رواية جديدة جدا 1
************************
في اليوم التالي…
لم يكن استيقاظًا طبيعيًا، كان انتزاعًا قاسيًا من حلم لم يكتمل.
فتحت عهد عينيها فجأة، وكأن أحدهم ناداها باسمها في الظلام.
ثواني قليلة ظلت تحدق في سقف غرفتها، لا تتحرك، تحاول أن تتذكر أين هي، وماذا ينتظرها.
ثم عادت الحقيقة دفعة واحدة.
اليوم، خطبتها، شعرت بأن صدرها يضيق حتى كاد يؤلمها.
جلست ببطء فوق فراشها، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، ورفعت يدها تمررها في شعرها بعصبية، تدفعه إلى الخلف كأنها تحاول أن تزيح الفكرة معه، خاتم، في إصبعها، باسم رجل آخر.
همام لم يفارق ذهنها منذ أغلق عليه باب السجن، وصوته، ونظرته الأخيرة، ووجعه الصامت، كلهم هنا، داخل صدرها.
حركت رأسها بعنف، وكأنها ترفض المشهد كله.
“لا، لا.”
همست بها لنفسها، ثم ألقت الغطاء بعيدًا ونهضت دفعة واحدة، كانت خطواتها سريعة، غير متزنة، كأنها تسابق شيئًا ما، أو تهرب منه.
ارتدت ملابسها دون اهتمام بما ترتديه، لم تنظر في المرآة، لم تفكر في شكلها.
كل ما كان يدور في رأسها فكرة واحدة:
يجب أن تخرج، الآن.
نزلت الدرج بسرعة، ويدها ترتعش قليلًا وهي تمتد إلى مقبض الباب.
فتحت الباب بثقة مصطنعة، لكن جسدها تجمد في مكانه.
أجساد ضخمة تقف أمام المدخل، رجال بملامح جامدة، أعينهم مستقيمة لا تنحرف.
كانوا يقفون كجدار بشري، لا يفسح مجالًا حتى لنسمة هواء.
رفعت رأسها ببطء، والغضب يشتعل في عينيها:
“انتوا مين؟ وبتعملوا ايه هنا؟”
أجابها أحدهم بصوت غليظ، خالي من أي تعبير:
“احنا الحرس الشخصي لحضرتك يا فندم، ورياض باشا قالنا انك ممنوعه من الخروج النهاردة.”
في تلك اللحظة فهمت، لم يكن منزلها، كان قفصًا.
اتسعت عيناها بذهول، ثم تحول الذهول إلى غضب مشتعل، تقدمت خطوة للأمام، كأنها ستشق طريقها بالقوة:
“ابعدوا من سكتي أنا هخرج يعني هخرج.”
لم يتحرك أحد، رد الحارس بهدوء مدروس، لكن خلفه تهديد واضح:
“احنا عندنا أوامر بمنعك من الخروج بأي طريقه، حتى لو هنكتفك، ياريت حضرتك تسمعي الكلام، وتتفضلي تدخلي جوة، علشان منستعملش العنف معاكي.”
العنف، الكلمة سقطت على أذنها كإهانة.
هي ابنته، وليست مجرمة.
نظرت إليهم بنظرة طويلة، مختلطة بين الاحتقار والعجز.
كانت تعرف أنها لن تستطيع تجاوزهم.
ولو حاولت، سيحولون الأمر إلى مشهد مهين آخر.
ضغطت على أسنانها حتى شعرت بألم في فكها، ثم دفعت الباب بقوة، أغلقته بعنف ارتج له المكان.
استدارت إلى الداخل، وخطواتها هذه المرة بطيئة، ثقيلة.
جلست على المقعد القريب، ويديها تسقطان على جانبيها، حدقت أمامها طويلًا.
أدركت فجأة أنها لم تعد تجبر فقط على الخطوبة، بل تمنع حتى من الاعتراض، حبها محاصر، حريتها محاصرة، وصوتها، محاصر.
رفعت يديها إلى وجهها، كأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها، ثم أنزلتهما ببطء، لا، لن تبكي الآن، البكاء لن يفتح الباب.
بدأ عقلها يعمل بسرعة.
تنظر حولها، النوافذ؟ الهاتف؟ الخدم؟
أي ثغرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى فرصة.
لمعت في عينيها نظرة مختلفة.
