رواية جديدة جدا 1
بالمــساء…
عادت عهد إلى الفيلا، وما إن دلفت إلى الداخل حتى وجدته جالسًا في الصالة، بوجه متجهم ونظرات لا تبشر بالخير، خفق قلبها بقلق، لكنها حاولت أن تخفي ارتباكها بابتسامة متوترة وهي تقول:
“مساء الخير يا بابي، ايه مصحيك لحد دلوقتي؟”
لم يبادلها الابتسامة، بل نظر إليها نظرة صارمة وقال بصوت غاضب:
“اللي اسمه همام ده حكايتك ايه معاه؟”
جف حلقها فجأة، وابتلعت ريقها بصعوبة، تقدمت بخطوات بطيئة وجلست أمامه، تحاول أن تبدو ثابتة رغم ارتجافها الداخلي.
“م مافيش، م مجرد زميل م مش اكتر.”
هز رأسه رافضًا، وحدق بها بنبرة حادة تخترق دفاعاتها:
“كدابه مكانش واضح انها مجرد صداقه، غير اصلاً مينفعش تكوني زمايل فى الشركة، لانك بنت صاحبها يعني شركتك، ازاي هيحترموكي بعد كده لما تمسكي الشركه بعد موتي؟”
ارتفع رأسها فجأة، وفي عينيها ضيق لم تستطع إخفاءه، قالت بصوت مختنق لكنه ثابت:
“وفيها ايه يا بابي؟ هما الموظفين دول مش بشر زينا، وليهم فضل كبير على الشركة دي؟ لولاهم مكانتش هتكون فى المستوى ده، بابي احنا كلنا ولاد حوا وادم يعني مافيش حاجه اسمها غني ولا فقير، ولا فيه حاجه اسمها من مستوانا أو مش من مستوانا ربنا خلقنا من طين، الطبقات دي، الانسان هو اللي اختراعها.”
ضرب بيده على الطاولة أمامه بقوة، فارتجفت هي في مكانها، وقال بلهجة تحذيرية قاطعة:
“عهد! متخلنيش اتبع معاكي اسلوب مش هيعجبك، اياكي اشوفك واقفه مع اللي اسمه همام ده، ولا أي موظف غيره، حتى اللي اسمها ملك دي ملكيش دعوه بيها، اعرفي مقامك انتي ايه، ومقامهم هما ايه.”
انكسرت نظرتها للحظة، وتجمعت الدموع في عينيها، لكنها تماسكت ونهضت ببطء، وصوتها يخرج مثقلًا بالألم:
“حاضر يا بابي، تصبح على خير.”
اتجهت نحو الدرج بخطوات متثاقلة، تشعر أن كل درجة تصعدها تثقل صدرها أكثر، لكنها توقفت فجأة عندما شق صوته سكون المكان:
“اعملي حسابك ترجعي بكرة بدري، عندنا عزومة فى فيلا فريد الهواري، ابنه رجع امبارح من امريكا وعايز يخدك ليه.”
اتسعت عيناها بصدمة واضحة، واستدارت نحوه سريعًا تهز رأسها برفض قاطع:
“مش موافقة يا بابي، أنا مش بفكر فى الجواز دلوقتي.”
هدر بها بغضب لم يترك مجالًا للنقاش:
“أنا اديت الراجل كلمة خلاص، اتفضلي على اوضك.”
لم تستطع أن تحبس دموعها أكثر. نظرت إليه نظرة ممتلئة بالخذلان، ثم ركضت إلى الأعلى، دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، كأنها تحاول أن تحتمي من العالم بأسره، ثم ارتمت على سريرها، ودفنت وجهها في الوسادة، تبكي بوجع وحزن لم تعرف لهما مثيلًا.
كانت تشعر أن قلبها ينتزع منها انتزاعًا، بين حب يتمسك بها، وواقع يفرض عليها قسرًا.
********************
في حارة من عشوائيات القاهرة،
كان الليل قد أرخى سدوله على الأزقة الضيقة، حيث تتشابك البيوت المتواضعة كأنها تتكئ على بعضها خوف السقوط، سار همام بخطوات مثقلة، يلقي التحية على كل من يصادفه بصوت خافت، يخفي خلفه انكسارًا لا يراه أحد.
وصل إلى بنايته القديمة، صعد الدرج ببطء، ثم دلف إلى الشقة الصغيرة. ألقى السلام على من في الداخل، واتجه مباشرة إلى غرفته، أغلق الباب خلفه، وألقى بنفسه على السرير كمن أرهقه حمل أثقل من طاقته.
حدق في السقف طويلًا، تتردد في أذنيه كلمات عهد، وصورتها لا تفارقه. كان الألم يعتصر قلبه، لأنه رأى الفارق بين عالمه وعالمها، ورأى نفسه في عيني والدها مجرد رقم لا أكثر.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء، ودخلت والدته بابتسامة حنونة تسبقها، اعتدل سريعًا في جلسته، محاولًا أن يخفي ما به، وقال بنبرة مختنقة:
“تعالى يا حبيبتي اقعدي، ايه مصحيكي لحد دلوقتي؟”
جلست إلى جواره، وربتت على يده بحنان اعتاده منها منذ صغره، وقالت:
“صليت العشا وقلبي كان قلقان عليك قولت استناك تيجي اطمن عليك وبعد كده ابقى أنام.”
انحنى يقبل يدها بحب خالص، وقال ممتنًا:
“ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك يا ست الكل.”
