اخويا اتجوز ومعزمنيش 1
أخويا اتجوز وأنا محدش عزمني: “مراتي مش عايزاكي هنا، وشايفاكي تصعبي على الكافر.” ورداً على ده، ألغيت شهر العسل بتاعه، وبعت شقته، وقطعت كل علاقة ليا بيه.
أنا اسمي مي. عندي 38 سنة. وأخويا يوسف عنده 29 سنة. بيننا 9 سنين، بس بحسهم زي العمر كله.
عرفت الخبر من على إنستجرام. أخويا الصغير يوسف كان واقف ببدلة وبيكحكح ويكلم واحدة بطرحة وفستان أبيض. الكابشن كان مكتوب عليه: “الأستاذ وحرمه يوسف الشناوي. إمبارح.” هو اتجوز إمبارح.
إيداي كانت بترتعش لدرجة إن التليفون وقع مني على الأرض. شيلته ورنيت عليه. جرس.. وبعدين فويس ميل. رنيت تاني. فويس ميل. رنيت 10 أو يمكن 15 مرة لحد ما حد قرر يرد أخيراً.
ما كانش صوت يوسف. كانت هي.
—بطل زن ورن يا مي، —قالتها، وصوتها كان طالع بارد كالتلج.
—فين يوسف؟ وليه؟ ليه محدش عزمني؟
سمعت صوت أخويا مكتوم في الخلفية، بس ما رضيش ياخد التليفون ويكلمني. سابها هي تتكلم.
ندى ضحكت. كانت ضحكة حادة وقذرة.
—اسمعي نفسك أنتِ عاملة إزاي! أنتِ تصعبي على الكافر و‘صعبانة على نفسك’! —قالتها—. أحنا مش عايزينك هنا. دي حياتنا أحنا دلوقتي.
وبعدين قفلت السكة في وشي بالبساطة دي.
15 سنة من عمري، كل حاجة ضحيت بيها عشانه، كل حاجة اتخليت عنها.. كلها اتهدت واتكسرت. أنا ما بقيتش أخته خلاص.. بقيت مجرد واحدة “تصعب على الكافر”.
بس قبل ما أقولكم إزاي كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب، اعملوا لايك واشتركوا في القناة، وسيبوا كومنت بتشوفونا منين؟
أنا اسمي مي، عندي 38 سنة، وأخويا يوسف عنده 29 سنة. بيننا 9 سنين بس بحسهم عمر كامل.
لما أمتنا اتوفت، كنت أنا عندي 23 سنة، ويوسف كان عنده 14 سنة بس. لسة فاكرة لما كنت واقفة في الجنازة وبتبص عليه. كان عيل رفيع وغرقان في بدلة واسعة عليه ومبهوقة على كتافه. ما كانش بيعيط، كان باصص وسرحان بس.. كان ضايع. أبونا كان خالع من حياتنا من سنين، كان مجرد طيف وخيال. طول عمرنا إحنا التلاتة بس، وفجأة بقينا إحنا الاتنين بس.
كنت في أخر سنة ليا في كلية تربية، بدرس عشان أطلع مدرّسة تاريخ. كان عندي خطيب، وكان عندي خطط ومستقبل. بصيت ليوسف وهو ماسك الورقة اللي عليها صورة أمي في الجنازة، وفي ثانية واحدة عرفت إن كل خططي طارت في الهواء.
سحبت أوراقي من الكلية الأسبوع اللي بعده على طول. الكلية قالتلي ممكن تؤجلي، بس أنا كنت عارفة إني عمر ما هرجع تاني. بعت كتبي، وسيبت خطيبي، وأخدت يوسف وعزلنا من شقتنا الغالية لشقة إيجار صغيرة أوضتين وحمام في شبرا حيطانها بتشف الصوت.
ونزللت اشتغلت. اشتغلت جرسونة في مطعم فول وطعمية من 6 الصبح لحد 2 الضهر. وبعدها أطلع على شغلانة حسابات لسباك في المنطقة من 3 العصر لحد 9 بالليل. كنت برجع البيت رجليا بتتخلع وريحة هدومي طالعة زيت وطعمية وقهوة، وبرضه أعد مع يوسف أراجعله واجبه.
—ذاكرت لاختبار الرياضة؟ —أسأله.
—أه، أي كلام خلاص، —يرد وهو متنح في الفيديو جيمز.
—ما تقوليش أي كلام يا يوسف! وريني كشكولك!
يتنهد تنهيدة درامية من بتاعة المراهقين دي، ويقولي إني زننانة وبضايقه، ويقولي إني مش أمه. وكان عنده حق.. أنا ما كنتش أمه. أمي كانت حنينة وصبورة، لكن أنا كنت تعبانة.. بنت عندها 23 سنة وحاسة إني عندي 50 سنة. أنا ما كنتش بربي أخ، أنا كنت بربي ابن وبطريقة غلط، بس أنا كنت كل حاجة فاضلاله في الدنيا.
قطعت عهد وسر بيني وبين نفسي لروح أمي: “أنا مش هسيبه يضيع.. هخليه يعيش الحياة اللي كنتِ بتحلمي بيها عشانه.”
فشديت على نفسي. دفعت ثمن أكله، هدومه، أدواته المدرسية. لما حب يشترك في نادي الكورة دفعت الاشتراكات. لما جاله قطع في الرباط الصليبي دفعت مصاريف المستشفى والعملية. اشتغلت في الويك إند، وفي الأعياد. ما خرجتش، ما اتعرفتش على حد.
عشريناتي اختفت واتفرطت في شيفتات ورا بعض، وفواتير كهربا ومية، واجتماعات أولياء الأمور اللي كنت دايماً أصغر حد قاعد فيها.
يوسف كبر، وكان ذكي وشاطر ودمه خفيف، واتعود على الوضع ده.. اتعود إني أنا شبكة الأمان بتاعته. عمره ما شال هم فلوس، ولا شال هم الأكل هييجي منين. هو كان بيعيش ويطلب بس، وأنا اللي بأمّن وبوفر.
جاله قبول في هندسة عين شمس، وكانت غالية ومصاريف سكن وملازم. فاكرة لما شفت الفاتورة الحقيقية مش التقديرية.. كانت فلوس أكثر من اللي شفتها في حياتي كلها.
بعت شقة أمي.. الشقة اللي كبرنا واتولدنا فيها. كنت مأجراها عشان أحافظ عليها، بس ما كانش كفاية. بعتها، وبعت دهب أمي، دبلتها، وحلقها الألماظ، وحطيت كل جنيه في تعليمه.
كان بيبقى حنين ولطيف لما يعوز حاجة. كان يكلمني من السكن في الجامعة ويقولي: “أنتِ أحسن أخت في الدنيا يا مي، أنا ما كنتش هعرف أعمل أي حاجة من غيرك.”
الكلمتين دول كانوا البنزين بتاعي.. كنت عايشة عليهم. كنت باكل أردأ نوع مكرونة ولابسة جزمة مقطوعة ونعلها دايب، بس أخويا هيركب ويبقى مهندس قد الدنيا.. وأنا نجحت في ده.
اتعرف على ندى في أخر سنة ليه في الكلية. كانت “مبهرجة”.. دي الكلمة الوحيدة اللي توصفها. كانت بتدرس تجارة وعايزة تبقى بلوجر وإنفلونسر. تنزل صور لكل حاجة: أكلها، هدومها، طريقة حياتها. كانت تبصلي وأنا لابسة بلوزتي المنسولة بقالها 5 سنين وتبتسم.. ما كانتش ابتسامة طيبة، كانت ابتسامة تقليل وتقييم صفراء.
يوسف اتغير. بدأ يتكلم عن الـ “براند” والمنظرة. بقى عايز عربية أنضف، وشقة أشيك. اتخرج واشتغل شغلانة كويسة، بس الفلوس ما كانتش بتيجي بسرعة كفاية عشان تعجب ندى. كانوا عايزين يعيشوا عيشة ملوكي.. عايزين شقة تمليك في التجمع.
أنا كنت بشيل القرش على القرش بقالي 15 سنة، محوشة كل جنيه زيادات. الفلوس دي كان المفروض تكون لمستقبلي ولتحويشة العمر.. مقدم لحياة أنا ما سمحتش لنفسي أعيشها لسة.
