هنظف واطبخ
«هَانظف.. هَاطبخ.. أي حاجة. بس أكّلوا ابني»، السبت صرخت بها في وجه زعيم المافيا—لكن ردّه صدمها
البوابة الحديدية كانت أبرد من شكلها الحقيقي.
نورا بل فضلت حاطة ايدها مفرودة على البوابة بعد ما سابتها، زي ما الواحد بيعمل لما مبيكونش عنده أي حاجة تاني يمسك فيها. تيو كان بطل عياط من حوالي ساعة، وده خوفها أكتر بكتير من كل الليالي اللي قعد يعيط فيها من غير سكت. كان متزرر جوه جاكتها ومطلع إيد واحدة لبره، وكانت قفلة إيدها زرقا من السقعة.
كان يوم ثلاثاء في آخر شهر أكتوبر. والمطر كان نازل بالجنب من بعد الظهر. طلعت من محطة الأتوبيس وهدومها مبلولة للآخِر، والبيوت اللي في الشارع ده مكانش ليها نمر على الأبواب. كان مكتوب عليها أسامي محفورة في الحجر، وليها سور عالي يكفي مش بس يمنع المطر، ومعاها كاميرات متستفة تحت السقف زي عيون سودا صغيرة.
كانت كاتبة العنوان على ظهر إيصال الصيدلية. والحبر كان بدأ يسيح.
لازم تكون صادقة في حاجة واحدة قبل أي كلام تاني: هي مكنتش رايحة البيت ده بالصدفة.
عند البوابة، كل اللي كانت تعرفه إن تيو عنده تمان شهور، وإن آخر باكو لبن بودرة (فورميلا) خلصان من يومين، وإنها كانت بتمط علبة لبن مركز (مكثف) بشوية مية كتير لدرجة إنه مبقاش أبيض أصلاً.
كان فيه إنتركوم. ضغطت عليه واستنت.
الكاميرا اللي فوقيها لفت. بالراحة. زي ما الراس بتلف لما اللي وراها يقرر يركّز معاه.
محدش نطق.
بعدها البوابة عملت صوت “تكة” وفتحت.
مشيت جوه ممر طويل محاط بشجر شكله مثالي أكتر من اللازم، وكانت بتفكر في الصيدلية اللي طردوها الصبح، والمطعم اللي بعدها، ومكتب الكنيسة اللي بعدها كمان. كانت عارفة كويس صوت الباب وهو بيتقفل في وش حد. سمعت تلات أبواب بيتقفلوا قبل الظهر ما يأذن.
الراجل اللي فتح باب البيت كان بيكلم في التليفون أصلاً.
كان طويل، في أوائل الأربعينات، ولابس قميص أبيض ومرجع كمامه لحد كوعه، وشعره بدا يبيض من الجناب. وكان عنده وش واحد مبيتقالش له “لأ” من زمان أوي.
قال في التليفون: «مش النهاردة يا حاتم.. ابعت لي الأرقام الصبح».
بعدها شافها، والتليفون نزل بالراحة لحد جنبه.
كانت محضرة كلام تقوله وهي في الأتوبيس. محضراه بقالها يومين. وطار كله.
واللي طلع منها بداله جملة هتفضل تسمعها في نومها بقية حياتها كلها.