تأملته طويلًا، كأنها تقرأ ما يخفيه، ثم سألت برفق:
“مالك يا قلب امك؟ زعلان ليه؟”
تنهد بوجع، وحاول أن يرسم ابتسامة واهنة على شفتيه.
“مافيش يا حبيبتي، تعبان بس شوية من الشغل.”
رفعت يدها تمسح على خده بحنان أمومي خالص، وقالت بصوت دافئ:
“متشيلش هم يا قلب امك، سيبها على ربنا واللي عايزة هيكون.”
اهتز داخله شيء ما، ونظر إليها بعينين غلبهما الانكسار، وقال بصوت خرج مثقلًا:
“أنا عمري ما بصيت أعلى مني، طول عمري راضي بحالي وظروفي، لحد ما ظهرت هي، اتمنيت لو كان عندي فلوس، لو كان حالي غير كده، علشان اقدر ابقى معاها، الفقر وكسرت النفس وحشه اوي يا أمي.”
ابتسمت له ابتسامة هادئة، كأنها تطمئنه قبل أن تجيب، وقالت بحكمة صافية:
“لا عاش ولا كان اللي يكسر نفسك يا حبيبي، ربنا لما وزع الأرزاق وزعها على عبادة بالتساوي، مظلمش حد بس الرزق هنا مش فلوس بس، فيه رزق فى الصحه، رزق فى القلوب الصافيه، رزق فى العيلة، رزق فى الاولاد، رزق فى الفلوس، كل دي ارزاق متوزعه على اصحابها، علشان كده مهما كان احمد ربنا على اللي فى ايدك وخليك واثق أن ربك العدل الرزاق.”
انساب إلى قلبه شيء من السك..ينة مع كلماتها، وكأنها بلسم خفي يهدئ جراحه، ابتسم لها بإمتنان، وقبل يدها مرة أخرى وقال:
“ونعم بالله، ربنا يخليكي ليا، انتي أجمل رزق ربنا كرمني بيها.”
ابتسمت بحب صادق، وقالت بدعاء خرج من قلبها:
“ربنا يريح قلبك يا ابني ويرزقك الراحه والسك..ينة.”
نهضت بهدوء، واتجهت نحو الباب، ثم خرجت وأغلقته خلفها برفق.
ظل همام ينظر إلى أثرها لحظات، يتنفس بعمق، يحاول أن يجمع شتات نفسه. تنهد بألم مكتوم، ثم نهض متثاقلًا، واتجه إلى المرحاض، عل الماء البارد يطفئ شيئًا من نار تشتعل داخله، نار حب يخشى أن يحرقه.
*************************
“الفصل الثاني”
في صباح اليوم التالي…
وصلت عهد إلى مقر الشركة في اللحظة ذاتها التي وصل فيها همام، تقابلت خطواتهما عند مدخل المصعد، فتوقفا ينتظران في صمت ثقيل، كأن الكلمات تخشى الخروج بينهما.
كان الهواء مشحونًا بشيء غير مرئي، شيء يشبه العتاب المكبوت، لم يلتفت إليها، ولم تجرؤ هي على كسر المسافة بينهما.
وصل المصعد أخيرًا، فدلفا إلى الداخل، انغلق الباب عليهما، ليجد كل منهما نفسه أسير تلك المساحة الضيقة، وأسير ما في قلبه.
مد همام يده وضغط على الزر، بينما كانت عهد تراقبه بنظرات حزينة يملؤها رجاء صامت، ترددت لحظة، ثم خرج صوتها مختنقًا:
“مفكرتش فى كلامي يا همام؟”
أجابها دون أن ينظر إليها، وكأن النظر في عينيها سيضعف موقفه:
“قلتلك مينفعش يا استاذة عهد، وياريت تقفلي على الموضوع ده خالص.”
أغمضت عينيها لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا تحاول به أن تثبت قلبها المرتجف، ثم قالت بنبرة موجوعة:
“فيه عريس طلب أيدي، وبابي موافق عليه، بس أنا مش عايزة غيرك أنت.”
كلماتها أصابت قلبه كسهام دقيقة، شعر بوخزة حادة في صدره، لكنه ظل صامتًا، متصلب الملامح، وكأن الصمت درعه الأخير.
انتظرت رده، وحين طال صمته، قالت بصوت أقرب إلى الرجاء:
“ساكت ليه يا همام؟ اتمسك بيا، زي ما أنا متمسكة بيك، قولي كلمة واحده، تطمني وتخليني اقف قصاد العالم كله علشانك.”
وفي تلك اللحظة، توقف المصعد معلنًا وصوله، انفتح الباب ببطء، كأن القدر نفسه يمنحه فرصة أخيرة، لكنه لم يغتنمها.
خرج صوته حزينًا، منكسرًا، يحمل وجع رجل يدفن قلبه بيديه:
“مبروك يا انسه عهد، ربنا يسعدك.”
ثم تحرك بخطوات ثابتة نحو مكتبه، تاركًا خلفه قلبًا يتهاوى.
وقفت عهد في مكانها لحظة، تحدق في أثره بعينين غمرتهما الدموع، أطلقت تنهيدة حارة كأنها تفرغ بها ما في صدرها من خيبة، ثم استجمعت شتاتها، واتجهت إلى مكتبها، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن شيئًا بينهما قد انكسر، وربما إلى الأبد.
************************