رواية جديدة جدا 1

بالمساء…
الفيلا كانت مضاءة بالكامل، كأنها تستعد لاحتفال، لكن الجو لم يكن احتفالًا، كان أشبه بمحاكمة.
تجمعت العائلتان في صالون رياض، الأحاديث سطحية، الضحكات مصطنعة، وكل شيء يبدو مرتبًا أكثر من اللازم، وكأنهم يحاولون تغطية توتر خفي.
بعد الاتفاق الرسمي، التفت رياض إلى الخادمة وقال ببرود:
“أطلعي هاتي عهد.”
صعدت الخادمة الدرج مسرعة، طرقت الباب مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثًا.
“آنسة عهد؟ آنسة عهد افتحي.”
لا رد، وضعت يدها على المقبض، حاولت فتحه، لكنه كان مغلقًا من الداخل.
بدأ القلق يتسلل إلى صوتها، وطرقت بقوة أكبر:
“آنسة عهد.”
ثم صرخت فجأة، بصوت ارتجف فيه الخوف الحقيقي:
“رياض باشا ألحق، الانسه عهد مش بترد عليا وقافله الباب من جوه!”
انتفض رياض من مكانه كأن صاعقة ضربته، وركض نحو الدرج، تبعه أسر بخطوات سريعة متوترة.
وقف رياض أمام الباب يطرق بقوة، وصوته خرج لأول مرة خاليًا من السيطرة:
“عهد! افتحي الباب!”
لكن الصمت كان ثقيلًا، مخيفًا.
اقترب أسر، وبدأ يضرب الباب بقبضته:
“افتحي يا عهد، افتحي احسنلك، هكسر الباب والله!”
لا شيء، ابتعد رياض خطوة، أشار بيده بعصبية:
“اكسروا الباب!”
اندفع الرجال، وبدأت الضربات تتوالى، حتى انكسر القفل وانفتح الباب بعنف.
دلفوا جميعًا، وتجمدوا.
كانت ملقاة على الأرض، بجوار السرير، جسدها ساكن تمامًا، وشعرها منسدل حول وجهها، ويدها ممتدة على الأرض.
ركض أسر إليها أولًا، انحنى بجوارها، وربت على وجهها بخفة:
“عهد، عهد!”
لكن لا استجابة، تحسس نبضها بقلق، فتنفس براحة خفيفة حين وجده موجودًا.
مال بجسده وحملها بين ذراعيه بسرعة، ونزل بها الدرج، ورياض خلفه، وجهه شاحب لكنه متماسك ظاهريًا.
وضعت في السيارة، وانطلقت بهم نحو المشفى، الطريق بدا أطول من المعتاد، وصوت أنفاس أسر كان أعلى من صوت المحرك.
بعد وقت…
وقفوا أمام باب غرفة الطوارئ.
حملها أسر مرة أخرى، وكأنها شيء هش قد ينكسر بين يديه، ووضعها على السرير.
جاء الطبيب سريعًا، بدأ يفحصها بدقة، تحت نظرات متحفزة من رياض، وأخرى غاضبة متوترة من أسر.
مرت دقائق بدت كساعات.
أخيرًا، اعتدل الطبيب ونظر إليهما بوجه مهني خالي من العاطفة:
“عندها صدمة عصبية شديدة، شكلها اتعرضت لصدمة كبيرة.”
تبادل أسر نظرة سريعة مع رياض، نظرة تحمل اتهامًا صامتًا.
ثم عاد بعينيه للطبيب:
“طيب المفروض ايه يحصل دلوقتي؟”
رد الطبيب بهدوء:
“أنا اديتها حقنة مهدأة، ومش هتفوق غير تاني يوم، بعدها هنشوف حالتها مستقرة ولا محتاجة تدخل أكبر، بس هي أكيد محتاجة دكتور نفسي يتابع معاها، عن إذنكم.”
خرج الطبيب، وأغلق الباب خلفه.
ساد صمت ثقيل.
نظر أسر إلى رياض، ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح، وقال بتهكم بارد:
“شكلي رميت فلوسي على الأرض يا رياض.”
ارتبك رياض قليلًا، لكنه تماسك سريعًا:
“لا خالص، اللي بيحصلها ده طبيعي، وكان متوقع، الولد ده عرف يعلقها بي كويس أوي، أنا عملت اللي عليا، وبعدتها عنه وبقت ليك، الباقي ده بتاعك أنت.”
نظر أسر إلى عهد وهي نائمة، وجهها شاحب، ملامحها هادئة بشكل مخيف.
ضغط على أسنانه، وصوته خرج منخفضًا لكنه مليء بالوعيد:
“ما هي لو مبقتش ليا برضاها، أنا هعرف أخليها ازاي تبقى بتاعتي غصب عنها.”
اقترب من السرير ببطء.
أمسك يدها الباردة، وفتح علبة صغيرة كان يحتفظ بها في جيبه.
أخرج خاتم الخطبة.
لحظة صمت قصيرة، ثم أدخله في إصبعها، لم تتحرك، لم تعترض، لم تبكي.
نظر إلى رياض بعينين تحملان تحديًا صريحًا، وقال:
“مفهوم.”
أومأ رياض برأسه بتوتر:
“مفهوم.”
ثم خرجا من الغرفة، وأغلق الباب خلفهما.
وبقيت عهد وحدها، جسد ساكن على سرير أبيض، وخاتم يلمع في إصبعها، كأنه قيد جديد، ألبس لها وهي غائبة عن الوعي.
************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *