سابني عشان واحدة اصغر حصري روايات رولا

جوزي سابني عشان واحدة أصغر مني ولمّ العيلة كلها وسافروا برة مصر عشان يحضروا فرحه عليها في دبي. وهو هناك، بعتلي رسالة على الموبايل قاسية زي السم، بيقولي فيها بمنتهى البرود:
“امشي من بيت التجمع قبل ما نرجع. أنا مبقتش عايز حاجات قديمة في حياتي بعد الآن. أنا تعبت واشتغلت وعملت اسم وبستاهل بداية جديدة”.
​تلتها رسالة ثانية عشان يقفل كل الأبواب في وشي:
“لا تفتعلي المشاكل والمحاكم. الأطفال سيعيشون معايا أنا وشيرين”.
​”عصام” طول عمره بيعرف إزاي يقول كلام في قمة القساوة بمنتهى الهدوء والبرود. كلماته كانت قصيرة، باردة، وحاسمة، ومسابتليش أي فرصة أو مجال للمقاومة، أو إني أحارب وأدافع عن نفسي وعن عمري اللي ضاع مع شخص بالندالة دي.
​قبل الموضوع ده بثلاثة أسابيع، كان أعلن بكل بجاحة إنه سيبني عشان “شيرين”.. بنت عندها 26 سنة، مظهرها فخم، سنانها “هوليوود سمايل”، وعندها ثقة في نفسها بتاعة حد بيصرف فلوس متعبش في جنيها قط، داخلة تاخد على الجاهز شقا عمري وكفاحي مع جوزي.
​خطط لإقامة حفل زفاف أسطوري في وجهة سياحية غالية، ودعا كل الناس اللي في يوم من الأيام كانوا بيعاملوني كفرد من العائلة ويحلفوا بحياتي، بما في ذلك طفلينا المراهقين اللي قدر يضحك عليهم بالفلوس والموبايلات الجديدة، ووالديه اللي نسوا وقفتي جنبهم في تعبهم. كنت أنا الوحيدة اللي تُرِكت خلفهم مكسورة ومفرومة من الوجع لوحدي في البيت.
​لم أبكِ.. ولم أتوسل إليه. بل استمعت إليه ببساطة وبقلب ميت وهو ينهي جوازنا بكل أريحية وبمنتهى السهولة، وكأنما يلغي اشتراكاً في مجلة قديمة ملهاش عازة.
​وفي الصباح التالي، عمل غلطة عمره.. أرسل بالخطأ تفاصيل ومعلومات الرحلة الجوية ومواعيد الرجوع لمطار القاهرة على بريدنا الإلكتروني المشترك. الغلطة دي كانت طوق النجاة، لأنها منحتني “الجدول الزمني” باليوم والساعة اللي هتحرك فيهم من وراه.
​في تلك الليلة، فتحت موقع الشهر العقاري وسجلات ملكية الأراضي الإلكترونية، وفضلت باصة لسطر واحد بس وعينيا بتلمع:
​المالك: نادية الهواري.
​ليس عصام..
​وليس عصام ونادية..
​بل أنا وحدي وبس!
​قبل وفاة والدي، كان قد سجل أرض التجمع الغالية دي باسمي. ولطالما سخر عصام منه لسنوات، واصفاً تصرفه بالـ “بارانويا” (الشك المرضي بتوع زمان ملوش لزمة). لكنه لم يغير الأوراق الرسمية أبداً في جهاز المدينة، لأنه لم يعتقد يوماً في خياله المريض أنني سأجرؤ على الوقوف في وشه واستخدامها ضده.
​الجزء الثاني: خطة عتمة الليل
​بعد يومين، جلست أمام محامية عقارات حوت في وسط البلد اسمها “الأستاذة ماجدة المنياوي”. ست ناشفة ومابتسمش، بعد أن قرأت رسائل عصام وشافت عقد الأرض ورخصة المباني، نظرت إليّ ورفعت نظارتها وقالت: “تريدين طرده من العقار؟”.
فأجبتها وعينيا فيها شرار: “أريدُه أن يفهم تماماً ما الذي ألقى به في القمامة.. أنا عايزة آخد حقي حتة حتة”.
