هنظف واطبخ
فضلت باصة له مصدومة.
«تبدأي من بكره».
«ليه؟»
وقال: «عشان انتِ طلبتِ شغل.. مش صدقة. شغل».
رجع رفع تليفونه تاني.
«أنا اسمي عادل وفيق. وانتِ اسمك إيه؟»
«نورا.. نورا بل».
هز راسه مرة واحدة، زي ما الراجل بيعمل لما ديليفري يوصل في معاده المظبوط، ورجع كمل اللي كان بيعمله.
كانت هتشكره.
وبعدين لفتت نظرها الصالة اللي وراه.
كان فيه فترينة (دولاب زجاجي) واقف جنب الحائط، وجواها مجسم—مجسم هندسي دقيق لناطحة سحاب، طوله قدمين، وكل شباك وبلكونة وتصميم معمولين بالايد بدقة، ومركبين على قاعدة سوداء سودة.
وكان فيه لافتة نحاسية صغيرة محطوطة في أسفل المجسم.
كانت عارفة الكلام اللي مكتوب على اللافتة قبل حتى ما تقرأه.
«برج وفيق».
إيديها تلجت من تاني، والمرة دي مكنش ليها أي علاقة بالمطر.
الفصل الثالث
نورا كانت خلاص مابقاش ينفع تؤجل اللي في بالها أكتر من كده.
جوزها ماركس بل (أو “ماهر”) كان راجل طيب وشغال شغلانة خطيرة مع مقاول من الباطن اسمه “شركة القادر للمقاولات والدبز”. وفي شهر مارس اللي فات، وهو شغال في الدور الواحد والأربعين في موقع بناء برج كبير في وسط البلد بالقاهرة، السقالة اتهزت ووقعت بيه.
قالوا لها في الأول إنها حادثة قضاء وقدر، وإن الراجل مات في ساعتها وماتعذبش. ولما سألتهم عرفتوا منين؟ محدش رد عليها بكلمة.
وبعدها بأسبوع، جيلها راجل ببدلة رمادي قعد معاها وقعد يكرر كلمة “عامل بأسلوب المقاولة” أربع مرات. وبحجة إنه مكنش موظف تعيين مباشر، مالوش أي حقوق، ولا تعويض، ولا تأمين. تأمين المقاول نفسه كان ملغي، والمقاول الرئيسي مش مسؤول، والشركة المالكة والمطورة ملهاش دعوة بالمقاولين من الباطن.
البرج ده كان اسمه “برج وفيق”.
على الصيف كانت خسرت الشقة اللي أجرها، وعلى سبتمبر خسرت العربية.
كتبت جوابات ورسايل لكل حد يخطر على بالها—للمطور، وللمقاول، وللنيابة، وللنقابة، ولمحامي لقت إعلانه في الجريدة—وكل رسالة كانت بترجع بنفس الرد الشيك اللي مفيش منه أي فايدة.
الورقة اللي كانت في قاع شنطتها كانت أملها الأخير.
كانت صورة من تقرير الحادثة، واحد من صحاب ماركس هرّبهالها وعلم على سطر واحد بالقلم الأزرق: حمل أمان السقالة اتخفض بعد التفتيش، وبعدها بيومين اترفع تاني من غير أي تفسير هندسي أو كتابي.
هي دي كانت كل الحكاية.. سطر واحد في صورة تقرير.
نورا راحت بيت عادل وفيق في الليلة المطرة دي عشان تحط الورقة دي في ايده وتواجهه باللي شركته عملته في عيلتها. كانت متخيلة الموقف ده بقالها أسابيع، ومجهزة كلامها ورسمت ردودها وشكلها وهي بتتكلم بكل كبرياء.
بس لما الراجل فتح الباب، وتيو ابنه كان صوابعه زرقا من السقعة، كل اللي قدر تطلبه هو الأكل والرحمة.
قالت لنفسها ساعتها إن الحقيقة ممكن تستنى لحد ما ابنها ياكل ويشبع، وبعدها قالت لنفسها تستنى لما تفهم الراجل ده مين بالظبط.
ودلوقتي هي واقفة في مطبخه، وابنها بيضحك على ايديه، ومقتنعة إنها مابقتش عارفة ازاي ترجع تاني للست اللي مشيت في الممر ده أول مرة.
الفصل الرابع
بعدها بثلاث ليالي، نورا خدت قرارها.
استنت لحد ما البيت كله ظلم، وراحت على مكتب عادل وفيق وفي ايدها الورقة.
النور كان والّاع جوه. وكان قاعد قدام مكتبه قدامه كاس محطوش فيه حاجة وصورة قديمة. ولما خبطت، مرفعش عينه وقال:
«كنت مستنيكي تيجي امتى».
دمها وقف في عروقها:
«أنت عارف اسمي؟»
«أنا أعرف اسم جوزك».
رفع عينه. كانت عينيه حمرا ومصحصحة وثابتة.
«ماهر بل. أربعة وثالتين سنة. شركة القادر للدبز». وقالب الصورة وحطها قدامها. «أنا قريت التقرير النهاردة بعد ما انتِ قلتيه في المطبخ، ومقدرتش أبطل أسمعه».
الصورة كانت لست شعرها غامق وبتضحك، وايدها على بطنها الكبيرة من الحمل.
نورا بصت للصورة وبعدين بصتله.
«لازم أقولك حاجة»، قالها. «أنا عندي قاعدة. مابقرش تقارير الحوادث من المقاولين من الباطن. مدير العمليات بتاعى هو اللي بيراجعها. جلال بركات». قال الاسم بنبرة ناشفة لشخص اتعامل معاه سنين طويلة من غير ما يحس بطعمه. «وثقت فيه اثنتا عشرة سنة، وعمري ما راجعت وراه شغله».
وقف.
«وأنا براجع شغله دلوقتي. وقبل ما أعمل كده، لازم تعرفي أنا هلاقي إيه».
«إيه؟»
«حاجة عمري ما هسامح نفسي عليها».
ماتنامش الليلية دي. ولا هي كمان نامت. قعدت في الاستراحة واللمبة منورة وعينها على شباك المكتب المنور جوه الجنينة، وعلى الساعة تلاتة الفجر عربية دخلت الممر ونزل منها راجلين شايلين كراتين فيها ملفات وراء بعض في المطر.
وعلى الساعة خمسة، شافته واقف قدام الشباك وماسك تليفون على ودنه من غير ما يتكلم، بس بيسمع اللي على الناحية التانية.
اليوم اللي بعده مسافرش الشغل.
قفل على نفسه في المكتب مع “خالد” – السواق الهادئ اللي اكتشفت إنه كان مراجع حسابات شاطر قبل ما يبقى صديق عادل وفيق – وطلعوا عند الغروب وشهم اصفر من التعب.
لقاها في المطبخ وطلب منها تقعد.
«اللي أعرفه كالتالي»، قالها.
وحط قدامها ورقة حسابات على الترابيزة.
«شركة القادر كانت رخيصة. عشان كده اختاروهم. جلال وافق عليهم وسط عرضين أحسن منهم، وادعى إننا هنوفر فلوس». وخبط بصوبعه على عمود أرقام. «أنا لقيت الفلوس اللي اتوفرت دي راحت فين. دخلت حساب تاني مبيخصش الشركة. على مدار أحد عشر شهرا، ما يقارب أربعة مليون جنيه».
وقف وضغط بصوبعين على عينيه جامد.
«وتقرير الأمان اللي اعدل واترفع لفوق. هو اللي مضاه بنفسه. المنصة فشلت في الاختبار الأساسي، وكان محتاج الجدول الزمني يثبت قدام المستثمرين».
نورا بصت للأرقام، وفي نفس الوقت كانت تعني لها كل حاجة ولا شيء خالص.
كانت فاكرة إنها عاوزة اللحظة دي. كانت فاكرة إن سماع الحقيقة هيبقى زي الباب لما يتفتح.
لكن حسيت إنها واقفة في الظلمة وبيتأكدوا لها إن الأرض اللي تحتها مكنش ليها وجود أصلاً.
«قتل جوزي عشان جدول زمني!»
«خد قرار قتل جوزك.. وبعدين دفن الجريمة». عادل وفيق مجمّلش الكلام. «وأنا الراجل اللي إداله الصلاحية يعمل كده».
بصتله ساعتها بجد.
مطلبش السماح. كان واقف وسط ركام عمايله وبس.
«ليه الأوضة اللي فوق كانت مقفولة؟»
متعرفش هي قالتها ليه، بس ده كان السؤال اللي شايلاه في قلبها بقالها أسابيع.
لفترة طويلة افتكرت إنه مش هيرد.
«مراتي كانت اسمها ألينا»، قالها.
«من سنتين كنا على بعد ست أيام من معاد الولادة. حصلت مضاعفات بليل. على ما وصلتها المستشفي كنت ماسك بطانية بنتي، ومكنش حد فيهم بيتنفس».
قالها بنبرة ميتة ومنتظمة – صوت راجل بيقرا مستند بصوت عالي.
«كنت في اجتماع مجلس إدارة لما كلمتني. تليفوني كان على الصامت. وشفت المكالمة بعدها بأربعين دقيقة».
نورا متكلمتش.
«أنا بنيت حاجات طول عمري يا نورا، عشان البنايات مابتسيبكيش وتمشي». ووشه اتأثر. «وحطيت راجل زي جلال مسؤول عن الحاجات اللي مش عايز أبص عليها. كنت فاكر دي هي القوة.. إنك مضطرش تبص أصلاً».
بص لصورة الست اللي بتضحك.
«لما وقفتِ على بوابتي بتستعطيني لبن، قلت لنفسي إني بساعدك». وسكت. «أعتقد إني كنت بس بحاول أشتري الأربعين دقيقة اللي فاتوا دول».
كان المفروض تقول كلمة حكيمة.
بس مكنش عندها أي حكمة.
مدت ايدها عبر الترابيزة وحطت ايدها على ايده.
بصلها كأنه نسي إن الأيدي ممكن تعمل كده.
بعدين تليفونه زمر.
رقم متعرفهوش. سطر واحد مكتوب فيه:
ابعد عن بيت وفيق النهاردة وخد اللي في الظرف اللي على عتبتك. والا ماهر بل ميكونش الوحيد اللي العيلة دي هتدفنه.
الفصل الخامس
مكنتش قادرة تاخد نفسها.
عادل وفيق خد التليفون من ايدها وقراه، وشافت حاجة فيه اتغيرت. مش غضب، الغضب بيبقى سخن. دي كانت برودة ونقاء ویقین مطلق.
«إزاي عرف إني هنا؟» همست.
وكان بيتحرك ناحية الشباك.
«عشان جلال عارف مكانك بالظبط من الليلة اللي جيتِ فيها».
وملفش.
«خالد جاب فيديو الكاميرات الصبح. عارف مين كلم البيت ده بعد اثنتي عشرة دقيقة من ما ضربتي الانتركوم؟»
بطنها نزلت.
«كان بيراقبني من أول يوم!»
«من قبل أول يوم حتى»، وبص لها أخيرًا. «فيه حاجة تاني لقيتها في الملفات. جلال مكنش بس عارف اسم جوزك».
سكت شوية.
«قبل الحادثة بتلات أسابيع، ماهر قدم شكوى رسمية مكتوبة عن المنصة دي. وراحت مكتب جلال مباشرة. وبعدين اختفت».
والظرف كان محطوط على عتبة الاستراحة الصبح، ناشف وكأنه اتحط تحت حاجة تداريه.
وجواه عشرين ألف دولار كاش وعقد سري. وكان اسمها مكتوب مطبوع على مكان التوقيع.
وقفت فوقه على النجيل والهواء بيشد في هدومها، وفهمت بوضوح خلا إيدها تترعش، إن ده تمن حياة جوزها.. عشرين ألف دولار ووعد بالسكوت.
عادل وفيق مقلهاش تعمل إيه بالظبط.
ودي الحاجة اللي هتقعد تفكر فيها سنين بعد كده.. كان يقدر يتحكم في كل حاجة، ومعاه المحامي والفلوس والرجالة اللي بيشيلوا الكراتين بالليل.
لكن بدل ما يعمل كده، وقف جنبها على النجيل وهو لابس قميصه وقال بهدوء:
«القرار ليكي.. وإيه ما تختاريه، أنا في ضهرك».
«لو مضيت، هنبقى في أمان»، صوتها كان ضعيف. «وتييو هيبقى في أمان.. يمكن».
«يمكن».
«ولو مضيتش، يبقى جلال عرف إنك بقيت مشكلة». وأخد نفس. «ومش هكدب وأقول إن ده مفيش وراه خطر».
بص على الجنينة.
«لكن لو مضيتِ، الحاجة دي هتحصل لجوز ست تانية السنة الجاية أو اللي بعدها. الناس اللي زيه مبيوقفوش عشان دفعوا لهم تمن سكوتهم.. دول بيوقفوا لما مبيلاقوش مكان يهربوا له».
نورا بصت على شباك الاستراحة، حيث النور الليلة اللي اشترته لتيو كان منور أصفر وسط الظلمة.
وفكرت في خط إيد ماهر في الشكوى اللي مفيش حد قراها.
وفكرت في الطريقة اللي كان بيغنيم بيها وهو بيربط جزمته.
قطعت العقد نصين.. وبعدين نصين كمان. والهواء خد القطع ووزعها في الجنينة.
عادل وفيق هز راسه مرة واحدة.
«إذن.. هنعمل كده صح».
واللي جه بعد كده أسبوع مكنش ممكن توصفه كويس عشان كان ضبابي.
المحامين وصلوا نص الليل ومشيوا الفجر. ست من وزارة القوى العاملة قعدت في المطبخ مع قهوة مديدة زينب وبصلة صارمة زي الحديد. ومحقق فدرالي سألها نفس السؤال بارت طرق مختلفة وجاوبت أربع مرات، وفي المرة التالتة عيطت وكملت إجابة برضه.
ووسط ده كله، عادل وفيق فضل في البيت.
ولأول مرة من ساعة ما قابلته، حست إنه مكنش مستخبي في شغله. كان موجود وبس. قاعد في الأوضة مع المحامين وبيجاوب على التليفون وبيعمل المكالمات بنفسه بدل ما يخلي حد تاني يعملها.
وكان فيه تمن، ومكنش فاهمة قده إيه لحد ما خالد شرحه لها في الليلة الخامسة.
برج وفيق كان مركز صفقة دمج عملاقة.
ولو عادل وفيق راح للسلطات، الصفقة – اللي باقي شهور على إغلاقها وتسوى أكتر ما نورا تتخيل – هتنهار، والمستثمرون هيسحبوا فلوسهم، ومجلس الإدارة هيشيله من شركته.
كل حاجة بناها من وهو عنده تلات وعشرين سنة هتضيع.
لاقته في المكتب بليل، واقف قدام الشباك والأنوار مطفية.
«مش لازم تعمل كده»، قالت له.
كان غريب إنها هي اللي بتقول كده.
«تقدر تحلها بهدوء. تصلح قواعد الأمان. تدفع لنا.. ومحدش هيعرف».
«وأنتِ؟» سألها. «أنتِ كنتِ هتعرفي؟»
متكلمتش.
لف في الضلمة، وكان شكله أصغر وأكثر تعباً من أي وقت شافته فيه.
«لما ألينا ماتت، قلت لنفسي مفيش حاجة ممكن تكلفني أكتر من كده». وأخد نفس بطيء. «كنت غلطان. التمن بيكمل سنين قدام.. وهو إني أبقى الراجل اللي مبيبصش أبدأ».
وبص للشباك.
«ماهر قدم شكوى. وحد شغال عندي رماها في الزبالة. ولو حميت الشركة ودفنت الموضوع ده، يبقى أنا اللي رميتها».
كان فيه صوت بره. عربية على الزلط.. وبعدها تاني.
خالد ظهر في الباب مشدود.
«جلال هنا»، قال. «لوحده. وبيقول إنه عايز يتكلم».
