انانية

حصري لصفحة روايات رولا
مرات ابني اتهمتني بالأنانية قدام العيلة كلها، وكانت واثقة إن الكل هيأيدها. ما اتخانقتش وما دافعتش عن نفسي. كل اللي عملته إني بصيت في عينها بثبات، وبكل هدوء كشفت كل المصاريف اللي كنت بدفعها من وراهم وعلى السكت طول السنتين اللي فاتوا. الابتسامة المغرورة اللي كانت على وشها اختفت في ثانية… والترابيزة كلها جابت صمت تام.
​أنا اسمي كاميليا. كان عندي أربعة وستين سنة في ليلة الأحد دي، مطلعاش معاش بعد تلاتين سنة شغل كمهندسة تخطيط في مجلس مدينة برة القاهرة، ولسة بتعلم إن لما يكون عندي وقت فاضي، ده مش معناه إن الباقيين يمتلكوه.
​العشا كان بادي هادي ومفيش أحلى منه.
​كنت جايبة معايا صينيتين طارط ليمون لبيت ابني حازم. والدين ميادة مراته كانوا كاتبين كتاب زيارة وجايين من الإسكندرية، وأختها رانيا وجوزها كانوا موجودين، ومالك حفيضي الصغير اللي عنده ست سنين كان بيبني برج مكعبات خشب جنب الصالة قبل ما نقعد ناكل.
​الترابيزة كانت تتلف في حرير.
​مفرش أبيض شيك.
​شوك وسكاكين بتلمع.
​سوتيه ونخاع وفيليه بقر متقطع.
​وكاسات العصير بتعكس النور الدافئ بتاع النجفة.
​أول ثلث ساعة، مفيش مخلوق جاب سيرة التوتر اللي كان مكتوم بيني وبين ميادة.
​فجأة، لقتني طبقت المنديل القماش وحطته قدامها بطريقة هندسية.
​أنا حافظة الحركة دي كويس.
​ميادة شغالـة في تسويق العقارات التجارية، ولما تكون ناوية على موضوع وشايفاه مخلص بالنسبة لها، بتبقى حاسمة جداً.
​قالت: “بما إن الكل متجمع، أنا وحازم حابين نقولكم على خطتنا لمالك السنة الجاية.”
​أمها ابتسمت على طول.
​كانوا بيفكروا يدخلوه مدرسة “النيل الدولية”.
​برنامج تعليمي ممتاز.
​فصول عددها صغير.
​ومبنى يشرح القلب.
​حوالي ميتين ألف جنيه في السنة.
​سعت هادية.
​لحد ما وصلت للجزئية اللي هي قررت تخططهالي من غير ما تاخد رأيي.
​قالت: “المدرسة بعيدة في التجمع، حوالي ساعة من هنا، فالحل العملي إن ماما كاميليا هي اللي تتولى مشوار التوصيل.”
​رفعت رأسي وبصيتلها.
​كملت كلامها: “توديه الصبح، وترجعه بعد الضهر، وتودي التمارين. بكدة مش هنضطر ندفع لشركة توصيل ولا مصاريف استضافة بعد المدرسة.”
​حازم اتلمس في كرسيه.
​كان عارف.
​وشه كان باين عليه.
​قلت لها: “يا ميادة، أنتِ ما سألتينيش في الموضوع ده خالص.”
​ردت بابتسامة فيها طول بال مزيف: “أصلنا عارفين مواعيدك يا طنط.”
​”لا، أنتِ عارفة المواعيد اللي كانت عندي زمان.”
​ابتسامتها اتشنجت.
​أنا كنت لسة بادية أتطوع في حديقة الأسماك وبآخد كورسات رسم نباتي—حاجة كان نفسي أرجع لها من ساعة ما طلعت معاش.
​طول تلاتين سنة، كنت برسم مخططات الجداول والحدائق والأراضي، وتفاصيل الشجر، وخرائط التجميل.
​بعد ما جوزي الله يرحمه توفى، وقفت رسم تماماً.
​ولحد ما صحيت في يوم ولقيتني قضيت سنتين برتب حياة الناس كلها وسايبة حياتي أنا فضية.
​ميادة كانت عارفة موضوع الكورسات ده.
​بس ببساطة، ما كانتش شايفاه مهم.
​سألتني: “يعني حضرتك بجد هترسمي ورقة شجر وتسيبي مساعدة مالك؟”
​”أنا بختار التزامات أنا ارتبطت بيها الأول.”
​”إحنا بتتكلم عن مستقبل حفيدك!”
​”وأنتوا بابا وماما بتوعه.”
​تعبير وشها اتغير.
​”إحنا الاتنين بنشتغل أكتر من طناشر ساعة في اليوم!”
​”مقدرة ده كويس.”
​”ما حضرتك قاعدة في البيت!”
​الترابيزة كلها سكتت.
​حازم أخيراً نطق: “ميادة!”
​بس هي طنشته.
​”حضرتك مش حاسة مصاريف تربية العيال بقت كام دلوقتي!”
​بصيتلها وقلت: “أنا ربيت واحد.”
​خدود حازم احمرت من الإحراج.
​ميادة مال ظهرها لورا.
​وبعدين قالت الجملة اللي وضحت كل حاجة:
​”إحنا بنوفرلك العيلة يا طنط.. إحنا بنعمل لحياتك قيمة ومعنى.”
​أمها كانت ماسكة كاس العصير، إيدها ثبتت في الهوا.
​رانيا أختها بصت في الأرض.
​وحازم فضّل مبلم في ميادة.
​بس هي ما سكتتش.
​”حضرتك عايشة لوحدك في البيت ده، إحنا بنجمعك معانا، بنلاقيلك حاجة تعمليها، ودلوقتي فجأة بقيتي مش فاضية ووراكي هوايات، وتسيبي الناس اللي بجد محتاجينلك؟”
​كان ممكن أزعق.
​كان ممكن أعد الأيام والويك-إندز اللي قضيتها مع مالك.
​كل مرة كنت برجعه من الحضانة.
​كل أكلة طبختها.
​كل صنايعي قعدت أستناه في شقتهم.
​أربع مشاتل وسيراميك الحمام اللي قعدوا مرميين في مدخل بيتي تلات أسابيع عشان ميادة ما كانش عندها مكان تخزنهم فيه.
​الليالي اللي نزلت فيها في عز المطر والبرد عشان حازم كان عنده كورسات إدارة وميادة متأخرة في الشغل.
​بس بدال ده كله، مديت إيدي في شنطتي.
​ماكنتش مخططة أعمل كده على العشا.
​الفايل ده كان في شنطتي لأني كنت مقابلة المستشار المالي بتاعي بدري الأسبوع ده.
​جواه كان فيه صور من كشوفات الحسابات اللي أجبرت نفسي أخيراً أراجعها.
​حطيت الفايل على الترابيزة.
​ميادة بصت للفايل.
​”إيه ده؟”
​”أنتِ قلتي عليّ أنانية.”
​”أنا قلت تصرفاتك فيها أنانية.”
​”تمام.”
​فتحت الفايل.
​”من سنتين، حازم كلمني عشان كان عجز معاكم في قسط الشقة بعد ظروف مفاجأة.”
​حازم بصلي: “يا أمي…”
​كملت بصوت هادي جداً: “خمسة وأربعين ألف جنيه.”
​وش ميادة ألوانه اتغيرت شوية.
​”وبعدها مصاريف مستشفى مالك والعملية.”
​قلبت الصفحة.
​”تلاتين ألف.”
​مفيش حتة بتتحرك في الصالة.
​”وبعدها أربعة وثمانين ألف عشان تسديد الفيزا كارد لما غيرتي شغلك.”
​ميادة فتحت بقها حابة تتكلم.
​بس أنا كملت: “وديعة الحضانة، تصليح العربية، مصاريف البيت، وتحويلات ثانية صغيرة.”
​حازم كان بيبص للورق ومصدوم.
​قلبت آخر كشف حساب ولفيته ناحيته.
​”وده الإيداع الشهري.”
​حواجبه اتعقدت: “إيداع شهري إيه؟”
​الجملة دي كشفت كل حاجة.
​ميادة بصت له بسرعة.
​رجعت بصيت لكشف الحساب: “خمسة آلاف هنا.. سبعة آلاف هناك.. أربعين ألف في الربع سنة اللي قلتي لي فيها إن الدنيا زنقة أوي معاكم.”
​صوت حازم وطي خالص: “يا أمي.. إجمالي كام؟”
​أنا جمعتهم مرتين.
