رواية جديدة جدا 1
باليوم التالي…
عاد همام إلى الحبس، لكن شيئًا داخله لم يعد كما كان.
كان يمشي بخطوات بطيئة، كأن الأرض أثقل من المعتاد، وصدره مشدود بانقباضة غريبة لا تفسير لها.
لم تأتي كما وعدته.
قالت له بصوت مرتجف إنها ستعود، وستطمئنه، وستجد حلًا، لكنها لم تأتي.
جلس في ركنه المعتاد، وأسند رأسه إلى الحائط البارد، وأغمض عينيه لحظة.
خرجت منه تنهيدة حارة، تشبه أنينًا مكتومًا.
“يارب طمني عليها.”
لم يكن خائفًا على نفسه، كان خائفًا عليها.
وفي تلك اللحظة، سمع صوتًا غليظًا من خلفه، صوت رجل لم يكن من المعتادين على الكلام معه:
“انساها، هي أصلًا من الأول مش ليك، ودلوقتي في إيديها خاتم راجل غيرك.”
فتح عينيه ببطء، وكأن الجملة احتاجت وقتًا لتصل إلى وعيه.
استقام بجسده فجأة، والتفت إليه، ونبرة صوته خرجت حادة:
“انت بتقول ايه؟ وقصدك على مين؟”
اقترب الرجل خطوة، وجهه بلا تعبير، لكن عينيه تحملان شيء مستفز:
“بقولك انسى عهد خلاص، هي نسيتك وبقى في إيديها خاتم راجل غيرك، بيحبها وهيقدر يعيشها في المستوى اللي اتعودت عليه.”
تجمد همام لثانية، ثم انفجر.
اندفع نحوه، وأمسكه من ياقة ملابسه بقوة، حتى كادت أصابعه تخترق القماش:
“اسمها ميجيش على لسانك يا حيوان! أنا متأكد إن أبوها اللي بعتك ليا، بلغه إنه مهما عمل، أنا وعهد مش هنبعد عن بعض، أنا ليها، وهي ليا، فاهم؟!”
كانت عروقه بارزة، وصوته يهتز بالغضب، لكن خلف الغضب، كان هناك خوف.
دفعه بقوة بعيدًا عنه.
ترنح الرجل قليلًا، ثم ابتسم بسخرية باردة:
“والله انت حر، تصدق أو متصدقش، بس هي مخطوبة لراجل لو شافك قصاده هيفعصك بجزمته، ولو عايز مصلحتك وعايز تخرج من هنا سليم، شيل عهد من دماغك، أنا بلغتك الرسالة، فكر في كلامي كويس، ومتبقاش غشيم.”
أنهى كلماته، واستدار مبتعدًا، تاركًا خلفه صدى الجملة الأخيرة.
وقف همام مكانه، أنفاسه متسارعة، وقلبه يدق بعنف.
خاتم؟
مخطوبة؟
هز رأسه بقوة، كأنه يريد أن يسقط الكلمات من داخله.
“لا، مستحيل، عهد متعملش كده، أنا عارفها، عارف حبها ليا.”
جلس على الأرض ببطء، وأسند رأسه إلى الحائط مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن هادئًا.
كان يهز رأسه نافيًا، يهمس لنفسه:
“أبوها بيقول كده علشان يبعدنا عن بعض، أكيد بيكسرني بس، هي وعدتني، أيوة وعدتني.”
لكن رغم إنكاره، كان هناك شيء صغير داخله بدأ يتصدع.
ليس شكًا فيها، لكن خوفًا عليها.
لأنه يعرف رياض.
ويعرف أن الرجل الذي يستخدم الشك ك..سلا..ح، لن يتردد في استخدام أي س..لاح آخر.
************************
بدأت عهد تحرك رأسها ببطء شديد،
كأن كل حركة تكلفها عمرًا.
ألم ثقيل يجوب جسدها، ليس ألمًا جسديًا فقط، بل ذاك النوع الذي يبدأ من القلب ويصعد حتى يضغط على عينيها.
فتحت عينيها بصعوبة، الرؤية ضبابية، السقف أبيض، الرائحة رائحة مطهرات.
حركت عينيها ببطء أكثر، حتى توقفت.
كان يجلس هناك، على الأريكة المقابلة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ظهره مستند، ينظر إليها بثبات مزعج، كأنه كان ينتظر لحظة إفاقة فريسته.
صوتها خرج ضعيفًا، متحشرجًا:
“أنا فين؟ وانت بتعمل ايه هنا؟”
لم يرد فورًا.
استقام بجسده ببطء، وكأن الحركة محسوبة، ثم تحرك نحوها بخطوات واثقة، وجلس على المقعد أمام سريرها، مال قليلًا للأمام، عينيه لا تترك وجهها.
وتكلم بنبرة منخفضة، لكنها مخيفة:
“اوعي تكوني مفكرة إنك هتقدري تبعدي عني بسهولة، أنا أسر الهواري، واللي يعجبني مش بسيبه غير لما أوصل للي أنا عايزة، بأي طريقة. فهمتي؟”
نظرت له، نظرة مليئة بكراهية لم تحاول إخفاءها.
رغم ضعفها، كان صوتها واضحًا:
“أنا بكرهك، والموت عندي أهون من إني أكون مع واحد شبهك.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة، لا تهتز.
مد يده فجأة، وأمسك يدها، رفعها أمام عينيها، وهنا رأت الخاتم في إصبعها.
تجمد الدم في عروقها.
تكلم بتهكم واضح:
“بس انتي فعلًا بقيتي بتاعتي، وأسبوع بالكتير، وهتكوني في حضني، على سريري.”
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، كأن الكلمات صفعتها، حاولت تسحب يدها بعنف، تحاول نزع الخاتم، لكنه شد على أصابعها بقوة حتى تألمت.
اقترب أكثر، وصوته أصبح أشد:
“الخاتم ده، لو اتقلع من إيدك، في نفس اللحظة هيجيلك خبره، وهحرق قلبك عليه.”
توقفت، لم تعد تحاول، عينها على
الخاتم، ثم على وجهه، ثم عادت للخاتم.
خاتم، مقابل عمر همام، المعادلة واضحة.
الدموع بدأت تتساقط بصمت، لكنها لم تصرخ هذه المرة.
رفعت نظرها إليه وقالت بصوت ثابت رغم انكساره:
“يعني انت اللي نفذت مع بابي المؤامرة، تمام، أنا موافقة، بس همام يخرج قبل ما اسمي ينكتب على اسمك.”
تأملها للحظة، كأنه يزن صدقها.
ثم ابتسم بلؤم:
“موافق، بس اوعي دماغك توزك، تروحي ليه بعد ما يخرج، علشان وقتها، هحرق قلبك عليه، وعلى أبوكي، فاهمة؟”
أومأت برأسها بقوة، والدموع لا تتوقف:
“فاهمة، ممكن أمشي؟ لو سمحت.”
وقف، عدل ياقة قميصه، وقال بنبرة متعالية:
“قومي غيري الهدوم دي، وأنا هدفع حساب المستشفى.”
ثم تحرك نحو الباب، فتحه، وخرج، وأغلقه خلفه.
سادت الغرفة لحظة صمت.
نظرت عهد إلى الباب، ثم إلى يدها.