عادل وفيق بص لنورا.
«خليكي في الاستراحة».
ومعملتش كده.
وقفت في ظلمة الطرقة، قريبة بما يكفي عشان تسمع، وتيو نايم على كتفها.
جلال بركات كان أصغر مما تخيلته. لابس بالطو شيك وابتسامة تعبانة، وقعد في الصالون زي راجل رايح بيته.
«يا عادل.. اثنتا عشرة سنة»، وفرد ايديه. «افتكر إني استاهل محادثة قبل ما تولع في المبنى كله».
«قول اللي جيت عشانه».
«جيت أنقذك»، جلال رجع بضهره لورا. «فاكر إن فيه حد هيشكرك على ده؟ مجلس الإدارة هيعلقك. والست اللي في الاستراحة هتاخد تعويضها، وأنت هتاخد وثائقي عنك في التلفزيون». وهز كتفه. «أنا ممكن أخلي كل ده يختفي. تبرع.. صندوق هادئ للأرملة. وكل واحد يروح لحاله».
«ماهر بل كتبلك جواب»، عادل وفيق قالها بهدوء.
ابتسامة جلال متتحركتش.. بس عينيه اتحركت.
كانت ومضة نص ثانية، وفي الومضة دي نورا شافت راجل عارف بالظبط هو عمل إيه وعارفه كل يوم من شهر مارس.
«قريت بريدي؟» قال جلال.
«قريت بتاعه».
الصمت طول.
وبعدين جلال قام وزرّر بالطوه.
«هتندم على ده»، قالها تقريباً برقة. «مراتك كانت هتتكسف من طريقتك في التعامل مع حزنك».
نورا عمرها ما شافت بني آدم بيتحرك بالسرعة دي.
عادل وفيق قطع الأوضة قبل ما ترمش، وخالد مسك دراعه وثبته، وللحظة الثلاثة تجمّدوا – جلال بالطوه مفكوك نص زراير، وخالد مسيطر، وعادل وفيق بينهج وصوت ايده بتترعش جنبه.
مضربهوش.
لكن قال بصوت واطي جداً كادت تسمعه بالعافية:
«ما تنطقش اسمها في البيت ده».
جلال مشي.
وعلى الباب، بص لفوق على السلم – على ظلالها بالظبط في الطرقة – وابتسم.
الفصل السادس والأخير
ماتنامش الليلة دي كمان.
قعدت في الاستراحة واللمبة منورة وسرير تيو جنب سريرها، وسمعت صوت البيت اللي جوه الجنينة، وفكرت في إيه اللي بيكلفه الراجل لما يدخل أوضة مليانة كاميرات ويقول حاجة حقيقية.
وفي الليلة الرابعة، لقت عادل وفيق في المطبخ الساعة اتنين الفجر، واقف قدام الرخامة وماسك كاس مية مش بيشرب منه.
«كنت تقصدها؟» سالته.
«أقصد إيه».
«كل ده. الشكوى.. الأربعة مليون.. إنك هتقف في ضهرنا».
بص لها لفترة طويلة.
«قضيت اثني عشرة سنة وأنا الراجل اللي مش مضطر يبص أصلاً»، قال. «وكنت حابب أعرف شعور الواحد لما يبقى بني آدم تاني. حتى لو كلفني الشركة».
«ولو كلفك أكتر من الشركة؟»
مردش على دي.
لكن حط المية وسحب لها كرسي على ترابيزة المطبخ، وقعدوا هناك في الضلمة ساعة كاملة من غير ما يقولوا كلمة، واللي فهمته وقتها إن دي كانت طريقته في قول الحاجة اللي مينفعش تتقال.
الإعلان جه يوم اتنين رمادي في ديسمبر.
نورا اتفرجت عليه على التلفزيون الصغير في مطبخ مديدة زينب وتيو على حجرها ومديدة واقفة وراها وايدها على بقها.
عادل وفيق كان واقف على منصة قدام حيطة مليانة كاميرات. مكنش لابس كرافتة. ومقراش من ورق مكتوب.
