنظرة لم يعد فيها هروب، وقال بصدق كامل:
“بحبك يا مجنونة.”
اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بفرح طفولي:
“اخيرا قالها ابن…”
ثم توقفت فجأة وسألته بمرح:
“امك اسمها ايه؟”
تراجع خطوة، وعقد ذراعيه على صدره محاولًا استعادة هيبته:
“حليمة، اسمها حليمة.”
قفزت بسعادة كطفلة انتصرت أخيرًا:
“أخيرًا قالها إبن حليمة، يا خلق يا هوه همام أبن حليمة قالي بحبك.”
نهض سريعًا، ووضع يده على فمها همس بقلق:
“وطي صوتك يا مجنونة، الموظفين بره هيسمعوكي.”
تقابلت أعينهما في لحظة مشحونة، لحظة قصيرة لكنها كافية لإذابة المسافات بينهما، بدأ يخفض يده ببطء، واقترب منها أكثر، حتى كاد أن يلامس شفتيها، لكنها انتبهت فجأة، وابتعدت بخجل واضح، وقد احمر وجهها:
“ا أنا هروح اشوف شغلي بقى.”
ثم ركضت نحو الباب، وقبل أن تخرج التفتت إليه بعينين لامعتين وقالت بنبرة عاشقة:
“بحبك يا همام.”
وأغلقت الباب خلفها بسرعة.
ظل واقفًا مكانه لحظة، وقلبه يخفق بجنون لم يعرفه من قبل، ابتسم بسعادة عارمة، كأن العالم بأسره انحصر في تلك الجملة التي خرجت من بين شفتيها.
ثم عاد إلى مقعده، يحاول استعادة هدوئه، لكنه كان يعلم، أن اعترافه اليوم سيكلفه كثيرًا غدًا.
*************************
عادت الابتسامة تشرق على شفتي عهد من جديد، وكأن الغيم الذي خيم على أيامها الماضية انقشع أخيرًا، وفي الجهة الأخرى، كبر الأمل داخل قلب همام، وبدأ يرسم في خياله مستقبلًا مشرقًا يجمعهما معًا، رغم كل ما يقف في طريقهما.
خرجت عهد من باب الشركة، فوجدته يقف على جانب الطريق يلوح بيده لسيارة أجرة، ركضت نحوه بخفة، وقالت بتساؤل مرح:
“بتعمل ايه يا همام؟”
نظر إليها بمزاح خفيف وقال:
“بتشمس، هكون بعمل ايه يا ذكية بوقف حاجه أركبها علشان أروح.”
ابتسمت على كلماته وقالت بدلال مشاكس:
“يا غلس، طيب ايه رأيك انا عازمة نفسي عندكم على الغدا، يرضيك عهودة حببتك تبقى جعانة كده وتسيبها.”
تغيرت ملامحه فجأة، وظهر التوتر في عينيه، وقال بحزن خفي:
“تيجي عندنا؟ بلاش احسن يا عهد، المكان هناك شعبي ومش هيعجبك، والبيت قديم ومش حلو.”
أمسكت يده بحب، ونظرت في عينيه بثبات لا يعرف التردد:
“مافيش حاجه إسمها مش هتعجبني، مدام أنت عايش فيه أكيد هيعجبني، أي مكان يخصك، الجنة بالنسبالي يا همام، أنا وأنت واحد، شيل من دماغك أنا بنت مين، خليك عارف بس ابقى حبيبة مين!”
ارتجف قلبه لكلماتها، ونظر إليها بعشق صادق وقال:
“انتي حبيبتي، وعمري وأجمل ما فى حياتي.”
أمسكت يده وأرغمته أن يتحرك معها نحو سيارتها وهي تقول:
“طيب يلا يا حبيبي، اتفضل سوق أنت العربيه، وأنا هفضل أملي عيوني منك، لحد ما نوصل البيت.”
صعدا السيارة، وأدار همام المحرك، وانطلقت بهما نحو الحارة التي نشأ فيها، حيث الأزقة الضيقة تعج بالحياة، والأصوات المتداخلة تحمل دفء البساطة.
توقف أمام البناية القديمة، ونظر إليها بشيء من الحرج وقال:
“هو ده البيت، لو حاسه أنك مضايقة ممكن تمشي عادي.”
نظرت إليه نظرة طويلة، فيها عتاب رقيق، ثم ترجلت من السيارة دون أن ترد، واتجهت نحو محل صغير قريب، وقالت بابتسامة مشرقة:
“السلام عليكم يا عم عزوز، مش اسمك كده صح؟”
أومأ الرجل مبتسمًا:
“وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، صح يا بنتي، ما الإسم مكتوب على اليافته أهو.”
قالت بسعادة طفولية:
“عايزة حلويات كتير.”
ثم أشارت إلى همام قائلة:
“شايف الأخ ده؟ أبقى حاسبوا عليهم بقى.”
ضحك الرجل وقال:
“إنتي تأمري يا ست البنات.”
وضعت يدها في ذراع همام وهي تهمس بمزاح:
“شخلل عشان تعدي.”
تعالت ضحكاته على كلماتها، ودفع النقود، وأخذ منه كيس الحلويات وأعطاها لها، أخذته بسعادة، وصعدوا معًا إلى الأعلى.
فتح همام الباب، فأستقبلته والدته بترحاب دافئ، ثم وقعت عيناها على عهد، فبدت الدهشة لحظة في ملامحها، قبل أن تغمرها بحضن حنون:
“منورة يا بنتي اتفضلي.”
