رواية جديدة جدا 1
“الفصل الخامس”
وصلت عهد إلى الفيلا بعد أن اطمأنت على حليمة، والدة همام.
قلبها كان مثقلًا، لكن فيه بصيص راحة لأنها رأته حيًا.
تحركت بحذر شديد من الباب الخلفي، تتلفت حولها كمن يرتكب جر..يمة، تعبر الحديقة بخطوات خفيفة، تحاول ألا تحدث صوتًا.
دفعت الباب الزجاجي ببطء، وتجمدت.
كان يجلس على الأريكة، ظهره مستقيم، يضم أصابعه أمامه، وعيناه مثبتتان عليها منذ اللحظة التي دخلت فيها.
لم يكن غاضبًا بالصورة المتوقعة.
كان هادئًا، وهدوءه أخطر.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوتها خرج متقطعًا:
“ب بابي، ا انت رجعت بدري ليه؟”
نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء حذر:
“شوفتي واطمنتي عليه؟”
توقف قلبها لثانية.
اتسعت عيناها، وارتبكت:
“ها…ه هو مين؟”
استقام فجأة، والغضب بدأ يتسلل إلى ملامحه، واقترب منها خطوة خطوة:
“أنا مش مانع خروجك؟ ازاي تتجرئ وتكسري كلمتي، عموما أنا لما جاتلي المكالمة من رجالتي اللي واقفين هناك، قولتلهم يسبوكي تطلعي ليه عارفه ليه؟ علشان تشوفي بعينك أنا عملت فيه ايه، ولو مبعديش عنه المرة الجايه هخلص عليه.”
تراجعت خطوة للخلف، وجهها شحب، وصوتها خرج مذهولًا:
“ت تقصد ايه؟ ا انت اللي عملت كده فى همام؟”
انفجر صوته هذه المرة، دون قناع:
“ايوه انا، ومش بس كده لا انا اللي حبسته، ولو مبعديش عنه هق..تله هو وأهله يا عهد.”
سقطت الكلمات عليها كرصاص بارد.
هزت رأسها بعدم تصديق، والدموع بدأت تتجمع في عينيها:
“لا لا مستحيل تعمل كده، انت إزاي كده؟ إزاي يجيلك قلب تكسر بنتك بالطريقة دي؟ أكيد ده مش حقيقي، رد عليا يا بابي قولي أنك مستحيل تطلع بالقسوة دي.”
ابتسم، ابتسامة صغيرة باردة، لا علاقة لها بالأبوة.
“دي مش قسوة يا عهد، أنا أبوكي وعايز مصلحتك، ومصلحتك مش مع الولد الجربوع ده، مصلحتك مع أسر الهواري، شاب جميل أبن عيلة عنده فلوس عمرها ما تخلص، ده اللي هيحققلك كل اللي نفسك فيه وهيعيشك عيشه أحلى من عيشتك كمان.”
شهقت وهي تصرخ، والدموع تنساب بلا توقف:
“أنا مش صغيرة يا بابي وعارفه مصلحتي كويس أوي، سعادتي مع همام، أه هو معهوش فلوس، بس راجل وهيقدر يحميني، مش عايزة فلوس أسر ولا ممتلكاته ولا جماله، أنا عايزة أتجوز الراجل اللي قلبي حبه وأختاره أرجوك يا بابي، خرج همام، وخلينا نتجوز، علشان خاطري.”
هز رأسه ببطء، وكأنه يستمع لطفلة تتحدث عن لعبة مكسورة.
“أنا ممكن أخرج الولد ده فى حالة واحدة، لو نهيتي علاقتك بي ووافقتي تتجوزي أسر، سعتها بس هخرجه من السجن.”
ساد صمت ثقيل.
هذه ليست مساومة، هذا حكم إعدام معلق بكلمتها.
نظرت إليه برجاء، صوتها أصبح ضعيفًا، متكسرًا:
“بلاش يا بابي أرجوك، أنت كده بتحكم على بنتك بالموت، بتقضي على سعادتي بأيديك.”
أجاب بلا اكتراث:
“بالعكس أنا بفوقك من الوهم والعبط اللي فى دماغك دول، وده آخر كلام عندي، يا تختاري موته هو وأهله، يا تختاري تنقذي بكلمتين منك ليه، وموافقتك على الجواز من أسر.”
هنا، حدث التحول، توقفت دموعها فجأة، لم تختفي، لكنها تجمدت.
اعتدلت في وقفتها ببطء، كأنها تحمل على كتفيها عمرًا كاملًا، ونظرت إليه نظرة مجروحة، لكنها صلبة.
تحدثت بصوت ميت من الداخل:
“موافقة يا بابي، بس تخرجه النهاردة.”
هز رأسه بالرفض، وكأنه ينتظر هذه اللحظة منذ البداية:
“مش النهاردة لما تلبسي خاتم أسر فى إيدك وتكلمي الولد ده قصادي وتنهي كل حاجه معاه وكمان تهيني علشان أتأكد أنكم مستحيل ترجعوا لبعض.”
ارتجف جسدها كله، الإهانة، ليس فقط الفراق، أن تكسر قلبه بلسانها.
تعالت شهقاتها، بالكاد استطاعت أن تقول:
“حاضر يا بابي.”
استدار عنها، وكأن الصفقة أُغلقت رسميًا.
أما هي، فبقيت واقفة لثواني لا تتحرك.
ثم تحركت ببطء شديد، كأن قدميها تجران جرًا.
صعدت الدرج، وكل درجة تصعدها كانت كأنها تصعد نحو مقصلة.
دخلت غرفتها، أغلقت الباب خلفها، وسارت حتى سريرها، ثم سقطت عليه، وجهها في الوسادة، تكتم صراخها حتى لا يسمعها أحد.
لم تكن تبكي فقط، كانت تودع نفسها.
*************************