قال إن شركة وفيق للتطوير بتسلم الأدلة تطوعاً للسلطات الحكومية والفدرالية بخصوص تزوير تقارير الأمان في موقع بناء برج وفيق.
وقال إن عامل اسمه ماهر بل قدم شكوى أمان مكتوبة عن المنصة اللي وقعت، وإن الشكوى دي اترمت واتحجبت بالعمد.
وقال إن العامل ده مات نتيجة لكده، وإن مسؤولية الموت ده بتقع على عاتق نائب رئيس الشركة – وأعلى من كده، على المدير التنفيذي اللي مَبصش كويس كفاية عشان يوقفها.
«المدير التنفيذي ده هو أنا»، قالها.
الأوضة اتقلبطت.
كمل كلام وهو متجاوز الضوضاء:
«أنا مستقيل، وبتدخل حيز التنفيذ من النهاردة».
وأعلن إن صفقة الدمج اتلغت. وأعلن عن إنشاء صندوق، مدعوم بأصوله الشخصية، لتعويض عائلات كل عامل اتصاب أو مات تحت عقود شركة القادر مرورا بست سنين فاتت.
كان فيه أربع عشرة عائلة. المحققين لقوهم كلهم.
ومذكرش اسم نورا، وكانت ممتنة لده، ومقالتلوش كده أبداً.
وفي النهاية خالص، قال حاجة كمان:
«ست جت على باب بيتي الخريف ده وطلبت لبن لطفلها. أنا مديون لها بكتير أكتر ما الشركة ممكن تردّه».
مديدة زينب كانت بتعيط بوضوح.
نورا مكنتش قادرة. كانت حاضنة تيو في صدرها وبتتفرج على الراجل اللي وقف معاها في المطر بكل الطرق الممكنة.
جلال بركات اتقبض عليه بعدها بتسعة أيام في مطار خاص وجنطه مجهزة وحسابه في بلد تاني.
ودفتر الحسابات اللي خالد تتبعه كان فيه أسماء، والأسماء دي وصلت لناس أعلى من جلال نفسه – لعضوين في مجلس الإدارة كانوا عارفين بالفلوس المحولة ومفتحوش بقهم.
الجرايد سمت اللي حصل “انهيار”.
نورا فكرت في المنصة وهي بتوقع وراجل بيقع، وفهمت الكلمة دي بشكل تاني خالص.
جه الاستراحة الليلة دي.
مكانش لابس بالطو. ولأول مرة من ساعة ما قابلته، كان شكله زي راجل مابقش عنده أي حاجة يمسك فيها.
«مجلس الإدارة صوت»، قال. «أنا برة». وسكت شوية. «البيت ده بقى ملكي. وشوية فلوس بقوا ملكي. وكل حاجة تاني رايحة للصندوق».
حاول يبتسم وعملها بالعافية.
«بيقولوا دي اسمها بداية جديدة».
«أنت كويس؟»
«لأ»، قالها.
كانت دي أكتر إجابة صادقة سمعتها منه في تلات شهور.
«لكن أخف. مكنتش أعرف إني أقدر أبقى خفيف كده».
بعدت وسابتها يدخل.
قعدوا على الترابيزة الصغيرة اللي قضت عليها ليالي كتيرة، وبعد شوية حطت الورقة المتدنية قدامه – تقرير الحادثة الأصلي، طري من كتر المسك والأطراف متنت.
وعلى الظهر، بخط إيد ماهر، كان فيه سطر عمرها ما قالت عليه لحد.. كان كاتبه لنفسه أسابيع قبل ما يموت:
لو حصل حاجة.. حد هيقرا ده ويصلحه.
عادل وفيق قراها مرتين.
وبعدين حط ايده مفرودة عليها، زي ما حط ايده على باب النسر.
«فيه حد عمل كده فعلاً»، قالت نورا.
متكلمش.
ومقدرش.
وحست إن دي اللحظة اللي بطلت تخاف فيها منه، وبطلت تشوفه الراجل اللي بيملك المبنى اللي قتل جوزها.
بقى راجل.. أخيرًا فتح باب مقفول.