هنظف واطبخ
«هَانظف. هَاطبخ.. أي حاجة». صوتها اتقطع في آخر كلمة. «أرجوك، أنا بس محتاجة أي حاجة أكل بيها ابني».
المية كانت نازلة من شعرها على وشها، ومكانش بإمكانها تقول لحد إيه اللي نزل ده مطر ولا دموعها.
استنت باب البيت يتقفل في وشها.
مقفلوش.
بص لها لفترة طويلة ووشه مبينش أي تعبير. وبعدين بص تحت للصرة اللي نايمة على صدره.
وقال: «ايده مطلعة بره».
«بيعمل كده دايماً».
«بقاله قد إبيه ما كلش؟ أكل حقيقي؟»
بلعت ريقها وقالت: «يومين».
«أنا مش طالبة فلوس»، قالتها بسرعة قبل ما هو يلحق يقول أي حاجة تانية. «والله أبداً. أنا ممكن أمسح الأرضيات، أنا ممكن—»
«أنا مَطلبتش منك فلوس».
متحركتش. فيه حزء جوه منها كان قرر أصلاً إن دي خدعة—النوع اللي بيدخلوك فيه الأوضة عشان الإهانة توجع أكتر، في أوضة دافية، وعلى أرض نظيفة.
نادى وهو مديها ضهره: «يا مديدة زينب».
ست كبيرة في السن لابسة جاردبيجان رمادي طلعت من جوه البيت من حتة بعيدة.
«دفي شوية لبن. أي حاجة تنفع للرضّع. شوفي الدولاب، شوفي الفريزر، كلمي أي حد لو لزم الأمر».
قالها من غير ما يعلي صوته خالص، وكانت هي بتتحرك وتنفذ فوراً.
البيت كان ريحته خشب أرز وملايات نظيفة. الأرضيات كانت متلمعة لدرجة إن نورا خافت تسيب أثر لرجلها المبلولة عليها. دخلها وقعدها على كرسي جنب شواية حطب والعة أصلاً، ورجع وقف تاني عند المدخل وهو حاطط إيديه في إيديه وبيتفرج على المطر وهو نازل على الممر.
مديدة زينب رجعت ومعاها ببرونة (رضّاعة) ملفوفة في فوطة.
إيد نورا كانت بتترعش جامد لدرجة إن الست الكبيرة اضطرت تثبت الببرونة مع ايدها عشان تعرف تمسكها.
تيو خدها كأنه نسي بيتاكل إزاي. وبعدين كأنه عمره ما ناوي يبطل.
بدأت تعيط وقتها، بجد، بس من غير صوت—الطريقة اللي بتعيط بيها لما تكون خلصت كل صراخك وما بقاش فيك صوت.
الراجل اللي كان واقف الناحية التانية من الأوضة مواساهاش. ومقالش أي كلمة حلوة. وقف هناك مربع إيديه وسابها تعيط براحتها.
ولما الببرونة خلصت، اتكلم أخيرًا.
«مديدة زينب شغال معايا من تسعتاشر سنة. وهي خلت شغلها فترات الصبح بس». وسكت شوية. «وأنا بقالي تلات أسابيع بقابل مكاتب توريد عمالة وكرِهت كل واحدة فيهم».
نورا مسحت وشها بظهر ايدها.
قال: «فيه استراحة ورا الجنينة. فيها سرير، ومطبخ، ودفاية شغالين. والقب أحسن بكتير مما تتخيلي، ومعاها دكتور خاص للطفل».