لم تعد نظرة فتاة تبكي، بل نظرة فتاة تبحث عن خطة.
إن كانوا يظنون أنها ستسير إلى مصيرها مطأطئة الرأس، فهم لا يعرفونها جيدًا.
***********************
جلس رياض خلف مكتبه العريض، وأصابعه تتشابك فوق سطحه المصقول، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ليست ابتسامة سعادة، بل ابتسامة رجل يشعر أن الخيوط كلها في يده.
كان في داخله إحساس لاذع بلذة الانتصار.
رفع عينيه نحو الشاب الجالس أمامه في استرخاء متعمد، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وكأن الأمر كله صفقة عادية لا أكثر.
قال رياض بنبرة افتخار خافتة، لكنها محملة بالشماتة:
“اهو الولد عرفنا نحبسه وكمان اخد علقة موت فى الحبس، وده هيكسر نفسه ويخليه يحرم يبص لفوق تاني.”
لم يتغير تعبير أسر، بل تحركت شفتيه بابتسامة ساخرة قبل أن يقول ببرود:
“اصلا الولد ده كان اخر همي، مش شغلني لانه شبه الصرصار سهل اوي افعصه بجزمتي، أنا بس اللي شاغلني هي عهد، بفكر احببها فيا ازاي.”
نهض رياض من مقعده ببطء، ودار حول المكتب كأنما يشرح خطة استثمار، لا خطة للسيطرة على قلب ابنته، قال بنبرة لئيمة محسوبة:
“سيب ايدك شويتين تلاته، هاتلها هدايا غالية، سفرها اسبوع برة، خليك قصاد عينيها على طول، بلاش تديها فرصة تفكر فى الولد ده، وانا واثق أنها يومين بالكتير وهتنسى وتحبك انت.”
كان يتحدث عنها كأنها مشروع يحتاج إدارة جيدة.
رفع أسر حاجبه بسخرية خفيفة، وقال بتهكم واضح:
“اسيب جيبي اكتر من كده ايه يا رياض باشا، أنا دافع ليك مبلغ وقدرة، علشان تسد بي ديون الشركة بتاعتك، وكمان حاطط مبلغ معتبر ليك فى البنك بأسمك، وجايب ليها شبكة الماظ بشئ وشويات، مافيش حد بيعمل كده غير الا وهو شاري، وانا بنتك عجبتني من يوم العزومة ودخلت دماغي ومن وقتها وانا أقسمت أنها هتكون ليا.”
لحظة صمت قصيرة مرت بينهما.
صمت لا يحمل ودا، بل حسابات.
نظر له رياض بضيق خفي، فأسلوب أسر المستفز لم يكن يعجبه، لكنه يحتاجه.
قال ببرود أثقل:
“ما أنا بساعدك اهو علشان تتجوزها، وخليت المحاسب الجديد يظبط ورق الاختلاس علشان ابعد الولد ده عن طريقكم، وجيت على قلب بنتي وكسرته، مقابل مساعدتك ليا، يبقى خالصين يا ابن فريد الهواري.”
الجملة الأخيرة خرجت ببطء، كعقد يقرأ بصوت مسموع.
ابتسم أسر ابتسامة جانبية ملؤها اللؤم، وقال:
“عندك حق وهنشوف بنتك تستاهل بعد كل ده، ولا رميت فلوسي على الأرض.”
لم تعجبه النبرة، لكن المال يجعل الرجل يتجاهل ما يكره.
نهض أسر، عدل سترته، وتوجه نحو الباب بخطوات واثقة، وقال قبل أن يخرج:
“نتقابل بليل يا رياض باشا، سلام.”
أُغلق الباب خلفه بهدوء، ساد المكتب صمت ثقيل.
تحولت ملامح رياض ببطء، زال القناع المهذب، وظهرت نظرة جشع خالصة في عينيه.
نظر نحو الباب الذي خرج منه أسر، وقال بصوت خفيض مشبع بالطمع:
“ده انت كنز واتحدف عليا، اجوزك بس البنت وبعد كده أخد كل اللي انا عايزة منك.”
عاد إلى مقعده، وفتح أحد الملفات أمامه، وكأن ما حدث منذ لحظات مجرد بند ضمن جدول أعماله.
لا حب، لا أبوة، لا ندم، فقط صفقة.