تمسكت بها عهد بسعادة وقالت:
“إنتي ماما حليمة مش كدة؟”
أومأت بحب:
“ايوه أنا يا حبيبتي، كلمة ماما طالعه منك زي السكر.”
ابتعدت عنها بخجل:
“أنا آسفه يعني لو قولتها ليكي من غير استئذان.”
هزت رأسها رافضة:
“متتأسفيش يا حبيبتي، ده أنا حبيتها منك أوي.”
ثم أشارت لها بالدخول.
“أتفضلي يا بنتي.”
نظر همام إلى والدته بتوتر، لكنه لم يحتاج للكلام، فقد قالت له بهدوء وابتسامة مطمئنة:
“مش محتاجه أعرف دي مين، عيونك قالت كل حاجة يا حبيبي، ربنا يسعدكم يارب، أنا حبيتها وهي تستاهل الحب اللي فى قلبك ليها، أدخلها مينفعش تسيبها لوحدها، وأنا هروح أحضركم الأكل.”
قبل رأسها بامتنان، ثم دخل.
وجد عهد تقف أمام الصور المعلقة على الحائط، تتأمل تفاصيل حياته، اقترب منها وأشار قائلاً:
“دي صورة بابا الله يرحمه، ودي صورة اختي متجوزة وعايشه فى شقة صغيرة مع حماتها ومعاها ولدين.”
ابتسمت له وقالت بصدق:
“أختك، شبهك أوي، عارف، أنا بحسد كل اللي حواليك علشان عاشوا معاك كل لحظة فى عمرك.”
اقترب منها وهمس:
“وأنا عمري ابتدا وإنتي معايا يا عهد، واللي فات من عمري وإنتي مش فيه، ملهوش أي قيمة.”
ابتسمت بسعادة وقالت بدلال:
“أنا عايزة أشوف اوضك يا همام، بليز علشان خاطري.”
أشار إلى الباب المقابل، فركضت نحوه كطفلة متحمسة، دخلت الغرفة، وتأملت كل شيء فيها بإعجاب، لم تر فقرًا ولا تواضعًا، رأت همام فقط.
وقفت عند خزانة ملابسه، ثم عند عطره، تستنشق رائحته بعشق صريح، قبل أن تجلس على سريره، تمرر يدها ببطء فوق الغطاء، كأنها تشعر بوجوده.
كان يقف عند الباب، يراقبها بصمت، ويده داخل جيب بنطاله. قال أخيرًا بمزاح يخفي اضطرابه:
“ولما أتجنن دلوقتي وأدخل واقفل الباب علينا وأعمل حاجه يرفضها الدين والمجتمع هيحصل حاجه؟”
ابتسمت بثقة ناعمة:
“بس أنا واثقه فيك، وعارفه لو حصل إيه، هتحافظ عليا حتى من نفسك.”
ضغط بأسنانه على شفته السفلى وقال بنفاذ صبر:
“بت انتي ناوية تجنني، بتقيدي النار فيا بأقل مجهود منك، وبعد كده تطفيني بكلمتين منك.”
اقتربت منه وهمست:
“لو عايز تطفي ناري ونارك يبقى بالحلال، اتقدم ليا ونتجوز وسعتها نبقى نجيب عربية المطافي لينا احنا الاتنين.”
تغيرت ملامحه فجأة، وابتعد عنها إلى الخارج.
لحقت به ووضعت يدها على كتفه:
“مالك يا همام ليه اتغيرت فجأة كده.”
تكلم بصوت مثقل:
“تفتكري ابوكي هيوافق عليا؟ هيرضى بنته تعيش فى مستوى زي ده؟”
أجابته بثقة:
“طبعا هيوافق مدام أنا موافقة، ايه هيخليه يوقف قصاد سعادة بنته؟”
حرك رأسه بعدم اقتناع وقال:
“ده كلام أفلام وروايات بس يا عهد مجرد خيال، إنما الحقيقة بقى، مافيش أب هيقبل يعيش بنته حياة زي دي، خصوصًا، انها متعودة تعيش حياة ترفيهية.”
حركت رأسها بالرفض وقالت:
“لا طبعا مش خيال يا همام، وانا سبق وقلتلك، ميهمنيش الفلوس ولا المظهر ولا الحياة الترفيهية، أنا كل اللي يهمني هو أن أفضل جنبك، وبابي مدام شايف سعادتي معاك مستحيل يرفض.”
هز رأسه بعدم اقتناع، لكن صوت والدته سبقهما:
“يا حبيبي هي عندها حق، مدام صاحبة الشأن موافقة وقابلة تعيش معاك فى أي مكان، يبقى مستحيل ابوها يرفض، الفلوس مش كل حاجه، فيه السعادة وراحة البال اهم منها مليون مرة.”
اندفعت عهد نحوها تحتضنها بسعادة:
“الله عليك يا حبيب والديك، هو ده الكلام السكر من الناس السكر، بحبك يا حليمو.”
ربتت حليمة على ظهرها بحنو:
“ربنا يسعدكم يا حبيبتي ويقرب ليكم البعيد ويجمعكم على خير مع بعض.”
وقف همام ينظر إليهما، وابتسامة امتنان صادقة ترتسم على وجهه.
في تلك اللحظة، شعر أن الدنيا بأكملها قد تكون ضده، لكن وجود هاتين المرأتين في حياته كاف ليجعله يقاتل.
*************************