—ساعدينا بس في مقدم الشقة يا مي، —يوسف قالها لي—. والله هنردلك كل قرش، أوعدك.
فأديتهم الفلوس، بس كريدت بنكهم كان زبالة. ندى كان عليها أقساط وقروض متأخرة كتير، فالبنك رفض يديها أي قرض.
—مش راضيين يدونا القرض، —يوسف قالها وصوته مكسور، وندى كانت بتعيط وتتسهوك في الخلفية.
فعملتها.. واشتريت الشقة. مليون ونص. اسمي على العقد، واسمي في البنك.
—دي بس لحد ما تقفوا على رجلكم، —قلت لهم—. أدفعوا لي إيجار رمزي ونقول خلاص كده.
ده كان من 3 سنين. كانوا بيدفعوا الإيجار ده شهر وشهر لأ.. دايماً ناقصين، بس أنا كنت بكمل تحويش. يوسف كان دايماً نفسه يسافر أوروبا، أمي كانت وعدته إنها هتسفره، وده كان الوعد الوحيد اللي أنا ما حققتوش لسة.
ففتحت حساب تاني على جنب.. حساب تحويش سفر وسفريات. كنت بحط فيه 2000 جنيه كل شهر من غير ما أفوّت شهر واحد لسنين. ما قلتلوش حتى لما الحساب جاب 250 ألف، وبعدين عدى الـ 300 ألف جنيه. كان المفروض تبقى هدية تخرجه، بس لما اتعرف على ندى، بقت عشان سفرية جوازهم.
أنا كنت أخته، بس كنت أمه، وبنكه، وشبكة أمانه.. وهو راح اتجوز في يوم مشمس من غير ما يعرفني حتى! وساب مراته الجديدة تشيل التليفون وتقولي إن شكلِ يصعب على الكافر.
كنت قاعدة على بلاط المطبخ القديم بتاعي، والتليفون مطفي في إيدي. كلمة “تصعبي على الكافر” كانت معلقة في الجو وحجمها تقيل أوي. أكيد ده مقلب.. مقلب بضان ورخيص. يوسف بيحبني، أنا عارفة إنه بيحبني، هو بس ضعيف وندى ضاغطة عليه ومجبرة تعمل كده.
إيداي كانت لسة بترتعش، بس دوست على زِرار الاتصال تاني. كان لازم أسمع صوته هو.. كان لازم أسمعه يقولي إن ده سوء فهم وغلطة.
جرس واحد.. وندى ردت.
—يا لهوي! —زعقت وصوتها زي التلج—. أنتِ عايزة إيه؟ أنتِ مريضة ومراقيبانا ولا إيه؟
—ندى أرجوكي، —اترجيتها وصوتي اتكسر وطالع ضعيف—. أرجوكي خلي يوسف يكلمني.. الموضوع مش مضحك. إيه اللي بيحصل؟ أنا عملت إيه غلط؟
سمعت صوت مكتوم.. إيد محطوطة على السماعة. وسمعتها بتقول: “يا حبيبي الحق دي بتعيط.. شكلها يقطع القلب.” وبعدين صوتها بقى واضح تاني وحاد وعالي: “أنتِ على المايك يا مي، ويوسف واقف جنب اهو.. قولها يا حبيبي، قولها اللي اتفقنا عليه.”
سكوت طويل ومرعب.. استمر ييجي 10 أو 15 ثانية. كنت سامعة صوت نفسي، وبعدين صوته هو:
—مي، إهدي بقى وبلاش شغل دراما.
هي دي.. “إهدي”. مش أنا آسف، مش في غلطة حصلت.. مجرد “إهدي”.
—إهدي؟ —وشوشت بكسرة—. يوسف.. أنت اتجوزت! اتجوزت إمبارح وما قلتليش! أنا.. أنا أختك! أنا اللي مربياك! ليه؟ ليه بس؟
كنت بعيط خلاص.. دموع سخنة وساكتة نازلة على وشي، وكنت كارهة إنهم سامعين عياطي.
ندى دخلت في الكلام بقلة أدب:
—ليه؟ فعلاً عايزة تعرفي ليه؟ عشان أنتِ خانقاه! ده اللي بتعمليه! أنتِ متحكمة فيه طول حياته!
—متحكمة فيه؟ —كنت متلخبطة تماماً—. أنتِ بتقولي إيه؟ أنا دفعت إيجاره! دفعت ثمن أكله! دفعت مصاريف تعليمه! أنا اللي ربيته!
—بالظبط! —زعقت بعلو صوتها—. بتمنّي عليه وتستغليه! بتستخدمي الفلوس عشان تكتفيه كأنه كلب في رباط! أنتِ مش أخته، أنتِ متقمصة دور الأم بشكل مريض ومريب! الموضوع بقى يقرف! كل اللي بتعمليه إنك قاعدة فوق نفسه.. أكلت يا يوسف؟ دفعت دي يا يوسف؟ مع مين يا يوسف؟ ده راجل طول بعرض!
ما كنتش عارفة أتنفس.. كنت بدور على كلام أقوله بس مفيش كلام طالع:
—أنا كنت بحاول أساعد بس..
—أنتِ ما كنتيش بتساعدي! —صوت يوسف دخل في الكلام، وكان المرة دي أقوى وأحد—. أنتِ فعلاً خنقاني يا مي طول الوقت!
—أنا عندي 38 سنة، وأنت عندك 29 سنة يا يوسف، —وشوشتله.
—أنا راجل كبييير! —زعق فيه—. مش محتاجك تسألي عليا وتراقبيني كل يوم! ندى عندها حق.. أنا محتاج أعيش حياتي، محتاجين نعيش حياتنا!
سمعت صوت “تك” خفيفة كأنه إشعار، وبعدين صوت ندى اتغير وبقى أطرى.. سهوكة وكدب ينقط من كل كلمة:
—مي، أحنا بس عايزين اللي فيه الخير لينا كعيلة جديدة. أحنا كنا عارفين إنك هتخليها دراما، وعارفين إنك بتحاولي تخلي كل حاجة عنك أنتِ وعايشة دور الضحية.
فهمت الصوت ده كان إيه.. كانت بتسجل المكالمة! دي ما كانتش مكالمة تليفون.. ده كان “محتوى”! كانت بتسجل انهياري عشان معجبيها والمتابعين بتوعها يتفرجوا ويشوفوا قد إيه أنا شخصية سامة.
—أنتِ بتسجلي الكلام ده، —قلتها وما كانتش سؤال.
—وبمناسبة بقى اللي فيه الخير لينا يا حبيبي، —ندى كملت وكأنها مش شايفاني أصلاً—. قولها على فلوس حساب السفر!
يوسف برطم بكلام مش مفهوم، وندى طلعت تنهيدة مسرحية عالية:
—هو طيب زيادة عن اللزوم بصراحة.. الـ 300 ألف اللي محوشاهم عشان السفرية بتاعته دي، أحنا هناخدهم ونفكهم.
دمي اتجمد في عروقي:
—إيه؟ يوسف لا.. ما تعملش كده! دي لمستقبلك! دي بتاعة أمك!
—أحنا هناخدها نطلع بيها شهر عسل! —ندى أعلنت بتبجح—. شهر عسل حقيقي في المالديف! واللي يتبقى هندفع بيه القروض والأقساط المتأخرة عليا.. ده عدل ربنا، اعتبريها نقطتك ولديتك لينا في الفرح!
—ما تقدرواش تعملوا كده، —قلت بصوت ميت—. ده حساب تحويش مقفول للتعلّم والسفر.. هتتدفعوا غرامة كبيرة لو سحبتوها!
ندى ضحكت.. ضحكة عالية وحادة وقذرة:
—أحنا هنتصرف! أنتِ فاكرة نفسك ناصحة وذكية، بس أنتِ مش كده خالص.. نسيتي إنك سبتي الكلية عشان تشتغلي في محل طعمية؟
بس.. استخدمت الحاجة الوحيدة اللي اتخليت عنها وجيت على نفسي فيها عشانه، كس/لاح تضربني بيه. وسمعت أخويا.. الولد اللي ربيته على إيدي، ما نطقش بكلمة! ما دافعش عني، ما وقفهاش، ما قالهاش “كده زادت أوي”. كان شريك ساكت في إعدامي.