​ومرة تالتة عشان ما كنتش مصدقة الرقم.
​”سعر ييجي مليون وستمائة ألف جنيه.”
​الوضعة دخلت في صمت تام.
​مش صمت العشا المقلق العادي.
​صمت حقيقي يرعب.
​صوت موتور التلاجة في المطبخ بقى طالع بوضوح شديد.
​مالك وقع مكعب خشب واحد في الصالة برة.
​محدش اتحرك ولا بص لورا.
​ميادة بصلتي وبقت تتنقل بظنونها.
​الوش الواثق المغرور اختفى تماماً.
​وحازم وشة بقى شبه العيانين.
​كرر تاني: “مليون وستمائة ألف؟”
​”أيوه.”
​”حضرتك أديتينا مليون وستمائة ألف جنيه؟”
​”على مدار السنتين اللي فاتوا.”
​”أنا ماكنتش أعرف إن المبلغ وصل لكده!”
​”ما هو ما كانش المفروض تعرف.”
​أخيراً ميادة نطقت: “إحنا عمرنا ما طلبنا منك تحسبي المصاريف كأنها دَين علينا!”
​”وأنا مش طالباها ترجع.”
​”أمال بتطلعي الورق ده ليه دلوقتي؟”
​”علشان أنتِ لسة قايلة قدام الترابيزة دي كلها إن عيلتك هي اللي بتعمل لحياتي قيمة، وكأني أنا اللي كنت باخد منكم التفضل والإحسان.”
​بصت بعيد وما ردتش.
​كملت كلامي بمنتهى الهدوء والحنية:
​”أنا كنت بحب أساعدكم.”
​والجزء ده كان يفرق معايا جداً.
​”كنت بحب أجيب مالك، بحب أعملكم الأكل، وبحب أحس إن ليّا لازمة بعد ما رفيق عمري مات…
ووحيدة ومش عارفة المفروض المعاش ده يكون إحساسه إيه.”
​حازم نزل عينيه في الأرض بكسرة.
​”بس في زحمة السكة، المساعدة اللي كنت بلاحظها وبقدمها بقت حاجة مضمونة ومحدش شايفها.”
​محدش تجرأ يقاطعني.
​”وقتي بقى بالنسبة لكم جدول طوارئ بديل. بيتي بقى مخزن زيادة للكركبة. وفلوسي بقت هي الحل السحري كل ما الميزانية تضرب منكم.”
​أم ميادة اتململت في كرسيها ومش على بعضها.
​ميادة قالت بصوت واطي ومكسور: “ده مش عدل يا طنط.”
​هزيت رأسي وقلت لها: “عندك حق.”
​بصت لي بتفاجؤ.
​”فعلاً ما كانش عدل.”
​حازم حط إيده على بقه من كتر الصدمة والذهول.
​قفلت الفايل.
​”أنا مش ندمانة إني حبيت عيلتي. أنا ندمانة إني عودت الكل إن كلمة ‘حاضر’ و’نعم’ عندي دي حاجة أوتوماتيك ومحسومة.”
​ميادة فضلت مبلمة في كشوفات الحسابات.
​ولأول مرة من أول السهرة، ما بقاش عندها أي رد سريع أو ذكي تقولوا.
​بعدها حازم بص لي بعيون مليانة حيرة:
​”يا أمي.. هو حضرتك لسة بتبعثي لنا فلوس كل شهر لحد دلوقتي؟”
​بصيت في عينه بثبات.
​القرار ده أنا كنت أخدته الصبح قبل العشا، بس ما كنتش لسة قلت لأي حد فيهم.
​المستشار المالي بتاعي كان خلاص جهز كل الأوراق.
​وكان فيه تحويل أوتوماتيكي ميعاده نازل يوم الإثنين اللي جاي.
​حطيت إيدي فوق الفايل المقفول.
​وقلت بكل هدوء وثقة: “لا.. وده الجزء الوحيد في حياتي اللي يتغير من بكرة.”
​حازم اتثمر في مكانه وما تنفسش.
​وميادة لفت وشها ناحيته ببطء شديد وهي مرعوبة.
​وفجأة.. المليون وستمائة ألف جنيه اللي كانوا متطورحين على الترابيزة ما بقوش أصلًا أهم رقم في الأوضة…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *