بعد فرح ابني
بعد يومين بالظبط من فرح ابني، لقيت مدير القاعة بيكلمني وصوته بيرعش من الخوف: “يا حاج أحمد، احنا راجعنا كاميرات المراقبة وتاني.. لازم تيجي تشوف المهزلة دي بعينك.” وطلب مني أروحله لوحدي ومن غير ما أقول كلمة واحدة لمراتي.
”مراتك ومرات ابنك بيخططوا لموتك جوة قاعتي.”
ده الكلام اللي قالهولي مدحت، مدير قاعة السرايا في التجمع، بعد الفرح بيومين.
كنت لسه دافع شقى عمري كله في الليلة دي: حجز القاعة، وبوفيه العشاء لربعمية فرد، والدي جيه، وتورتة الفرح، وحتى فقرة السيرك والزفة الدمياطي. ومراتي، ماجدة، كانت واقفة في المطبخ بترص الورد في الفازات بكل برود، كأن البيت لسه فيه ريحة فرح.
— يا حاج أحمد —مدحت قالي بصوت واطي ومكتوم— أرجوك ما تفتحش الاسبيكر. تعالالي لوحدك.. وما تجيبش سيرة لمراتك.
حسيت بـ قشعريرة ضربت في ضهري كله.
مدحت مش راجل بتاع حوارات ولا دراما، ده ياما عدا عليه وزرا ومستشارين وعرايس مجانين وعائلات بتقوم ببعض خناق على الحساب، لما صوته يترعش كده يبقى في مصيبة سودة حصلت.
— أنا جايلك حالا —رديت عليه وأنا بحاول أجمع نفسي.
ماجدة بصتلي بطرف عينها وهي بتعدل الورد: “مين ده يا أحمد؟”
— ده الصيدلي —كدبت عليها— في مشكلة في دوا الضغط بتاعي ورايح أشوفها.
بصتلي ثانية زيادة عن اللعب، ثانية حسيت فيها بنظرة غريبة.. زمان كنت هقول دي نظرة خوف عليا، بس النهاردة شوفتها نظرة حسابات وترقب.
سوقت لحد القاعة في التجمع وأنا حاسس إن بطني بتتعصر. مدحت دخلني من الباب الوراني بتاع المطبخ وخدني علطول على أوضة الكاميرات اللي جمب المخزن، ما نطقش ولا كلمة، شغل الفيديو وبس.
على الشاشة ظهرت الصالون المقفول بتاع العروسة بعد ما المعازيم مشيت. مراتي دخلت وماشية بخطوات ثابتة وسريعة، مفيش فيها أي أثر للوجع اللي بتدعيه في ركبها لما تحب تخلي حد يقوم يقعدها في المترو أو الجامع. بعدها دخلت نادين، مرات ابني، بستانها الأبيض وفي إيدها كاس ساقع.
ماجدة صبت لنفسها ولحربايتها، ورفعت الكاس: “في صحة أغبى راجل في مصر كلها.”
نادين ضحكت بصوت عالي وخبطت كاسها في كاسها: “في صحة عم أحمد.. فرخة بكير اللي بتبيض دهب.”
أنا مسكت في ضهر الكرسي عشان ما أقعش.
فضلوا يتكلموا.. عن شقة مدينتي اللي كتبتها لـ حازم ابني هدية جوازهم، نادين بتقولها لازم نبيعها بسرعة عشان نسدد ديوني ونشتري شقة تانية في الزمالك، ويتكلموا عن شهادات الاستثمار باسم العيلة، اللي شقيت عشان أعملها في أربعين سنة شغل برة وجوا مصر، واللي مش هتتفك غير لما ييجي أول حفيد يحمل اسمي.
هنا نادين حطت إيدها على بطنها وقالت: “حازم فاكر البيبي ابنه.. يا عيني ده مبيعرفش يحسبها حتى.”