​ولأننا قمنا بإجراء كل شيء بشكل قانوني وتحت غطائه؛ رفعت دعوى الطلاق والنفقة في السر، وجمدت حساباتي الائتمانية المشتركة معاه عشان ميعرفش يسحب مليم من ورايا، وفتحت حساباً بنكياً منفصلاً تماماً، وحفظت كل رسالة نصية وإيميل. كما استصدرت الأستاذة ماجدة بذكائها أمراً قضائياً مستعجلاً يمنحني حق الاستخدام الحصري المؤقت للمكان، لأن عصام قد هجرني وقام بمضايقتي وتهديدي كتابةً بالطرد، وده في القانون اسمه “طرد تعسفي وتهديد للمستقر”.
​ثم أجريت اتصالاً هاتفياً أخيراً سيقلب الطاولة على الجميع.
​جاء مهندس استشاري متخصص في نقل المنازل الجاهزة والمعدلة (Pre-fabricated homes) لمعاينة الفيلّا. فحص الأعمدة، والدعامات، والجدران، والأساسات، ثم أومأ برأسه قائلاً وهو مستغرب:
“يمكننا نقله بالملي يا فندم. هذا البيت نظامه هيكل حديدي ومتركب بنظام السندات الهيدروليكية، يعني يتفك ويتنقل في 48 ساعة على تريلات عملاقة. بس هل تريدين إخلاء الأرض تماماً؟”
​نظرت حولي إلى المنزل الذي ربيت فيه أطفالي، وطبخت فيه وجبات أعياد الميلاد، وطويت فيه الغسيل بعد منتصف الليل وأنا بعيط من قسوته، وتعلمت فيه كم يمكن أن يكون الزواج وحيداً، ومخنقاً، ومهيناً.
وأجبته بقلب ميت: “نعم.. شيله من جذوره وماتسيبش طوبة واحدة”.
​وبينما كان عصام يحتفل بحياته الجديدة ويصرف آلاف الدولارات في الخارج مع ست الحسن والجمال، كانت الأوناش والعمال بيزرعوا القوائم الحديد والاعمدة الفولاذية أسفل منزلي. ورفعت الرافعات الهيدروليكية الضخمة البيت الذي بنيت حياتي كلها بداخله وشالته على تريلات كأنه علبة كبريت.
​وبحلول الوقت الذي هبطت فيه طائرته في مطار القاهرة، كانت الأرض في التجمع فارغة تماماً! ولم يتبقَ سوى التراب، وعفرة الجو، وآثار الإطارات الثقيلة، والسماء الواسعة الممتدة فوقها.
​أوقفت سيارتي في آخر الشارع وانتظرت لأرى العرض الأخير.
وعندما عاد عصام في عربية ليموزين زفة مع شيرين والأطفال ووالديه، كانوا لا يزالون يضحكون ويهزرون.
وفجأة.. رأوا الأرض!
وتوقفت الضحكات في ثانية واحدة، وكأن على رؤوسهم الطير.
​ترجل عصام من العربية أولاً، يحدق ويهيم ويفرك في عينيه وهو عاجز عن التقاط أنفاسه وكأنه اتصاب بأزمة قلبية. وتجمدت شيرين بجانبه وهي فاتحة بقها من الصدمة. وشحب لون والديه وجاء بألوان الطيف وعجزوا عن النطق، بينما لم ينطق الأطفال بكلمة من هول المفاجأة.. بيتنا في التجمع اختفى!
​وفي تلك اللحظة، فهم عصام أخيراً… أن المنزل الذي ظن أنه سلبه مني وهيئذيني بطردي منه، لم يكن ملكاً له يوماً، وأن اللي بيبني على أرض مش ملكه، بيصحى يلاقي نفسه في الشارع!
​الجزء الأخير: الانهيار الكامل والبداية الجديدة
​بعد ما سبت “عصام” واقف في نص الأرض الفضاء زي المجنون يكلم نفسه، بعتله رسالة أخيرة على موبايله: “البيت نقلته لمكان يليق بيا وبولادي.. وبما إنك مش عايز حاجات قديمة في حياتك، فأنصحك تدور على رصيف جديد في حارة تبدأ عليه حياتك الجديدة”.
​ومن اللحظة دي، انقطعت حبال التواصل بيننا تماماً إلا من خلال المحامين، والمشهد في الشارع تحوّل لمأساة حقيقية لعصام وعروسته الفرفوشة؛ حيث قضوا ليلتهم الأولى هما والعيال والعيلة كلها في بنسيون رخيص وبسيط في وسط البلد، لأن بطاقاته الائتمانية المشتركة اتجمدت بطلب من المحكمة، ومعندوش سيولة تغطي الصدمة.