—أحنا هنعمل بلوك للنمرة دي دلوقتي، —ندى قالتها بفرحة مستفزة—. هنروح بقى نستمتع بجوازنا.. عيشي حياتك يا مي، أو باللي فاضل منها يعني!
السكة اتقفلت. قعدت على الأرض فترة طويلة. ما بقيتش بعيط خلاص.. كنت ساكنة. حاسة إني برة جسمي وببص على واحدة غريبة. قالت عليا “تصعب على الكافر”، وهو قال عليا خنقاه.. سرقوا فلوسي، سرقوا ماضيّ، سرقوا عيلتي.. وكانوا بيسجلوا ده، وكانوا فخورين بيه!
قمت وقفت.. رجليا كانت متخدرة. مشيت لحد الشماعة اللي جنب الباب وأخدت مفاتيح عربيتي. كان لازم أشوف وشهم.. كان لازم أشوف الولد اللي ربيته وبص في عينه وأسأله إزاي يعمل كده؟
السواقة لشقة التجمع أخدت 40 دقيقة.. مش فاكرة منها أي حاجة. مش فاكرة الزحمة ولا الراديو.. فاكرة بس إن صوابعي كانت بيضا من كتر ما كنت ضاغطة على دركسيون العربية. ما كنتش زعلانة.. مش دلوقتي. كنت فاضية.. ماشية على الـ Autopilot. كان لازم أصلح ده.. دي غلطة، سوء فهم! لو بس شفته واتكلمت معاه من غير ما هي تكون على الخط، هخليه يفهم.. هصلحها، أنا طول عمري بصلح كل حاجة!
ركزت عربيتي في مكاني.. المكان اللي أنا بدفع مصاريف صيانته. مشيت في الطرقة وعديت على الجنينة الصغيرة اللي ندى دايماً بتنزل صورها وما بتسقيهاش أبداً. مفتاحي كان لسة معايا.. المفتاح اللي اشتريته وأديتهم نسخة منه.
إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في الباب. قبل ما ألحق ألوفه، الباب اتفتح على آخره. ندى كانت واقفة.. ما كانتش متفاجأة، كانت مستنياني، وموبايلها مرفوع بالطول وبيسجل!
—أوه شوفوا مين جه! —قالت بصوت كله سم ومعجون برحمة مزيفة—. الست هانم وصلت اهي.. قلتلك هتجي يا حبيبي، ما بتعرفش تسيبنا في حالنا!
بصيت وراها.. الشقة.. شقتي أنا! متغرقة حاجات.. علب بيضا بشرايط بيضا كبيرة، مكنة إسبريسو جديدة على الرخامة، شاشة تلفزيون 80 بوصة جديدة متعلّقة على الحيطة، ورد، أزايز شربات، هدايا فرح من أهلها ومن أصحابهم.. حياة أنا ماليش أي وجود فيها!
يوسف طلع من الصالة.. كان ماسك كاس في إيده ولابس برنس ستان جديد. اتخشب لما شافني.. كان شكله صغير وجبان ومذنب.
—يوسف، —قلت بصوت ميت، وكنت مستغربة إن الصوت طلع اصلاً—. محتاجين نتكلم دلوقتي.
—هو مش عايز يتكلم معاكي يا مي! —ندى طلعت خطوة لقدام وسدت الباب، وقربت موبايلها من وشي بقلة أدب.. لمبة التسجيل الحمرا كانت بتنور—. أنتِ كده بتقتحمي ملكيتنا، وأنا بسجل الفيديو ده! أنتِ بتضايقينا وبتتعرضيلنا في شهر عسلنا!
—دي شقتي يا ندى، —قلت بصوت واطي—. أنا مش بقتحم ملكية حد.
ندى شهقت شهقة مسرحية عالية:
—أفورة وتمثيل! شفتوا؟ شفتوا قصدها إيه؟ ‘شقتي.. فلوسي!’ دي بتاعتك دايماً! أنتِ واحدة بتستغلينا مادياً وبتمارسي علينا إرهاب معنوي يا مي! ده اللي أنتِ بتعمليه وأحنا مش هنقبل بكده تاني!
باب الشقة اللي قدامنا اتفتح سنة.. مدام ماجدة من شقة 3أ طلت بدماغها، وموبايلها في إيدها. باب تاني اتفتح.. العرسان الجداد من 3ب واقفين على الباب بيتفرجوا وبيصوروا! بطني اتعصرت.. دي تمثيلية، هي كانت عايزة كده، وغالباً هي اللي نادت عليهم!
جاهلتها تماماً.. بصيت من فوق الموبايل، وعديت وشها الخبيث المبتسم، وبصيت لأخويا.. الشخص الوحيد في الدنيا اللي كان يهمني.
—يوسف، —ندهت اسمه.. حاولت أحط كل تاريخنا في الكلمة دي: تدريبات الكورة، سهر المذاكرة بالليل، جنازة أمي—. يوسف، قولها تبطل.. قولهم كلهم يبطلوا. خلينا نتكلم بس.. أرجوك، أنا وأنت بس.
ما رضيش يحط عينه في عيني.. كان باصص لقصاع السيراميك الغالي الجديد، وأخد بوق من كاسه.
—مي امشي بقى، —برطم بصوت واطي—. أرجوكي امشي.. أنتِ بتفضحينا وبتكسفينا قدام الناس وعاملة حوار.
بكسفهم.. هي دي الكلمة. مش “تصعبي على الكافر” بتاعة التليفون، ولا “مريبة”.. كانت “أنتِ بتكسفينا قدام الناس”. أنا قضيت 15 سنة من عمري متأكدة إنه عمره ما يتحط في موقف يتكسف فيه.. نضارة جديدة، لابتوب أنضف، كتب جديدة عشان ما يحسش إنه العيل الفقير اللي أمه ميتة. كنت بشتغل 80 ساعة في الأسبوع عشان عمره ما يحس بالكسوف أو العجز.. ودلوقتي وأنا واقفة على باب البيت اللي أنا دافعة ثمنه، بقيت بكسفه!
في اللحظة دي، في حاجة جوايا مش بس اتكسرت.. دي جمدت وزي السمنت المسلح.
ندى كانت لسة بتهري وتتكلم:
—أه يا مي امشي! أحنا عايزين نستقل بنفسنا! فهمتي؟ مش محتاجينك ومش عايزينك! يوسف معايا دلوقتي وله عيلة جديدة!
بصلتها.. بصيت للموبايل اللي بيصور وشي.. بصيت ليوسف اللي لسة مستخبي وراها بالبرنس الستان.. بصيت للجران اللي أخدوا المحتوى اللي يلزمهم. ما نطقتش بكلمة.. ما زعقتش.. ما صرختش.. وما عيطتش.
أنا ببساطة لفيت ضهري.
—بس كده؟ ماشية؟ —ندى زعقت في ضهري، وكان باين في صوتها الخيبة.. كانت عايزة خناقة، كانت عايزاني أنهار قدام الناس.
كملت مشي وما بصيتش ورايا.. كنت سامعة كلمتها بترن في دماغي: “استقلال”.
ركبت عربيتي وقعدت فيها دقيقة ساكتة.. الجران كانوا لسة بيطلوا من الشبابيك. دورت الموتور.
—تمام، —قلت للعربية الفاضية بصوت هادي تماماً—. عايزين تستقلوا؟ من عينيا.. أبشروا بالإستقلال.
شقتي كان شكلها مختلف لما رجعت.. كانت صغيرة، العفش قديم، وسيراميك المطبخ المقشر أصفر، بس كانت بتاعتي.. كل حاجة فيها بتاعتي. ما قعدتش ألف وأتحسر، ما صرختش، وما عيطتش. دخلت المطبخ عملت كوباية شاي كشري، وقعدت على مكتبي الصغير اللي بيلق.
فتحت اللابتوب بتاعي.. كان موديل قديم وبيحمل بالعافية، بقالي 6 سنين بستخدمه لأن يوسف كان محتاج ماك بوك جديد عشان هندسة. فتحت ملف وورد فاضي وكتبت كلمة واحدة فوق: “يوسف”، وبدأت أعمل القائمة.
دخلت على حساب البنك بتاعي.. طلعت كشف حساب القرض العقاري بتاع الشقة. المالك الرئيسي: مي الشناوي. صاحب القرض: مي الشناوي. بصيت على مصاريف الصيانة والخدمات: سحب أوتوماتيكي من حساب مي الشناوي.
كتبت: الشقة: 1.5 مليون جنيه مدفوعة من مي.
دخلت على حساب السفر والتحويش.. صاحب الحساب: مي الشناوي. المستفيد: يوسف الشناوي. الرصيد: 352,814 جنيه. شفت زِرار “تغيير المستفيد”، وشفت زِرار “سحب الرصيد”.
كتبت: حساب السفر: 352,814 جنيه مدفوعة من مي.
دخلت على حساب عربيتها الجديدة الصالون الشيك اللي بيسوقها لشغله الجديد.. بصيت على عقد القسط. الضامن والساحب الرئيسي: مي الشناوي، والاسم التاني: يوسف الشناوي. أنا اللي بدفع الـ 4200 جنيه كل شهر، وهو كان المفروض يرجعهم لي وبيكسل في معظم الشهور.
كتبت: قسط العربية: 4200 جنيه شهرياً مدفوعة من مي.
دخلت على موقع شركة الكهربا، وشبكة النت، وفاتورة المية بتوع الشقة.. كلهم باسمي وكلهم بيسحبوا من بنكي مباشرة.
كتبت: المرافق: 3500 جنيه شهرياً مدفوعة من مي.
دخلت على حساب نتفليكس بتاعي.. اسمي وكريدتي. “مين بيتفرج؟”: مي.. يوسف.. ندى.
دخلت على حساب سبوتيفاي العائلي.. أنا الأدمن، ويوسف وندى الأعضاء.
حساب أمازون.. حسابي أنا، وعنوان شقتهم محطوط كعنوان عائلي للشحن المجاني.
بصيت للقائمة.. كانت طويلة وخانقة. ده ما كانش “خنق” ولا “تحكم”.. ده كان جهاز تنفس صناعي! أنا ما كنتش الأخت اللي خنقاه، أنا كنت الأرض اللي شايلاهم تحت رجليهم، وهو ومراته لسة قايلين لي إنهم عايزين يطيروا!
تاني يوم الصبح كان الإثنين.. أخدت إجازة عارضة من الشغل. كلمت محامية، مكتب صغير، واحدة اسمها الأستاذة ميرفت متخصصة في عقارات وأحوال مدنية. قعدت في مكتبها الهادي الساعة 10 الصبح.. ما عيطتش، فرشت لها الورق كله.
—اشتريت شقة لأخويا، اسمي أنا على العقد وهو لأ. عايش فيها هو ومراته، مفيش عقد إيجار ولا بيدفعوا إيجار بانتظام، ورفضوا يدخلوني الشقة. أنا عايزة أطردهم وعايزة أبيع الشقة.
بصت في الورق اللي جبته: العقد، وكشف البنك. ما سألتش عن الدراما العائلية، بصت للأرقام والأوراق بس.
—يا أستاذة مي، —قالت بصوت هادي وجاد—. الشقة دي بتاعتك 100%. هما قانوناً ضيوف، وأنتِ بتسحبي الضيافة دي. هنبعت لهم إنذار رسمي بالإخلاء خلال 30 يوم، لو رفضوا يخرجوا، هنرفع دعوة طرد للغصب والتعدي. الموضوع مفيش فيه أي تعقيد.
—ممتاز، —قلت لها—. وطيب بالنسبة لحساب تحويش السفر؟ مراته هددتني إنها هتاخده وتفكه.
الأستاذة ميرفت ابتسمت نص ابتسامة:
—ما تقدرش. أنتِ صاحبة الحساب، هو مجرد مستفيد مكتوب اسمه. هي ماليهاش أي صفة قانونية أصلاً! تقدي تتغيري المستفيد لأي حد.. لنفسك، لجمعية خيرية، مش هتفرق. أو تقدري تسحبي الفلوس كلها. هتتدفعي بس غرامة سحب مبكر صغيرة على الأرباح مش الأصل، بس الفلوس بتاعتك أنتِ 100%.. دي مش هدية فرح، دي أصول ملكك.