ماجدة هزت راسها وقالتلها بتحذير: “أوعي تخليه يطلب تحليل نسب، أحمد لو شك في حاجة هيضيعنا.”
النفس اتقطع مني.
بعدها نادين سألتها بخبث: “طب وهو حمايا ناوي يريحنا ويموت امتى بقى؟”
ماجدة شربت من كاسها بكل برود وقالت: “قريب قوي.. بقالي تلات أسابيع مغيراله أقراص القلب، وبحطله بودرة الديجوكسين مطحونة في عصير الفراولة اللي بيشربه كل يوم الصبح.. هييجي في يوم ينام ومش هيصحى، وساعتها كل حاجة هتبقى بتاعتنا.”
الدنيا لفت بيا والأوضة اسودت في عيني.
الست دي صلت معايا، وحجت معايا، وكانت بتقوم بالليل تغطيني لو الجو سقع، وبتسهر جمبي في المستشفيات.. وكل يوم الصبح كانت بتديني العصير بابتسامة وهي بتسممني في بطء.
بس الطعنة الكبيرة لسه ما جتش.
نادين قالت: “بس حازم طيب قوي يا طنط ونيته صافية زيادة عن اللزوم.”
ماجدة ضحكت ضحكة صفرا وقالت: “ما هو طالع لأبوه.”
نادين استغربت: “عم أحمد؟”
ماجدة ردت بسخرية: “لأ طبعاً.. حازم ابن منصور.”
منصور ربيع!
صاحب عمري، شريكي، الراجل اللي شهد على عقد جوازي، وشال ابني في سبوعه، واللي كان بياكل معايا على طبلية واحدة كل يوم جمعة بقالنا تلاتين سنة!
كنت هكسر الشاشة بإيدي، بس مدحت لحقني ومسكني جامد: “أهدى يا حاج أحمد، الفيديو ده هو كارتك الكسبان، دي مش خناقة بيوت، دي مؤامرة قتل.”
كان عنده حق، لو روحت البيت وصرخت، ماجدة هتقول للناس إني كبرت وخرفت وهيصدقوها.
طلعت تليفوني وكلمت المستشار فريد المحامي بتاعي علطول: “يا سيادة المستشار، افتحلي ملف جديد، وسميه ‘العد التنازلي’.. عايزك تجمدلي كل الحسابات، وتوقف شهادات الاستثمار، وتعمل حظر بيع على الشقة، وهاتلي دكتور تحاليل سموم يحلل عينة دم مني.. دورلي على مادة الديجوكسين.”
لما رجعت البيت، لقيت ماجدة واقفة في الصالة ومبتسمة، وفي إيدها كاس عصير فراولة ساقع ومشبر.
قربت مني بدلع ووداعة: “عملتلك عصيرك اللي بتحبه يا حبيبي.. أصلك مشربتهوش الصبح.”
خدت منها الكاس.
وبصيت في عينها وابتسمت.. وفي اللحظة دي، عرفت إن الست اللي بتنام في حضني بقالها سنين، كانت خلاص حفرت قبر الراجل اللي واقف قدامها دلوقتي.
مكنتش متخيل أبداً إيه اللي هيحصل في الساعات اللي جاية…
فضلت واقف مكاني، الكاس في إيدي، وعينيا في عينين ماجدة. العصير كان لونه أحمر قاني، زي الدـ,ـم اللي كان بيغلي في عروقي. لو كانت سألتني قبل الليلة دي بساعتين كنت هقول إنها ملاك، الست اللي عاشت معايا على الحلوة والمرّة، اللي استحملت سهر برا وجوا مصر وشقا الأيام لحد ما عملت القرشين اللي مأمنين حياتنا. لكن دلوقتي؟ كنت شايف قدامي وش تاني خالص، وش شيطان لابس قناع ملاك، ملامحها اللي كنت بشوفها طيبة بقت مكشوفة قدامي بكل غلّها وحساباتها الباردة.