​1. معركة المحاكم والتعري الفكري لعصام
​حاول عصام بكل الطرق الجنونية في محكمة الأسرة وجهاز المدينة إثبات إنني “سرقت” البيت، وكان بيصرخ قدام القضاة والمحامين، لكن الأستاذة ماجدة المنياوي كانت مسستمة كل حاجة ومحصّنة الموقف القانوني تماماً:
​قانونية النقل: قدمنا مستندات هندسية رسمية بتثبت إن القواعد الخرسانية والأعمدة مش مثبتة بشكل دائم في الأرض (يعني مش عقار ثابت لا يمكن فصله)، بل هو بيت منشأ ذكي بمواصفات خاصة مسجل كممتلكات شخصية منقولة ورثتها بالكامل عن والدي، والأرض ملكي، فمن حقي انقل ممتلكاتي من أرضي في أي وقت!
​الخداع والتهديد: استخدمنا رسايله الباردة الساعة 2 بالليل اللي هددني فيها بالطرد ورمي حاجتي كدليل قطعي على الضرر النفسي والتعسف، فالقاضي بهدله وبص لـ عصام بقرف من أول جلسة ونصرني عليه.
​النفقة والتعويض: المحكمة أجبرت عصام قانونياً يدفع نفقة شهرية تكسر الظهر للأولاد، بالإضافة لتسوية طلاق والتحفظ على نصف ثروته السائلة وحساباته في البنوك اللي جمعها خلال سنين جوازنا الـ 19، كتعويض عن كفاحي وشقايا معاه.
​2. مصير “شيرين” والهروب الكبير
​الصدمة الأكبر والضربة القاضية لعصام مكنتش فقدان البيت، بل كانت اكتشاف الوجه الحقيقي لزوجته الجديدة “شيرين”:
تبخرت وعود الحياة الفارهة، والشوبينج، والعربيات المكشوفة. بمجرد ما شيرين أدركت إن كل الملابس الفاخرة، والشنط البراند، والمقتنيات الغالية اللي اشترتهاله بفلوسه اتبخرت وطارت مع البيت المنقول، وأن عصام أصبح غارقاً لشوشته في ديون الفرح الأسطوري ومصاريف المحامين والقضايا، وشها الحقيقي ظهر وبانت على أصلها.
​لم تتحمل شيرين العيش في شقة ضيقة بالإيجار في منطقة شعبية، ومكنتش مستعدة تدفع جنيه واحد من جيبها أو تشتغل عشان تساعده، فانتهى الأمر بخناقات وشتائم ووصلت لأقسام الشرطة، وطلبت الطلاق بعد أقل من شهرين من الجواز الفاشل، وسابته مديون، وحيد، ومكسور يكلم نفسه في المراية.
​3. عودة الأولاد والاستقرار الجديد
​أولادي المراهقين مشيو وراه في الأول عشان انخدعوا بالمظاهر والسفرية، بس بمجرد ما شافوا المشهد وعرفوا الحقيقة، مفيش حد منهم تردد ثانية.. رجعوا لحضني جري وهم بيعتذروا ودموعهم على خدودهم. بقوا فخورين جداً بقوتي وبالموقف اللي لقّنت فيه والدهم درس عمره ما هينساه في الاحترام والأصول.
​أما عن بيتي القديم.. فبأجزاء من أموال التعويضات الكبيرة والتسوية اللي أخدتها، اشتريت قطعة أرض ساحرة وواسعة في حتة راقية بتطل على نيل المنصورة الهادي والصافي. نقلت البيت هناك، وأعدنا تركيب الأساسات وعملناله ديكور مودرن يجنن، وزرعنا جنينة الورد اللي كان نفسي فيها طول عمري.
​عادت الروح للحيطان اللي شهدت ضحكات أولادي وتفاصيل عمري، بس المرة دي من غير نكد، ومن غير إهانات، ومن غير شخص أناني يطفي فرحتنا ويستقل بينا.
​الخلاصة: عصام وقف في النهاية على الأرض الفاضية والتراب في التجمع اللي تمنى وفكر إنه هيسيبني فيهم.. بس وقف عليها لوحده، شقيان، ومثقل بالديون والندم والوحدة، في حين إني بدأت أنا وأولادي حياة جديدة كلها عِز وأمان، في نفس البيت اللي حاول يسرقه مني، بس في مكان أحسن وأجمل بكتير!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *